Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Sad 38:32–56
38:32Page 455
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ اعْتِرافًا بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِها عَنِ الصَّلاةِ، ونَدَمًا عَلَيْهِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِرَدِّها وعَقْرِها. والتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ أواخِرِ العَرْضِ المُسْتَمِرِّ دُونَ ابْتِدائِهِ، (p-226)والتَّأْكِيدُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ اعْتِرافَهُ ونَدَمَهُ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ لا لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ. وأصْلُ "أحْبَبْتُ" أنْ يُعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى آثَرْتُ لَكِنْ لَمّا أُنِيبَ مَنابِ أنْبَتَ عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ، و "حُبَّ الخَيْرِ" مَفْعُولُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، ووَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ، وخَيْرُ المالُ الكَثِيرُ. والمُرادُ بِهِ الخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سَمّاها خَيْرًا لِتَعَلُّقِ الخَيْرِ بِها. قالَ ﷺ: ﴿الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَواصِي الخَيْلِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ . وقُرِئَ: ( أنِّي ) ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ "أحْبَبْتُ" بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِ المَحَبَّةِ ودَوامِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ العَرْضِ، أيْ: أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ حَتّى تَوارَتْ، أيْ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَشْبِيهًا لِغُرُوبِها في مَغْرِبِها بِتَوارى المُخَبَّأةِ بِحِجابِها، وإضْمارِها مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلـ "صافِناتُ" أيْ: حَتّى تَوارَتْ بِحِجابِ اللَّيْلِ، أيْ: بِظَلامِهِ.
38:33Page 455
رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣
[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.
﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ مِن تَمامِ مُقالَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَرْمى غَرَضِهِ مِن تَقْدِيمٍ ماِ قَدَّمَهُ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهُ لَهُ مَعَ ظُهُورِهِ تَوَهَّمَ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمُضْمَرٍ هو جَوابٌ لِمُضْمَرٍ آخَرَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ: رَدَّها. فَتَأمَّلْ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: فَرَدُّوها عَلَيْهِ فَأخَذَ يَمْسَحُ السَّيْفَ مَسْحًا.
﴿بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أيْ: بِسُوقِها وأعْناقِها يَقْطَعُها مِن قَوْلِهِمْ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ، أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ. وقِيلَ: جَعَلَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ أعْناقَها، وسُوقَها حُبًّا لَها وإعْجابًا بِها، ولَيْسَ بِذاكَ. وقُرِئَ: ( بِالسُّؤُقِ ) عَلى هَمْزِ الواوِ لِضَمَّتِها، كَما في أدْؤُرٍ. وقُرِئَ: ( بِالسُّؤُوقِ ) تَنْزِيلًا لِضَمَّةِ السِّينِ مَنزِلَةَ ضَمَّةِ الواوِ، وقُرِئَ: ( بِالسّاقِ ) اكْتِفاءً بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ الإلْباسِ.
38:34Page 455
وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤
And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2
﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ أظْهَرَ ما قِيلَ في فِتْنَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا، أنَّهُ قالَ: ﴿لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَطافَ عَلَيْهِنَّ. فَلَمْ تَحْمَلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ. لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ﴾ . وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ عَلى قَتْلِهِ فَعَلِمَ ذَلِكَ، فَكانَ يَغْذُوهُ في السَّحابِ، فَما شَعَرَ بِهِ إلى أنْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا فَتَنَبَّهَ لِخَطَئِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ عِزَّ وعَلا. وقِيلَ: إنَّهُ غَزا صَيْدُونَ مِنَ الجَزائِرِ، فَقَتَلَ مَلِكَها، وأصابَ بِنْتًا لَهُ تُسَمّى جَرادَةَ مِن أحْسَنِ النّاسِ، فاصْطَفاها لِنَفَسِهِ، وأسْلَمَتْ حُبَّها. وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ، وكانَتْ تَغْدُو إلَيْها، وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدُونَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفُ بِذَلِكَ، فَكَسَرَ الصُّورَةَ وعاقَبَ المَرْأةَ، ثُمَّ خَرَجَ وحْدَهُ إلى فَلاةٍ، وفُرِشَ لَهُ الرَّمادُ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى باكِيًا مُتَضَرِّعًا، وكانَتْ لَهُ أُمُّ ولَدٍ يُقالُ لَها أمِينَةُ إذا دَخَلَ لِلطَّهارَةِ أوْ لِإصابَةِ امْرَأةٍ يُعْطِيها خاتَمَهُ، وكانَ مُلْكُهُ فِيهِ فَأعْطاها يَوْمًا فَتَمَثَّلَ لَها بِصُورَتِهِ شَيْطانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ، وأخَذَ الخاتَمَ فَتَخَتَّمَ بِهِ، وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الخَلْقُ، ونَفَّذَ حُكْمَهُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في نِسائِهِ، وغَيَّرَ سُلَيْمانُ (p-227)عَنْ هَيْئَتِهِ، فَأتى أمِينَةَ لِطَلَبِ الخاتَمِ، فَأنْكَرَتْهُ وطَرَدَتْهُ، فَعَرَفَ أنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ أدْرَكَتْهُ فَكانَ يَدُورُ عَلى البُيُوتِ يَتَكَفَّفُ، وإذا قالَ: أنا سُلَيْمانُ. حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرابَ، وسَبُّوهُ ثُمَّ عَمِدَ إلى السَّمّاكِينَ يَنْقُلُ لَهُمُ السَّمَكَ، فَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ، فَمَكَثَ عَلى ذَلِكَ أرْبَعِينَ صَباحًا عَدَدَ ما عُبِدَ الوَثَنُ في بَيْتِهِ، فَأنْكَرَ آصِفُ وعُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ، ثُمَّ طارَ اللَّعِينُ، وقَذَفَ الخاتَمَ في البَحْرِ، فابْتَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ في يَدِ سُلَيْمانَ، فَبَقَرَ بَطْنَها فَإذا هو بِالخاتَمِ فَتَخَتَّمَ بِهِ، وخَرَّ ساجِدًا، وعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وجابَ صَخْرَةً لِصَخْرٍ، فَجَعَلَهُ فِيها، وسَدَّ عَلَيْهِ بِأُخْرى، ثُمَّ أوْثَقَهُما بِالحَدِيدِ والرَّصاصِ، وقَذَفَهُ في البَحْرِ، وعَلى هَذا فالجَسَدُ عِبارَةٌ عَنْ صَخْرٍ سُمِّيَ بِهِ، وهو جِسْمٌ لا رُوحَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَمَثَّلَ بِما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والخَطِيئَةُ تَغافُلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ حالِ أهْلِهِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ التَّماثِيلِ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا حِينَئِذٍ، وسُجُودُ الصُّورَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنهُ لا يَضُرُّهُ.
38:35Page 455
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥
He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."
﴿قالَ﴾ بَدَلٌ مِن أنابَ، وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الزَّلَّةِ.
﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ، ولا يَكُونُ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لِي مُناسِبَةً لِحالِي، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَشَأ في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووَرِثَهُما مَعًا، اسْتَدْعى مِن رَبِّهِ مُعْجِزَةً جامِعَةً لِحُكْمِهِما، أوْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي بَعْدَ هَذِهِ السَّلْبَةِ، أوْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ مِن بَعْدِي لِعَظَمَتِهِ، كَقَوْلِكَ لِفُلانٍ: ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ. عَلى إرادَةِ وصْفِ المُلْكِ بِالعَظَمَةِ لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ، فَيَكُونُ مُنافَسَةً، وقِيلَ: كانَ مُلْكًا عَظِيمًا فَخافَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أحَدٌ فَلا يُحافِظُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى الِاسْتِيهابِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصّالِحِينَ، وكَوْنُ ذَلِكَ أدْخَلَ في الإجابَةِ، وقُرِئَ: ( لِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ والهِبَةِ مَعًا، لا بِالأخِيرَةِ فَقَطْ فَإنَّ المَغْفِرَةَ أيْضًا مِن أحْكامِ وصْفِ الوَهّابِيَّةِ قَطْعًا.
38:36Page 455
فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦
So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,
﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ أيْ: فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، فَعادَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الفِتْنَةِ، وقُرِئَ: ( الرِّياحَ ) ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِتَسْخِيرِها لَهُ ﴿رُخاءً﴾ أيْ: لَيِّنَةً مِنَ الرَّخاوَةِ طَيِّبَةً لا تُزَعْزَعُ، وقِيلَ: طَيِّعَةً لا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كالمَأْمُورِ المُنْقادِ.
﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ، حَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ.
38:37Page 455
وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧
And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver
﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ.
﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ.
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ عَطْفٌ عَلى كُلِّ بَنّاءٍ داخِلٌ في حُكْمِ البَدَلِ كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَّلَ الشَّياطِينَ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ مِنَ البِناءِ والغَوْصِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وإلى مَرَدَةٍ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ في السَّلاسِلِ لِكَفِّهِمْ عَنِ الشَّرِّ والفَسادِ، ولَعَلَّ أجْسامَهم شَفّافَةٌ فَلا تُرى صَلْبَةً، فَيُمْكِنُ تَقْيِيدُها، ويَقْدِرُونَ عَلى (p-228)الأعْمالِ الصَّعْبَةِ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإقْرانُ في الأصْفادِ عِبارَةً عَنْ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ. والصَّفْدُ القَيْدُ، وسُمِّيَ بِهِ العَطاءُ؛ لِأنَّهُ يَرْتَبِطُ بِالمُنْعِمِ عَلَيْهِ. وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَلى عَكْسِ وعَدَ وأوْعَدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:39Page 455
هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩
[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."
﴿هَذا﴾ . . . إلَخْ. إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَيِّنَةٌ لِعِظَمِ شَأْنِ ما أُوتِيَ مِنَ المُلْكِ، وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ تَفْوِيضًا كُلِّيًّا، وإمّا مَقُولٌ مُقَدَّرٌ هو مَعْطُوفٌ عَلى سَخَّرْنا، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، كَما مَرَّ في خاتِمَةِ قِصَّةِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ: وقُلْنا لَهُ، أوْ قائِلِينَ لَهُ هَذا الأمْرَ الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ، والبَسْطَةِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما لَمْ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ غَيْرُكَ.
﴿عَطاؤُنا﴾ الخاصُّ بِكَ.
﴿فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ فَأعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ.
﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، أيْ: غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى شَيْءٍ مِنهِ، وإمْساكُهُ لِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَيْكَ عَلى الإطْلاقِ، أوْ مِنَ العَطاءِ، أيْ: هَذا عَطاؤُنا مُلْتَبِسًا بِغَيْرِ حِسابٍ لِغايَةِ كَثْرَتِهِ، أوْ صِلَةً لَهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى تَسْخِيرِ الشَّياطِينِ. والمُرادُ بِالمَنِّ والإمْساكِ: الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ.
38:40Page 455
وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠
And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ في الدُّنْيا.
﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ هو الجَنَّةُ. قِيلَ: فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما مَلَكَ عِشْرِينَ سَنَةً، ومَلَكَ بَعْدَ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً. وذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو حَنِيفَةَ أحْمَدُ بْنُ داوُدَ الدِّينَوَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورِثَ مُلْكَ أبِيهِ في عَصْرِ كِيخُسْرُو بْنِ سِياوِشْ، وسارَ مِنَ الشّامِ إلى العِراقِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ كِيخُسْرُو فَهَرَبَ إلى خُراسانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتّى هَلَكَ، ثُمَّ سارَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَرْوٍ، ثُمَّ إلى بِلادِ التُّرْكِ فَوَغِلِ فِيها، ثُمَّ جازَ بِلادَ الصِّينِ، ثُمَّ عَطَفَ إلى أنْ وافى بِلادَ فارِسَ فَنَزَلَها أيّامًا، ثُمَّ عادَ إلى الشّامِ، ثُمَّ أمَرَ بِبِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ. فَلَمّا فَرَغَ مِنهُ سارَ إلى تِهامَةَ، ثُمَّ إلى صَنْعاءَ، وكانَ مِن حَدِيثِهِ مَعَ صاحِبَتِها ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى. وغَزا بِلادَ المَغْرِبِ الأنْدَلُسَ وطَنْجَةَ وغَيْرَهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
38:41Page 455
وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١
And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ عَطْفٌ عَلى اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، وعَدَمُ تَصْدِيرِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ بِهَذا العُنْوانِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأيُّوبُ هو ابْنُ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن عَبْدِنا، وأيُّوبُ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
﴿أنِّي﴾ بِأنِّي ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ بِفَتْحِ ياءِ مَسَّنِيَ، وقُرِئَ بِإسْكانِها وإسْقاطِها.
﴿بِنُصْبٍ﴾ أيْ: تَعَبٍ. وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وبِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ لِلتَّثْقِيلِ.
﴿وَعَذابٍ﴾ أيْ: ألَمٍ ووَصَبٍ يُرِيدُ مَرَضَهُ، وما كانَ يُقاسِيهِ مِن فُنُونِ الشَّدائِدِ، وهو المُرادُ بِالضُّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وهو حِكايَةٌ لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِهِ بِعِبارَتِهِ، وإلّا لَقِيلَ أنَّهُ "مَسَّهُ. . . إلَخْ. والإسْنادُ إلى الشَّيْطانِ إمّا لِأنَّهُ تَعالى مَسَّهُ بِذَلِكَ لِما فَعَلَ بِوَسْوَسَتِهِ، كَما قِيلَ إنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ، أوِ اسْتَغاثَهُ مَظْلُومٌ فَلَمْ يُغِثْهُ، أوْ كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ ولَمْ يَغْزُهُ، أوْ لِامْتِحانِ صَبْرِهِ فَيَكُونُ اعْتِرافًا بِالذَّنْبِ، أوْ (p-229)مُراعاةً لِلْأدَبِ، أوْ لِأنَّهُ وسْوَسَ إلى أتْباعِهِ حَتّى رَفَضُوهُ وأخْرَجُوهُ مِن دِيارِهِمْ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالنَّصْبِ ما كانَ يُوَسْوَسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، والقُنُوطُ مِنَ الرَّحْمَةِ، ويُغْرِيهِ عَلى الكَراهَةِ والجَزَعِ فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ لِدَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ ولَيْسَ هَذا تَمامَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ مِن جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فاكْتَفى هَهُنا عَنْ ذِكْرِهِ بِما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، كَما تَرَكَ هُناكَ ذِكْرَ الشَّيْطانِ ثِقَةً بِما ذُكِرَ هَهُنا. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:42Page 455
ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢
[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ . . . إلَخْ. إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى نادى، أيْ: فَقُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، أيِ: اضْرِبْ بِها الأرْضَ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فَإنَّهُ أيْضًا إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ بَعْدَ امْتِثالِهِ بِالأمْرِ، ونُبُوعِ الماءِ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ. كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ هَذا مُغْتَسَلٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ فَيَبْرَأُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ، وقِيلَ: نَبَعَتْ عَيْنانِ حارَّةٌ لِلِاغْتِسالِ وبارِدَةٌ لِلشُّرْبِ. ويَأْباهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
38:43Page 456
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى مُقَدَّرٍ آخَرَ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ المُقَدَّرُ آنِفًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فاغْتَسَلَ، وشَرِبَ فَكَشَفْنا بِذَلِكَ ما بِهِ مِن ضُرِّكُما في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ إمّا بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ. أوْ بِجَمْعِهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، كَما قِيلَ.
﴿وَمِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلِهِ فَكانَ لَهُ مِنَ الأوْلادِ ضِعْفُ ما كانَ لَهُ قَبْلُ.
﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ: لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِنا.
﴿وَذِكْرى لأُولِي الألباب﴾ ولِتَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ لِيَصْبِرُوا عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرَ، ويَلْجَأُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيما يَحِيقُ بِهِمْ، كَما لَجَأ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ بِهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ.
38:44Page 456
وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤
[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "ارْكُضْ"، أوْ عَلى "وَهَبْنا" بِتَقْدِيرِ: قُلْنا، أيْ: وقُلْنا " خُذْ بِيَدِكَ " . . . إلَخْ. والأوَّلُ أقْرَبُ لَفْظًا، وهَذا أنْسَبُ مَعْنًى. فَإنَّ الحاجَةَ إلى هَذا الأمْرِ لا تَمَسُّ إلّا بَعْدَ الصِّحَّةِ، فَإنَّ امْرَأتَهُ رَحْمَةَ بِنْتَ إفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ. وقِيلَ: لِيا بِنْتُ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: ماصِرُ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَتْ لِحاجَةٍ فَأبْطَأتْ، فَحَلَفَ إنْ بَرِئَ لَيَضْرِبَنَّها مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الضِّغْثِ. والضِّغْثُ: الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الحَشِيشِ ونَحْوِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَبْضَةٌ مِنَ الشَّجَرِ. وقالَ: ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الضِّغْثِ.
﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ في يَمِينِكَ فَإنَّ البِرَّ يَتَحَقَّقُ بِهِ، ولَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ رَحْمَةً عَلَيْهِ وعَلَيْها؛ لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ، ورِضاهُ عَنْها، وهي باقِيَةٌ. ويَجِبُ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المِائَةِ إمّا بِأطْرافِها قائِمَةً، أوْ بِأعْراضِها مَبْسُوطَةً عَلى هَيْئَةِ الضَّرْبِ.
﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فِيما أصابَهُ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ، ولَيْسَ في شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى إخْلالٌ بِذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزَعًا كَتَمَنِّي العافِيَةِ وطَلَبِ الشِّفاءِ، عَلى أنَّهُ قالَ ذَلِكَ خِيفَةَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، حَيْثُ كانَ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى قَوْمِهِ (p-230)بِأنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا لَما ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ما ابُتُلِيَ بِهِ، وإرادَةُ القُوَّةِ عَلى الطّاعَةِ فَقَدْ بَلَغَ أمْرُهُ إلى أنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ إلّا القَلْبُ واللِّسانُ. ويُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في مُناجاتِهِ: "إلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يَهَبْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانَ ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانُ" . فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ أيْ: أيُّوبُ.
﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَدْحِهِ، أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى:
38:45Page 456
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعِبادِنا. وقُرِئَ: ( عَبْدَنا ) إمّا عَلى أنَّ إبْراهِيمَ وحْدَهُ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ عَطْفُ بَيانٍ. وقِيلَ: بَدَلٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي والباقِيانِ عَطْفٌ عَلى عَبْدِنا، وإمّا عَلى أنَّ عَبْدَنا اسْمُ جِنْسٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الجَمْعِ.
﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ أُولِي القُوَّةِ في الطّاعَةِ والبَصِيرَةِ في الدِّينِ، أوْ أُولِي الأعْمالِ الجَلِيلَةِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ. فَعَبَّرَ بِالأيْدِي عَنِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ أكْثَرَها تُباشِرُ بِها. وبِالأبْصارِ عَنِ المَعارِفِ؛ لِأنَّها أقْوى مَبادِئِها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالجَهَلَةِ البَطّالِينَ أنَّهم كالزَّمْنى والعُماةِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ، والتَّأمُّلِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُما، وقُرِئَ: ( أُولِي الأيْدِ ) بِطَرْحِ الياءِ والِاكْتِفاءِ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ: ( أُولِي الأيادِي ) عَلى جَمْعِ الجَمْعِ.
38:46Page 456
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وُصِفُوا بِهِ مِن شَرَفِ العُبُودِيَّةِ، وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ في العِلْمِ والعَمَلِ، أيْ: جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِخَصْلَةٍ خالِصَةٍ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ بَيانٌ لِلْخالِصَةِ بَعْدَ إبْهامِها لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: تَذَكُّرٍ لِلدّارِ الآخِرَةِ دائِمًا فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمْ لَها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ أنْظارِهِمْ، ومَطْرَحَ أفْكارِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ جِوارَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والفَوْزَ بِلِقائِهِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا في الآخِرَةِ. وقِيلَ: أخْلَصْناهم بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، واللُّطْفِ بِهِمْ في اخْتِيارِها، ويُعَضِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( بِخالِصَتِهِمْ ) وإطْلاقُ الدّارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها الدّارُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما الدُّنْيا مَعْبَرٌ، وقُرِئَ بِإضافَةِ ( خالِصَةٍ ) إلى ( ذِكْرى ) أيْ: بِما خَلُصَ مِن ذِكْرى الدّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْراها بِهِمْ آخَرَ أصْلًا، أوْ تَذْكِيرُهُمُ الآخِرَةَ، وتَرْغِيبُهم فِيها، وتَزْهِيدُهم في الدُّنْيا، كَما هو شَأْنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: ذِكْرى الدّارِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا، ولِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.
38:47Page 456
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ لَمِنَ المُخْتارِينَ مِن أمْثالِهِمُ، المُصْطَفَيْنَ عَلَيْهِمْ في الخَيْرِ. والأخْيارُ جَمْعُ خَيْرٍ كَشَرٍّ وأشْرارٍ. وقِيلَ: جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٍ مُخَفَّفٌ مِنهُ، كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ ومَيْتٍ.
38:48Page 456
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ فُصِّلَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعَراقَتِهِ في الصَّبْرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ.
﴿واليَسَعَ﴾ هو ابْنُ خُطُوبِ بْنِ العَجُوزِ اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتَنْبِئَ. و "اللّامُ" فِيهِ حَرْفُ تَعْرِيفٍ دَخَلَ عَلى يَسَعَ، كَما في قَوْلِ مَن (p-231)قالَ: رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا، وقُرِئَ: ( واليَسَعُ ) كَأنَّهُ أصْلُهُ لَيْسَعُ، فَيْعَلُ مِنَ اللَّسْعِ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: هو عَلى القِراءَتَيْنِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ.
﴿وَذا الكِفْلِ﴾ هو ابْنُ عَمِّ يَسَعَ، أوْ بِشْرِ بْنِ أيُّوبَ. واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ ولَقَبِهِ، فَقِيلَ: فَرَّ إلَيْهِ مِائَةُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القَتْلِ فَآواهم وكَفَلَهُمْ، وقِيلَ: كُفِلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صالِحٍ كانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ.
﴿وَكُلٌّ﴾ أيْ: وكُلُّهم.
﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ المَشْهُورِينَ بِالخَيْرِيَّةِ.
38:49Page 456
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَحاسِنِهِمْ.
﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَهُمْ، وذِكْرٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، أوْ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو القرآن، وبابٌ مِنهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أجْرِهِمُ الجَزِيلِ في الآجِلِ بَعْدَ بَيانِ ذِكْرِهِمُ الجَمِيلِ في العاجِلِ، وهو بابٌ آخَرُ مِن أبْوابِ التَّنْزِيلِ، والمُرادُ بِـ "المُتَّقِينَ" إمّا الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا نَفْسُ المَذْكُورِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ الكَمالِ.
38:50Page 456
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِحُسْنِ مَآبٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَخالُفَهُما تَعْرِيفًا، وتَنْكِيرًا فَإنَّ عَدْنًا مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ حالٌ مِن جَنّاتِ عَدْنٍ، والعامِلُ فِيها ما في لِلْمُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ، والأبْوابُ مُرْتَفِعَةٌ باسِمِ المَفْعُولِ، والرّابِطُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها إمّا ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، أيِ: الأبْوابُ مِنها. أوِ الألِفُ واللّامُ القائِمَةُ مَقامَهُ، كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ. إذِ الأصْلُ أبْوابُها، وقُرِئَتا مَرْفُوعَتَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أوْ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ.
38:51Page 456
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ لَهُمُ، والعامِلُ فِيها "مُفَتَّحَةً" . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ فِيها، وقِيلَ: هو أيْضًا حالٌ مِمّا ذُكِرَ، أوْ مِن ضَمِيرِ مُتَّكِئِينَ، والِاقْتِصارُ عَلى دُعاءِ الفاكِهَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَطاعِمَهم لِمَحْضِ التَّفَكُّهِ، والتَّلَذُّذِ دُونَ التَّغَذِّي، فَإنَّهُ لِتَحْصِيلِ بَدَلِ المُتَحَلِّلِ، ولا تُحَلَّلُ ثَمَّةَ.
38:52Page 456
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ: عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
﴿أتْرابٌ﴾ لِداتٌ لَهُمْ، فَإنَّ التَّحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أرْسَخُ، أوْ بَعْضَهُنَّ لِبَعْضٍ لا عَجُوزَ فِيهِنَّ ولا صَبِيَّةَ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التُّرابِ فَإنَّهُ يَمَسُّهم في وقْتٍ واحِدٍ.
38:53Page 456
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ. فَإنَّ الحِسابَ عِلَّةٌ لِلْوُصُولِ إلى الجَزاءِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ. (p-232)والِالتِفاتُ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ والتَّكْرِيمِ.
38:54Page 456
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن ألْوانِ النِّعَمِ والكَراماتِ.
﴿لَرِزْقُنا﴾ أعْطَيْناكُمُوهُ ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ انْقِطاعٍ أبَدًا.
38:55Page 456
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
﴿هَذا﴾ أيِ: الأمْرُ هَذا، أوْ هَذا كَما ذُكِرَ، أوْ هَذا ذِكْرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أضِّدادِ الفَرِيقِ السّابِقِ.
38:56Page 456
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
﴿جَهَنَّمَ﴾ إعْرابُهُ كَما سَلَفَ.
﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ: يَدْخُلُونَها حالٌ مِن جَهَنَّمَ.
﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو المَهْدُ والمِفْرَشُ، مُسْتَعارٌ مِن فِراشِ النّائِمِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو جَهَنَّمُ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences