Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:83–121
﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ، ﴿لإبْراهِيمَ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرائِعِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِما اتِّفاقٌ كُلِّيٌّ أوْ أكْثَرُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مِن أهْلِ دِينِهِ وعَلى سُنَّتِهِ، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ، ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ، وما (p-197)كانَ بَيْنَهُما إلّا نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.
﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ(اذْكُرْ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ: مِن آفاتِ القُلُوبِ، أوْ مِنَ العَلائِقِ الشّاغِلَةِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ومَعْنى المَجِيءِ بِهِ رَبَّهُ إخْلاصُهُ لَهُ، كَأنَّهُ جاءَ بِهِ مُتْحِفًا إيّاهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ.
37:85Page 449
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أوْ ظَرْفٌ لِـ(جاءَ) أوْ لِـ(سَلِيمٍ) أيْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ.
37:86Page 449
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ إفْكًا، أيْ: لِلْإفْكِ، فَقَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى الفِعْلِ لِلْعِنايَةِ، ثُمَّ المَفْعُولَ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ الأهَمَّ مُكافَحَتُهم بِأنَّهم عَلى إفْكٍ وباطِلٍ في شِرْكِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى أتُرِيدُونَ إفْكًا، ثُمَّ يُفَسِّرُ الإفْكَ بِقَوْلِهِ: (آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةً عَلى أنَّها إفْكٌ في نَفْسِها لِلْمُبالَغَةِ، أوْ يُرادُ بِها عِبادَتُها بِحَذْفِ المُضافِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى آفِكِينَ.
37:87Page 449
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِمَن هو حَقِيقٌ بِالعِبادَةِ لِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ خاصَّةً، وأشْرَكْتُمْ بِهِ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، أوْ فَما ظَنُّكم بِهِ؟ أيَّ شَيْءٍ هو مِنَ الأشْياءِ حَتّى جَعَلْتُمُ الأصْنامَ لَهُ أنْدادًا، أوْ فَما ظَنَّكم بِهِ؟ ماذا يَفْعَلُ بِكُمْ؟ وكَيْفَ يُعاقِبُكم بَعْدَما فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ بِهِ؟
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ قِيلَ: كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حُمّى لَها نَوْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ في بَعْضِ ساعاتِ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ لِيَعْرِفَ هَلْ هي تِلْكَ السّاعَةُ؟ فَإذا هي قَدْ حَضَرَتْ.
﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ وكانَ صادِقًا في ذَلِكَ، فَجَعَلَهُ عُذْرًا في تَخَلُّفِهِ عَنْ عِيدِهِمْ، وقِيلَ: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ القَلْبِ لِكُفْرِكُمْ، وقِيلَ: نَظَرَ في عِلْمِها أوْ في كُتُبِها أوْ في أحْكامِها، ولا مَنعَ مِن ذَلِكَ حَيْثُ كانَ قَصْدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إيهامَهم حِينَ أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى مَعْبَدِهِمْ لِيَتْرُكُوهُ، فَإنَّ القَوْمَ كانُوا نَجّامِينَ، فَأوْهَمَهم أنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِأمارَةٍ في النُّجُومِ عَلى أنَّهُ سَقِيمٌ، أيْ: مُشارِفٌ لِلسَّقَمِ، وهو الطّاعُونُ، وكانَ أغْلَبَ الأسْقامِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَخافُونَ العَدْوى لِيَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَهَرَبُوا مِنهُ إلى مَعْبَدِهِمْ، وتَرَكُوهُ في بَيْتِ الأصْنامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: هارِبِينَ مَخافَةَ العَدْوى.(p-198)
37:91Page 449
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1
﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ إلَيْها في خُفْيَةٍ، وأصْلُهُ المَيْلُ بِحِيلَةٍ ﴿فَقالَ﴾ لِلْأصْنامِ اسْتِهْزاءً ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الطَّعامِ الَّذِي كانُوا يَصْنَعُونَهُ عِنْدَها لِتُبَرِّكَ عَلَيْهِ.
﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: بِجَوابِي.
37:93Page 449
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
And he turned upon them a blow with [his] right hand.
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فَمالَ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ(راغَ عَلَيْهِمْ) فَإنَّهُ بِمَعْنى ضَرَبَهُمْ، أوْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ يَضْرِبُهم ضَرْبًا، أوْ هو الحالُ مِنهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضارِبًا بِاليَمِينِ، أيْ: ضَرْبًا شَدِيدًا قَوِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى الجارِحَتَيْنِ وأشَدُّهُما، وقُوَّةُ الآلَةِ تَقْتَضِي قُوَّةَ الفِعْلِ وشِدَّتَهُ، وقِيلَ: بِالقُوَّةِ والمَتانَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدِهِ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
أيْ: بِالقُوَّةِ.
وَعَلى ذَلِكَ مَدارُ تَسْمِيَةِ الحَلِفِ بِاليَمِينِ؛ لِأنَّهُ يُقَوِّي الكَلامَ ويُؤَكِّدُهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ الحَلِفِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ .
37:94Page 449
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.
﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾ أيِ: المَأْمُورُونَ بِإحْضارِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَما رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ، فَوَجَدُوها مَكْسُورَةً، فَسَألُوا عَنِ الفاعِلِ فَظَنُّوا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعَلَهُ، فَقِيلَ: فَأْتُوا بِهِ ﴿يَزِفُّونَ﴾ حالٌ مِن واوِ "أقْبَلُوا" أيْ: يُسْرِعُونَ، مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وقُرِئَ: (يَزِفُونَ) مِن أزِفَ إذا دَخَلَ في الزَّفِيفِ، أوْ مِن أزَفَّهُ، أيْ: حَمَلَهُ عَلى الزَّفِيفِ، أيْ: يَزُفُّ بَعْضُهم بَعْضًا، و"يُزَفُّونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُحْمَلُونَ عَلى الزَّفِيفِ، و"يَزِفُونَ" مِن وزَفَ يَزِفُ إذا أسْرَعَ، و"يُزَفُونَ" مِن زَفاهُ إذا حَداهُ، كَأنَّ بَعْضَهم يَزْفُو بَعْضًا لِتَسارُعِهِمْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
37:95Page 449
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,
﴿قالَ﴾ أيْ: بَعْدَما أتَوْا بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجَرى بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم مِنَ المُحاوَراتِ ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ما تَنْحِتُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
37:96Page 449
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
While Allāh created you and that which you do?"
﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (تَعْبُدُونَ) مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَكم وخَلَقَ ما تَعْمَلُونَهُ، فَإنَّ جَواهِرَ أصْنامِهِمْ ومادَّتَها بِخَلْقِهِ تَعالى، وشَكْلَها - وإنْ كانَ بِفِعْلِهِمْ - لَكِنَّهُ بِإقْدارِهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِ، وخَلْقِهِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِعْلُهم مِنَ الدَّواعِي والعَدَدِ والأسْبابِ، و"ما تَعْمَلُونَ" إمّا عِبارَةٌ عَنِ الأصْنامِ فَوَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ "ما تَنْحِتُونَ" لِلْإيذانِ بِأنَّ مَخْلُوقِيَّتَها لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَيْسَ مِن حَيْثُ نَحْتُهم لَها فَقَطْ بَلْ مِن حَيْثُ سائِرُ أعْمالِهِمْ أيْضًا مِنَ التَّصْوِيرِ والتَّحْلِيَةِ والتَّزْيِينِ ونَحْوِها، وإمّا عَلى عُمُومِهِ فَيَنْتَظِمُ الأصْنامُ انْتِظامًا (p-199)أوَّلِيًّا مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما يَعْمَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مَخْلُوقٌ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: عَمَلَكم عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وقِيلَ: بِمَعْناهُ فَإنَّ فِعْلَهم إذا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ مَفْعُولُهُمُ المُتَوَقِّفُ عَلى فِعْلِهِمْ أوْلى بِذَلِكَ.
37:97Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجحيم﴾ أيْ: في النّارِ الشَّدِيدَةِ الِاتِّقادِ، مِنَ الجُحْمَةِ وهي شِدَّةُ التَّأجُّحِ، واللّامُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: جَحِيمِ ذَلِكَ البُنْيانِ، وقَدْ ذُكِرَ كَيْفِيَّةُ بِنائِهِمْ لَهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
37:98Page 449
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَهَرَهم بِالحُجَّةِ، وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ، قَصَدُوا ما قَصَدُوا لِئَلّا يَظْهَرَ لِلْعامَّةِ عَجْزُهم ﴿فَجَعَلْناهُمُ الـأسفلين﴾ الأذَلِّينَ بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، وجَعْلِهِ بُرْهانًا نَيِّرًا عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِجَعْلِ النّارِ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا.
37:99Page 449
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ: مُهاجِرٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي، كَما قالَ: (إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي) وهو الشّامُ، أوْ إلى حَيْثُ أتَجَرَّدُ فِيهِ لِعِبادَتِهِ تَعالى ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أيْ: إلى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِي، أوْ إلى مَقْصِدِي، وبَتُّ القَوْلِ بِذَلِكَ لِسَبْقِ الوَعْدِ، أوْ لِفَرْطِ تَوَكُّلِهِ ولِلْبِناءِ عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَهُ، ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ حالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ولِذَلِكَ أتى بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ.
37:100Page 449
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: بَعْضَ الصّالِحِينَ يُعِينُنِي عَلى الدَّعْوَةِ والطّاعَةِ، ويُؤْنِسُنِي في الغُرْبَةِ يَعْنِي الوَلَدَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ عَلى الإطْلاقِ خاصٌّ بِهِ، وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ مُقَيَّدًا بِالأُخُوَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ عَيْنُ ما اسْتَوْهَبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَقَدْ جُمِعَ فِيهِ بِشاراتٌ ثَلاثٌ؛ بِشارَةُ أنَّهُ غُلامٌ، وأنَّهُ يَبْلُغُ أوانَ الحُلُمِ، وأنَّهُ يَكُونُ حَلِيمًا، وأيُّ حِلْمٍ يُعادِلُ حِلْمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أبَوْهُ الذَّبْحَ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ وقِيلَ: ما نَعَتَ اللَّهُ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأقَلَّ مِمّا نَعَتَهم بِالحِلْمِ لِعِزَّةِ وُجُودِهِ غَيْرَ إبْراهِيمَ وابْنَهُ، فَإنَّهُ تَعالى نَعَتَهُما بِهِ، وحالُهُما المَحْكِيَّةُ بَعْدُ أعْدَلُ بَيِّنَةٍ بِذَلِكَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
37:102Page 449
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، وإيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ (p-200)بِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّخَلُّفِ والتَّأخُّرِ بَعْدَ البِشارَةِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أيْ: فَوَهَبْناهُ لَهُ فَنَشَأ، فَلَمّا بَلَغَ رُتْبَةَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ، و"مَعَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ السَّعْيُ لا بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ، ولا بِـ(بَلَغَ) لِأنَّ بُلُوغَهُما لَمْ يَكُنْ مَعًا، كَأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ السَّعْيُ قِيلَ: مَعَ مَن؟ فَقِيلَ: مَعَهُ، وتَخْصِيصُهُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلُ في الرِّفْقِ والِاسْتِصْلاحِ، فَلا يَسْتَسِيغُهُ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ وكانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
﴿قالَ﴾ أيْ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ أيْ: أرى هَذِهِ الصُّورَةَ بِعَيْنِها، أوْ ما هَذِهِ عِبارَتُهُ وتَأْوِيلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذا، فَلَمّا أصْبَحَ رَوّى في ذَلِكَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ أمِنَ اللَّهِ هَذا الحِلْمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ؟ فَمِن ثَمَّةَ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن ثَمَّةَ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ، فَسُمِّيَ اليَوْمُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ قالَ: إذَنْ هو ذَبِيحُ اللَّهِ، فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ، قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، والأظْهَرُ الأشْهَرُ أنَّ المُخاطَبَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الَّذِي وُهِبَ إثْرَ المُهاجَرَةِ؛ ولِأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى البِشارَةِ بِهَذا الغُلامِ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: ««أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»» فَأحَدُهُما جَدُّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والآخَرُ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَإنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ نَذَرَ أنْ يَذْبَحَ ولَدًا إنْ سَهَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ حَفْرَ بِئْرِ زَمْزَمٍ، أوْ بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ، وخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، ولِذَلِكَ سُنَّتِ الدِّيَةُ مِائَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ، وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ حَتّى احْتَرَقا في أيّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ولَمْ يَكُنْ إسْحاقُ ثَمَّةَ، ولِأنَّ بِشارَةَ إسْحاقَ كانَتْ مَقْرُونَةً بِوِلادَةِ يَعْقُوبَ مِنهُ، فَلا يُناسِبُهُ الأمْرُ بِذَبْحِهِ مُراهِقًا.
وَما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ: «أيُّ النَّسَبِ أشْرَفُ؟ فَقالَ: يُوسُفُ صِدِّيقُ اللَّهِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ»» فالصَّحِيحُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ««يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ»» الزَّوائِدُ مِنَ الرّاوِي، وما رُوِيَ مِن أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلى يُوسُفَ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وقُرِئَ: (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما.
﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ فِيهِ - وهو أمْرٌ مَحْتُومٌ - لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ تَعالى، فَيُثَبِّتُ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنُ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ عَلَيْهِ بِالِانْقِيادِ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، وقُرِئَ: (ماذا تُرِي) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبِفَتْحِها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: تُؤْمَرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوَّلًا عَلى القاعِدَةِ المُطَّرِدَةِ، ثُمَّ حُذِفَ العائِدُ إلى المَوْصُولِ بَعْدَ انْقِلابِهِ مَنصُوبًا بِإيصالِهِ إلى الفِعْلِ، أوْ حُذِفا دُفْعَةً، أوِ افْعَلْ أمْرَكَ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وتَسْمِيَةِ المَأْمُورِ بِهِ أمْرًا.
وَقُرِئَ: (ما تُؤْمَرُ بِهِ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ، مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الِامْتِثالِ بِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى الذَّبْحِ، أوْ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
37:103Page 450
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وانْقادا، وخَضَعا لَهُ، يُقالُ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ واسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا، وأصْلُها مِن قَوْلِكَ: سَلَّمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلُصَ لَهُ، ومَعْناهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازِعَ فِيهِ، وقَوْلُهُمْ: سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ وأسْلَمَ لَهُ مَنقُولانِ مِنهُ، ومَعْناهُما أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ (p-201)وَجَعَلَها سالِمَةً لَهُ، وكَذَلِكَ مَعْنى اسْتَسْلَمَ اسْتَخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى.
وَعَنْ قَتادَةَ - رِضى اللَّهُ عَنْهُ - في (أسْلَما): أسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ وإسْماعِيلُ نَفْسَهُ ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى الأرْضِ، وهو أحَدُ جانِبَيِ الجَبْهَةِ، وقِيلَ: كَبَّهُ عَلى وجْهِهِ بِإشارَتِهِ؛ كَيْلا يَرى مِنهُ ما يُورِثُ رِقَّةً تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ مِن مِنًى، وقِيلَ: في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى، وقِيلَ: في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ اليَوْمَ فِيهِ.
37:104–105Page 450
وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
We called to him, "O Abraham,
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ بِالعَزْمِ عَلى الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِهِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ بِقُوَّتِهِ عَلى حَلْقِهِ مِرارًا فَلَمْ يَقْطَعْ، ثُمَّ وضَعَ السِّكِّينَ عَلى قَفاهُ فانْقَلَبَ السِّكِّينُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وقَعَ النِّداءُ وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ إيذانًا بِعَدَمِ وفاءِ التَّعْبِيرِ بِتَفاصِيلِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ، والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفَّقْ أحَدٌ لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما بِذَلِكَ عَلى العالَمِينَ مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَفْرِيجِ تِلْكَ الكُرْبَةِ عَنْهُما بِإحْسانِهِما، واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ النَّسْخَ قَبْلَ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ مَأْمُورًا بِالذَّبْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ ولَمْ يَحْصُلْ.
﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ الِابْتِلاءُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُ عَنْ غَيْرِهِ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ الصُّعُوبَةِ إذْ لا شَيْءَ أصْعَبُ مِنها.
﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ بِما يُذْبَحُ بَدَلَهُ فَيَتِمُّ بِهِ الفِعْلُ ﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمِ الجُثَّةِ سَمِينٍ، أوْ عَظِيمِ القَدْرِ؛ لِأنَّهُ يَفْدِي بِهِ اللَّهُ نَبِيًّا ابْنِ نَبِيٍّ مِن نِسْلِهِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ.
قِيلَ: كانَ ذَلِكَ كَبْشًا مِنَ الجَنَّةِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ، فَتُقُبِّلَ مِنهُ، وكانَ يَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقِيلَ: فُدِيَ بِوَعْلٍ أُهْبِطُ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ.
وَرُوِيَ أنَّهُ هَرَبَ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ الجَمْرَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى أخَذَهُ فَبَقِيَ سُنَّةً في الرَّمْيِ.
وَرُوِيَ أنَّهُ رَمى الشَّيْطانَ حِينَ تَعَرَّضَ لَهُ بِالوَسْوَسَةِ عِنْدَ ذَبْحِ ولَدِهِ.
وَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا ذَبَحَهُ قالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ الذَّبِيحُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ إبْراهِيمُ: اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، فَبَقِيَ سُنَّةً، والفادِي في الحَقِيقَةِ هو إبْراهِيمُ، وإنَّما قِيلَ: (وَفَدَيْناهُ) لِأنَّهُ تَعالى هو المُعْطِي لَهُ، والآمِرُ بِهِ عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ أوِ الإسْنادِ.
37:108–109Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
And We left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩
"Peace upon Abraham."
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الأخِرَيْنِ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ قَدْ سَلَفَ بَيانُهُ في خاتِمَةِ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-202)﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى إبْقاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ لا إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ فَلا تَكْرارَ، وعَدَمُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنّا لِلِاكْتِفاءِ بِما مَرَّ آنِفًا.
﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ عَلى وُجْهَةِ الإيقانِ والِاطْمِئْنانِ.
37:112Page 450
وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢
And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1
﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مَقْضِيًّا بِنُبُوَّتِهِ مُقَدَّرًا كَوْنُهُ مِنَ الصّالِحِينَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ وقَعا حالَيْنِ ولا حاجَةَ إلى وُجُودِ المُبَشَّرِ بِهِ وقْتَ البِشارَةِ، فَإنَّ وُجُودَ ذِي الحالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وإنَّما الشَّرْطُ مُقارَنَةُ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ لِاعْتِبارِ مَعْنى الحالِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يُجْعَلُ عامِلًا فِيهِما مِثْلِ وبَشَّرْناهُ بِوُجُودِ إسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فَإنَّ الدّاخِلِينَ كانُوا مُقَدِّرِينَ خُلُودَهم وقْتَ الدُّخُولِ، وإسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ مُقَدِّرًا نُبُوَّةَ نَفْسِهِ وصَلاحَها حِينَ ما يُوجَدُ.
وَمَن فَسَّرَ الغُلامَ بِإسْحاقَ جَعَلَ المَقْصُودَ مِنَ البِشارَةِ نُبُوَّتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفي ذِكْرِ الصَّلاحِ بَعْدُ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّهُ الغايَةُ لَها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الكَمالِ والتَّكْمِيلِ بِالفِعْلِ عَلى الإطْلاقِ.
37:113Page 450
وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣
And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].
﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ عَلى إبْراهِيمَ في أوْلادِهِ ﴿وَعَلى إسْحاقَ﴾ بِأنْ أخْرَجَنا مِن صُلْبِهِ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرَهم كَأيُّوبَ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ أفَضْنا عَلَيْهِما بَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقُرِئَ: (وَبَرَّكْنا) ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ في عَمَلِهِ، أوْ لِنَفْسِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ ظُلْمُهُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ النَّسَبَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الهِدايَةِ والضَّلالِ، وأنَّ الظُّلْمَ في أعْقابِهِما لا يَعُودُ عَلَيْهِما بِتَقَيُّصِهِ ولا عَيْبَ.
37:114Page 450
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤
And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.
﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أنْعَمْنا عَلَيْهِما بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
37:115Page 450
وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥
And We saved them and their people from the great affliction,
﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ هو مَلَكَةُ آلِ فِرْعَوْنَ، وتَسَلُّطُهم عَلَيْهِمْ بِألْوانِ الغَشَمِ والعَذابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وقِيلَ: هو الغَرَقُ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ كَرْبًا ومَشَقَّةً.
37:116Page 450
وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦
And We supported them so it was they who overcame.
﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾ أيْ: إيّاهُما وقَوْمَهُما عَلى عَدُوِّهِمْ ﴿فَكانُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿هُمُ الغالِبِينَ﴾ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً لا غايَةَ وراءَها بَعْدَ أنْ كانَ قَوْمُهُما في أسْرِهِمْ وقَسْرِهِمْ مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمُ العادِيَةِ يَسُومُونَهم (p-203)سُوءَ العَذابِ، وهَذِهِ التَّنْجِيَةُ - وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ الوُجُودِ مُقارِنَةً لِما ذُكِرَ مِنَ النَّصْرِ والغَلَبَةِ - لَكِنَّها لَمّا كانَتْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ عِبارَةً عَنِ التَّخْلِيصِ مِنَ المَكْرُوهِ بُدِئَ بِها، ثُمَّ بِالنَّصْرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُهُ بِمَحْضِ تَنْجِيَةِ المَنصُورِ مِن عَدُوِّهِ مِن غَيْرِ تَغْلِيبِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِالغَلَبَةِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ بِإظْهارِ أنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها.
37:117Page 450
وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧
And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],
﴿وَآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ: البَلِيغَ في البَيانِ والتَّفْصِيلِ، وهو التَّوْراةُ.
37:118Page 450
وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨
And We guided them on the straight path.
﴿وَهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوصِلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ.
37:119–120Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩
And We left for them [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠
"Peace upon Moses and Aaron."
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ: أبْقَيْنا فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الآخِرِينَ هَذا الذِّكْرَ الجَمِيلَ، والثَّناءَ الجَزِيلَ.
﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ الجَزاءِ الكامِلِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ الَّذِينَ هُما مِن جُمْلَتِهِمْ لا جَزاءً قاصِرًا عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences