Abu as-Su'udYa-Sin · 36:48–67

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:48–67

36:48Page 443

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما تَعِدُونَنا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، مُخاطِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِما أنَّهم أيْضًا كانُوا يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِ الوَعِيدِ بِقِيامِها، ومَعْنى القُرْبِ في هَذا إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، وإمّا بِاعْتِبارِ قُرْبِ العَهْدِ بِالوَعْدِ.

36:49Page 443

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩

They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.

﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ مُفاجَأةً ﴿وَهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ: يَتَخاصَمُونَ في مَتاجِرِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ، لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَخايِلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى:" فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ " فَلا يَغْتَرُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِ عَلائِمِها ولا يَزْعُمُوا أنَّها لا تَأْتِيهِمْ، وأصْلُ (يَخِصِّمُونَ) يَخْتَصِمُونَ فَسُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ لِلِاتِّباعِ، وبِفَتْحِ الخاءِ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ التّاءِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلى الِاخْتِلاسِ، وبِالإسْكانِ عَلى تَجْوِيزِ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، وقُرِئَ: (يَخْصِمُونَ) مِن خَصَمَهُ إذا جادَلَهُ.

36:50Page 443

فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.

﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إنْ كانُوا فِيما بَيْنَ أهْلِيهِمْ ﴿وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إنْ كانُوا في خارِجِ أبْوابِهِمْ، بَلْ تَبْغَتُهُمُ الصَّيْحَةُ، فَيَمُوتُونَ حَيْثُما كانُوا.

36:51Page 443

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١

And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.

﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى أرْبَعُونَ سَنَةً، أيْ: يُنْفَخُ فِيهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ: القُبُورِ، جَمْعِ جَدَثٍ، وقُرِئَ بِالفاءِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ بِطَرِيقِ الإجْبارِ دُونَ الِاخْتِيارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: "لَدَيْنا مُحْضَرُونَ" وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ.

36:52Page 443

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٥٢

They will say, "O woe to us! Who has raised us up from our sleeping place?" [The reply will be], "This is what the Most Merciful had promised, and the messengers told the truth."

﴿قالُوا﴾ أيْ: في ابْتِداءِ بَعْثِهِمْ مِنَ القُبُورِ ﴿يا ويْلَنا﴾ احْضُرْ فَهَذا أوانُكَ، وقُرِئَ: (يا ويْلَتَنا) ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ وقُرِئَ: (مَن أهَبَّنا) مِن هَبَّ مِن نَوْمِهِ إذا انْتَبَهَ، وقُرِئَ: (مَن هَبَنا) بِمَعْنى أهَبَّنا، وقِيلَ: أصْلُهُ (p-172)هَبَّ بِنا، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ.

قِيلَ: فِيهِ تَرْشِيحٌ ورَمْزٌ وإشْعارٌ بِأنَّهم لِاخْتِلاطِ عُقُولِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهم كانُوا نِيامًا.

وَعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ لِلْكَفّارِ هَجْعَةً يَجِدُونَ فِيها طَعْمَ النَّوْمِ، فَإذا صِيحَ بِأهْلِ القُبُورِ يَقُولُونَ ذَلِكَ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ، وقَتادَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى -: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَيَرْقُدُونَ، فَإذا بُعِثُوا بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وشاهَدُوا مِن أهْوالِ القِيامَةِ ما شاهَدُوا دَعَوْا بِالوَيْلِ، وقالُوا ذَلِكَ.

وَقِيلَ: إذا عايَنُوا جَهَنَّمَ، وما فِيها مِن أنْواعِ العَذابِ يَصِيرُ عَذابُ القَبْرِ في جَنْبِها مِثْلَ النَّوْمِ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ.

وَقُرِئَ: (مِن بَعْثِنا) و(مِن هَبِّنا) بِـ"مِن" الجارَّةِ والمَصْدَرِ، والمَرْقَدُ إمّا مَصْدَرٌ، أيْ: مِن رُقادِنا، أوِ اسْمُ مَكانٍ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ فَيَنْتَظِمُ مَراقِدَ الكُلِّ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، و"ما" مَوْصُولَةٌ مَحْذُوفَةُ العائِدِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهو جَوابٌ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ أوِ المُؤْمِنِينَ، عُدِلَ بِهِ عَنْ سُنَنِ سُؤالِهِمْ تَذْكِيرًا لِكُفْرِهِمْ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الَّذِي يَهُمُّهم هو السُّؤالُ عَنْ نَفْسِ البَعْثِ، ماذا هو دُونَ الباعِثِ؟ كَأنَّهم قالُوا: بَعَثَكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي وعَدَكم ذَلِكَ في كُتُبِهِ، وأرْسَلَ إلَيْكُمُ الرُّسُلَ فَصَدَّقُوكم فِيهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما تَتَوَهَّمُونَهُ حَتّى تَسْألُوا عَنِ الباعِثِ.

وَقِيلَ: هو مِن كَلامِ الكافِرِينَ، حَيْثُ يَتَذَكَّرُونَ ما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيُجِيبُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، أوْ بَعْضَهم بَعْضًا، وقِيلَ: هَذا صِفَةٌ لِمَرْقَدِنا، و"ما وعَدَ" ... إلَخْ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ حَقٌّ.

36:53Page 443

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٥٣

It will not be but one blast, and at once they are all brought present before Us.

﴿إنْ كانَتْ﴾ أيْ: ما كانَتِ النَّفْخَةُ الَّتِي حُكِيَتْ آنِفًا ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ حَصَلَتْ مِن نَفْخِ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الصُّورِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ﴾ أيْ: مَجْمُوعٌ ﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ مِن غَيْرِ لُبْثٍ ما طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفِيهِ مِن تَهْوِينِ أمْرِ البَعْثِ والحَشْرِ والإيذانِ بِاسْتِغْنائِهِما عَنِ الأسْبابِ ما لا يَخْفى.

36:54Page 443

فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٤

So today [i.e., the Day of Judgement] no soul will be wronged at all, and you will not be recompensed except for what you used to do.

﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ، بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الظُّلْمِ ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ التَّلازُمِ والِارْتِباطِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ، أيْ: بِمُقابَلَتِهِ أوْ بِسَبَبِهِ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَرُدُّهُ أنَّهُ تَعالى يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وهَذِهِ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ المُعَدَّ لَهم تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ، وتَقْرِيعًا لَهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:55Page 444

إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥

Indeed the companions of Paradise, that Day, will be amused in [joyful] occupation -

﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ زِيادَةً لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، فَإنَّ الإخْبارَ بِحُسْنِ حالِ أعْدائِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مِمّا يَزِيدُهم مَساءَةً عَلى مَساءَةٍ، وفي هَذِهِ الحِكايَةِ مَزْجَرَةٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ عَمّا هم عَلَيْهِ، ومَدْعاةٌ إلى الِاقْتِداءِ بِسِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، والشُّغُلُ هو الشَّأْنُ الَّذِي يَصُدُّ المَرْءَ ويَشْغَلُهُ عَمّا سِواهُ مِن شُئُونِهِ لِكَوْنِهِ أهَمَّ عِنْدَهُ مِنَ الكُلِّ، إمّا لِإيجابِهِ كَمالَ المَسَرَّةِ (p-173)والبَهْجَةِ، أوْ كَمالَ المَساءَةِ والغَمِّ، والمُرادُ هَهُنا هو الأوَّلُ، وما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ والإبْهامِ لِلْإيذانِ بِارْتِفاعِهِ عَنْ رُتْبَةِ البَيانِ، والمُرادُ بِهِ ما هم فِيهِ مِن فُنُونِ المَلاذِّ الَّتِي تُلْهِيهِمْ عَمّا عَداها بِالكُلِّيَّةِ.

وَأمّا أنَّ المُرادَ بِهِ افْتِضاضُ الأبْكارِ، أوِ السَّماعُ وضَرْبُ الأوْتارِ، أوِ التَّزاوُرُ، أوْ ضِيافَةُ اللَّهِ تَعالى، أوْ شُغُلُهم عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ شُغُلُهم عَنْ أهالِيهِمْ في النّارِ لا يُهِمُّهم أمْرُهُمْ، ولا يُبالُونَ بِهِمْ كَيْلا يُدْخَلَ عَلَيْهِمْ تَنْغِيصٌ في نَعِيمِهِمْ - كَما رُوِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَنْ واحِدٍ مِن أكابِرِ السَّلَفِ - فَلَيْسَ مُرادُهم بِذَلِكَ حَصْرَ شُغُلِهِمْ فِيما ذَكَرُوهُ فَقَطْ، بَلْ بَيانُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أشْغالِهِمْ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهم كُلًّا مِن تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ مَحْمُولٌ عَلى اقْتِضاءِ مَقامِ البَيانِ إيّاهُ، وهو مَعَ جارِّهِ خَبَرٌ لِـ"إنَّ"، و"فاكِهُونَ" خَبَرٌ آخَرُ لَها، أيْ أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في شُغُلٍ - وأيُّ شُغُلٍ - في شُغُلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ، مُتَنَعِّمُونَ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ، فائِزُونَ بِمُلْكٍ كَبِيرٍ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ حالِهِمْ هَذِهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَبْلَ تَحَقُّقِها - بِتَنْزِيلِ المُتَرَقَّبِ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ - لِلْإيذانِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِها ووُقُوعِها، ولِزِيادَةِ مَساءَةِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ.

وَقُرِئَ: (فِي شُغْلٍ) بِسُكُونِ الغَيْنِ، و(فِي شَغَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ وبِفَتْحَةٍ وسُكُونٍ، والكُلُّ لُغاتٌ.

وَقُرِئَ: (فَكِهُونَ) لِلْمُبالَغَةِ، و(فَكُهُونَ) بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كَنُطُسٍ، و"فاكِهِينَ" و"فَكِهِينَ" عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:56Page 444

هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦

They and their spouses - in shade, reclining on adorned couches.

﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ شُغُلِهِمْ وتَفَكُّهِهِمْ، وتَكْمِيلِهِما بِما يَزِيدُهم بَهْجَةً وسُرُورًا مِن شَرِكَةِ أزْواجِهِمْ لَهُمْ، فِيما هم فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ والفَكاهَةِ عَلى أنَّ "هُمْ" مُبْتَدَأٌ، و"أزْواجُهُمْ" عَطْفٌ عَلَيْهِ، و(مُتَّكِئُونَ) خَبَرٌ، والجارّانِ صِلَتانِ لَهُ قُدِّمَتا عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ هو والجارّانِ بِما تَعَلَّقا بِهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ أخْبارٌ مُتَرَتِّبَةٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ هو الظَّرْفُ الأوَّلُ، والثّانِي مُسْتَأْنَفٌ عَلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(مُتَّكِئُونَ) وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"مُتَّكِئُونَ" مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقُرِئَ: (مُتَّكِينَ) بِلا هَمْزٍ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفَيْنِ أوْ أحَدِهِما، وقِيلَ: هم تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنِّ في خَبَرِ (إنَّ) و"مُتَّكِئُونَ" خَبَرٌ آخَرُ لَها، و"عَلى الأرائِكِ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وكَذا (فِي ظِلالٍ) أوْ هَذا بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ.

والظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ كَشِعابٍ جَمْعِ شِعْبٍ، أوْ جَمْعُ ظُلَّةٍ كَقِبابٍ جَمْعِ قُبَّةٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (فِي ظُلَلٍ) و"الأرائِكِ" جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السَّرِيرُ المُزَيَّنُ بِالثِّيابِ والسُّتُورِ، قالَ ثَعْلَبٌ: لا تَكُونُ أرِيكَةٌ حَتّى تَكُونَ عَلَيْها حَجْلَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:57Page 444

لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧

For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]

﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ﴾ ... إلَخْ، بَيانٌ لِما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الجَنَّةِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، ويَتَلَذَّذُونَ بِهِ مِنَ المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، بَعْدَ بَيانِ ما لَهم فِيها مِن مَجالِسِ الأُنْسِ، ومَحافِلِ القُدْسِ، تَكْمِيلًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ الشُّغُلِ والبَهْجَةِ، أيْ: لَهم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الفَواكِهِ، و(ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم ما يَدَّعُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ عُبِّرَ بِها عَنْ مَدْعُوٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ مُعَيَّنٍ أوْ مُبْهَمٍ؛ إيذانًا بِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالدُّعاءِ دُونَ ما عَداهُ، ثُمَّ صُرِّحَ بِهِ؛ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ بِالتَّحْقِيقِ بَعْدَ التَّشْوِيقِ - كَما سَتَعْرِفُهُ - أوْ هي باقِيَةٌ عَلى عُمُومِها قُصِدَ بِها التَّعْمِيمُ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ المَوادِّ المُعْتادَةِ بِالذِّكْرِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُبْتَدَأٌ، و"لَهُمْ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ "ما يَدَّعُونَ" عَلى "فاكِهَةٌ" لِئَلّا (p-174)يُتَوَهَّمَ كَوْنُ "ما" عِبارَةً عَنْ تَوابِعِ الفاكِهَةِ وتَتِمّاتِها.

والمَعْنى: ولَهم ما يَدَّعُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ مِن مَدْعُوٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ، أوْ كُلُّ ما يَدَّعُونَ بِهِ كائِنًا ما كانَ مِن أسْبابِ البَهْجَةِ ومُوجِباتِ السُّرُورِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم في أقْصى غايَةِ البَهْجَةِ والغِبْطَةِ، و(يَدَّعُونَ) يَفْتَعِلُونَ مِنَ الدُّعاءِ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - مِثْلُ اشْتَوى واجْتَمَلَ إذا شَوى وجَمُلَ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: بِمَعْنى يَتَداعُونَ كالِارْتِماءِ بِمَعْنى التَّرامِي، وقِيلَ: بِمَعْنى يَتَمَنَّوْنَ، مِن قَوْلِهِمُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ بِمَعْنى تَمَنَّهُ عَلَيَّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ الدُّعاءِ، أيْ: ما يَدْعُو بِهِ أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ، فَيَكُونُ الِافْتِعالُ بِمَعْنى الفِعْلِ كالِاحْتِمالِ بِمَعْنى الحِمْلِ والِارْتِحالِ بِمَعْنى الرِّحْلَةِ، ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ كَما ذَكَرَهُ الكَواشِيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:58Page 444

سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨

[And] "Peace," a word from a Merciful Lord.

﴿سَلامٌ﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ بَدَلٌ مِن "ما يَدَّعُونَ" أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو صِفَةٌ لِـ"سَلامٌ"، وما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَهم سَلامٌ، أوْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ، يُقالُ لَهم قَوْلًا كائِنًا ﴿مِن﴾ جِهَةِ ﴿رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أيْ: يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِدُونِها؛ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ.

وَأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لِـ"ما يَدَّعُونَ" و"لَهُمْ" لِبَيانِ الجِهَةِ، كَما يُقالُ: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ مُتَوَفِّرٌ، عَلى أنَّ الشَّرَفَ مُبْتَدَأٌ و(مُتَوَفِّرٌ) خَبَرُهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ لِبَيانِ مَن لَهُ ذَلِكَ، أيْ: ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ، و"قَوْلًا" حِينَئِذٍ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أيْ: عِدَةٌ مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، والأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: لَهم سَلامٌ، أيْ: تَسْلِيمٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، أوْ سَلامَةٌ مِنَ الآفاتِ، فَيَكُونُ (قَوْلًا) مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ كَما سَبَقَ.

وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ حِكايَةً لِما سَيُقالُ لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: خَبَرُهُ الفِعْلُ المُقَدَّرُ ناصِبًا لِـ"قَوْلًا"، وقِيلَ: خَبَرُهُ مِن (رَبٍّ رَحِيمٍ) وقُرِئَ: (سَلامًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لَهم مُرادُهم سالِمًا خالِصًا، وقُرِئَ: سِلْمٌ، وهو بِمَعْنى السَّلامِ في المَعْنَيَيْنِ.

36:59Page 444

وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩

[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1

﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ، لا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ فِعْلِ الأمْرِ بِخُصُوصِهِ حَتّى يَتَمَحَّلَ لَهُ مُشاكِلٌ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ عَطْفُ قِصَّةِ سُوءِ حالِ هَؤُلاءِ وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِمْ عَلى قِصَّةِ حُسْنِ حالِ أُولَئِكَ ووَصْفِ ثَوابِهِمْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... الآيَةَ، وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وحالَيْهِما، وإمّا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ حِكايَةُ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ - إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِمْ في شُغُلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ، وفَوْزِهِمْ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ -: فَلْيُقَرُّوا بِذَلِكَ عَيْنًا، وامْتازُوا عَنْهم ﴿أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ إلى مَصِيرِكم.

وَعَنْ قَتادَةَ: اعْتَزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُضْمَرَ (فَلْيَمْتازُوا) فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ لِما أنَّ المَحْكِيَّ عَنْهم لَيْسَ مَصِيرَهم إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحالِ المَرَضِيَّةِ، حَتّى يَتَسَنّى تَرْتِيبُ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، بَلْ إنَّما هو اسْتِقْرارُهم عَلَيْها بِالفِعْلِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ تَنْزِيلِ المُتَرَقَّبِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ مَناطَ الإضْمارِ إنْسِياقُ الأفْهامِ إلَيْهِ، وانْصِبابُ (p-175)نَظْمِ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَبَعْدَما نَزَلَتْ تِلْكَ الحالَةُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِالفِعْلِ - لِما اقْتَضاهُ المَقامُ مِنَ النُّكْتَةِ البارِعَةِ والحِكْمَةِ الرّائِعَةِ حَسْبَما مَرَّ بَيانُهُ - وأُسْقِطَ كَوْنُها مُتَرَقَّبَةً عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ بِالكُلِّيَّةِ يَكُونُ التَّصَدِّي لِإضْمارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ إخْراجًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الجَزالَةِ بِالمَرَّةِ.

36:60Page 444

۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠

Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -

﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِامْتِيازِ وبَيْنَ الأمْرِ بِدُخُولِ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ ... إلَخْ، والعَهْدُ: الوَصِيَّةُ والتَّقَدُّمُ بِأمْرٍ فِيهِ خَيْرٌ ومَنفَعَةٌ، والمُرادُ هَهُنا ما كَلَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ .... الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وغَيْرُهُما مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى.

وَقِيلَ: هو المِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وأُشْهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ.

وَقِيلَ: هو ما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الآمِرَةِ بِعِبادَتِهِ تَعالى، الزّاجِرَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، والمُرادُ بِـ"عِبادَةِ الشَّيْطانِ" طاعَتُهُ فِيما يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِمْ ويُزَيِّنُهُ لَهُمْ، عُبِّرَ عَنْها بِالعِبادَةِ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّنْفِيرِ عَنْها في مُقابَلَةِ عِبادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقُرِئَ: (إعْهَدْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، و(أعْهِدْ) بِكَسْرِ الهاءِ، و(أحْهَدْ) بِالحاءِ مَكانَ العَيْنِ، و(أحَّدْ) بِالإدْغامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.

36:61Page 444

وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And that you worship [only] Me? This is a straight path.

﴿وَأنِ اعْبُدُونِي﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ لا تَعْبُدُوا" عَلى أنَّ "أنْ" فِيهِما مُفَسِّرَةٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى القَوْلِ بِالنَّهْيِ والأمْرِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، أيْ: ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم في تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفي عِبادَتِي، وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِما أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ التَّقَدُّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، كَما في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى عِبادَتِهِ تَعالى الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى:

36:62Page 444

وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢

And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?

﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وتَأْكِيدِ التَّقْرِيعِ بِبَيانِ أنَّ جِناياتِهِمْ لَيْسَتْ بِنَقْضِ العَهْدِ فَقَطْ بَلْ بِهِ وبِعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِما شاهَدُوا مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى الأُمَمِ الخالِيَةِ بِسَبَبِ طاعَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، فالخِطابُ لِمُتَأخِّرِيهِمُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ كُفّارُ مَكَّةَ، خُصُّوا بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِتَضاعُفِ جِناياتِهِمِ.

والجِبِلُّ - بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ وتَشْدِيدِ اللّامِ - الخَلْقُ، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدٍ، وبِضَمَّتَيْنِ وتَخْفِيفٍ، وبِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، وبِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفٍ، وبِكَسْرَةٍ وسُكُونٍ، والكُلُّ لُغاتٌ.

وَقُرِئَ: (جِبْلًا) جَمْعُ جِبْلَةٍ كَفِطْرٍ وخَلْقٍ في فِطْرَةٍ وخِلْقَةٍ، وقُرِئَ: (جِيلًا) بِالياءِ، وهو الصِّنْفُ مِنَ النّاسِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أضَلَّ مِنكم خَلْقًا كَثِيرًا، أوْ صِنْفًا (p-176)كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي أمَرْتُكم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، فَأصابَهم لِأجْلِ ذَلِكَ ما أصابَهم مِنَ العُقُوباتِ الهائِلَةِ الَّتِي مَلَأ الآفاقَ أخْبارُها، وبَقِيَ مَدى الدَّهْرِ آثارُها.

وَ"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أكُنْتُمْ تُشاهِدُونَ آثارَ عُقُوباتِهِمْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أنَّها لِضَلالِهِمْ؟! أوْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا حَتّى تَرْتَدِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ؟! كَيْلا يَحِيقَ بِكُمُ العِقابُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:63Page 444

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣

This is the Hellfire which you were promised.

﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، يُخاطَبُونَ بِهِ بَعْدَ تَمامِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ عِنْدَ إشْرافِهِمْ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، أيْ: كُنْتُمْ تُوعَدُونَها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمُقابَلَةِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:64Page 444

ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤

[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1

﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أمْرُ تَنْكِيلٍ وإهانَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ ... إلَخْ، أيِ: ادْخُلُوها مِن فَوْقُ، وقاسُوا فُنُونَ عَذابِها اليَوْمَ بِكُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

36:65Page 444

ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥

That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.

﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ أيْ: خَتْمًا يَمْنَعُها عَنِ الكَلامِ، التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، ويُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ: (تَخْتِمُ).

﴿وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يُرْوى أنَّهم يَجْحَدُونَ ويُخاصِمُونَ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جِيرانُهم وأهالِيهِمْ وعَشائِرُهُمْ، فَيَحْلِفُونَ ما كانُوا مُشْرِكِينَ فَحِينَئِذٍ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم.

وَفِي الحَدِيثِ: «يَقُولُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ، ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ.»

وَقِيلَ: تَكْلِيمُ الأرْكانِ وشَهادَتُها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها، وظُهُورُ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها، وقُرِئَ: (وَتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ)، وقُرِئَ: (وَلِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ وتَشَهُدَ) بِلامِ كَيْ والنَّصْبِ، عَلى مَعْنى: ولِذَلِكَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ، وقُرِئَ: (وَلْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولْتَشْهَدْ) بِلامِ الأمْرِ والجَزْمِ.

36:66Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦

And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1

﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ الطَّمْسُ تَعْفِيَةُ شَقِّ العَيْنِ حَتّى تَعُودَ مَمْسُوحَةً، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ الَّتِي هي وُقُوعُها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: لَوْ نَشاءُ أنْ نَطْمِسَ عَلى أعْيُنِهِمْ لَفَعَلْناهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبال - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ الطَّمْسِ عَلى أعْيُنِهِمْ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ (p-177)الفِعْلِ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ بِحَسَبِ المَقامِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أيْ: فَأرادُوا أنْ يَسْتَبِقُوا إلى الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ - عَلى أنَّ انْتِصابَهُ بِنَزْعِ الجارِّ - أوْ هو بِتَضْمِينِ الِاسْتِباقِ مَعْنى الِابْتِدارِ، أوْ بِالظَّرْفِيَّةِ ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ الطَّرِيقَ وجِهَةَ السُّلُوكِ.

36:67Page 444

وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧

And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1

﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ بِتَغْيِيرِ صُوَرِهِمْ، وإبْطالِ قُواهم ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ: مَكانِهِمْ إلّا أنَّ المَكانَةَ أخَصُّ كالمَقامَةِ والمَقامِ، وقُرِئَ: (عَلى مَكاناتِهِمْ) أيْ: لَمَسَخْناهم مَسْخًا يُجَمِّدُهم مَكانَهُمْ، لا يَقْدِرُونَ أنْ يَبْرَحُوهُ بِإقْبالٍ ولا إدْبارٍ ولا رُجُوعٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: ولا رُجُوعًا، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ الفِعْلُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -قِرَدَةً وخَنازِيرَ.

وَقِيلَ: حِجارَةً.

وَعَنْ قَتادَةَ: لَأقْعَدْناهم عَلى أرْجُلِهِمْ وأزَّمْناهم.

وَقُرِئَ: (مِضِيًّا) بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، ولَيْسَ مَساقُ الشَّرْطِيَّتَيْنِ لِمُجَرَّدِ بَيانِ قدرته تعالى عَلى ما ذُكِرَ مِن عُقُوبَةِ الطَّمْسِ والمَسْخِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّهم - بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ونَقْضِ العَهْدِ، وعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِما شاهَدُوا مِن آثارِ دَمارِ أمْثالِهِمْ - أحِقّاءَ بِأنْ يُفْعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا تِلْكَ العُقُوبَةُ، كَما فُعِلَ بِهِمْ في الآخِرَةِ عُقُوبَةُ الخَتْمِ، وأنَّ المانِعَ مِن ذَلِكَ لَيْسَ إلّا عَدَمُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَشاءُ عُقُوبَتَهم بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لَها لَفَعَلْناها، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْها جَرْيًا عَلى سُنَنِ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ الدّاعِيَتَيْنِ إلى إمْهالِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском