Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:122–166
37:122Page 450
إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢
Indeed, they were of Our believing servants.
﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ.
37:123Page 450
وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣
And indeed, Elias was from among the messengers,
﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بُعِثَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: إدْرِيسُ؛ لِأنَّهُ قُرِئَ مَكانَهُ: (إدْرِيسَ) و(إدْراسَ)، وقُرِئَ: (إيلِيسَ)، وقُرِئَ: (الياسَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ.
37:124Page 450
إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤
When he said to his people, "Will you not fear Allāh?
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: عَذابَ اللَّهِ تَعالى.
37:125Page 450
أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥
Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -
﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ أتَعْبُدُونَهُ وتَطْلُبُونَ الخَيْرَ مِنهُ، وهو اسْمُ صَنَمٍ كانَ لِأهْلِ بَكَّ مِنَ الشَّأْمِ، وهو البَلَدُ المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِبَعْلَبَكَّ.
قِيلَ: كانَ مِن ذَهَبٍ طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ فُتِنُوا بِهِ وعَظَّمُوهُ، حَتّى أخَدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ، وجَعَلُوهم أنْبِياءَ، فَكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ جَوْفَهُ، ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وقِيلَ: البَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، أيْ: أتَعْبُدُونَ بَعْضَ البُعُولِ ﴿وَتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ (p-204)أيْ: وتَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ، وقَدْ أُشِيرَ إلى المُقْتَضِي لِلْإنْكارِ المَعْنِيِّ بِالهَمْزَةِ، ثُمَّ صُرِّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
37:126Page 450
ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦
Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"
﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن أحْسَنِ الخالِقِينَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِآبائِهِمْ لِتَأْكِيدِ إنْكارِ تَرْكِهِمْ عِبادَتَهُ تَعالى، والإشْعارِ بِبُطْلانِ آراءِ آبائِهِمْ أيْضًا.
37:127Page 451
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧
And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أيِ: العَذابَ، والإطْلاقُ لِلِاكْتِفاءِ بِالقَرائِنِ عَلى أنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ عُرْفًا.
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ مُحْضَرُونَ.
37:129–130Page 451
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩
And We left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠
"Peace upon Elias."1
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ هو لُغَةٌ في (إلْياسَ) كَسَيْناءَ في سِينِينَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ لَهُ أُرِيدَ بِهِ هو وأتْباعُهُ كالمُهَلِّبِينَ والخُبَيْبِينَ، وفِيهِ أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ كالمِثالَيْنِ، وقُرِئَ بِإضافَةِ آلِ إلى ياسِينَ؛ لِأنَّهُما في المُصْحَفِ مَفْصُولانِ فَيَكُونُ ياسِينُ أبا إلْياسَ.
37:131–132Page 451
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١
Indeed, We thus reward the doers of good.
إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢
Indeed, he was of Our believing servants.
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.
37:133–136Page 451
وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣
And indeed, Lot was among the messengers.
إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤
[So mention] when We saved him and his family, all,
إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥
Except an old woman [i.e., his wife] among those who remained [with the evildoers].
ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦
Then We destroyed the others.
﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاهُ ﴿وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ أيِ: الباقِينَ في العَذابِ، أوِ الماضِينَ الهالِكِينَ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ شَواهِدَ عَلى جَلِيَّةِ أمْرِهِ، وكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ المُرْسَلِينَ.(p-205)
37:137Page 451
وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧
And indeed, you pass by them in the morning
﴿وَإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، وتُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ فَإنَّ سَدُومَ في طَرِيقِ الشّامِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ.
﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ أيْ: ومَساءً، أوْ نَهارًا أوْ لَيْلًا، ولَعَلَّها وقَعَتْ بِقُرْبِ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا، والقاصِدُ لَهُ مَساءً ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم.
﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.
37:140Page 451
إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠
[Mention] when he ran away to the laden ship.
﴿إذْ أبَقَ﴾ أيْ: هَرَبَ، وأصْلُهُ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذَنْ رَبِّهِ حَسُنَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ.
﴿فَساهَمَ﴾ فَقارَعَ أهْلَهُ ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ، وأصْلُهُ المَزْلَقُ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ.
رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا وعَدَ قَوْمَهُ بِالعَذابِ خَرَجَ مِن بَيْنِهِمْ قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَرَكِبَ السَّفِينَةَ فَوَقَفَتْ، فَقالُوا: فِيها عَبْدٌ آبِقٌ، فاقْتَرَعُوا فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا الآبِقُ، ورَمى بِنَفْسِهِ في الماءِ.
37:142Page 451
فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢
Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾ فابْتَلَعَهُ مِنَ اللُّقْمَةِ ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخِلٌ في المَلامَةِ، أوْ آتٍ بِما يُلامُ عَلَيْهِ، أوْ مُلِيمٌ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: (مَلِيمٌ) بِالفَتْحِ مَبْنِيًّا مِن لَيِّمٍ كَمَشِيبٍ في مَشُوبٍ.
37:143Page 451
فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣
And had he not been of those who exalt Allāh,
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا بِالتَّسْبِيحِ مُدَّةَ عُمُرِهِ، أوْ في بَطْنِ الحُوتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقِيلَ: مِنَ المُصَلِّينَ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ في الرَّخاءِ.
37:144Page 451
لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤
He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ حَيًّا، وقِيلَ: مَيِّتًا، وفِيهِ حَثٌّ عَلى إكْثارِ الذِّكْرِ، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، ومَن أقْبَلَ عَلَيْهِ في السَّرّاءِ أُخِذَ بِيَدِهِ عِنْدَ الضَّرّاءِ.
37:145Page 451
۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥
But We threw him onto the open shore while he was ill.
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ بِأنْ حَمَلْنا الحُوتَ عَلى لَفْظِهِ بِالمَكانِ الخالِي عَمّا يُغَطِّيهِ مِن شَجَرٍ أوْ نَبْتٍ.
رُوِيَ (p-206)أنَّ الحُوتَ سارَ مَعَ السَّفِينَةِ رافِعًا رَأْسًا، يَتَنَفَّسُ فِيهِ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُسَبِّحُ، ولَمْ يُفارِقْهم حَتّى انْتَهَوْا إلى البَرِّ فَلَفَظَهُ سالِمًا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ فَأسْلَمُوا.
وَرُوِيَ أنَّ الحُوتَ قَذَفَهُ بِساحِلِ قَرْيَةٍ مِنَ المَوْصِلِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ لُبْثِهِ، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا، وقِيلَ: عِشْرُونَ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وقِيلَ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، ثُمَّ أُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ بُعَيْدَ الوَقْتِ الَّذِي التُقِمَ فِيهِ.
رَوى عَطاءٌ أنَّهُ حِينَ ابْتَلَعَهُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ: إنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ سِجْنًا، ولَمْ أجْعَلْهُ لَكَ طَعامًا ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ مِمّا نالَهُ، قِيلَ: صارَ بَدَنُهُ كَبَدَنِ الطِّفْلِ حِينَ يُولَدُ.
37:146Page 451
وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦
And We caused to grow over him a gourd vine.1
﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَوْقَهُ مِظَلَّةً عَلَيْهِ ﴿شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ وهو كُلُّ ما يَنْبَسِطُ عَلى الأرْضِ، ولا يَقُومُ عَلى ساقٍ كَشَجَرِ البِطِّيخِ والقِثّاءِ والحَنْظَلِ، وهو يَفْعِيلٌ مِن قَطَنَ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الدُّبّاءُ غَطَّتْهُ بِأوْراقِها عَنِ الذُّبابِ فَإنَّهُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّكَ تُحِبُّ القَرْعَ؟ قالَ: أجَلْ، هي شَجَرَةُ أخِي يُونُسَ»» وقِيلَ: هي التِّينُ، وقِيلَ: المَوْزُ، تَغَطّى بِوَرَقِهِ، واسْتَظَلَّ بِأغْصانِهِ، وأفْطَرَ عَلى ثِمارِهِ، وقِيلَ: كانَ يَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرَةِ، وكانَتْ وعْلَةٌ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَيَشْرَبُ مِن لَبَنِها.
37:147Page 451
وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧
And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.
﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾ هم قَوْمُهُ الَّذِينَ هَرَبَ مِنهُمْ، وهم أهْلُ نَيْنَوى، والمُرادُ بِهِ إرْسالُهُ السّابِقُ، أخْبَرَ أوَّلًا بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدْ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ جَمَّةٍ، وكَأنَّ تَوْسِيطَ تَذْكِيرِ وقْتِ هَرَبِهِ إلى الفُلْكِ وما بَعْدَهُ بَيْنَهُما لِتَذْكِيرِ سَبَبِهِ - وهو ما جَرى بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ قَوْمِهِ مِن إنْذارِهِ إيّاهم عَذابَ اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينِهِ لِوَقْتِ حُلُولِهِ، وتَعَلُّلِهِمْ وتَعْلِيقِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِظُهُورِ أماراتِهِ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ يُونُسَ - لِيُعْلَمَ أنَّ إيمانَهُمُ الَّذِي سَيُحْكى بَعْدُ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ الإرْسالِ - كَما هو المُتَبادَرُ مِن تَرْتِيبِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِالفاءِ - بَلْ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي.
وَقِيلَ: هو إرْسالٌ آخَرُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: إلى غَيْرِهِمْ ولَيْسَ بِظاهِرٍ ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ أيْ: في مَرْأى النّاظِرِ فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ قالَ: إنَّهم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، والمُرادُ هو الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ، وقُرِئَ بِالواوِ.
37:148Page 451
فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨
And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.
﴿فَآمَنُوا﴾ أيْ: بَعْدَما شاهَدُوا عَلائِمَ حُلُولِ العَذابِ إيمانًا خالِصًا ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾ أيْ: بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿إلى حِينٍ﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُمْ، قِيلَ: ولَعَلَّ عَدَمَ خَتْمِ هَذِهِ القِصَّةِ، وقِصَّةِ لُوطٍ بِما خُتِمَ بِهِ سائِرُ القَصَصِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ أرْبابِ الشَّرائِعِ وأُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، أوِ اكْتِفاءً بِالتَّسْلِيمِ الشّامِلِ لِكُلِّ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ في آخِرِ السُّورَةِ.
37:149Page 451
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩
So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ أمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ رَسُولَهُ ﷺ بِتَبْكِيتِ قُرَيْشٍ، وإبْطالِ مَذْهَبِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ، وساقَ البَراهِينَ القاطِعَةَ النّاطِقَةَ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ وبَيَّنَ وُقُوعَهُ، وما سَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَهُ المُخْلَصِينَ، وفَصَّلَ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ مِن قَبْلِهِمْ أكْثَرُ الأوَّلِينَ، (p-207)وَأنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ أوْرَدَ قَصَصَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ مُبَيِّنًا في كُلِّ قِصَّةٍ مِنها أنَّهم مِن عِبادِهِ تَعالى، واصِفًا لَهم تارَةً بِالإخْلاصِ وأُخْرى بِالإيمانِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - ﷺ – ها هُنا بِتَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْ وجْهِ أمْرٍ مُنْكَرٍ خارِجٍ عَنِ العُقُولِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي القِسْمَةُ الباطِلَةُ اللّازِمَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الزّائِغِ، حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ كَبَعْضِ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلِمَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
وَ"الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أعْلامُ الخَلْقِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِبادَهُ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّبْكِيتَ، ويُظْهِرُ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ، ثُمَّ تَبْكِيتَهم بِما يَتَضَمَّنُهُ كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِالمَلائِكَةِ بِجَعْلِهِمْ إناثًا، ثُمَّ أبْطَلَ أصْلَ كُفْرِهِمُ المُنْطَوِي عَلى هَذَيْنِ الكُفْرَيْنِ، وهو نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَنْظِمْهُ في سِلْكِ التَّبْكِيتِ لِمُشارَكَتِهِمُ النَّصارى في ذَلِكَ، أيْ: فاسْتَخْبِرْهم ﴿ألِرَبِّكَ البَناتُ﴾ اللّاتِي هُنَّ أوْضَعُ الجِنْسَيْنِ ﴿وَلَهُمُ البَنُونَ﴾ الَّذِينَ هم أرْفَعُهُما، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقُولُ بِهِ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:150Page 451
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠
Or did We create the angels as females while they were witnesses?"
﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ إضْرابٌ، وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِالِاسْتِفْتاءِ السّابِقِ إلى التَّبْكِيتِ بِهَذا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أيْ: بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأبْعَدِهِمْ مِن صِفاتِ الأجْسامِ ورَذائِلِ الطَّبائِعِ إناثًا، والأُنُوثَةُ مِن أخَسِّ صِفاتِ الحَيَوانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم شاهِدُونَ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، وتَجْهِيلٌ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الأُمُورِ لا تُعْلَمُ بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها بِطَرِيقِ العَقْلِ، وانْتِفاءُ النَّقْلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِأُنُوثَتِهِمْ شاهِدًا عِنْدَ خَلْقِهِمْ.
والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ (خَلَقْنا) أيْ: بَلْ أخَلَقْناهم إناثًا، والحالُ أنَّهم حاضِرُونَ حِينَئِذٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى (خَلَقْنا) أيْ: بَلْ أهم شاهِدُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:151–152Page 451
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١
Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢
"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ، مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ، والِافْتِراءُ القَبِيحُ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ قَطْعًا ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَذِبًا بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ، وقُرِئَ: (وَلَدُ اللَّهِ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المَلائِكَةُ ولَدُهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإنَّ الوَلَدَ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ إثْباتٌ لِإفْكِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لِكَذِبِهِمْ فِيما قالُوا بِبَيانِ اسْتِلْزامِهِ لِأمْرٍ بَيِّنِ الِاسْتِحالَةِ هو اصْطِفاؤُهُ تَعالى البَناتِ عَلى البَنِينَ، والِاصْطِفاءُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ (p-208)ثِقَةً بِدَلالَةِ القَرائِنِ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ بَدَلًا مِن (وَلَدَ اللَّهُ) ضَعِيفٌ، وتَقْدِيرُ القَوْلِ أيْ: لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمُ: "اصْطَفى" ... إلَخْ، تَعَسُّفٌ بَعِيدٌ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العَقْلِ.
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَذَكَّرُونَ، وقُرِئَ: (تَذْكُرُونَ) مِن ذَكَرَ، و"الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألا تُلاحِظُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَرْكُوزٌ في عَقْلِ كُلٍّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ.
﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذُكِرَ إلى تَبْكِيتِهِمْ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ: بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى؟ ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ.
37:157Page 452
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، وفي هَذِهِ الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ، والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ، والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ - ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:158Page 452
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ، وسُقُوطِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، واقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، وتُحْكى جِناياتُهم لِآخَرِينَ، والمُرادُ بِـ"الجِنَّةِ" المَلائِكَةُ، قالُوا: الجِنْسُ واحِدٌ، ولَكِنْ مَن خَبُثَ مِنَ الجِنِّ ومَرَدَ وكانَ شَرًّا كُلَّهُ فَهو شَيْطانٌ، ومَن طَهُرَ مِنهم ونَسُكَ وكانَ خَيْرًا كُلَّهُ فَهو مَلَكٌ.
وَإنَّما عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ الِاسْمِ وضْعًا مِنهم وتَقْصِيرًا بِهِمْ - مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ - أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ، فَجَعْلُهم هَذا عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ" وإنَّما أُعِيدَ ذِكْرُهُ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ الَّتِي عَظَّمُوها بِأنْ جَعَلُوا بَيْنَها وبَيْنَهُ تَعالى نَسَبًا - وهُمُ المَلائِكَةُ - أنَّ الكَفَرَةَ لَمُحْضَرُونَ النّارَ مُعَذَّبُونَ بِها؛ لِكَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّكْذِيبِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ يَدَّعِي هَؤُلاءِ لَهم تِلْكَ النِّسْبَةَ - ويَعْلَمُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهم بِحَقِيقَةِ الحالِ - يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لِأجْلِهِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى وإبْلِيسُ أخَوانِ، فاللَّهُ هو الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ هو الشِّرِّيرُ اللَّئِيمُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أقْرَبُ الأقاوِيلِ، وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وأهْرَمَنَ، ويُعَبِّرُونَ عَنْهُما بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: قالَتْ قُرَيْشٌ: (p-209)المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟! تَبْكِيتًا لَهُمُ، فَقالُوا: سَرَواتُ الجِنِّ.
وَقِيلَ: مَعْنى (جَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا) جَعَلُوا بَيْنَهُما مُناسَبَةً حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ تَعالى الجِنَّ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (إنَّهم لَمُحْضَرُونَ) لِلْجَنَّةِ، فالمَعْنى: لَقَدْ عَلِمَتِ الشَّياطِينُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْضُرُهُمُ النّارَ، ويُعَذِّبُهم بِها، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ تَعالى أوْ شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لَما عَذَّبَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ:
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ حِكايَةٌ لِتَنْزِيهِ المَلائِكَةِ إيّاهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ المُشْرِكُونَ بِهِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لَهم في ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى عَلِمَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:160Page 452
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ شَهادَةٌ مِنهم بِبَراءَةِ المُخْلَصِينَ مِن أنْ يَصِفُوهُ تَعالى بِذَلِكَ، مُتَضَمِّنَةٌ لِتَبَرُّئِهِمْ مِنهُ بِحُكْمِ انْدِراجِهِمْ في زُمْرَةِ المُخْلَصِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن واوِ "يَصِفُونَ" كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمُعَذَّبُونَ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ، لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ الَّذِينَ نَحْنُ مِن جُمْلَتِهِمْ بُرَآءُ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:161–162Page 452
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢
You cannot tempt [anyone] away from Him
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَحْقِيقٌ لِبَراءَةِ المُخْلَصِينَ مِمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وما تَعْبُدُونَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَبَرُّئِهِمْ عَنْهم وعَنْ عِبادَتِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ و"ما" نافِيَةٌ، و"أنْتُمْ" خِطابٌ لَهم ولِمَعْبُودِيِّهِمْ تَغْلِيبًا، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"فاتِنِينَ" يُقالُ: فَتَنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ امْرَأتَهُ، أيْ: أفْسَدَها عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَإنَّكم ومَعْبُودِيَّكم - أيُّها المُشْرِكُونَ - لَسْتُمْ بِفاتِنِينَ عَلَيْهِ تَعالى بِإفْسادِ عِبادِهِ وإضْلالِهِمْ.
37:163Page 452
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
﴿إلا مَن هو صالِ الجحيم﴾ مِنهُمْ، أيْ: داخِلُها لِعلمه تعالى بِأنَّهُ يَصِيرُ عَلى الكُفْرِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، ويَصِيرُ مِن أهْلِ النّارِ لا مَحالَةَ.
وَأمّا المُخْلَصُونَ مِنهم فَأنْتُمْ بِمَعْزِلٍ مِن إفْسادِهِمْ وإضْلالِهِمْ، فَهم - لا جَرَمَ - بُرَآءُ مِن أنْ يُفْتَتَنُوا بِكُمْ، ويَسْلُكُوا مَسْلَكَكم في وصْفِهِ تَعالى بِما وصَفْتُمُوهُ بِهِ، وقُرِئَ: (صالُ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى (مَن) قَدْ سَقَطَ واوُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:164Page 452
وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤
[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2
﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ تَبْيِينٌ لِجَلِيَّةِ أمْرِهِمْ، وتَعْيِينٌ لِحَيِّزِهِمْ في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ - بَعْدَما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ فِيما قالُوا، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، (p-210)وَتَبْرِئَةِ المُخْلَصِينَ عَنْهُ - وإظْهارٌ لِقُصُورِ شَأْنِهِمْ وقَمائَتِهِمْ.
أيْ: وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العِبادَةِ والِانْتِهاءِ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَجاوَزُهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَزُولَ عَنْهُ؛ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وخُشُوعًا لِهَيْبَتِهِ، وتَواضُعًا لِجَلالِهِ، كَما رُوِيَ، فَمِنهم راكِعٌ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ، وساجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ما في السَّماواتِ مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ يُصَلِّي أوْ يُسَبِّحُ.
وَرُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: « "أطَّتِ السَّماءُ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجِدٌ لِلَّهِ تَعالى".»
وَقالَ السُّدِّيُّ: إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في القُرْبَةِ والمُشاهَدَةِ.
﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ في مَواقِفِ الطّاعَةِ، ومَواطِنِ الخِدْمَةِ.
﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ المُقَدِّسُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ، وتَحْلِيَةُ كَلامِهِمْ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ لِإبْرازِ أنَّ صُدُورَهُ عَنْهم بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ، وقَدْ ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الآياتِ الكَرِيمَةِ وإعْرابِها وُجُوهٌ أُخَرُ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences