Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:40–82
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ "ذائِقُو" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا، وجَعْلُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (تُجْزَوْنَ) عَلى مَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لا يُجْزَوْنَ إلّا بِقَدْرِ أعْمالِهِمْ دُونَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَإنَّهم يَجْزَوْنَ أضْعافًا مُضاعَفَةً، مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا لا سِيَّما جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في "تُجْزَوْنَ" لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ فَإنَّهُ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ، فالمَعْنى: إنَّكم لَذائِقُونَ العَذابَ الألِيمَ لَكِنْ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ المُوَحِّدِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى عَمَّنْ عَداهُمُ امْتِيازًا بالِغًا، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ إمّا خَبَرٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقٌ﴾ مُرْتَفَعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ مُبْتَدَأٌ و"لَهُمْ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ"، والجُمْلَةُ الكُبْرى اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ إجْمالًا بَيانًا تَفْصِيلِيًّا، وقِيلَ: هي خَبَرٌ لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ عَلى أنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالمُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ: مَعْلُومُ الخَصائِصِ مِن حُسْنِ المَنظَرِ، ولَذَّةِ الطَّعْمِ، وطِيِبِ الرّائِحَةِ ونَحْوِها مِن نُعُوتِ الكَمال، وقِيلَ: مَعْلُومُ الوَقْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَواكِهُ﴾ إمّا بَدَلٌ مِن (رِزْقٌ) أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أيْ: ذَلِكَ الرِّزْقُ فَواكِهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ أرْزاقَ أهْلِ الجَنَّةِ كُلُّها فَواكِهُ، أيْ: ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ؛ لِأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ القُوتِ لِكَوْنِ خِلْقَتِهِمْ مُحْكَمَةً مَحْفُوظَةً مِنَ التَّحَلُّلِ المُحْوِجِ إلى البَدَلِ.
وَقِيلَ: لِأنَّ الفَواكِهَ مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَذِكْرُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِها ﴿وَهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِهِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ تَعَبٍ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا، وقُرِئَ: (مُكَرَّمُونَ) بِالتَّشْدِيدِ.
﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ: في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ، وهو ظَرْفٌ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (مُكْرَمُونَ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أُولَئِكَ".
(p-191)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾
﴿عَلى سُرُرٍ﴾ مُحْتَمِلٌ لِلْحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أوْ في (مُكْرَمُونَ) وقَوْلُهُ تَعالى:
37:45Page 447
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ تَكامُنِ مَجالِسِ أُنْسِهِمْ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَقابِلِينَ، أوْ في أحَدِ الجارَّيْنِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِـ(مُكْرَمُونَ) ﴿بِكَأْسٍ﴾ بِإناءٍ فِيهِ خَمْرٌ أوْ بِخَمْرٍ؛ فَإنَّ الكَأْسَ تُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الخَمْرِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
﴿مِن مَعِينٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لِكَأْسٍ، أيْ: كائِنَةٍ مِن شَرابٍ مَعِينٍ، أوْ مِن نَهْرٍ مَعِينٍ، وهو الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ الظّاهِرُ لِلْعُيُونِ، أوِ الخارِجُ مِنَ العُيُونِ، مِن عانَ الماءُ إذا نَبَعَ، وُصِفَ بِهِ الخَمْرُ - وهو لِلْماءِ - لِأنَّها تَجْرِي في الجَنَّةِ في أنْهارٍ كَما يَجْرِي الماءُ، قالَ تَعالى: ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ .
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ صِفَتانِ أيْضًا لِـ(كَأْسٍ) ووَصْفُها بِـ(لَذَّةٍ) إمّا لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ اللَّذَّةِ، أوْ لِأنَّها تَأْنِيثُ اللَّذِّ بِمَعْنى اللَّذِيذِ، ووَزْنُهُ فَعْلٍ، قالَ:
؎ ولَذٍّ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ بِأرْضِ العِدّا مِن خِيفَةِ الحَدَثانِ
يُرِيدُ بِهِ النَّوْمَ.
37:47Page 447
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ: غائِلَةٌ، كَما في خُمُورِ الدُّنْيا، مِن غالَهُ إذا أفْسَدَهُ وأهْلَكَهُ، ومِنهُ الغُولُ ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ يَسْكَرُونَ، مِن نَزَفَ الشّارِبُ فَهو نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، ويُقالُ لِلْمَطْعُونِ: نَزَفَ فَماتَ إذا خَرَجَ دَمُهُ كُلُّهُ، أُفْرِدَ هَذا بِالنَّفْيِ - مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الغَوْلِ عَنْها - لِما أنَّهُ مِن مُعْظَمِ مَفاسِدِ الخَمْرِ، كَأنَّهُ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ، والمَعْنى: لا فِيها نَوْعٌ مِن أنْواعِ الفَسادِ مِن مَغَصٍ أوْ صُداعٍ أوْ خُمارٍ أوْ عَرْبَدَةٍ أوْ لَغْوٍ أوْ تَأْثِيمٍ، ولا هم يَسْكَرُونَ.
وَقُرِئَ: (يُنْزِفُونَ) بِكَسْرِ الزّايِ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ، وقُرِئَ: (يَنْزُفُونَ) بِضَمِّ الزّايِ مِن نَزُفَ يَنْزُفُ بِضَمِّ الزّايِ فِيهِما.
37:48Page 447
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَمْدُدْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ ﴿عِينٌ﴾ نُجْلُ العُيُونِ جَمْعُ عَيْناءَ، والنَّجَلُ سِعَةُ العَيْنِ.
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شُبِّهْنَ بِبَيْضِ النَّعامِ المَصُونِ مِنَ الغُبارِ ونَحْوِهِ في الصَّفاءِ والبَياضِ المَخْلُوطِ بِأدْنى صُفْرَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ ألْوانِ الأبْدانِ.
37:50Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (يُطافُ) أيْ: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ، كَما هو عادَةُ الشُّرْبِ، قالَ:(p-192)
؎ وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ
فَيُقْبِلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الفَضائِلِ والمَعارِفِ، وعَمّا جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَتْمًا.
37:51Page 447
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَراتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ.
37:52Page 448
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ، والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:
37:53Page 448
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ: لَمَبْعُوثُونَ ومَجْزِيُّونَ، مِنَ الدَّيْنِ بِمَعْنى الجَزاءِ، أوْ لَمَسُوسُونَ، يُقالُ: دانَهُ أيْ: ساسَهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ».
وَقِيلَ: كانَ رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِمالِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فاحْتاجَ فاسْتَجْدى بَعْضَ إخْوانِهِ، فَقالَ: أيْنَ مالُكُ؟ قالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ لِيُعَوِّضَنِي اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ خَيْرًا مِنهُ؟ فَقالَ: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، أوْ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ لِطَلَبِ الثَّوابِ؟ واللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا، فَيَكُونُ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ مَوْتِهِمْ وكَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا - حِينَئِذٍ - لِتَأْكِيدِ إنْكارِ الجَزاءِ المَبْنِيِّ عَلى إنْكارِ البَعْثِ.
﴿قالَ﴾ أيْ: ذَلِكَ القائِلُ بَعْدَما حَكى لِجُلَسائِهِ مَقالَةَ قَرِينِهِ في الدُّنْيا ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أيْ: إلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ، يُرِيدُ بِذَلِكَ بَيانَ صِدْقِهِ فِيما حَكاهُ.
وَقِيلَ: القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ، يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا عَلى أهْلِ النّارِ؛ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَتِهِمْ؟ قِيلَ: إنَّ في الجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها أهْلُها إلى أهْلِ النّارِ.
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
﴿فاطَّلَعَ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ ﴿فَرَآهُ﴾ أيْ: قَرِينَهُ ﴿فِي سَواءِ الجحيم﴾ أيْ: في وسَطِها، وقُرِئَ: (فَأطَّلِعَ) عَلى لَفْظِ المُضارِعِ المَنصُوبِ، وقُرِئَ: (مُطْلِعُونَ) فَـاطَّلَعَ وفَأطْلَعَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى لَفْظِ الماضِي والمُضارِعِ المَنصُوبِ، يُقالُ: طَلَعَ عَلَيْنا فُلانٌ واطَّلَعَ وأطْلَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى القَرِينِ؟ فَأطَّلِعَ أنا أيْضًا، أوْ عَرِضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ فَقَبِلُوا ما عَرَضَهُ، فاطَّلَعَ هو بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ جُعِلَ الِاطِّلاعُ مُتَعَدِّيًا فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَرَطَ في اطِّلاعِهِ اطِّلاعَهم - كَما هو دَيْدَنُ الجُلَساءِ - فَكَأنَّهم مُطْلِعُوهُ.
وَقِيلَ: الخِطابُ عَلى هَذا لِلْمَلائِكَةِ، وقُرِئَ: (مُطْلِعُونِ) بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ مُطْلِعُونَ إيّايَ، فَوَضَعَ المُتَّصِلَ مَوْضِعَ المُنْفَصِلِ، كَقَوْلِهِمْ:
هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ
أوْ شُبِّهَ اسْمُ الفاعِلِ بِالمُضارِعِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّآخِي.
﴿قالَ﴾ أيِ: القائِلُ مُخاطِبًا لِقَرِينِهِ ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أيْ: لَتُهْلِكُنِي بِالإغْواءِ، وقُرِئَ: (p-193)(لَتُغْوِينِ) والتّاءُ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِن "إنَّ" وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ، واللّامُ فارِقَةٌ، أيْ: تاللَّهِ إنَّ الشَّأْنَ كِدْتَ لَتُرْدِينِ.
37:57Page 448
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالهِدايَةِ والعِصْمَةِ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ أُحْضِرُوا العَذابَ كَما أُحْضِرْتَهُ أنْتَ وأضْرابُكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ رُجُوعٌ إلى مُحاوَرَةِ جُلَسائِهِ بَعْدَ إتْمامِ الكَلامِ مَعَ قَرِينِهِ؛ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا بِما أتاحَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهم مِنَ الفَضْلِ العَظِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، أيْ: أنَحْنُ مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، أيْ: بِمَن شَأْنُهُ المَوْتُ، وقُرِئَ: (بِمائِتِينَ).
37:59Page 448
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، وهي مُتَناوِلَةٌ لِما في القَبْرِ بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ، قالَهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أوَّلَ ما دَخَلُوا الجَنَّةَ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَمُوتُونَ، فَإذا جِيءَ بِالمَوْتِ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَذُبِحَ، ونُودِيَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، يَعْلَمُونَهُ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ؛ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى واغْتِباطًا بِها ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالكُفّارِ، فَإنَّ النَّجاةَ مِنَ العَذابِ أيْضًا نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلتَّحَدُّثِ بِها.
﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ﴿لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِمْ، وتَصْدِيقًا لَهُ، وقُرِئَ: (لَهُوَ الرِّزْقُ العَظِيمُ) وهو ما رُزِقُوهُ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى.
37:61Page 448
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ أيْ: لِنَيْلِ هَذا المَرامِ الجَلِيلِ يَجِبُ أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ لا لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ السَّرِيعَةِ الِانْصِرامِ المَشُوبَةِ بِفُنُونِ الآلامِ، وهَذا أيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.
37:62Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ أصْلُ النُّزُلِ الفَضْلُ والرِّيعُ، فاسْتُعِيرَ لِلْحاصِلِ مِنَ الشَّيْءِ، فانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: أذَلِكَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الَّذِي حاصِلُهُ اللَّذَّةُ والسُّرُورُ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ الَّتِي حاصِلُها الألَمُ والغَمُّ؟! ويُقالُ: النُّزُلُ لِما يُقامُ ويُهَيَّأُ مِنَ الطَّعامِ الحاضِرِ لِلنّازِلِ، فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، والمَعْنى أنَّ الرِّزْقَ المَعْلُومَ نُزُلُ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ نُزُلُهم شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، فَأيُّهُما خَيْرٌ في كَوْنِهِ نُزُلًا؟! والزَّقُّومُ اسْمُ شَجَرَةٍ صَغِيرَةِ الوَرَقِ دَفْرَةٍ مُرَّةٍ كَرِيهَةِ الرّائِحَةِ تَكُونُ في تِهامَةَ، سُمِّيَتْ بِهِ الشَّجَرَةُ المَوْصُوفَةُ.(p-194)
37:63Page 448
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ مِحْنَةً وعَذابًا لَهم في الآخِرَةِ وابْتِلاءً في الدُّنْيا، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّها في النّارِ قالُوا: كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ والنّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ؟! ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ حَيَوانٍ يَعِيشُ في النّارِ ويَتَلَذَّذُ بِها أقْدَرُ عَلى خَلْقِ الشَّجَرِ في النّارِ وحِفْظِهِ مِنَ الإحْراقِ.
37:64Page 448
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجحيم﴾ مَنبَتُها في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وأغْصانُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها، وقُرِئَ: (نابِتَةٌ في أصْلِ الجحيم).
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
﴿طَلْعُها﴾ أيْ: حَمْلُها الَّذِي يَخْرُجُ مِنها، مُسْتَعارٌ مِن طَلْعِ النَّخْلَةِ لِمُشارَكَتِهِ لَهُ في الشَّكْلِ والطُّلُوعِ مِنَ الشَّجَرِ، قالُوا: أوَّلُ التَّمْرِ طَلْعٌ، ثُمَّ خِلالٌ، ثُمَّ بَلَحٌ، ثُمَّ بُسْرٌ، ثُمَّ رُطَبٌ، ثُمَّ تَمْرٌ ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ في تَناهِي القُبْحِ والهَوْلِ، وهو تَشْبِيهٌ بِالمُخَيَّلِ كَتَشْبِيهِ الفائِقِ في الحُسْنِ بِالمَلَكِ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ الحَيّاتُ الهائِلَةُ القَبِيحَةُ المَنظَرِ لَها أعْرافٌ، وقِيلَ: إنَّ شَجَرًا يُقالُ لَهُ الأسْتُنُّ خَشِنًا مُنْتِنًا مُرًّا مُنْكِرَ الصُّورَةِ يُسَمّى ثَمَرُهُ (رُءُوسُ الشَّياطِينِ).
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ الشَّجَرَةِ، أوْ مِن طَلْعِها، فالتَّأْنِيثُ مُكْتَسَبٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ لِغَلَبَةِ الجُوعِ، أوْ لِلْقَسْرِ عَلى أكْلِها، وإنْ كَرِهُوها لِيَكُونَ ذَلِكَ بابًا مِنَ العَذابِ.
37:67Page 448
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾ عَلى الشَّجَرَةِ الَّتِي مَلَأُوا مِنها بُطُونَهم بَعْدَما شَبِعُوا مِنها، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ، وطالَ اسْتِسْقاؤُهُمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ "ثُمَّ" ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِما في شَرابِهِمْ مِن مَزِيدِ الكَراهَةِ والبَشاعَةِ ﴿لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ لَشَرابًا مِن غَسّاقٍ، أوْ صَدِيدٍ مَشُوبًا بِماءٍ حَمِيمٍ يُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهو اسْمٌ لِما يُشابُ بِهِ، والأوَّلُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ.
37:68Page 448
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ أيْ: مَصِيرَهُمْ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ ﴿لإلى الجحيم﴾ لَإلى دَرَكاتِها، أوْ إلى نَفْسِها فَإنَّ الزَّقُّومَ والحَمِيمَ نُزُلٌ يُقَدَّمُ إلَيْهِمْ قَبْلَ دُخُولِها، وقِيلَ: الحَمِيمُ خارِجٌ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ يُذْهَبُ بِهِمْ عَنْ مَقارِّهِمِ ومَنازِلِهِمْ في الجحيم إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَيَأْكُلُونَ مِنها إلى أنْ يَمْتَثِلُوا، ثُمَّ يُسْقَوْنَ مِنَ الحَمِيمِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى الجحيم، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (ثُمَّ إنَّ مُنْقَلَبَهُمْ).
37:69Page 448
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ: وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ (p-195)الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ الدَّلِيلِ.
37:70Page 448
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوْ لا، مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلى الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ، وقِيلَ: هو إسْراعٌ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ.
37:71Page 448
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ قُرَيْشٍ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أيْ: أنْبِياءَ أُولِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، وذَوِي شَأْنٍ خَطِيرٍ، بَيَّنُوا لَهم بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ، وأنْذَرُوهم عاقِبَتَهُ الوَخِيمَةَ، وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ.
37:73Page 448
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإنْذارِ، ولَمْ يَرْفَعُوا لَهُ رَأْسًا، والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِن مُشاهَدَةِ آثارِهِمْ، وحَيْثُ كانَ المَعْنى أنَّهُمُ اهْلِكُوا هَلاكًا فَظِيعًا اسْتُثْنِيَ مِنهُمُ المُخْلَصُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، والعَمَلِ بِمُوجَبِ الإنْذارِ، وقُرِئَ: (المُخْلِصِينَ) بِكَسْرِ اللّامِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى.
37:75Page 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِمّا أُجْمِلَ فِيما قَبْلُ بِبَيانِ أحْوالِ بَعْضِ المُرْسَلِينَ، وحُسْنِ عاقِبَتِهِمْ، مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ بَعْضِ المُنْذَرِينَ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ كَقَوْمِ نُوحٍ وآلِ فِرْعَوْنَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ إلْياسَ، ولِبَيانِ حُسْنِ عاقِبَةِ بَعْضِهِمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى ووَفَّقَهم لِلْإيمانِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ كَقَوْمِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَجْهُ تَقْدِيمِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلى سائِرِ القِصَصِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، و"اللّامُ" جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وكَذا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ دَعانا نُوحٌ حِينَ يَئِسَ مِن إيمانِ قَوْمِهِ - بَعْدَما دَعاهم إلَيْهِ أحْقابًا ودُهُورًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا ونُفُورًا - فَأجَبْناهُ أحْسَنَ الإجابَةِ، فَواللَّهِ لَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، والجَمْعُ دَلِيلُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
37:76Page 448
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And We saved him and his family from the great affliction.
﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ أيْ: مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: مِن أذِيَّةِ قَوْمِهِ.
37:77Page 449
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
And We made his descendants those remaining [on the earth]
(p-196)﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ فَحَسْبُ، حَيْثُ أهْلَكْنا الكَفَرَةَ بِمُوجِبِ دُعائِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ غَيْرَ أبْنائِهِ وأزْواجِهِمْ، أوْ هُمُ الَّذِينَ بَقُوا مُتَناسِلِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ أوْلادٍ؛ سامٌ وحامٌ ويافِثُ: فَسامٌ أبُو العَرَبِ وفارِسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السُّودانِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ويافِثُ أبُو التُّرْكِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
37:78Page 449
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ.
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ أيْ: هَذا الكَلامُ بِعَيْنِهِ، وهو وارِدٌ عَلى الحِكايَةِ، كَقَوْلِكَ: قَرَأْتُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها) والمَعْنى: يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، ويَدْعُونَ لَهُ عَلى الدَّوامِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وقِيلَ: ثَمَّةَ قَوْلٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: فَقُلْنا، وقِيلَ: ضُمِّنَ تَرَكْنا مَعْنى قُلْنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، ومَعْناهُ الدُّعاءُ بِثَباتِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ واسْتِمْرارِها أبَدًا في العالَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُعِلَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّكْرِمَةِ السَّنِيَّةِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ أحْسَنَ إجابَةٍ، وإبْقاءِ ذُرِّيَّتِهِ، وتَبْقِيَةِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ، وتَسْلِيمِ العالَمِينَ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، بِكَوْنِهِ مِن زُمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِالإحْسانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ مُجازاةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الكامِلِينَ في الإحْسانِ، لا جَزاءً أدْنى مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ بِخُلُوصِ عُبُودِيَّتِهِ، وكَمالِ إيمانِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِما ما لا يُخْفى.
﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ أيِ: المُغايِرِينَ لِنُوحٍ وأهْلِهِ، وهم كُفّارُ قَوْمِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences