Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:68–83
36:68Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ أيْ: نَقْلِبْهُ فِيهِ ونَخْلُقْهُ عَلى عَكْسِ ما خَلَقْناهُ أوَّلًا، فَلا يَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُهُ، وتَتَناقَصُ قُوَّتُهُ، وتُنْتَقَصُ بِنْيَتُهُ، ويَتَغَيَّرُ شَكْلُهُ وصُورَتُهُ، حَتّى يَعُودَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالِ الصَّبِيِّ في ضَعْفِ الجَسَدِ، وقِلَّةِ العَقْلِ، والخُلُوِّ عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ، وقُرِئَ: (نَنْكُسْهُ) مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، و(نُنْكِسْهُ) مِنَ الإنْكاسِ.
﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أيَرَوْنَ ذَلِكَ فَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ، وأنَّ عَدَمَ إيقاعِهِما لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِما (تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ لِجَرْيِ الخِطابِ قَبْلَهُ.
36:69Page 444
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ في حَقِّهِ ﷺ مِن أنَّهُ شاعِرٌ، وما يَقُولُهُ شِعْرٌ، أيْ: ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرُ بِتَعْلِيمِ القرآن عَلى مَعْنى أنَّ القرآن لَيْسَ بِشِعْرٍ، فَإنَّ الشِّعْرَ كَلامٌ مُتَكَلَّفٌ مَوْضُوعٌ، ومَقالٌ مُزَخْرَفٌ مَصْنُوعٌ مَنسُوجٌ عَلى مِنوالِ الوَزْنِ والقافِيَّةِ، مَبْنِيٌّ عَلى خَيالاتٍ وأوْهامٍ واهِيَةٍ، فَأيْنَ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ الخَطِرِ، المُنَزَّهِ عَنْ مُماثَلَةِ كَلامِ البَشَرِ، المَشْحُونِ بِفُنُونِ الحِكَمِ والأحْكامِ الباهِرَةِ، المُوصِلَةِ إلى سَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِن أيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الشُّؤُونُ، واخْتَلَطَ بِهِمُ الظُّنُونُ؟ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ الشِّعْرُ، ولا يَتَأتّى لَهُ لَوْ طَلَبَهُ، أيْ: جَعَلْناهُ بِحَيْثُ لَوْ أرادَ قَرْضَ الشِّعْرِ لَمْ يَتَأتَّ لَهُ، كَما جَعَلْناهُ أُمِّيًّا لا يَهْتَدِي لِلْخَطِّ؛ لِتَكُونَ الحُجَّةُ أثْبَتَ والشُّبْهَةُ أدْحَضَ.
وَأمّا قَوْلُهُ ﷺ:
؎ أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ
(p-178)وَقَوْلُهُ ﷺ:
؎ هَلْ أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتِ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيَتِ
فَمِن قَبِيلِ الِاتِّفاقاتِ الوارِدَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْها، وعَزْمٍ عَلى تَرْتِيبِها.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ في "لَهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: وما يَنْبَغِي لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما القرآن ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإرْشادٌ لِلثَّقَلَيْنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: كِتابٌ سَماوِيٌّ بَيِّنٌ كَوْنُهُ كَذَلِكَ، أوْ فارِقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ يُقْرَأُ في المَحارِيبِ، ويُتْلى في المَعابِدِ، ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِما فِيهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ، فَكَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما قالُوا؟
36:70Page 444
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ: القرآن، أوِ الرَّسُولُ ﷺ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتّاءِ، وقُرِئَ: (لِيَنْذُرَ) مِن نَذَرَ بِهِ أيْ: عَلِمَهُ، و(لِيُنْذَرَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإنْذارِ ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: عاقِلًا مُتَأمِّلًا؛ فَإنَّ الغافِلَ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ، أوْ مُؤْمِنًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ بِالإيمانِ، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِهِ ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ: تَجِبَ كَلِمَةُ العَذابِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وفي إيرادِهِمْ بِمُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارٌ بِأنَّهم لِخُلُوِّهِمْ عَنْ آثارِ الحَياةِ وأحْكامِها الَّتِي هي المَعْرِفَةُ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ.
36:71Page 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِلْمَعْطُوفِ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرُوا، أوْ ألَمْ يُلاحِظُوا، ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا مُتاخِمًا لِلْمُعايَنَةِ ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ: مِمّا تَوَلَّيْنا إحْداثَهُ بِالذّاتِ، وذِكْرُ الأيْدِي وإسْنادُ العَمَلِ إلَيْها اسْتِعارَةٌ تُفِيدُ مُبالَغَةً في الِاخْتِصاصِ والتَّفَرُّدِ بِالأحْداثِ والِاعْتِناءِ بِهِ ﴿أنْعامًا﴾ مَفْعُولُ (خَلَقْنا) وتَأْخِيرُهُ عَنِ الجارَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِما - لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِ المُؤَخَّرِ أمْرًا نافِعًا خَطِيرًا، كَما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ الجارَّ الأوَّلَ المُعْرِبَ عَنْ كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعِهِمْ، والثّانِيَ المُفْصِحَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الخَطِيرَةِ يَزِيدانِ النَّفْسَ شَوْقًا إلَيْهِ ورَغْبَةً فِيهِ، ولِأنَّ في تَأْخِيرِهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ أحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ الآياتِ الثَّلاثَ، أيْ: فَمَلَّكْناها إيّاهُمُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ مالِكِيَّتِهِمْ لَها واسْتِمْرارِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(مالِكُونَ) مُقَوِّيَةٌ لِعَمَلِهِ، أيْ: فَهم مالِكُونَ لَها بِتَمْلِيكِنا إيّاها لَهُمْ، مُتَصَرِّفُونَ فِيها بِالِاسْتِقْلالِ، مُخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِها، لا يُزاحِمُهم في ذَلِكَ غَيْرُهُمْ، أوْ قادِرُونَ عَلى ضَبْطِها، مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الصَّرْفِ فِيها بِأقْدارِنا وتَمْكِينِنا وتَسْخِيرِنا إيّاها لَهُمْ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى:
36:72Page 445
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ تَأْسِيسًا لِنِعْمَةٍ عَلى حِيالِها لا تَتِمَّةً لِما قَبْلَها، أيْ: صَيَّرْناها مُنْقادَةً لَهم بِحَيْثُ لا تَسْتَعْصِي عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِها حَتّى الذَّبْحِ (p-179)حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَفْرِيعِ أحْكامِ التَّذْلِيلِ عَلَيْهِ وتَفْصِيلِها، أيْ: فَبَعْضٌ مِنها رَكُوبُهُمْ، أيْ: مَرْكُوبُهُمْ، أيْ: مُعْظَمُ مَنافِعِها الرُّكُوبُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْحَمْلِ لِكَوْنِهِ مِن تَتِمّاتِ الرُّكُوبِ.
وَقُرِئَ: (رَكُوبَتُهُمْ) وهي بِمَعْناهُ كالحَلُوبِ والحَلُوبَةِ، وقِيلَ: الرَّكُوبَةُ اسْمُ جَمْعٍ، وقُرِئَ: (رُكُوبُهُمْ) أيْ: ذُو رُكُوبِهِمْ ﴿وَمِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: وبَعْضٌ مِنها يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ.
36:73Page 445
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
﴿وَلَهم فِيها﴾ أيْ في الأنْعامِ بِكِلا قِسْمَيْها ﴿مَنافِعُ﴾ أُخَرُ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالجُلُودِ والأصْوافِ والأوْبارِ وغَيْرِها، وكالحِراثَةِ بِالثِّيرانِ ﴿وَمَشارِبُ﴾ مِنَ اللَّبَنِ جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهَذا مُجْمَلُ ما فُصِّلَ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: أيُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ، أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها؟!
36:74Page 445
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي شاهَدُوا تَفَرُّدَهُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وتَفَضُّلَهُ عَلَيْهِمْ بَهاتِيكَ النِّعَمِ المُتَظاهِرَةِ ﴿آلِهَةً﴾ مِنَ الأصْنامِ، وأشْرَكُوها بِهِ تَعالى في العِبادَةِ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يُنْصَرُوا مِن جِهَتِهِمْ فِيما حَزَبَهم مِنَ الأُمُورِ، أوْ يَشْفَعُوا لَهم في الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
36:75Page 445
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَدْبِيرِهِمْ، أيْ: لا تَقْدِرُ آلِهَتُهم عَلى نَصْرِهِمْ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِآلِهَتِهِمْ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ يُشَيِّعُونَهم عِنْدَ مَساقِهِمْ إلى النّارِ، وقِيلَ: مُعَدُّونَ في الدُّنْيا لِحِفْظِهِمْ وخِدْمَتِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، ولا يُساعِدُهُ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى:
36:76Page 445
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ خُسْرانِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، وانْعِكاسُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِتَرْتِيبِ الشَّرِّ عَلى ما رَتَّبُوهُ لِرَجاءِ الخَيْرِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ، ويُورِثُ السَّلْوَةَ.
وَأمّا كَوْنُهم مُعَدِّينَ لِخِدْمَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ فَبِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، والنَّهْيُ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْلِهِمْ - لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَهْيٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِنهُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِئِهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبَّبِ، ويُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ لا أرَيْنَكَ هَهُنا
يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ مُخاطِبَهُ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ، والمُرادُ بِـ"قَوْلُهُمْ" ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما ذُكِرَ مِنِ اتِّخاذِهِمُ الأصْنامَ آلِهَةً، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْلُو عَنِ التَّفَوُّهِ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ آلِهَتُنا، وأنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الحُزْنَ.
وَقُرِئَ (يُحْزِنْكَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ اللّازِمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِطَرِيقِ الإشْعارِ، فَإنَّ العِلْمَ بِما ذُكِرَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُجازاةِ قَطْعًا، أيْ: إنّا نُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ جِناياتِهِمُ الخافِيَةِ (p-180)والبادِيَةِ الَّتِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِنا شَيْءٌ مِنها، وفِيهِ فَضْلُ تَسْلِيَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ علمه تعالى لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ - كَأنَّ علمه تعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ مَعَ اسْتِوائِهِما في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ صُوَرِها، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ - وإمّا لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِؤُهُ مُضْمَرٌ في القَلْبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَعَلُّقُ علمه تعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ حَقِيقَةً.
36:77Page 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بَعْدَما شاهَدُوا في أنْفُسِهِمْ أوْضَحَ دَلائِلِهِ، وأعْدَلَ شَواهِدِهِ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَما عايَنُوا فِيما بِأيْدِيهِمْ ما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ تَسْلِيَةٌ ثانِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الحَشْرَ فَكَلّا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ هي مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَعْطُوفِ، كَما مَرَّ في الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ السّابِقَةِ، أيْ: ألَمْ يَتَفَكَّرِ الإنْسانُ، ولَمْ يَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا ﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ ... إلَخْ؟ أوْ هي عَيْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أُعِيدَتْ تَأْكِيدًا لِلنَّكِيرِ السّابِقِ، وتَمْهِيدًا لِإنْكارِ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ لِما أنَّ المُنْكَرَ هُناكَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ، وهَهُنا عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أنْفُسِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أهَمُّ، وإحاطَتَهُ بِها أسْهَلُ وأكْمَلُ، فالإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ أدْخَلُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأسْبابِ مَعايِشِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا؟ مَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ ونِهايَةِ الأهَمِّيَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّ المُنْكَرَ الأوَّلَ بَعِيدٌ قَبِيحٌ، والثّانِيَ أبْعَدُ وأقْبَحُ.
وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى عَلى أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ في الِاعْتِبارِ، وأنَّ تَقَدُّمَ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ في الكَلامِ، كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ، وإيرادُ الإنْسانِ مَوْرِدَ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِأحْوالِهِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ الخُصُومَةِ والجِدالِ بِالباطِلِ، عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمَ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن أخَسِّ الأشْياءِ وأمْهَنِها فَفاجَأ خُصُومَتَنا في أمْرٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ وتَحَقُّقِهِ مَبْدَأُ فِطْرَتِهِ شَهادَةً بَيِّنَةً، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِ في الخُصُومَةِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها.
رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مِنهُمْ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، وأبُو جَهْلٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، تَكَلَّمُوا في ذَلِكَ، فَقالَ لَهم أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: ألا تَرَوْنَ إلى ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأمْواتَ، ثُمَّ قالَ: واللّاتِ والعُزّى لِأصِيرَنَّ إلَيْهِ ولَأخْصِمَنَّهُ، وأخَذَ عَظْمًا بالِيًا فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ، ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، أتُرى اللَّهُ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رَمَّ؟! قالَ ﷺ: «نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» فَنَزَلَتْ.»
وَقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فَإذا هو بَعْدَما كانَ ماءً مَهِينًا رَجُلٌ مُمَيِّزٌ مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ، مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في نَفْسِهِ، فَصِيحٌ، فَهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى (خَلَقْناهُ) غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، بَلْ هو مِن مُتَمِّماتِ شَواهِدِ صِحَّةِ البَعْثِ.
36:78Page 445
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"
(p-181)فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ مَعْطُوفٌ حِينَئِذٍ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّقْبِيحِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، والمَعْنى فَفاجَأ خُصُومَتَنا وضَرَبَ لَنا مَثَلًا، أيْ: أوْرَدَ في شَأْنِنا قِصَّةً عَجِيبَةً في نَفْسِ الأمْرِ هي في الغَرابَةِ والبُعْدِ عَنِ العُقُولِ كالمَثَلِ، وهي إنْكارُ إحْيائِنا العِظامَ، أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً في زَعْمِهِ، واسْتَبْعَدَها وعَدَّها مِن قَبِيلِ المَثَلِ، وأنْكَرَها أشَدَّ الإنْكارِ، وهي إحْياؤُنا إيّاها، وجَعَلَ لَنا مَثَلًا ونَظِيرًا مِنَ الخَلْقِ، وقاسَ قُدْرَتَنا عَلى قدرتهمْ، ونَفى الكُلَّ عَلى العُمُومِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ: خَلْقَنا إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الدّالِّ عَلى بُطْلانِ ما ضَرَبَهُ، إمّا عَطْفٌ عَلى (ضَرَبَ) داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ ضَرْبِهِ المَثَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَّ مَثَلٍ ضُرِبَ أوْ ماذا قالَ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ مُنْكِرًا لَهُ أشَدَّ النَّكِيرِ مُؤَكِّدًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أيْ: بالِيَةٌ أشَدَّ البِلى، بَعِيدَةٌ مِنَ الحَياةِ غايَةَ البُعْدِ.
فالمَثَلُ عَلى الأوَّلِ هو إنْكارُ إحْيائِهِ تَعالى لِلْعِظامِ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في نَفْسِ الأمْرِ حَقِيقٌ - لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ مِنَ العُقُولِ - بِأنْ يُعَدَّ مَثَلًا ضَرُورَةَ جَزْمِ العُقُولِ بِبُطْلانِ الإنْكارِ، ووُقُوعِ المُنْكَرِ لِكَوْنِهِ كالإنْشاءِ بَلْ أهْوَنُ مِنهُ في قِياسِ العَقْلِ.
وَعَلى الثّانِي: هو إحْياؤُهُ تَعالى لَها، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في زَعْمِهِ، قَدِ اسْتَبْعَدَهُ وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ المَثَلِ، وأنْكَرَهُ أشَدَّ الإنْكارِ مَعَ أنَّهُ - في نَفْسِ الأمْرِ - أقْرَبُ شَيْءٍ مِنَ الوُقُوعِ لِما سَبَقَ مِن كَوْنِهِ مِثْلَ الإنْشاءِ، أوْ أهْوَنَ مِنهُ.
وَأمّا عَلى الثّالِثِ: فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ المَثَلُ هو الإنْكارَ أوِ المُنْكَرَ، وعَدَمُ تَأْنِيثِ الرَّمِيمِ - مَعَ وُقُوعِهِ خَبَرًا لِلْمُؤَنَّثِ - لِأنَّهُ اسْمٌ لِما بَلِيَ مِنَ العِظامِ غَيْرُ صِفَةٍ كالرُّفاتِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن أثْبَتَ لِلْعَظْمِ حَياةً، وبَنى عَلَيْهِ الحُكْمَ بِنَجاسَةِ عَظْمِ المَيْتَةِ، وأمّا أصْحابُنا فَلا يَقُولُونَ بِحَياتِهِ كالشَّعْرِ، ويَقُولُونَ: المُرادُ بِإحْياءِ العِظامِ رَدُّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الغَضاضَةِ والرُّطُوبَةِ في بَدَنٍ حَيٍّ حَسّاسٍ.
36:79Page 445
قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩
Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِ ما نَسَبَهُ مِن فِطْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وإرْشادِهِ إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِها ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَإنَّ قدرته كَما هي لِاسْتِحالَةِ التَّغَيُّرِ فِيها، والمادَّةُ عَلى حالِها ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِتَفاصِيلِ كَيْفِيّاتِ الخَلْقِ والإيجادِ إنْشاءً وإعادَةً، مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأجْزاءِ المُتَفَتِّتَةِ المُتَبَدِّدَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الأشْخاصِ أُصُولِها وفُرُوعِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ، فَيُعِيدُ كُلًّا مِن ذَلِكَ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ مَعَ القُوى الَّتِي كانَتْ قَبْلُ.
والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجَوابِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ علمه تعالى بِما ذُكِرَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ لَيْسَ كَإنْشائِهِ لِلْمُنْشَآتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
36:80Page 445
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠
[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ صِلَتِهِ عَلى صِلَتِهِ (p-182)لِلتَّأْكِيدِ، ولِتَفاوُتِهِما في كَيْفِيَّةِ الدَّلالَةِ، أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكم مِنهُ نارًا، عَلى أنَّ الجَعْلَ إبْداعِيٌّ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ قُدِّما عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ - مَعَ تَأْخِيرِهِما عَنْهُ رُتْبَةً - لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَوَصْفُ الشَّجَرِ بِالأخْضَرِ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، وقَدْ قُرِئَ: (الخَضْراءِ) نَظَرًا إلى المَعْنى، وهو المَرْخُ والعِفارُ، يَقْطَعُ الرَّجُلُ مِنهُما عُصَيَّتَيْنِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ، وهُما خَضْراوانِ يَقْطُرُ مِنهُما الماءُ فَيَسْحَقُ المَرْخَ - وهو ذَكَرٌ - عَلى العِفارِ - وهو أُنْثى - فَتَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِهِ - كانَ أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا فَطَرَأ عَلَيْهِ اليُبُوسَةُ والبِلى.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
36:81Page 445
أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١
Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ... إلَخْ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجَوابِ الَّذِي أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ، ويُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَيْسَ الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ ولَيْسَ الَّذِي جَعَلَ لَهم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا، ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ - مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما - ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصِّغَرِ والقَماءَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما، فَإنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِهِما فَهو عَلى خَلْقِ الأناسِيِّ أقْدَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ وقُرِئَ: (يَقْدِرُ).
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن تَقْرِيرِ ما بَعْدَ النَّفْيِ، وإيذانٌ بِتَعَيُّنِ الجَوابِ نَطَقُوا بِهِ أوْ تَلَعْثَمُوا فِيهِ مَخافَةَ الإلْزامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفِيدُهُ الإيجابُ، أيْ: بَلى هو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وهو المُبالِغُ في الخَلْقِ والعِلْمِ كَيْفًا وكَمًّا.
36:82Page 445
إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢
His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.
﴿إنَّما أمْرُهُ﴾ أيْ: شَأْنُهُ ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ: أنْ يُعَلِّقَ بِهِ قدرته ﴿فَيَكُونُ﴾ فَيَحْدُثُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا، وهَذا تَمْثِيلٌ لِقدرته تعالى فِيما أرادَهُ بِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ المَأْمُورَ المُطِيعَ في سُرْعَةِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ ما، وقُرِئَ: (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ).
36:83Page 445
فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣
So exalted is He in whose hand is the realm of all things, and to Him you will be returned.
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ - عَزَّ وعَلا - عَمّا وصَفُوهُ تَعالى بِهِ، وتَعْجِيبٌ مِمّا قالُوا في شَأْنِهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى "سُبْحانَ" والفاءُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما فُصِّلَ مِن شُئُونِهِ تَعالى مُوجِبَةٌ لِتَنَزُّهِهِ وتَنْزِيهِهِ أكْمَلَ إيجابٍ، كَما أنَّ وصْفَهُ تَعالى بِالمالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ أتَمَّ اقْتِضاءٍ، والمَلَكُوتُ مُبالَغَةٌ في المُلْكِ كالرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ.
وَقُرِئَ: (مَلِكَةُ كُلِّ شَيْءٍ)، و(مَمْلَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ) و(مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ) ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، وقُرِئَ: (تَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ، وفِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -كُنْتُ لا أعْلَمُ ما رُوِيَ في فَضائِلِ يس، (p-183)وَقِراءَتِها كَيْفَ خُصَّتْ بِذَلِكَ، فَإذا أنَّهُ لِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلبًا، وإنَّ قَلْبَ القرآن يس، مَن قَرَأها يُرِيدُ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ القرآن اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ مَرَّةً، وأيَّما مُسْلِمٍ قُرِئَ عِنْدَهُ -إذا نَزَلَ بِهِ مَلَكُ المَوْتِ- سُورَةُ يس».»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences