Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Saba 34:14–24
34:14Page 429
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ: عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ما دَلَّهُمْ﴾ أيِ: الجِنُّ أوْ آلُهُ.
﴿عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيِ: الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها، يُقالُ: أرَضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرْضًا فَأرِضَتْ أرْضًا، مِثْلَ أكَلَتِ القَوارِحُ أسْنانَهُ أكْلًا فَأكِلَتْ أكْلًا.
﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ أيْ: عَصاهُ مِن نَسَأْتُ البَعِيرَ إذا طَرَدْتَهُ؛ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها ما يُطْرَدُ. وقُرِئَ: (مِنساتَهُ) بِألِفِ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وبِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وبِإخْراجِها بَيْنَ بَيْنَ عِنْدِ الوَقْفِ. و (مِنساءَتَهُ) عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مِيضَأةٍ، ومِن ساتِهِ، أيْ: مِن طَرَفِ عَصاهُ مِن سَأةِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ بِالكَسْرِ والفَتْحِ، وقُرِئَ: (أكَلَتْ مِنساتَهُ) ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ مِن تَبَيَّنْتُ الشَّيْءَ إذا عَلِمْتَهُ بَعْدَ التِباسِهِ عَلَيْكَ، أيْ: عَلِمَتِ الجِنُّ عِلْمًا بَيِّنًا بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أيْ: أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَما وقَعَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ. أوْ مِن تَبَيَّنَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ وتَجَلّى، أيْ: ظَهَرَتِ الجِنُّ. وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ، أيْ: ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ "لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ"... إلَخْ. وقُرِئَ: (تُبَيِّنَتِ الجِنُّ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ المُتَبَيِّنَ في الحَقِيقَةِ هو أنْ مَعَ ما في حَيِّزِها؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ. وقُرِئَ: (تَبَيَّنَتِ الإنْسُ) والضَّمِيرُ في كانُوا لِلْجِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ﴾ . وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ). رُوِيَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسَّسَ بُنْيانَ بَيْتِ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى فَتُوُفِّيَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فاسْتَعْمَلَ فِيهِ الجِنَّ والشَّياطِينَ، فَباشَرُوهُ حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ وعَلِمَ بِهِ، سَألَ رَبَّهُ أنْ يُعْمِيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ حَتّى يَفْرَغُوا مِنهُ، ولِتَبْطُلَ دَعْواهم عِلْمَ الغَيْبِ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ. فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها فَبَقِيَ كَذَلِكَ، وهم فِيما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأعْمالِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ فَخَرَّ مَيْتًا، وكانَتِ الشَّياطِينُ تَجْتَمِعُ حَوْلَ مِحْرابِهِ (p-127)أيْنَما ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ الشَّيْطانُ في صَلاتِهِ إلّا احْتَرَقَ فَمَرَّ بِهِ يَوْمًا شَيْطانٌ فَنَظَرَ، فَإذا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ خَرَّ مَيْتًا، فَفَتَحُوا عَنْهُ فَإذا عَصاهُ قَدْ أكَلَها الأرَضَةُ، فَأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ مِنها في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِقْدارًا، فَحَسِبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً. مَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وبَقِيَ في مُلْكِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ.
34:15Page 430
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ بَيانٌ لِإخْبارِ بَعْضِ الكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ أحْوالِ الشّاكِرِينَ لَها، أيْ: لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وقُرِئَ بِمَنعِ الصَّرْفِ عَلى أنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ، وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا، ولَعَلَّهُ إخْراجٌ لَها بَيْنَ بَيْنَ ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ كالمَسْجِدِ، وقُرِئَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، أيْ: مَواضِعِ سُكْناهم. وهي بِاليَمَنِ. يُقالُ لَها مَأْرِبُ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيالٍ.
﴿آيَةٌ﴾ دالَّةٌ بِمُلاحَظِهِ أحْوالِها السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ القادِرِ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ المُجازِي لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ، مُعاضَدَةً لِلْبُرْهانِ السّابِقِ، كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي جَنَّتانِ. وفِيهِ مَعْنى المَدْحِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِهِما جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جَماعَةٌ يَمِينَ بَلَدِهِمْ، وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِن تَيْنَكِ الجَماعَتَيْنِ في تَقارُبِهِما وتَضامِّهِما، كَأنَّهُما جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ.
﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ تَكْمِيلًا لِلنِّعْمَةِ، وتَذْكِيرًا لِحُقُوقِها. أوْ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ الحالِ، أوْ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما يُوجِبُ الشُّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ، أيْ: بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم ما فِيها مِنَ الطَّيِّباتِ، وطَلَبَ مِنكُمُ الشُّكْرَ رَبٌّ غَفُورٌ لِفُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ، وقُرِئَ الكُلُّ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قِيلَ: كانَ أطْيَبَ البِلادِ هَواءً، وأحْصَبَها، وكانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ فَتَعْمَلُ بِيَدَيْها، وتَسِيرُ فِيما بَيْنَ الأشْجارِ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِمّا يَتَساقَطُ فِيهِ مِنَ الثِّمارِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن مُؤْذِياتِ الهَوامِّ شَيْءٌ.
34:16Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
﴿فَأعْرَضُوا﴾ عَنِ الشُّكْرِ بَعْدَ إبانَةِ الآياتِ الدّاعِيَةِ لَهم إلَيْهِ، قِيلَ: أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ تَعالى، وذَكَّرُوهم بِنِعَمِهِ، وأنْذَرُوهم عِقابَهُ فَكَذَّبُوهم.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ: سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ. أيِ: الصَّعْبَ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ. وقِيلَ: العَرِمُ جَمْعُ عُرْمَةٍ، وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ. وقِيلَ: هو السُّكْرُ الَّذِي يَحْبِسُ الماءَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْبِناءِ الَّذِي يُجْعَلُ سَدًّا، وقِيلَ: هو البِناءُ الرَّصِينُ الَّذِي بَنَتْهُ المَلِكَةُ بِلْقِيسُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالصَّخْرِ والقارِ، وحَقَنَتْ بِهِ ماءَ العُيُونِ والأمْطارِ، وتَرَكَتْ فِيهِ خُرُوقًا عَلى ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في (p-128)سِقْيِهِمْ، وقِيلَ: العَرِمُ الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ السَّدَّ، وهو الفَأْرُ الأعْمى، الَّذِي يُقالُ لَهُ الخَلْدُ. سَلَّطَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سَدِّهِمْ فَنَقَبَهُ فَغَرَّقَ بِلادَهُمْ، وقِيلَ: العَرِمُ اسْمُ الوادِي. وقُرِئَ: (العَرْمِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، قالُوا: كانَ ذَلِكَ في الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى والنَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ أيْ: أذْهَبْنا جَنَّتَيْهِمْ، وآتَيْناهم بَدَلَهُما.
﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ أيْ: ثَمَرٍ بَشِعٍ؛ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أخَذَ طَعْمًا مِن مَرارَةٍ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ. وقِيلَ: هو الحامِضُ والمُرُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُقالُ لَها: فَسْوَةُ الضَّبْعِ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِها، وقِيلَ: هو الأراكُ، وكُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ. والتَّقْدِيرُ: أُكُلٍ أُكُلِ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ. وقُرِئَ: (أُكُلِ خَمْطٍ) بِالإضافَةِ وبِتَخْفِيفِ أُكُلٍ.
﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى أُكُلٍ لا عَلى خَمْطٍ فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ، وقِيلَ: شَجَرٌ يُشْبِهُهُ أعْظَمُ مِنهُ، ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئَ: (وَأثْلًا) و (شَيْئًا) عَطْفًا عَلى جَنَّتَيْنِ. قِيلَ: وصَفَ السِّدْرَ بِالقِلَّةِ لِما أنْ جَناهُ، وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ، ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ. والصَّحِيحُ أنَّ السِّدْرَ صِنْفانِ: صِنْفٌ يُؤْكَلُ مِن ثَمَرِهِ، ويُنْتَفَعُ بِوَرَقِهِ لِغَسْلِ اليَدِ. وصِنْفٌ لَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ أصْلًا، ولا يُنْتَفَعُ بِوَرَقِهِ، وهو الضّالُّ. والمُرادُ هَهُنا هو الثّانِي حَتْمًا. وقالَ قَتادَةُ: كانَ شَجَرُهم خَيْرَ الشَّجَرِ فَصَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَرِّ الشَّجَرِ بِأعْمالِهِمْ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.
34:17Page 430
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ رُتْبَتِهِ في الفَظاعَةِ، ومَحَلُّهُ عَلى الأوَّلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، وعَلى الثّانِي النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، أيْ: ذَلِكَ الجَزاءُ الفَظِيعُ جَزَيْناهم لا جَزاءٌ آخَرُ، أوْ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ جَزَيْناهم لا غَيْرُهُ.
﴿بِما كَفَرُوا﴾ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ نَزَعْناها مِنهُمْ، ووَضَعْنا مَكانَها ضِدَّها، أوْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ.
﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ أيْ: وما نَجْزِي هَذا الجَزاءَ إلّا المَبالِغَ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ، وقُرِئَ: (يُجازِي) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وهَلْ يُجازى عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الكَفُورِ. وهَلْ يُجْزى عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا. وهَذا بَيانُ ما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ الحاضِرَةِ في مَساكِنِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الجَزاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
34:18Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ حِكايَةٌ لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ البادِيَةِ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ وما حاقَ بِهِمْ، بِسَبَبِ ذَلِكَ تَكْمِلَةً لِقِصَّتِهِمْ، وبَيانًا لِعاقِبَتِهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ الكُلُّ مَعًا لِما في التَّثْنِيَةِ، والتَّكْرِيرُ مِن زِيادَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وهو عَطْفٌ عَلى "كانَ لِسَبَأٍ" لا عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ النّاطِقَةِ بِأفْعالِهِمْ، أوْ بَأجْزِيَتِها، أيْ: وجَعَلَنا مَعَ ما آتَيْناهم في مَساكِنِهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ بَيْنَهُمْ، أيْ: بَيْنَ بِلادِهِمْ، وبَيْنَ القُرى الشّامِيَّةِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ.
﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ مُتَواصِلَةً يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِتَقارُبِها فَهي ظاهِرَةٌ لِأعْيُنِ أهْلِها، أوْ راكِبَةٌ مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِلسّابِلَةِ غَيْرَ بَعِيدَةٍ عَنْ مَسالِكِهِمْ حَتّى تَخْفى عَلَيْهِمْ.
﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ: جَعَلْناها في نِسْبَةِ بَعْضِها (p-129)إلى بَعْضٍ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ يَلِيقُ بِحالِ أبْناءِ السَّبِيلِ. قِيلَ: كانَ الغادِي مِن قَرْيَةٍ يُقِيلُ في أُخْرى، والرّائِحُ مِنها يَبِيتُ في أُخْرى إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ. كُلُّ ذَلِكَ كانَ تَكْمِيلًا لِما أُوتُوا مِن أنْواعِ النَّعْماءِ، وتَوْفِيرًا لَها في الحَضَرِ والسَّفَرِ.
﴿سِيرُوا فِيها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: وقُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى.
﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ أيْ: مَتى شِئْتُمْ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ.
﴿آمِنِينَ﴾ مِن كُلِّ ما تَكْرَهُونَهُ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا فِيها آمِنِينَ وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ لَيالِيَ وأيّامًا كَثِيرَةً، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ لَكِنْ لا عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ عَلى تَنْزِيلِ تَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّيْرِ المَذْكُورِ، وتَسْوِيَةُ مَبادِئِهِ وأسْبابِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مَنزِلَةُ أمْرِهِمْ بِذَلِكَ.
34:19Page 430
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩
But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ وقُرِئَ: (يا رَبَّنا) بَطَرُوا النِّعْمَةَ، وسَئِمُوا أطْيَبَ العَيْشِ، ومَلُّوا العافِيَةَ، فَطَلَبُوا الكَدَّ والتَّعَبَ، كَما طَلَبَ بَنُو إسْرائِيلَ الثُّومَ والبَصَلَ، مَكانَ المَنِّ والسَّلْوى. وقالُوا: لَوْ كانَ جَنى جِنانِنا أبْعَدَ لَكانَ أجْدَرَ أنْ نَشْتَهِيَهُ، وسَألُوا أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ وقِفارًا لِيَرْكَبُوا فِيها الرَّواحِلَ، ويَتَزَوَّدُوا الأزْوادَ، ويَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ. فَعَجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الإجابَةَ بِتَخْرِيبِ تِلْكَ القُرى المُتَوَسِّطَةِ، وجَعَلَها بَلْقَعًا لا يُسْمَعُ فِيها داعٍ ولا مُجِيبٌ. وقُرِئَ: بَعْدَ ورَبِّنا: بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا، وبَعُدَ بَيْنُ أسْفارِنا، عَلى النِّداءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى بَيْنَ، ورَفْعُهُ بِهِ. كَما يُقالُ: سِيرَ فَرْسَخانِ، وبُوعِدَ بَيْنَ أسْفارِنا. وقُرِئَ: رَبَّنا (باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا) و (بَيْنَ سَفَرِنا). و "بَعَّدَ" بِرَفْعِ "رَبُّنا" عَلى الِابْتِداءِ، والمَعْنى عَلى خِلافِ الأوَّلِ، وهو اسْتِبْعادُ مَسايِرِهِمْ مَعَ قِصَرِها، أوْ دُنُوِّها، وسُهُولَةِ سُلُوكِها لِفَرْطِ تَنَعُّمِهِمْ، وغايَةِ تَرَفُّهِهِمْ، وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهم يَتَشاجُّونَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَتَحازَنُونَ عَلَيْهِ.
﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلسُّخْطِ والعَذابِ، حِينَ بَطَرُوا النِّعْمَةَ أوْ غَمَطُوها.
﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ: جَعَلْناهم بِحَيْثُ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِن أحْوالِهِمْ، ومُعْتَبِرِينَ بِعاقِبَتِهِمْ ومَآلِهِمْ.
﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم كُلَّ تَفْرِيقٍ عَلى أنَّ المُمَزَّقَ مَصْدَرٌ، أوْ كُلَّ مَطْرَحٍ ومَكانَ تَفْرِيقٍ، عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ. وفي عِبارَةِ التَّمْزِيقِ الخاصِّ بِتَفْرِيقِ المُتَّصِلِ وخَرْفِهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ، والدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ التَّأْثِيرِ، والإيلامِ ما لا يَخْفى، أيْ: مَزَّقْناهم تَمْزِيقًا لا غايَةَ وراءَهُ بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهِ الأمْثالُ في كُلِّ فِرْقَةٍ لَيْسَ بَعْدَها وِصالٌ، حَتّى لَحِقَ غَسّانُ بِالشّامِ، وأنْمارُ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ. وأصْلُ قِصَّتِهِمْ عَلى ما رَواهُ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ مِن أوْلادِ سَبَأٍ، وبَيْنَهُما اثْنَيْ عَشَرَ أبًا. وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: مِزِيقْيا بْنُ ماءِ السَّماءِ أخْبَرَتْهُ طَرِيفَةُ الكاهِنَةُ بِخَرابِ سَدِّ مَأْرَبٍ، وتَفْرِيقِ سَيْلِ العَرِمِ الجَنَّتَيْنِ. وعَنْ أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ أنَّ عَمْرًا رَأى جُرُزًا يَفِرُ السَّدَّ، فَعَلِمَ أنَّهُ لا بَقاءَ لَهُ بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ كاهِنًا، وقَدْ عَلِمَهُ بِكَهانَتِهِ، فَباعَ أمْلاكَهُ، وسارَ بِقَوْمِهِ، - وهم أُلُوفٌ - مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ وأهْلِها جُرْهُمَ، وكانُوا قَهَرُوا النّاسَ، وحازُوا وِلايَةَ البَيْتِ عَلى بَنِي إسْمَعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ. فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ ثَعْلَبَةَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ عامِرٍ يَسْألُهُمُ المَقامَ مَعَهم إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ رُوّادُهُ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى أصْقاعِ البِلادِ يَطْلُبُونَ لَهُ مَوْضِعًا (p-130)يَسَعُهُ، ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ فَأبَوْا، فاقْتَتَلُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ فانْهَزَمَتْ جُرْهُمُ، ولَمْ يَفْلِتْ مِنهم إلّا الشَّرِيدُ، وأقامَ ثَعْلَبَةُ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها في قَوْمِهِ وعَساكِرِهِ حَوْلًا. فَأصابَتْهُمُ الحُمّى فاضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، وقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ رُوّادُهُ، فافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ. فِرْقَةٌ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ عُمانَ وهُمُ الأُزْدُ، وكِنْدَةُ، وحِمْيَرُ، ومَن يَتْلُوهم. وسارَ ثَعْلَبَةُ نَحْوَ الشّامِ فَنَزَلَ الأوْسُ والخَزْرَجُ ابْنا حارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بِالمَدِينَةِ، وهُمُ الأنْصارُ. ومَضَتْ غَسّانُ فَنَزَلُوا بِالشّامِ، وانْخَزَعَتْ خُزاعَةُ بِمَكَّةَ فَأقامَ بِها رَبِيعَةُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ، وهو لُحَيٌّ. فَوَلِيَ أمْرَ مَكَّةَ وحِجابَةَ البَيْتِ، ثُمَّ جاءَهم أوْلادُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَسَألُوهُمُ السُّكْنى مَعَهم وحَوْلَهُمْ، فَأذِنُوا لَهم في ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ الغُطَيْفِيَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ سَبَأٍ. فَقالَ ﷺ: «هُوَ رَجُلٌ كانَ لَهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ، سِتَّةٌ مِنهم سَكَنُوا اليَمَنَ، وهم مُذْحِجُ وكِنْدَةُ والأُزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وحِمْيَرُ وأنْمارُ مِنهم بُجَيْلَةُ وخَثْعَمُ، وأرْبَعَةٌ مِنهم سَكَنُوا الشّامَ، وهم لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسّانُ لَمّا هَلَكَتْ أمْوالُهُمْ، وخَرِبَتْ بِلادُهم تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَأٍ شَذْرَ مَذَرَ. فَنَزَلَتْ طَوائِفُ مِنهم بِالحِجازِ. فَمِنهم خُزاعَةُ نَزَلُوا بِظاهِرِ مَكَّةَ، ونَزَلَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ بِيَثْرِبَ. فَكانُوا أوَّلَ مَن سَكَنَها، ثُمَّ نَزَلَ عِنْدَهم ثَلاثُ قَبائِلَ مِنَ اليَهُودِ، بَنُو قَيْنُقاعَ وبَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَحالَفُوا الأوْسَ والخَزْرَجَ، وأقامُوا عِنْدَهم. ونَزَلَتْ طَوائِفُ أُخَرُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وهُمُ الَّذِينَ تَنَصَّرُوا فِيما بَعْدُ، وهم غَسّانُ وعامِلَةُ ولَخْمُ وجُذامُ وتَنُوخُ وتَغْلِبُ وغَيْرُهُمْ، وسَبَأٌ تَجْمَعُ هَذِهِ القَبائِلَ كُلَّها.» والجُمْهُورُ عَلى أنَّ جَمِيعَ العَرَبِ قِسْمانِ قَحْطانِيَّةٌ وعَدْنانِيَّةٌ. والقَحْطانِيَّةُ شِعْبانِ: سَبَأٌ وحَضَرَ مَوْتَ. والعَدْنانِيَّةُ شِعْبانِ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ. وأمّا قُضاعَةُ فَمُخْتَلَفٌ فِيها بَعْضُهم يَنْسُبُونَها إلى قَحْطانَ، وبَعْضُهم إلى عَدْنانَ» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: شَأْنُهُ الصَّبْرُ عَنِ الشَّهَواتِ ودَواعِي الهَوى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، والشُّكْرِ عَلى النِّعَمِ، وتَخْصِيصُ هَؤُلاءِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
34:20Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أيْ: حَقَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ، أوْ وجَدَهُ صادِقًا، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: صَدَقَ في ظَنِّهِ، أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ. ويَجُوزُ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ. وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ، ورَفْعِ الظَّنِّ مَعَ التَّشْدِيدِ، بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنُّهُ صادِقًا، ومَعَ التَّخْفِيفِ بِمَعْنى قالَ لَهُ الصِّدْقَ حِينَ خَيَّلَ لَهُ إغْراءَهُمْ، وبِرَفْعِهِما. والتَّخْفِيفُ عَلى الإبْدالِ، وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ، أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ شاهَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أصْغى إلى وسْوَسَتِهِ. قالَ: إنَّ ذُرِّيَّتَهُ أضْعَفُ مِنهُ عَزْمًا، وقِيلَ: ظَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ أنَّهُ يَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ. وقالَ: لَأُضِلَّنَّهُمْ، ولَأُغْوِيَنَّهم.
﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ أيْ: أهْلُ سَبَأٍ أوِ النّاسُ.
﴿إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ عَلى أنَّ «مِن» بَيانِيَّةٌ. وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وهُمُ المُخْلِصُونَ.
34:21Page 430
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسَلُّطٌ (p-131)واسْتِيلاءٌ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِواءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعْلَمَ العِلَلَ، و "مَن" مَوْصُولَةٌ، أيْ: وما كانَ تَسَلُّطُهُ عَلَيْهِمْ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِمَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ هو في شَكٍّ مِنها تَعَلُّقًا حالِيًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ إلّا لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ إلّا لَيُؤْمِنُ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ، ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ. والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً.
﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: مُحافِظٌ عَلَيْهِ. فَإنَّ فَعِيلًا ومُفاعِلًا صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
34:22Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
﴿قُلِ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ إظْهارًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، وتَبْكِيتًا لَهم.
﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً. وهُما مَفْعُولا زَعَمَ، ثُمَّ حُذِفَ الأوَّلُ تَخْفِيفًا لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ، والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَقامَهُ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا؛ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا، وكَذا لا يَمْلِكُونَ؛ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ. والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكُمْ، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ، وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ أيْ: في أمْرٍ ما مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرَهُما لِلتَّعْمِيمِ عُرْفًا، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ، وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ ﴿وَما لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ.
﴿فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ أيْ: شَرِكَةً لا خَلْقًا، ولا مِلْكًا، ولا تَصَرُّفًا.
﴿وَما لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى.
﴿مِنهُمْ﴾ مِن آلِهَتِهِمْ ﴿مِن ظَهِيرٍ﴾ يُعِينُهُ في تَدْبِيرِ أمْرِهِما.
34:23Page 431
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أيْ: لا تُوجَدُ رَأْسًا كَما في قَوْلِهِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ
لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِنَفْعِها لا بِوُقُوعِها تَصْرِيحًا بِنَفْيِ ما هو غَرَضُهم مِن وُقُوعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: تَقَعُ الشَّفاعَةُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كائِنَةً لِمَن أذِنَ لَهُ في الشَّفاعَةِ مِنَ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُسْتَأْهِلِينَ لِمَقامِ الشَّفاعَةِ، فَتَبَيَّنَ حِرْمانُ الكَفَرَةِ مِنها بِالكُلِّيَّةِ. أمّا مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ فَلِظُهُورِ انْتِفاءِ الإذْنِ لَها ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ لِجَمادٍ لا يَعْقِلُ ولا يَنْطِقُ، وأمّا مِن جِهَةِ مَن يَعْبُدُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِأنَّ إذْنَهم مَقْصُورٌ عَلى الشَّفاعَةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ ومِنَ البَيِّنِ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْكَفَرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصَّوابِ، أوْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ مِنَ الشُّفَعاءِ المُسْتَأْهِلِينَ لَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا كائِنَةً لِمَن أذِنَ لَهُ، أيْ: لِأجْلِهِ، وفي شَأْنِهِ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلشَّفاعَةِ. وأمّا مَن عَداهم مِن غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ لَها فَلا تَنْفَعُهم أصْلًا، وإنَّ فَرْضَ وُقُوعِها وصُدُورِها عَنِ الشُّفَعاءِ، إذْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهم في شَفاعَتِهِمْ بَلْ في شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ. فَعَلى هَذا يَثْبُتُ حِرْمانُهم مِن شَفاعَةِ هَؤُلاءِ بِعِبارَةِ النَّصِّ، ومِن شَفاعَةِ الأصْنامِ بِدَلالَتِهِ إذْ حَيْثُ (p-132)حُرِمُوها مِن جِهَةِ القادِرِينَ عَلى شَفاعَةِ بَعْضِ المُحْتاجِينَ إلَيْها فَلِأنْ حُرِمُوها مِن جِهَةِ العَجَزَةِ عَنْها أوْلى، وقُرِئَ: (أُذِنَ لَهُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: قُلُوبِ الشُّفَعاءِ، والمَشْفُوعِ لَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الكَفَرَةُ فَهم مِن مَوْقِفِ الِاسْتِشْفاعِ بِمَعْزِلٍ، وعَنِ التَّفْزِيعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِألْفِ مَنزِلٍ. والتَّفْزِيعُ إزالَةُ الفَزَعِ. ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ الفَزَعِ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وحَتّى غايَةٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِنَ الإشْعارِ بِوُقُوعِ الإذْنِ لِمَن أُذِنَ لَهُ فَإنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالِاسْتِئْذانِ المُسْتَدْعِي لِلتَّرَقُّبِ، والِانْتِظارِ لِلْجَوابِ كَأنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ يُؤْذَنُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: يَتَرَبَّصُونَ في مَوْقِفِ الِاسْتِئْذانِ والِاسْتِدْعاءِ، ويَتَوَقَّفُونَ عَلى وجَلٍ وفَزَعٍ مَلِيًّا، حَتّى إذا أُزِيلَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، وظَهَرَتْ لَهم تَباشِيرُ الإجابَةِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَشْفُوعُ لَهم إذْ هُمُ المُحْتاجُونَ إلى الإذْنِ، والمُهْتَمُّونَ بِأمْرِهِ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ؟ أيْ: في شَأْنِ الإذْنِ.
﴿قالُوا﴾ أيِ: الشُّفَعاءُ؛ لِأنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلِاسْتِئْذانِ بِالذّاتِ، المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالشَّفاعَةِ.
﴿الحَقَّ﴾ أيْ: قالَ رَبُّنا القَوْلَ الحَقَّ، وهو الإذْنُ في الشَّفاعَةِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ لَها. وقُرِئَ: (الحَقُّ) مَرْفُوعًا، أيْ: ما قالَهُ الحَقُّ.
﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الشُّفَعاءِ، قالُوهُ اعْتِرافًا بِغايَةِ عَظَمَةِ جَنابِ العِزَّةِ عَزَّ وجَلَّ، وقُصُورِ شَأْنِ كُلِّ مَن سِواهُ، أيْ: هو المُتَفَرِّدُ بِالعُلُوِّ والكِبْرِياءِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مِن أشْرافِ الخَلائِقِ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا بِإذْنِهِ، وقُرِئَ: (فُزِعَ) مُخَفَّفًا بِمَعْنى فُزِّعَ. وقُرِئَ: (فَزِعَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ وحْدَهُ. وقُرِئَ: (فُرِعَ) بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، والغَيْنِ المُعْجَمَةِ، أيْ: نُفِيَ الوَجَلُ عَنْها، وأفْنى مِن فَرَغَ الزّادُ إذا لَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ. وهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ الفَراغَ وهو الخُلُوُّ حالَ ظَرْفِهِ عِنْدَ نَفادِهِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ عَلى عَكْسِ قَوْلِهِمْ: جَرى النَّهْرُ. وعَنِ الحَسَنِ تَخْفِيفُ الرّاءِ، وأصْلُهُ فَرَغَ الرَّجُلُ عَنْها، أيِ: انْتَفى عَنْها وفَنِيَ، ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ، وأُسْنِدَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، وبِهِ يُعْرَفُ حالُ التَّفْرِيغِ. وقُرِئَ: (ارْتَفَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بِمَعْنى انْكَشَفَ عَنْها.
34:24Page 431
۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤
Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أُمِرَ ﷺ بِتَبْكِيتِ المُشْرِكِينَ بِحَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِيهِما، وأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وحَيْثُ كانُوا يَتَلَعْثَمُونَ أحْيانًا في الجَوابِ مَخافَةَ الإلْزامِ. قِيلَ لَهُ ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إذْ لا جَوابَ سَواءٌ عِنْدَهم أيْضًا.
﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: وإنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ المُتَوَحِّدَ بِالرِّزْقِ، والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ، ويَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، والَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ في العِبادَةِ الجَمادَ النّازِلَ في أدْنى المَراتِبِ الإمْكانِيَّةِ لَعَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ المُبِينِ، وهَذا بَعْدَ ما سَبَقَ مِنَ التَّقْرِيرِ البَلِيغِ النّاطِقِ بِتَعْيِينِ مَن هو عَلى الهُدى، ومَن هو في الضَّلالِ، أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ؛ لِجَرَيانِهِ عَلى سُنَنِ الإنْصافِ المُسْكِتِ لِلْخَصْمِ الألَدِّ. وقُرِئَ: (وَإنّا أوْ إيّاكم إمّا عَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ) واخْتِلافُ الجارَّيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الهادِيَ كَمَنِ اسْتَعْلى مَنارًا يَنْظُرُ الأشْياءَ، ويَتَطَلَّعُ (p-133)عَلَيْها. والضّالُّ كَأنَّهُ مُنْغَمِسٌ في ظَلامٍ لا يَرى شَيْئًا، أوْ مَحْبُوسٌ في مَطْمُورَةٍ لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences