Abu as-Su'udSad · 38:19–31

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Sad 38:19–31

38:19Page 454

وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

﴿والطَّيْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجِبالِ ﴿مَحْشُورَةً﴾ حالٌ مِنَ "الطَّيْرَ"، والعامِلُ "سَخَّرْنا"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ بِالتَّسْبِيحِ، واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ، وذَلِكَ حَشْرُها. وقُرِئَ: ( والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ.

﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما فُهِمَ مِنهُ إجْمالًا مِن تَسْبِيحِ الطَّيْرِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ لِأجْلِ تَسْبِيحِهِ رَجّاعٌ إلى التَّسْبِيحِ، ووَضَعُ الأوّابِ مَوْضِعَ المُسَبِّحِ، إمّا لِأنَّها كانَتْ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ، والمُرَجِّعُ رَجّاعٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى فِعْلِهِ رُجُوعًا بَعْدَ رُجُوعٍ. وإمّا لِأنَّ الأوّابَ هو التَّوّابُ الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِن دَأْبِهِ إكْثارُ الذِّكْرِ، وإدامَةُ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ، أيْ: مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ.

38:20Page 454

وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ بِالهَيْبَةِ والنُّصْرَةِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ. قِيلَ: كانَ يَبِيتُ حَوْلَ مِحْرابِهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مُسْتَلْئِمٍ وقِيلَ: ادَّعى رَجُلٌ عَلى آخَرَ بَقَرَةً، وعَجَزَ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في المَنامِ أنِ اقْتُلِ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَتَأخَّرَ، فَأُعِيدَ الوَحْيُ في اليَقَظَةِ فَأعْلَمَهُ الرَّجُلُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْخُذْنِي (p-220)بِهَذا الذَّنْبِ، ولَكِنْ بِأنِّي قَتَلْتُ أبا هَذا غِيلَةً. فَقالَ النّاسُ: إنْ أذْنَبَ أحَدٌ ذَنْبًا أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَهابُوهُ، وعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ في القُلُوبِ.

﴿وَآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ، وكَمالَ العِلْمِ، وإتْقانَ العَمَلِ. وقِيلَ: الزَّبُورَ، وعِلْمَ الشَّرائِعِ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ وافَقَ الحَقَّ فَهو حِكْمَةٌ.

﴿وَفَصْلَ الخِطابِ﴾ أيْ: فَصْلَ الخِصامِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ، أوِ الكَلامَ المُلَخَّصَ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَرامِ مِن غَيْرِ التِباسٍ لِما قَدْ رُوعِيَ فِيهِ مَظانُّ الفَصْلِ والوَصْلِ والعَطْفِ والِاسْتِئْنافِ والإظْهارِ والإضْمارِ والحَذْفِ والتَّكْرارِ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ أمّا بَعْدُ؛ لِأنَّهُ يَفْصِلُ المَقْصُودَ عَمّا سَبَقَ تَمْهِيدًا لَهُ كالحَمْدِ والصَّلاةِ. وقِيلَ: هو الخِطابُ الفَصْلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إيجازٌ مُخِلٌّ، ولا إطْنابٌ مُمِلٌّ، كَما جاءَ في نَعْتِ كَلامِ النُّبُوَّةِ فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذْرٌ.

38:21Page 454

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١

And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -

﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِ ما في حَيِّزِهِ؛ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ مِنَ الأنْباءِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَشِيعَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ. والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وما فَوْقَهُ كالضَّيْفِ، ومَعْنى خَصْمانِ فَرِيقانِ.

﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ إذْ تَصَعَّدُوا سُورَهُ، ونَزَلُوا إلَيْهِ. والسُّورُ الحائِطُ المُرْتَفِعُ، ونَظِيرُهُ تَسَنَّمَهُ إذا عَلا سَنامَهُ، وتَذَرّاهُ إذا عَلا ذِرْوَتَهُ. و "إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: نَبَأُ تَحاكُمُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا، أوْ بِالنَّبَأِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ إسْنادَهُ الإتْيانُ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ، أوْ بِالخَصْمِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الخُصُومَةِ، لا بِأتى لِأنَّ إتْيانَهُ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:

38:22Page 454

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢

When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.

﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ، أوْ ظَرْفٌ لِتَسَوَّرُوا.

﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ إنْسانَيْنِ. قِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَطَلَبا أنْ يَدْخُلا عَلَيْهِ فَوَجَداهُ في يَوْمِ عِبادَتِهِ فَمَنَعَهُما الحَرَسُ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِ المِحْرابَ بِمَن مَعَهُما مِنَ المَلائِكَةِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وهُما بَيْنَ يَدَيْهِ جالِسانِ فَفَزِعَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا عَلَيْهِ مِن فَوْقُ عَلى خِلافِ العادَةِ، والحَرَسُ حَوْلَهُ في غَيْرِ يَوْمِ الحُكُومَةِ والقَضاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَزَّأ زَمانَهُ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، ويَوْمًا لِلْقَضاءِ، ويَوْمًا لِلِاشْتِغالِ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، ويَوْمًا لِلْوَعْظِ والتَّذْكِيرِ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ فَزَعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتِ المَلائِكَةُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِفَزَعِهِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا: إزالَةً لِفَزَعِهِ.

﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أيْ: نَحْنُ فَوْجانِ مُتَخاصِمانِ عَلى تَسْمِيَةِ مُصاحِبِ الخَصْمِ خَصْمًا.

﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ هو عَلى الفَرْضِ وقَصْدِ التَّعَرُّضِ فَلا كَذِبَ فِيهِ.

﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ: لا تَجُرْ في الحُكُومَةِ. وقُرِئَ: ( ولا تَشْطُطْ ) أيْ: لا تَبْعُدُ عَنِ الحَقِّ. وقُرِئَ: ( ولا تُشاطِطْ ) وكُلُّها مِن مَعْنى الشَّطَطِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ وتَخَطِّي الحَقِّ.

﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى وسَطِ طَرِيقِ الحَقِّ بِزَجْرِ الباغِي عَمّا سَلَكَهُ مِن طَرِيقِ الجَوْرِ، وإرْشادِهِ إلى مِنهاجِ العَدْلِ.

38:23Page 454

إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣

Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."

(p-221)﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما فِيهِ الخُصُومَةُ، أيْ: أخِي في الدِّينِ، أوْ في الصُّحْبَةِ والتَّعَرُّضُ لِذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلَ بِهِ صاحِبُهُ.

﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ﴾ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ، وقَدْ يُكَنّى بِها عَنِ المَرْأةِ، والكِنايَةُ والتَّعْرِيضُ أبْلَغُ في المَقْصُودِ. وقُرِئَ: ( تَسْعٌ وتَسْعُونَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، و ( نِعْجَةٌ ) بِكَسْرِ النُّونِ. وقُرِئَ: ( ولِي نَعْجَةٌ ) بِسُكُونِ الياءِ.

﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أيْ: مَلِّكْنِيها، وحَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي. وقِيلَ: اجْعَلْها كِفْلِي، أيْ: نَصِيبِي.

﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ أيْ: غَلَبَنِي في مُخاطَبَتِهِ إيّايَ مَحاجَّةً بِأنْ جاءَ بِحِجاجٍ لَمْ أقْدِرْ عَلى رَدِّهِ، أوْ في مُغالَبَتِهِ إيّايَ، في الخِطْبَةِ يُقالُ: خَطَبْتُ المَرْأةَ وخَطَبَها هو فَخاطَبَنِي خِطابًا، أيْ: غالَبَنِي في الخِطْبَةِ فَغَلَبَنِي حَيْثُ زُوِّجَها دُونِي. وقُرِئَ: ( وعازَّنِي ) أيْ: غالَبَنِي وعَزَنِي بِتَخْفِيفِ الزّايِ طالِبًا لِلْخِفَّةِ، وهو تَخْفِيفٌ غَرِيبٌ كَأنَّهُ قِيسَ عَلى ظَلْتُ ومَسْتُ.

38:24Page 454

قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤

[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].

﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَصَدَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُبالَغَةَ في إنْكارِ فِعْلِ صاحِبِهِ، وتَهْجِينَ طَمَعِهِ في نَعْجَةِ مَن لَيْسَ لَهُ غَيْرُها مَعَ أنَّ لَهُ قَطِيعًا مِنها، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرافِ صاحِبِهِ بِما ادَّعاهُ عَلَيْهِ، أوْ بَناهُ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ المُدَّعِي. والسُّؤالُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإضافَةِ والضَّمِّ.

﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ أيِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم ﴿لَيَبْغِي﴾ لَيَتَعَدّى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ الخَفِيفَةِ وحَذْفِها، وبِحَذْفِ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ.

﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ غَيْرُ مُراعٍ لِحَقِّ الصُّحْبَةِ والشِّرْكَةِ.

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنهم فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ: وهم قَلِيلٌ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِلْإبْهامِ والتَّعَجُّبِ مِن قِلَّتِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

﴿وَظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ الظَّنُّ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ الظّاهِرَةِ، أيْ: عَلِمَ بِما جَرى في مَجْلِسِ الحُكُومَةِ، وقِيلَ: لَمّا قَضى بَيْنَهُما ما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدا إلى السَّماءِ حِيالَ وجْهِهِ فَعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى تَخْصِيصِ الفِتْنَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ غَيْرِهِ، بِتَوَجِّيِهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ "إنَّما" إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ الوارِدُ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ إلى مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وقُيُودِهِ، بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيهِ والإثْباتِ فِيها، كَما في مَثَلِ قَوْلِكَ: إنَّما ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإنَّما ضَرْبَتُهُ تَأْدِيبًا، بَلْ عَلى تَخْصِيصِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالفِتْنَةِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى ما يُغايِرُهُ مِنَ الأفْعالِ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ النَّفْيِ والإثْباتِ مَعًا في خُصُوصِيَّةِ الفِعْلِ فَإنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَطْعًا، بَلْ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيما فِيهِ مِن مَعْنى مُطْلَقِ الفِعْلِ، واعْتِبارِ الإثْباتِ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ المَعْنى المَخْصُوصِ فَإنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ المَخْصُوصَةِ يَنْحَلُّ (p-222)عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلى مَعْنًى مُطْلَقٍ هو مَدْلُولُ لَفْظِ الفِعْلِ، وإلى مَعْنًى مَخْصُوصٍ يُقارِنُهُ ويُقَيِّدُهُ، وهو أثَرُهُ في الحَقِيقَةِ. فَإنَّ مَعْنى نَصَرَ مَثَلًا فَعَلَ النَّصْرَ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهم مَعْنى فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، فَمَوْرِدُ القَصْرِ في الحَقِيقَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيهِ والإثْباتِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فالمَعْنى وعَلِمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّما فَعَلْنا بِهِ الفِتْنَةَ لا غَيْرَ. قِيلَ: ابْتَلَيْناهُ بِامْرَأةِ أُورِيّا، وقِيلَ: امْتَحَنّاهُ بِتِلْكَ الحُكُومَةِ، هَلْ يُتَنَبَّهُ بِها لِما قُصِدَ مِنها ؟ وإيثارُ طَرِيقِ التَّمْثِيلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّأمُّلَ فِيهِ إذا أدّاهُ إلى الشُّعُورِ بِما هو الغَرَضُ كانَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ، وأعْظَمُ تَأْثِيرًا في قَلْبِهِ، وأدْعى إلى التَّنَبُّهِ لِلْخَطَأِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ حُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتُرْكِ المُجاهَرَةِ، والإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ يَسْتَحْيِي مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ. وتَصْوِيرُهُ التَّحاكُمُ لِإلْجائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ نَفْسِهِ إلى الظُّلْمِ، وتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ أُورِيّا بِصَدَدِ الخِصامِ.

﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ إثْرَ ما عُلِمَ أنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ ﴿وَخَرَّ راكِعًا﴾ أيْ: ساجِدًا عَلى تَسْمِيَةِ السُّجُودِ رُكُوعًا لِأنَّهُ مَبْدَؤُهُ. أوْ خَرَّ لِلسُّجُودِ راكِعًا، أيْ: مُصَلِّيًا كَأنَّهُ أحْرَمَ بِرَكْعَتَيِ الِاسْتِغْفارِ.

﴿وَأنابَ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ. وأصْلُ القِصَّةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى امْرَأةَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ أُورِيّا، فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها فَسَألَهُ أنْ يُطْلِقَها فاسْتَحْيَ أنْ يَرُدَهُ فَفَعَلَ فَتَزَوَّجَها. وهي أُمُّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ مُعْتادًا فِيما بَيْنُ أُمَّتِهِ، غَيْرَ مُخِلٍّ بِالمُرُوءَةِ حَيْثُ كانَ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ فَيَتَزَوَّجُها إذا أعْجَبَتْهُ، وقَدْ كانَ الأنْصارُ في صَدْرِ الإسْلامِ يُواسُونَ المُهاجِرِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، خَلا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَظَمِ مَنزِلَتِهِ، وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ، وعُلُوِّ شَأْنِهِ نُبِّهَ بِالتَّمْثِيلِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَعاطى ما يَتَعاطاهُ آحادُ أُمَّتِهِ، ويَسْألَ رَجُلًا لَيْسَ لَهُ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ أنْ يَنْزِلَ عَنْها فَيَتَزَوَّجُها مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ، بَلْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُغالِبَ هَواهُ، ويَقْهَرَ نَفْسَهُ، ويَصْبِرَ عَلى ما امْتُحِنَ بِهِ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ أُورِيّا تَزَوَّجَها، بَلْ كانَ خَطْبُها، ثُمَّ خَطَبَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآثَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْلَها، فَكانَ ذَنَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ خَطْبَ عَلى خُطْبَةِ أخِيهِ المُسْلِمِ هَذا. وأمّا ما يُذْكَرُ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ ذاتَ يَوْمٍ مِحْرابَهُ، وأغْلَقَ بابَهُ، وجَعَلَ يُصَلِّي ويَقْرَأُ الزَّبُورَ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ جاءَهُ الشَّيْطانُ في صُورَةِ حَمامَةٍ مِن ذَهَبٍ فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَها لِابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ فَطارَتْ، فامْتَدَّ إلَيْها فَطارَتْ فَوَقَعَتْ في كُوَّةٍ، فَتَبِعَها فَأبْصَرَ امْرَأةً جَمِيلَةً قَدْ نَقَضَتْ شَعْرَها، فَغَطّى بَدَنَها. وهي امْرَأةُ أُورِيّا. وهو مِن غَزاةِ البَلْقاءِ، فَكَتَبَ إلى أيُّوبَ بْنِ صُورِيّا، وهو صاحِبُ بَعْثِ البَلْقاءِ أنِ ابْعَثْ بْعَثْ أُورِيًّا، وقَدِّمْهُ عَلى التّابُوتِ. وكانَ مَن يَتَقَدَّمُ عَلى التّابُوتِ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلى يَدْيِهِ، أوْ يُسْتَشْهَدَ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ وسَلِمَ، فَأمَرَ بِرَدِّهِ مَرَّةً أُخْرى، وثالِثَةً حَتّى قُتِلَ، وأتاهُ خَبَرُ قَتْلِهِ، فَلَمْ يَحْزَنْ كَما كانَ يَحْزَنُ عَلى الشُّهَداءِ، وتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ. فَإفْكٌ مُبْتَدَعٌ مَكْرُوهٌ، ومَكْرٌ مُخْتَرَعٌ بِئْسَما مَكْرُوهٌ تَمُجُّهُ الأسْماعُ، وتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ، ويْلٌ لِمَنِ ابْتَدَعَهُ وأشاعَهُ، وتَبًّا لِمَنِ اخْتَرَعَهُ وأذاعَهُ. ولِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن حَدَّثَ بِحَدِيثِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يَرْوِيهِ القَصّاصُ جِلْدَتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ. وذَلِكَ حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ هَذا، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْمًا قَصَدُوا أنْ يَقْتُلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَتَسَوَّرُوا المِحْرابَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا، فَتَصَنَّعُوا بِهَذا التَّحاكُمِ. فَعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَرَضَهُمْ، فَهَمَّ بِأنْ يَنْتَقِمَ مِنهُمِ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ ابْتِلاءٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا هَمَّ بِهِ وأنابَ.

38:25Page 454

فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

(p-223)﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما اسْتَغْفَرَ مِنهُ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقِيَ ساجِدًا أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلّا لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، أوْ لِما لا بُدَّ مِنهُ، ولا يَرْقَأُ دَمْعُهُ حَتّى نَبَتَ مِنهُ العُشْبُ إلى رَأْسِهِ، ولَمْ يَشْرَبْ ماءً إلّا ثُلُثاهُ دَمْعٌ، وجَهَدَ نَفْسَهُ راغِبًا إلى اللَّهِ تَعالى في العَفْوِ عَنْهُ، حَتّى كادَ يَهْلَكُ، واشْتَغَلَ بِذَلِكَ عَنِ المُلْكِ حَتّى وثَبَ ابْنٌ لَهُ يُقالُ لَهُ إيشا عَلى مُلْكِهِ، ودَعا إلى نَفْسِهِ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ أهْلُ الزَّيْغِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا غُفِرَ لَهُ حارَبَهُ؛ فَهَزَمَهُ.

﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لَقَرابَةً وكَرامَةً بَعْدَ المَغْفِرَةِ.

﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ حُسْنَ مَرْجِعٍ في الجَنَّةِ.

38:26Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَيِّنَةٌ لِزُلْفاهُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وإمّا مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو مَعْطُوفٌ عَلى غَفَرْنا، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أوْ قائِلِينَ لَهُ يا داوُدُ. . . إلَخْ. أيِ: اسْتَخْلَفْناكَ عَلى المُلْكِ فِيها والحُكْمِ فِيما بَيْنَ أهْلِها، أوْ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ القائِمِينَ بِالحَقِّ. وفِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ حالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَما كانَتْ قَبْلَها لَمْ تَتَغَيَّرْ قَطُّ.

﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الخِلافَةَ بِكِلا مَعْنَيَيْهِ مُقْتَضِيَةٌ لَهُ حَتْمًا.

﴿وَلا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ أيْ: هَوى النَّفْسِ في الحُكُوماتِ وغَيْرِها مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا.

﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ مَفْتُوحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أيْ: فَيَكُونُ الهَوى أوِ اتِّباعُهُ سَبَبًا لِضَلالِكَ عَنْ دَلائِلِهِ الَّتِي نَصَبَها عَلى الحَقِّ تَكْوِينًا وتَشْرِيعًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ غائِلَتِهِ، وإظْهارِ سَبِيلِ اللَّهِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِكَمالِ شَناعَةِ الضَّلالِ عَنْهُ.

﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِأنَّ. و "عَذابٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.

﴿بِما نَسُوا﴾ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الحِسابِ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَنَسُوا، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا صَرِيحًا لِثُبُوتِ العَذابِ الشَّدِيدِ لَهم بِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَلْزِمُهُ أعْنِي الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بِالمَرَّةِ، بَلْ هَذا فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ، أوْ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" أيْ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ضَلالِهِمْ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ سَبِيلَ اللَّهِ فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ المُصَرَّحُ بِهِ حِينَئِذٍ عَيْنَ التَّعْلِيلِ المُشْعِرِ بِهِ بِالذّاتِ غَيْرُهُ بِالعُنْوانِ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا السِّرِّ السِّرِّيِّ. قالَ: بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ، وهو ضَلالُهم عَنِ السَّبِيلِ، فَإنَّ تَذَكُّرَهُ يَقْتَضِي مُلازَمَةَ الحَقِّ ومُخالَفَةَ الهَوى، فَتَدَبَّرْ.

38:27Page 455

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ (p-224)مِن أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، أيْ: وما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ الَّذِي تَحارُ في فَهْمِهِ العُقُولُ خَلْقًا باطِلًا، أيْ: خالِيًا عَنِ الغايَةِ الجَلِيلَةِ، والحِكْمَةِ الباهِرَةِ، بَلْ مَنطَوِيًا عَلى الحَقِّ المُبِينِ، والحِكَمِ البالِغَةِ حَيْثُ خَلَقْنا مِن بَيْنِ ما خَلَقْنا نُفُوسًا أوْدَعْناها العَقْلَ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والنّافِعِ والضّارِّ، ومَكَّنّاها مِنَ التَّصَرُّفاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ في اسْتِجْلابِ مَنافِعِها واسْتِدْفاعِ مَضارِّها، ونَصَبْنا لِلْحَقِّ دَلائِلَ آفافِيَّةً وأنْفُسِيَّةً، ومَنَحْناها القُدْرَةَ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِها، ثُمَّ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ مِنَ الألْطافِ، بَلْ أرْسَلْنا إلَيْها رُسُلًا، وأنْزَلْنا عَلَيْها كِتابًا بَيِّنًا فِيها كُلُّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ، وأزَحْنا عِلَلَها بِالكُلِّيَّةِ، وعَرَضْناها بِالتَّكْلِيفِ لِلْمَنافِعِ العَظِيمَةِ، وأعْدَدْنا لَها عاقِبَةً وجَزاءً عَلى حَسَبِ أعْمالِها.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما نُفِيَ مِن خَلْقِ ما ذُكِرَ باطِلًا.

﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: مَظْنُونُهم. فَإنَّ جُحُودَهم بِأمْرِ البَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ تَكْوِينِ العالَمِ قَوْلٌ مِنهم بِبُطْلانِ خَلْقِ ما ذُكِرَ، وخُلُوِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و "الفاءُ" لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ، كَما أنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لَهُ، ولا تَنافِي بَيْنَهُما؛ لِأنَّ ظَنَّهم مِن بابِ كُفْرِهِمْ. ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ونَظائِرِهِ مُفِيدَةٌ لِعِلِّيَّةِ النّارِ لِثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم صَرِيحًا بَعْدَ الإشْعارِ بِعَلِيَّةِ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ.

38:28Page 455

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِن بَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ عَنْ تَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ بِما مَرَّ مِن نَفْيِ خَلْقِ العالِمِ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلى تَقْرِيرِهِ وتَحْقِيقِهِ بِما في الهَمْزَةِ مِن إنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ونَفْيِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: بَلْ أنَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ المُصْلِحِينَ كالكَفَرَةِ المُفْسِدِينَ في أقْطارِ الأرْضِ، كَما يَقْتَضِيهِ عَدَمُ البَعْثَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في التَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا بَلِ الكَفَرَةُ أوْفَرُ حَظًّا مِنها مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مُحالٌ. فَتَعَيُّنُ البَعْثِ والجَزاءِ حَتْمًا لِرَفْعِ الأوَّلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ورَدِّ الآخَرِينَ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ إضْرابٌ، وانْتِقالٌ عَنْ إثْباتِ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ المُحالِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الإطْلاقِ إلى إثْباتِهِ بِلُزُومِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ اسْتِحالَةً، وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أتْقِياءِ المُؤْمِنِينَ، وأشْقِياءِ الكَفَرَةِ، وحَمْلُ الفُجّارِ عَلى فَجَرَةِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ الأوَّلِينَ، ويَكُونُ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ آخَرَيْنِ هُما أدْخَلُ في إنْكارِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقِيلَ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ما تُعْطَوْنَ. فَنَزَلَتْ.

38:29Page 455

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو عِبارَةٌ عَنِ القرآن، أوِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَتُهُ. (p-225)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُبارَكٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ صِفَةٌ لِكِتابٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ. وقُرِئَ: ( مُبارَكًا ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( أنْزَلْنا ) ومَعْنى المُبارَكِ: الكَثِيرُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْزَلْناهُ" أيْ: أنْزَلْناهُ لِيَتَفَكَّرُوا في آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ المُعْرَبَةُ عَنْ أسْرارِ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، فَيَعْرِفُوا ما يُدَبِّرُ ظاهِرَها مِنَ المَعانِي الفائِقَةِ والتَّأْوِيلاتِ اللّائِقَةِ. وقُرِئَ: ( لِيَتَدَبَّرُوا ) عَلى الأصْلِ، و "لِتَدَّبَّرُوا" عَلى الخِطابِ، أيْ: أنْتَ وعُلَماءُ أُمَّتِكَ. بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألباب﴾ أيْ: ولِيَتَّعِظَ بِهِ ذَوُو العُقُولِ السَّلِيمَةِ، أوْ لِيَسْتَحْضِرُوا ما هو كالمَرْكُوزِ في عُقُولِهِمْ مِن فَرْطِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ لِما نُصِبِ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِما لا يُعْرَفُ إلّا بِالشَّرْعِ، ومُرْشِدَةٌ إلى ما لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْهِ.

38:30Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ وقُرِئَ: ( نِعْمَ العَبْدُ ) أيْ: سُلَيْمانُ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ داوُدَ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا لِـ "وَهَبْنا" ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، أوْ إلى التَّسْبِيحِ مَرْجِّعٌ لَهُ. تَعْلِيلٌ لِلْمَدْحِ، وهو مِن حالِهِ لِما أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ تَعالى:

38:31Page 455

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ راجِعٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطْعًا، و "إذْ" مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، أيِ: اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ.

﴿بِالعَشِيِّ﴾ هو مِنَ الظُّهْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ.

﴿الصّافِناتُ﴾ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ أوّابٌ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ "أوّابٌ"، وقِيلَ: لِـ "نِعْمَ" . وتَأْخِيرُ "الصّافِناتِ" عَنِ الظَّرْفَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والصّافِنُ مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَقُومُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِ يَدٍ أوْ رِجْلٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ في الخَيْلِ لا يَكادُ يُنْفَقُ إلّا في العِرابِ الخُلَّصِ وقِيلَ: هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهِما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى سُنْبُكِهِ فَهو المُخِيمُ.

﴿الجِيادُ﴾ جَمْعُ جَوادٍ وُجُودٍ، وهو الَّذِي يُسْرَعُ في جَرْيِهِ، وقِيلَ: الَّذِي يَجُودُ عِنْدَ الرَّكْضِ، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِالصُّفُونِ والجَوْدَةِ لِبَيانِ جَمْعِها بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ واقِفَةً وجارِيَةً، أيْ: إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً في مَواقِفِها، وإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا خِفافًا في جَرْيِها، وقِيلَ: هو جَمْعٌ جَيِّدٌ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَزا أهْلَ دِمَشْقَ ونَصِيبِينَ وأصابَ ألْفَ فَرَسٍ، وقِيلَ: أصابَها أبُوهُ مِنَ العَمالِقَةِ فَوَرِثَها مِنهُ، وقِيلَ: خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ لَها أجْنِحَةٌ فَقَعَدَ يَوْمًا بَعْدَما صَلّى الظُّهْرَ عَلى كُرْسِيِّهِ فاسْتَعْرَضَها فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وغَفَلَ عَنِ العَصْرِ، أوْ عَنْ وِرْدٍ كانَ لَهُ مِنَ الذِّكْرِ وقْتَئِذٍ. وتَهَيَّبُوهُ فَلَمْ يُعَلْمُوهُ فاغْتَمَّ لِما فاتَهُ فاسْتَرَدَّها فَعَقَرَها، تَقَرُّبًا لِلَّهِ تَعالى، وبَقِيَ مِائَةٌ فَما في أيْدِي النّاسِ مِنَ الجِيادِ، فَمِن نَسْلِها، وقِيلَ: لَمّا عَقَرَها أبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها، وهي الرِّيحُ تَجْرِي بِأمْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском