Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Saba 34:25–50
34:25Page 431
قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥
Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."
﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهَذا أبْلَغُ في الإنْصافِ، وأبْعَدُ مِنَ الجَدَلِ والِاعْتِسافِ. حَيْثُ أُسْنِدَ فِيهِ الإجْرامُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الزَّلَّةُ، وتُرِكَ الأوْلى إلى أنْفُسِهِمْ، ومُطْلَقُ العَمَلِ إلى المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ أعْمالَهم أكْبَرُ الكَبائِرِ.
34:26Page 431
قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦
Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ والحِسابِ، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: يَحْكُمُ بَيْنَنا، ويَفْصِلُ بَعْدَ ظُهُورِ حالِ كُلٍّ مِنّا ومِنكم بِأنْ يُدْخِلَ المُحِقِّينَ الجَنَّةَ والمُبْطِلِينَ النّارَ.
﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾ الحاكِمُ الفَيْصَلُ في القَضايا المُنْغَلِقَةِ، العَلِيمُ بِما يَنْبَغِي أنْ يُقْضى بِهِ.
34:27Page 431
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ﴾ أيْ: ألْحَقْتُمُوهم.
﴿بِهِ شُرَكاءَ﴾ أُرِيدَ بِأمْرِهِمْ بِإراءَةِ الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها بِمَرْأًى مِنهُ ﷺ إظْهارُ خَطَئِهِمُ العَظِيمِ، وإطْلاعِهِمْ عَلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، أيْ: أرُونِيها لِأنْظُرَ بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوها بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. وفِيهِ مَزِيدُ تَبْكِيتٍ لَهم بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ ﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ: المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ القاهِرَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ. فَأيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّتِي هي أخَسُّ الأشْياءِ وأذَلُّها مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ، والضَّمِيرُ إمّا اللَّهُ عَزَّ وعَلا، أوْ لِلشَّأْنِ، كَما فِي: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ .
34:28Page 431
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم. فَإنَّهم إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهُمْ، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ. فَهي حالٌ مِنَ الكافِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِها حالًا مِنَ النّاسِ؛ لِاسْتِحالَةِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ.
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ.
34:29Page 431
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ وغايَةِ غَيِّهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ؟ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنُونَ بِهِ المُبَشَّرَ بِهِ والمُنْذَرَ عَنْهُ، أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا﴾ .
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُخاطِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ.
34:30Page 431
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ أيْ: وعْدُ يَوْمٍ أوْ زَمانٍ، وعَدُّوا الإضافَةَ لِلتَّبْيِينِ، وقُرِئَ: (مِيعادٌ يَوْمٌ) مُنَوَّنَيْنِ عَلى البَدَلِ، و (يَوْمًا) بِإضْمارِ أعْنِي لِلتَّعْظِيمِ.
﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ﴾ عِنْدَ مُفاجَأتِهِ ﴿ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ صِفَةٌ لِ «مِيعادُ»، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِئْخارَ في الِاسْتِحالَةِ، كالِاسْتِقْدامِ المُمْتَنِعِ عَقْلًا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الِاسْتِئْجارِ والِاسْتِقْدامِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالمُفاجَأةِ، فَيَكُونُ وصْفُ المِيعادِ بِذَلِكَ لِتَحْقِيقِهِ (p-134)وَتَقْرِيرِهِ.
34:31Page 431
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١
And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القرآن ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ الكُتُبِ القَدِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ، وقِيلَ: إنْ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ. فَغَضِبُوا، فَقالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ القِيامَةُ.
﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في مَوْقِفِ المُحاسَبَةِ.
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أيْ: يَتَحاوَرُونَ، ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ بَدَلٌ مِن "يَرْجِعُ"... إلَخْ. أيْ: يَقُولُ الأتْباعُ.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ في الدُّنْيا واسْتَتْبَعُوهم في الغَيِّ والضَّلالِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ . أيْ: لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم لَنا عَنِ الإيمانِ ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ.
34:32Page 432
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢
Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِمْ هُمُ الصّادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ. مُثْبِتِينَ أنَّهم هُمُ الصّادُّونَ بِأنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإجْرامِ.
34:33Page 432
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣
Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?
﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ إضْرابًا عَنْ إضْرابِهِمْ، وإبْطالًا لَهُ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ . أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكم بِنا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ. فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ، وأُقِيمَ مَقامَهُ الظَّرْفُ اتِّساعًا. أوْ جُعِلَ لَيْلُهم ونَهارُهم ماكِرَيْنِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ. وقُرِئَ: (بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ والنَّهارَ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ الظَّرْفَيْنِ، أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكم في اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مَكْرٌ عَظِيمٌ عَلى أنَّهُ لِلتَّفْخِيمِ. وقُرِئَ: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ) بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، أيْ: تَكُرُّونَ الإغْواءَ مَكَرًّا دائِبًا لا تَفْتَرُونَ عَنْهُ، فالرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: بَلْ صَدَّنا مَكْرُكُمُ الإغْواءُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ، بِإقامَتِهِ مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: بَلْ تَكُرُّونَ الإغْواءَ مَكَرَّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيْ: مَكَرًّا دائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿إذْ تَأْمُرُونَنا﴾ ظَرْفٌ لِلْمَكْرِ، أيْ: بَلْ مَكْرُكُمُ الدّائِمُ وقْتَ أمْرِكم لَنا.
﴿أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَكْرِهِمْ إمّا نَفْسُ أمْرِهِمْ بِما ذُكِرَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ (p-135)فَإنَّ الجَعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأيُّ نِعْمَةٍ، وأمّا أُمُورٌ أُخَرُ مُقارِنَةٌ لِأمْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى الِامْتِثالِ بِهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: أضْمَرَ الفَرِيقانِ النَّدامَةَ عَلى ما فَعَلا مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، وأخْفاها كُلٌّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ مَخافَةَ التَّعْيِيرِ، أوْ أظْهَرُوها فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ. وهو المُناسِبُ لِحالِهِمْ.
﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: في أعْناقِهِمْ. والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِذَمِّهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى مُوجِبِ أغْلالِهِمْ.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لا يَجْزُونَ إلّا جَزاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أوْ إلّا بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ عَلى نَزْعِ الجارِّ.
34:34Page 432
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى.
﴿مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ، والمُنافَسَةِ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، والمُفاخَرَةِ بِحُظُوظِ الدُّنْيا وزَخارِفِها، والتَّكَبُّرِ بِذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، والِاسْتِهانَةِ بِهِمْ مِن أجْلِهِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ قَطُّ إلى أهْلِ قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا "قالَ مُتْرَفُوهُمْ" مِثْلَ ما قالَ مُتْرَفُو أهْلِ مَكَّةَ في حَقِّهِ ﷺ، وكادُوا بِهِ نَحْوَ ما كادُوا بِهِ ﷺ، وقاسُوا أُمُورَ الآخِرَةِ المَوْهُومَةَ والمَفْرُوضَةَ عِنْدَهم عَلى أُمُورِ الدُّنْيا، وزَعَمُوا أنَّهم لَوْ لَمْ يُكْرَمُوا عَلى اللَّهِ تَعالى لَما رَزَقَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا، ولَوْلا أنَّ المُؤْمِنِينَ هانُوا عَلَيْهِ تَعالى لَما حُرِمُوهُما، وعَلى ذَلِكَ الرَّأْيِ الرَّكِيكِ بَنَوْا أحْكامَهم.
34:35Page 432
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا بِناءً عَلى انْتِفاءِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ رَأْسًا، أوْ عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ تَعالى أكْرَمَهم في الدُّنْيا، فَلا يُهِينُهم في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها.
34:36Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
﴿قُلْ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وحَسْمًا لِمادَّةِ طَمَعِهِمُ الفارِغِ، وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّكْوِينِ.
﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَ لَهُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ داعٍ إلى ما فُعِلَ بِهِ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ، فَرُبَّما يُوَسِّعُ عَلى العاصِي، ويُضَيِّقُ عَلى المُطِيعِ، ورُبَّما يَعْكِسُ الأمْرَ، ورُبَّما يُوَسِّعُ عَلَيْهِما مَعًا، وقَدْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِما، وقَدْ يُوَسِّعُ عَلى شَخْصٍ تارَةً، ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ أُخْرى، يَفْعَلُ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ فَلا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ أمْرُ الثَّوابِ والعَذابِ اللَّذَيْنِ مَناطُهُما الطّاعَةُ وعَدَمُها. وقُرِئَ: (وَيُقَدِّرُ) بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ مَدارَ البَسْطِ هو الشَّرَفُ والكَرامَةُ، ومَدارَ القَدْرِ هو الهَوانُ، ولا يَدْرُونَ أنَّ الأوَّلَ كَثِيرًا ما يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ، والثّانِي بِطَرِيقِ الِابْتِلاءِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ.
34:37Page 432
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ (p-136)كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وعَلا خُوطِبَ بِهِ النّاسُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ، وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ، أيْ: وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم بِالجَماعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا قُرْبَةً، فَإنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَّأْنِيثِ، أوْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم. وقُرِئَ: (بِالَّذِي) أيْ: بِالشَّيْءِ الَّذِي.
﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ تُقَرِّبُكُمْ، أيْ: وما الأمْوالُ والأوْلادُ تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي أنْفَقَ أمْوالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَّمَ أوْلادَهُ الخَيْرَ، ورَبّاهم عَلى الصَّلاحِ، ورَشَّحَهم لِلطّاعَةِ. وقِيلَ: مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: إلّا أمْوالَ مَن... إلَخْ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيْ: ثابِتٌ لَهم. ذَلِكَ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِ "أُولَئِكَ" وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِتَكَرُّرِ الإسْنادِ، أوْ يُثْبِتُ لَهم ذَلِكَ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرٌ لِ "أُولَئِكَ" وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وإضافَةُ الجَزاءِ إلى الضِّعْفِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ أصْلُهُ: فَأُولَئِكَ لَهم أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ، ثُمَّ جَزاءَ الضِّعْفِ، ثُمَّ جَزاءَ الضِّعْفِ. ومَعْناهُ أنْ تُضاعُفَ لَهم حَسَناتُهُمُ الواحِدَةُ عَشْرًا فَما فَوْقَها، وقُرِئَ: جَزاءً الضِّعْفُ عَلى (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الضِّعْفُ جَزاءً) و (جَزاءً الضِّعْفُ) عَلى أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ، وجَزاءٌ الضِّعْفُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الضِّعْفَ بَدَلٌ مِن جَزاءٌ.
﴿بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وَهم في الغُرُفاتِ﴾ أيْ: غُرُفاتِ الجَنَّةِ.
﴿آمِنُونَ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقُرِئَ: (فِي الغُرْفَةِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
34:38Page 432
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ سابِقِينَ لِأنْبِيائِنا، أوْ زاعِمِينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.
﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يُجْدِيهِمْ ما عَوَّلُوا عَلَيْهِ نَفْعًا.
34:39Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ تارَةً.
﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ تارَةً أُخْرى. فَلا تَخْشَوُا الفَقْرَ، وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِهِ تَعالى.
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا. إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّ غَيْرَهُ واسِطَةٌ في إيصالِ رِزْقِهِ لا حَقِيقَةَ لِرازِقِيَّتِهِ.
34:40Page 433
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠
And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ. وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَوْمَ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُتَأخِّرٍ سَيَأْتِي تَقْدِيرُهُ، أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ نَحْوَ اذْكُرْ.
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ، وتَبْكِيتًا لَهم عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ﴾ ... إلَخْ. وإقْناطًا لَهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن شَفاعَتِهِمْ. وتَخْصِيصُ المَلائِكَةِ؛ (p-137)لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكائِهِمْ، والصّالِحُونَ لِلْخِطابِ مِنهُمْ، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ؛ فَبِظُهُورِ قُصُورِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المَعْبُودِيَّةِ، وتَنَزُّهِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِمْ يَظْهَرُ حالُ سائِرِ شُرَكائِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالنُّونِ.
34:41Page 433
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١
They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ. كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ: مُتَنَزِّهِينَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ . والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أيْ: أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهُمْ، كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتَهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ، ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم حَقِيقَةً بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ. حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: كانُوا يَتَمَثَّلُونَ لَهُمْ، ويُخَيِّلُونَ لَهم أنَّهُمُ المَلائِكَةُ فَيَعْبُدُونَهُمْ، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ أجْوافَ الأصْنامِ إذا عُبِدَتْ فَيَعْبُدُونَ بِعِبادَتِها.
﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ، والثّانِي لِلْجِنِّ.
34:42Page 433
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢
But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."
﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ عِنْدَ جَوابِهِمْ بِالتَّنَزُّهِ والتَّبَرُّؤِ عَمّا نَسَبَ إلَيْهِمُ الكَفَرَةُ يُخاطَبُونَ بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ، وقُصُورِهِمْ عِنْدَ عَبَدَتِهِمْ، وتَنْصِيصًا عَلى ما يُوجِبُ خَيْبَةَ رَجائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. و "الفاءُ" لَيْسَتْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ الحُكْمِ عَلى جَوابِ المَلائِكَةِ؛ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ أجابُوا بِذَلِكَ أمْ لا. بَلْ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِهِ عَلَيْهِ، ونِسْبَةُ عَدَمِ النَّفْعِ والضُّرِّ إلى البَعْضِ المُبْهَمِ لِلْمُبالَغَةِ فِيما هو المَقْصُودُ الَّذِي هو بَيانُ عَدَمِ نَفْعِ المَلائِكَةِ لِلْعَبَدَةِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ عَدَمِ نَفْعِ العَبَدَةِ لَهم كَأنَّ نَفْعَ المَلائِكَةِ لِعَبَدَتِهِمْ في الِاسْتِحالَةِ والِانْتِفاءِ كَنَفْعِ العَبَدَةِ لَهُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الضُّرِّ مَعَ أنَّهُ لا بَحْثَ عَنْهُ أصْلًا إمّا لِتَعْمِيمِ العَجْزِ، أوْ لِحَمْلِ عَدَمِ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ العِبادَةِ، وعَدَمِ الضُّرِّ عَلى تَقْدِيرِ تَرْكِها، أوْ لِأنَّ المُرادَ دَفْعُ الضُّرِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وتَقْيِيدُ هَذا الحُكْمِ بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ ثُبُوتِهِ عَلى الإطْلاقِ لِانْعِقادِ رَجائِهِمْ عَلى تَحَقُّقِ النَّفْعِ يَوْمَئِذٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ، لا عَلى لا يَمْلِكُ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ مُتَرَتِّبًا عَلى جَوابِهِمُ المَحْكِيِّ. وهَذا حِكايَةٌ لِرَسُولٍ ﷺ لِما سَيُقالُ لِلْعَبَدَةِ يَوْمَئِذٍ إثْرَ حِكايَةِ ما سَيُقالُ لِلْمَلائِكَةِ، أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ كَذا وكَذا. ويَقُولُونَ: كَذا وكَذا. ونَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأهْوالِ والأحْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ المَقالِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
34:43Page 433
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ (p-138)بَيانُ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن كُفْرانِهِمْ، أيْ: إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الرَّسُولِ ﷺ آياتُنا النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، وبُطْلانِ الشِّرْكِ.
﴿قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَسْتَتْبِعُكم بِما يَسْتَدْعِيهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ دِينٌ إلَهِيٌّ، وإضافَةُ الآباءِ إلى المُخاطَبِينَ لا إلى أنْفُسِهِمْ لِتَحْرِيكِ عِرْقِ العَصَبِيَّةِ مِنهم. مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِهِمْ عَلى الشِّرْكِ، وتَنْفِيرِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ.
﴿وَقالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ القرآن الكَرِيمَ.
﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ: كَلامٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ لا مِصْداقَ لَهُ في الواقِعِ.
﴿مُفْتَرًى﴾ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ: لِأمْرِ النُّبُوَّةِ، أوِ الإسْلامِ، أوِ القرآن. عَلى أنَّ العَطْفَ لِاخْتِلافِ العُنْوانِ بِأنْ يُرادَ بِالأوَّلِ مَعْناهُ، والثّانِي نَظْمُهُ المُعْجِزُ.
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَأمُّلٍ فِيهِ.
﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ، وفي تَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ، وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ، وما في "لَمّا" مِنَ المُسارَعَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ الباطِلِ، إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ، وتَعْجِيبٌ بَلِيغٌ مِنهُ.
34:44Page 433
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.
﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فِيها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإشْراكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ وقُرِئَ: (يَدْرُسُونَها) و (يَدَّرِسُونَها) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدَّرْسِ.
﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ويُنْذِرُهم بِالعِقابِ إنْ لَمْ يُشْرِكُوا، وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَمِن أيْنَ ذَهَبُوا هَذا المَذْهَبَ الزّائِغَ؟ وهَذا غايَةُ تَجْهِيلٍ لَهُمْ، وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ. ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى:
34:45Page 433
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ. كَما كَذَّبُوا ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ: ما بَلَغَ هَؤُلاءِ عُشْرَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ وطُولِ العُمْرِ وكَثْرَةِ المالِ أوْ ما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ عَطْفٌ عَلى "كَذَّبَ الَّذِينَ"... إلَخْ. بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ والتَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ ... إلَخْ.
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ؟ أيْ: إنْكارِي لَهم بِالتَّدْمِيرِ فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
34:46Page 433
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.
﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أيْ: ما أُرْشِدُكم وأنْصَحُ لَكم إلّا بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ هي ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنها، أوْ بَيانٌ لَها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي أنْ تَقُومُوا مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ تَنْتَصِبُوا لِلْأمْرِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مُعْرِضًا عَنِ المُماراةِ والتَّقْلِيدِ.
﴿مَثْنى وفُرادى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وواحِدًا واحِدًا. فَإنَّ الِازْدِحامَ يُشَوِّشُ الأفْهامَ، ويَخْلِطُ الأفْكارَ بِالأوْهامِ. وفي تَقْدِيمِ مَثْنى إيذانٌ بِأنَّهُ أوْثَقُ، وأقْرَبُ إلى الِاطْمِئْنانِ. (p-139)﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمْرِهِ ﷺ، وما جاءَ بِهِ لِتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ وحَقِّيَّتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، بِأنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي تَحْتَهُ مَلِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا يَتَصَدّى لِادِّعائِهِ إلّا مَجْنُونٌ، لا يُبالِي بِافْتِضاحِهِ عِنْدَ مُطالَبَتِهِ بِالبُرْهانِ، وظُهُورِ عَجْزِهِ، أوْ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ، واثِقٌ بِحُجَّتِهِ وبُرْهانِهِ، وإذْ قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ ﷺ أرْجَحُ العالِمِينَ عَقْلًا، وأصْدَقُهم قَوْلًا، وأنْزَهُهم نَفْسًا، وأفْضَلُهم عِلْمًا، وأحْسَنُهم عَمَلًا، وأجْمَعُهم لِلْكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، وجَبَ أنْ تُصَدِّقُوهُ في دَعْواهُ. فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مُعْجِزاتٌ تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ؟ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى "ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا ما بِصاحِبِكم مِن جَنَّةٍ"، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامِيَّةً عَلى مَعْنى "ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا" أيُّ شَيْءٍ بِهِ مِن آثارِ الجُنُونِ.
﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ ﷺ مَبْعُوثٌ في نَسَمِ السّاعَةِ.
34:47Page 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."
﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ سَألَتْكم مِن أجْرٍ عَلى الرِّسالَةِ.
﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ رَأْسًا. كَقَوْلِ مَن قالَ لِمَن لَمْ يُعْطِهُ شَيْئًا: إنْ أعْطَيْتَنِي شَيْئًا فَخُذْهُ. وقِيلَ: "ما" مَوْصُولَةٌ أُرِيدَ بِها ما سَألَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عليه من أجر إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَتُهُمُ الكُبْرى، وقُرْباهُ ﷺ قُرْباهم.
﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلِعٌ يَعْلَمُ صِدْقِي وخُلُوصَ نِيَّتِي، وقُرِئَ: (إنْ أجْرِي) بِسُكُونِ الياءِ.
34:48Page 433
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ: يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ، أوْ يَرْمِي بِهِ في أقْطارِ الآفاقِ فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يَقْذِفُ"، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِ "إنَّ"، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِ "رَبِّي"، أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي. وقُرِئَ بِكَسْرِ الغَيْنِ وبِالفَتْحِ كَصَبُورٍ مُبالَغَةَ غائِبٍ.
34:49Page 434
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1
﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أيْ: زَهَقَ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أثَرُهُ أصْلًا مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ فَجُعِلَ مَثَلًا في الهَلاكِ بِالمَرَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدٍ:
؎ أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عُبَيْدُ فَلَيْسَ يُبْدِي ولا يُعِيدُ
وَقِيلَ: الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا، ولا يُعِيدُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُ. وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها.
34:50Page 434
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."
﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ، والأمّارَةُ بِالسُّوءِ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ قُوبِلَ الشَّرْطِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ، وقُرِئَ: (رَبِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (p-140)يَعْلَمُ قَوْلَ كُلٍّ مِنَ المُهْتَدِي والضّالِّ وفِعْلَهُ، وإنْ بالَغَ في إخْفائِهِما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences