Abu as-Su'udYa-Sin · 36:26–47

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:26–47

36:26Page 441

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لَمّا قَتَلُوهُ؛ إكْرامًا لَهُ بِدُخُولِها حِينَئِذٍ كَسائِرِ الشُّهَداءِ، وقِيلَ: لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْ قَتادَةَ: أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وهو فِيها حَيٌّ يُرْزَقُ، وقِيلَ: مَعْناهُ البُشْرى بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وأنَّهُ مِن أهْلِها، وإنَّما لَمْ يُقَلْ لَهُ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بَيانُ المَقُولِ لا المَقُولِ لَهُ لِظُهُورِهِ، ولِلْمُبالَغَةِ في المُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ ومَقالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ لِقاءُ رَبِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ في دِينِهِ، والتَّسَخِّي بِرُوحِهِ لِوَجْهِهِ تَعالى؟ فَقِيلَ: قِيلَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ .

36:27Page 441

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ فَإنَّهُ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ نَيْلِهِ تِلْكَ الكَرامَةَ السَّنِيَّةَ؟ فَقِيلَ: "قالَ": ... إلَخْ، وإنَّما تَمَنّى عِلْمَ قَوْمِهِ بِحالِهِ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَنِ اكْتِسابِ مِثْلِهِ (p-165)بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ، والدُّخُولِ في الإيمانِ والطّاعَةِ، جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأوْلِياءِ في كَظْمِ الغَيْظِ والتَّرَحُّمِ عَلى الأعْداءِ، أوْ لِيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أمْرِهِ، وأنَّهُ كانَ عَلى الحَقِّ، وأنَّ عَداوَتَهم لَمْ تُكْسِبْهُ إلّا سَعادَةً، وقُرِئَ: (مِنَ المُكَرَّمِينَ) و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، و"الباءُ" صِلَةُ "يَعْلَمُونَ"، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ ورَدَتْ عَلى الأصْلِ، و"الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"غَفَرَ" أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي، يُرِيدُ بِهِ تَفْخِيمَ شَأْنِ المُهاجَرَةِ عَنْ مِلَّتِهِمْ، والمُصابَرَةِ عَلى أذِيَّتِهِمْ.

36:28Page 442

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

﴿وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، أوْ رَفْعِهِ ﴿مِن جُنْدٍ مِن السَّماءِ﴾ لِإهْلاكِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهُمْ، كَما فَعَلْناهُ يَوْمَ بَدْرٍ والخَنْدَقِ، بَلْ كَفَيْنا أمْرَهم بِصَيْحَةِ مَلَكٍ، وفِيهِ اسْتِحْقارٌ لَهم لِإهْلاكِهِمْ، وإيماءٌ إلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ نُنَزِّلَ لِإهْلاكِ قَوْمِهِ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ؛ لِما أنّا قَدَّرْنا لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا حَيْثُ أهْلَكْنا بَعْضَ مَن أهْلَكْنا مِنَ الأُمَمِ بِالحاصِبِ، وبَعْضَهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضَهم بِالخَسْفِ، وبَعْضَهم بِالإغْراقِ، وجَعَلْنا إنْزالَ الجُنْدِ مِن خَصائِصِكَ في الِانْتِصارِ مِن قَوْمِكَ، وقِيلَ: "ما" مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "جُنْدٍ" أيْ: وما كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى مَن قَبْلَهم مِن حِجارَةٍ ورِيحٍ وأمْطارٍ شَدِيدَةٍ وغَيْرِها.

36:29Page 442

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

﴿إنْ كانَتْ﴾ أيْ: ما كانَتِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ صاحَ بِها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُرِئَ: (إلّا صَيْحَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وقُرِئَ: (إلّا زَقْيَةً واحِدَةً) مِن زَقا الطّائِرُ إذا صاحَ ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ مَيِّتُونَ، شُبِّهُوا بِالنّارِ الخامِدَةِ؛ رَمَزًا إلى أنَّ الحَيَّ كالنّارِ السّاطِعَةِ في الحَرَكَةِ والِالتِهابِ، والمَيِّتَ كالرَّمادِ، كَما قالَ لَبِيدٌ:

؎ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ

36:30Page 442

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ تَعالَيْ، فَهَذِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَحْضُرِي فِيها، وهي ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَإنَّ المُسْتَهْزِئِينَ بِالنّاصِحِينَ الَّذِينَ نِيطَتْ بِنَصائِحِهِمْ سَعادَةُ الدّارَيْنِ أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا، ويَتَحَسَّرَ عَلَيْهِمُ المُتَحَسِّرُونَ، أوْ قَدْ تَلَهَّفَ عَلى حالِهِمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَحَسُّرًا عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: (يا حَسْرَتا) لِأنَّ المَعْنى يا حَسْرَتِي، ونَصْبُها لِطُولِها بِما تَعَلَّقَ بِها مِنَ الجارِّ، وقِيلَ: بِإضْمارِ فِعْلِها، والمُنادى مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ: (يا حَسْرَةَ العِبادِ) بِالإضافَةِ إلى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. و(يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ) بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

36:31Page 442

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا، وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ لِأنَّ (كَمْ) لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً؛ لِأنَّ أصْلَها الِاسْتِفْهامُ خَلا أنَّ مَعْناهُ نافِذٌ في الجُمْلَةِ كَما نَفَذَ في قَوْلِكَ: ألَمْ تَرَ أنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ في لَفْظِهِ ﴿أنَّهم (p-166)إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن "كَمْ أهْلَكْنا" عَلى المَعْنى، أيْ: ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا مَن قَبْلَهم مِنَ المَذْكُورِينَ آنِفًا، ومِن غَيْرِهِمْ كَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: (ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا) والبَدَلُ حِينَئِذٍ بَدَلُ اشْتِمالٍ.

36:32Page 442

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بَيانٌ لِرُجُوعِ الكُلِّ إلى المَحْشَرِ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، و"إنْ" نافِيَةٌ، وتَنْوِينُ (كُلٌّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و"لَمّا" بِمَعْنى إلّا، و"جَمِيعٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و"لَدَيْنا" ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِما بَعْدَهُ، والمَعْنى: ما كُلُّهم إلّا مَجْمُوعُونَ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: مُحْضَرُونَ مُعَذَّبُونَ، فَكُلٌّ عِبارَةٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وقُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، و"اللّامُ" فارِقَةٌ، و"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّهم مَجْمُوعُونَ ... إلَخْ.

36:33Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "آيَةٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، و"لَهُمْ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِها؛ لِأنَّها بِمَعْنى العَلامَةِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَها، و"الأرْضُ" مُبْتَدَأٌ، و"المَيْتَةُ" صِفَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْيَيْناها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ: "آيَةٌ" مُبْتَدَأٌ، و"لَهُمْ" خَبَرٌ، و"الأرْضُ المَيْتَةُ" مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ، و"أحْيَيْناها" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِـ(آيَةٌ) وقِيلَ: "الأرْضُ" مُبْتَدَأٌ، و"أحْيَيْناها" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ(آيَةٌ) وقِيلَ: الخَبَرُ لَها هو "الأرْضُ" و"أحْيَيْناها" صِفَتُها؛ لِأنَّ المُرادَ بِها الجِنْسُ لا المُعَيَّنَةُ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو كَوْنُ الأرْضِ آيَةً لَهم لا كَوْنُ الآيَةِ هي الأرْضُ ﴿وَأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ جِنْسَ الحَبِّ ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ تَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ ويُعاشُ بِهِ.

36:34Page 442

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ أيْ: مِن أنْواعِ النَّخْلِ والعِنَبِ، ولِذَلِكَ جُمِعا دُونَ الحَبِّ؛ فَإنَّ الدّالَّ عَلى الجِنْسِ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِلافِ، ولا كَذَلِكَ الدّالُّ عَلى الأنْواعِ، وذِكْرُ النَّخِيلِ دُونَ التُّمُورِ لِيُطابِقَ الحَبَّ والأعْنابَ لِاخْتِصاصِ شَجَرِها بِمَزِيدِ النَّفْعِ، وآثارِ الصُّنْعِ ﴿وَفَجَّرْنا فِيها﴾ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، والفَجْرُ والتَّفْجِيرُ كالفَتْحِ والتَّفْتِيحِ لَفْظًا ومَعْنًى ﴿مِنَ العُيُونِ﴾ أيْ: بَعْضًا مِنَ العُيُونِ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ، وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، أوِ العُيُونَ و"مِن" مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخَفْشِ.

36:35Page 442

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جَعَلْنا) وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَفْجِيرِ العُيُونِ؛ لِأنَّهُ مِن مَبادِئِ الأثْمارِ، أيْ: وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ، ورَتَّبْنا مَبادِئَ أثْمارِها لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنّاتِ والنَّخِيلِ، بِإجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، والإضافَةُ لِأنَّ الثَّمَرَ يَخْلُقُهُ تَعالى، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، أوْ جَمْعُ ثِمارٍ، وبِضَمَّةٍ وسُكُونٍ ﴿وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ثَمَرِهِ، وهو ما يُتَّخَذُ مِنهُ مِنَ العَصِيرِ والدِّبْسِ ونَحْوِهِما. وقِيلَ: "ما" نافِيَةٌ، والمَعْنى أنَّ الثَّمَرَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا بِفِعْلِهِمْ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، ويُؤَكِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ (p-167)(عَمِلَتْ) بِلا هاءٍ، فَإنَّ حَذْفَ العائِدِ مِنَ الصِّلَةِ أحْسَنُ مِنَ الحَذْفِ مِن غَيْرِها ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلنِّعَمِ المَعْدُودَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَرَوْنَ هَذِهِ النِّعَمَ، أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَها.

36:36Page 442

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا فَعَلُوهُ مِن تَرْكِ شُكْرِهِ عَلى آلائِهِ المَذْكُورَةِ، واسْتِعْظامِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةٍ مِن بَدائِعِ آثارِ قدرته، وأسْرارِ حِكْمَتِهِ، ورَوائِعِ نَعْمائِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ، والتَّعْجِيبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ والحالَةُ هَذِهِ.

وَ(سُبْحانَ) عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا، أيِ: اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمِ بِهِ، مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا أبْعَدَ فِيهِما وأمْعَنَ، ومِنهُ فَرَسٌ سَبُوحٌ، أيْ: واسِعُ الجَرْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ، أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ، أيْ: أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ السَّبْحِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّنَزُّهُ التّامُّ، والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ عَنِ السُّوءِ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ إسْنادِ التَّنَزُّهِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسَةِ، فالمَعْنى: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِتَنَزُّهِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمّا فَعَلُوهُ وما تَرَكُوهُ، وعَلى الأوَّلِ حُكْمُ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ، وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوهُ ويَعْتَقِدُوا مَضْمُونَهُ، ولا يُخِلُّوا بِهِ، ولا يَغْفُلُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِـ"الأزْواجِ" الأصْنافُ والأنْواعُ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ بَيانٌ لَها، والمُرادُ بِهِ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها ﴿وَمِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: خَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، أيِ: الذَّكَرَ والأُنْثى ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: والأزْواجَ مِمّا لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى خُصُوصِيّاتِهِ لِعَدَمِ قدرتهمْ عَلى الإحاطَةِ بِها، ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِن مَصالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ - وإنَّما أطْلَعَهم عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى:﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ - لِما نِيطَ بِهِ وُقُوفُهم عَلى عِظَمِ قدرته، وسَعَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ كَما مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ آيَةً، أيْ: نُزِيلُهُ ونَكْشِفُهُ عَنْ مَكانِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ السَّلْخِ، وهو إزالَةُ ما بَيْنَ الحَيَوانِ وجِلْدِهِ مِنَ الِاتِّصالِ، والأغْلَبُ في الِاسْتِعْمالِ تَعْلِيقُهُ بِالجِلْدِ، يُقالُ: سَلَخْتُ الإهابَ مِنَ الشّاةِ، وقَدْ يُعْكَسُ، ومِنهُ الشّاةُ المَسْلُوخَةُ ﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ مُفاجَأةً، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأصْلَ هو الظَّلامُ والنُّورَ عارِضٌ.

36:38Page 442

وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوْرُها، فَشُبِّهَ بِمُسْتَقَرِّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ، أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ فَإنَّ حَرَكَتَها فِيهِ تُوجَدُ أبْطَأ (p-168)بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّ لَها هُناكَ وقْفَةً، قالَ:

؎ والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ

أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، أوْ لِمُنْتَهًى مُقَدَّرٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنَ المَشارِقِ والمَغارِبِ، فَإنَّ لَها في دَوْرِها ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَشْرِقًا ومَغْرِبًا، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَطْلَعٍ وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ، ثُمَّ لا يَعُودُ إلَيْهِما إلى العامِ القابِلِ، أوِ لِمُنْقَطَعِ جَرْيِها عِنْدَ خَرابِ العالَمِ، وقُرِئَ: (إلى مُسْتَقَرٍّ لَها) وقُرِئَ: (لا مُسْتَقَرَّ لَها) أيْ: لا سُكُونَ لَها فَإنَّها مُتَحَرِّكَةٌ دائِمًا، وقُرِئَ: (لا مُسْتَقَرَّ لَها) عَلى أنَّ "لا" بِمَعْنى لَيْسَ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَرْيِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، أيْ: ذَلِكَ الجَرْيُ البَدِيعُ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الرّائِعَةِ الَّتِي تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ والأفْهامُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبِ بِقدرته عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ﴿العَلِيمِ﴾ المُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

36:39Page 442

وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: قَدَّرْنا لَهُ ﴿مَنازِلَ﴾ وقِيلَ: قَدَّرْنا مَسِيرَهُ مَنازِلَ، وقِيلَ: قَدَّرْناهُ ذا مَنازِلَ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ: الشَّرَطِينُ، البُطانُ، الثُّرَيّا، الدَّبَرانُ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ، العَوّا، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانِيُّ، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بَلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرَّشا، وهو بَطْنُ الحُوتِ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها لا يَتَخَطّاها ولا يَتَقاصَرُ عَنْها، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ - وهو الَّذِي يَكُونُ قُبَيْلَ الِاجْتِماعِ - دَقَّ واسْتَقْوَسَ ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ﴾ كالشِّمْراخِ المُعْوَجِّ فِعْلُونَ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ، وقُرِئَ: (كالعُرْجُونِ) وهُما لُغَتانِ كالبُزْيُونِ والبِزْيُونِ.

﴿القَدِيمِ﴾ العَتِيقِ، وقِيلَ: هو ما مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ فَصاعِدًا.

36:40Page 442

لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠

It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.

﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ أيْ: يَصِحُّ ويَتَسَهَّلُ ﴿أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ في سُرْعَةِ السَّيْرِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَكَوُّنِ النَّباتِ وتَعَيُّشِ الحَيَوانِ، أوْ في الآثارِ والمَنافِعِ، أوْ في المَكانِ، بِأنْ تَنْزِلَ في مَنزِلِهِ أوْ في سُلْطانِهِ فَتَطْمِسَ نُورَهُ، وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّراتٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما قُدِّرَ لَها ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أيْ: يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ، ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما: آياتُهُما - وهُما النَّيِّرانِ - وبِالسَّبْقِ سَبْقُ القَمَرِ إلى سُلْطانِ الشَّمْسِ، فَيَكُونُ عَكْسًا لِلْأوَّلِ، وإيرادُ السَّبْقِ مَكانَ الإدْراكِ؛ لِأنَّهُ المُلائِمُ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلُّهُمْ، عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ التَّكاثُرِ العارِضِ لَهُما بِتَكاثُرِ مَطالِعِهِما، فَإنَّ اخْتِلافَ الأحْوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذّاتِ، أوْ إلى الكَواكِبِ فَإنَّ ذِكْرَهُما مُشْعِرٌ بِها ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَسِيرُونَ بِانْبِساطٍ وسُهُولَةٍ.

36:41Page 443

وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١

And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.

﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أوْلادَهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُونَهم إلى تِجاراتِهِمْ، أوْ صِبْيانَهم ونِساءَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَصْحَبُونَهُمْ، فَإنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلَيْهِنَّ لا سِيَّما مَعَ الِاخْتِلاطِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِما أنَّ اسْتِقْرارَهم في السُّفُنِ أشَقُّ، واسْتِمْساكَهم فِيها أبْدَعُ ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ، وقِيلَ: هو فُلْكُ نُوحٍ (p-169)عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَمْلُ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيها حَمْلُ آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هَؤُلاءِ وذُرِّيّاتُهُمْ، وتَخْصِيصُ أعْقابِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَهُمْ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ، وأدْخَلُ في التَّعْجِيبِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ كَوْنُهُ آيَةً.

36:42Page 443

وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢

And We created for them from the likes of it that which they ride.

﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ﴾ مِمّا يُماثِلُ الفُلْكَ ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ مِنَ الإبِلِ؛ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ، أوْ مِمّا يُماثِلُ ذَلِكَ الفُلْكَ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ، وجَعْلُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى - مَعَ كَوْنِها مِن مَصْنُوعاتِ العِبادِ - لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ صُنْعِهِمْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وإلْهامِهِ، بَلْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ أصْلِها بِقدرته تعالى وحِكْمَتِهِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْ مُلابَسَتِهِمْ بِهَذِهِ السُّفُنِ بِالرُّكُوبِ لِأنَّها بِاخْتِيارِهِمْ، كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ مُلابَسَةِ ذُرِّيَّتِهِمْ بِفُلْكِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَمْلِ لِكَوْنِها بِغَيْرِ شُعُورٍ مِنهم واخْتِيارٍ.

36:43Page 443

وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣

And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved

﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ ... إلَخْ، مِن تَمامِ الآيَةِ، فَإنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِمَضْمُونِهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقُرِئَ: (نُغَرِّقُهُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي تَعْلِيقِ الإغْراقِ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَدْ تَكامَلَ ما يُوجِبُ إهْلاكَهم مِن مَعاصِيهِمْ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَعَلُّقُ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ، أيْ: إنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم في اليَمِّ مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ، فَحَدِيثُ خَلْقِ الإبِلِ حِينَئِذٍ كَلامٌ جِيءَ بِهِ في خِلالِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ لِكَمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ الإبِلِ والفُلْكِ، فَكَأنَّها نَوْعٌ مِنهُ، أوْ مَعَ ما يَرْكَبُونَ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم يَحْرُسُهم مِنَ الغَرَقِ، ويَدْفَعُهُ عَنْهم قَبْلَ وُقُوعِهِ، وقِيلَ: فَلا اسْتِغاثَةَ لَهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: أتاهُمُ الصَّرِيخُ ﴿وَلا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ: يُنَجَّوْنَ مِنهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:44Page 443

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤

Except as a mercy from Us and provision for a time.

﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ الشّامِلَةِ لِلْباعِثِ المُتَقَدِّمِ، والغايَةِ المُتَأخِّرَةِ، أيْ: لا يُغاثُونَ ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قِبَلِنا داعِيَةٍ إلى الإغاثَةِ والإنْقاذِ وتَمْتِيعٍ بِالحَياةِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ"الرَّحْمَةِ" ما يُقارِنُ التَّمْتِيعَ مِنَ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَكُونُ كِلاهُما غايَةً لِلْإغاثَةِ والإنْقاذِ، أيْ: لِنَوْعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وتَمْتِيعٍ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ: إلى زَمانٍ قُدِّرَ فِيهِ آجالُهُمْ، كَما قِيلَ:

؎ ولَمْ أسْلَمْ لِكَيْ أبْقى ولَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمامِ

36:45Page 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥

But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كانُوا يُشاهِدُونَها، وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ فِيها، أيْ: إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الإنْذارِ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ أوْ بِغَيْرِهِ: اتَّقُوا ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾ مِنَ الآفاتِ والنَّوازِلِ، فَإنَّها مُحِيطَةٌ بِكُمْ، أوْ ما يُصِيبُكم مِنَ المَكارِهِ مِن حَيْثُ تَحْتَسِبُونَ ومِن حَيْثُ لا تَحْتَسِبُونَ، أوْ مِنَ الوَقائِعِ النّازِلَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَكم والعَذابِ المُعَدِّ لَكم في الآخِرَةِ، أوْ مِن نَوازِلِ السَّماءِ ونَوائِبِ (p-170)الأرْضِ، أوْ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، أوْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ وما تَأخَّرَ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن واوِ "اتَّقُوا" أوْ غايَةٌ لَهُ، أيْ: راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا، أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَتَنْجُوا مِن ذَلِكَ لِما عَرَفْتُمْ أنَّ مَناطَ النَّجاةِ لَيْسَ إلّا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

36:46Page 443

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ انْفِهامًا بَيِّنًا، أمّا إذا كانَ الإنْذارُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ فَبِعِبارَةِ النَّصِّ، وأمّا إذا كانَ بِغَيْرِها فَبِدَلالَتِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ فَلِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ غَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ: اتَّقُوا العَذابَ أعْرَضُوا حَسْبَما اعْتادُوهُ، و"ما" نافِيَةٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَعَ مَجْرُورِها صِفَةً لِـ(آيَةٍ) وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ، فَإتْيانُها نُزُولُها، والمَعْنى ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وسَوابِغِ آلائِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها، والإيمانِ بِها "إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ" عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلْمُعْجِزاتِ وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الثَّلاثُ المَعْدُودَةُ آنِفًا، فالمُرادُ بِإتْيانِها ما يَعُمُّ نُزُولَ الوَحْيِ وظُهُورَ تِلْكَ الأُمُورِ لَهُمْ، والمَعْنى: ما يَظْهَرُ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى وتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ - إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ، تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى، وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا عَنْها - كَما وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ - لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ، وعَنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ تَأْتِي، أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها، أوْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنها في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها.

36:47Page 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧

And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."

﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أعْطاكم بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ مِن أنْواعِ الأمْوالِ، عُبِّرَ عَنْها بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وتَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في تَرْكِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وكَذَلِكَ "مِن" التَّبْعِيضِيَّةُ، أيْ: إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ: أنْفِقُوا بَعْضَ ما أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ عَلى المُحْتاجِينَ - فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرُدُّ البَلاءَ ويَدْفَعُ المَكارِهَ - ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالصّانِعِ - عَزَّ وجَلَّ - وهم زَنادِقَةٌ كانُوا بِمَكَّةَ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وبِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿أنُطْعِمُ﴾ حَسْبَما تَعِظُونَنا بِهِ ﴿مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ (p-171)أطْعَمَهُ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ بِمَكَّةَ زَنادِقَةٌ إذا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلى المَساكِينِ قالُوا: لا واللَّهِ، أيُفْقِرُهُ اللَّهُ ونُطْعِمُهُ نَحْنُ، وقِيلَ: قالَهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ حِينَ اسْتَطْعَمَهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي زَعَمُوا أنَّهم جَعَلُوها لِلَّهِ تَعالى مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، يُوهِمُونَ أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَشَأْ إطْعامَهم - وهو قادِرٌ عَلَيْهِ - فَنَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ، وما هو إلّا لِفَرْطِ جَهالَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُطْعِمُ عِبادَهُ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها: حَثُّ الأغْنِياءِ عَلى إطْعامِ الفُقَراءِ، وتَوْفِيقُهم لِذَلِكَ ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حَيْثُ تَأْمُرُونَنا بِما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ حِكايَةً لِجَوابِ المُؤْمِنِينَ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском