Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Sad 38:57–84
38:57Page 456
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أيْ: لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أوِ العَذابُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، أوْ هَذا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو عَلى الأوَّلِينَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو حَمِيمٌ. والغَسّاقُ ما يَغْسِقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ مِن غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها، وقِيلَ: الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرُقُ بِبَرْدِهِ، وقِيلَ: لَوْ قَطَرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَنَتَّنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قَطَرَتْ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَنَتَّنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ، وقِيلَ: الغَسّاقُ عَذابٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ.
38:58Page 456
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ أيْ: ومَذُوقٌ آخَرُ، أوْ عَذابٌ آخَرُ مِن مَثَلِ هَذا المَذُوقِ، أوِ العَذابِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ. وقُرِئَ: ( وأُخَرُ ) أيْ: ومَذُوقاتٌ أُخَرُ، أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ شَكْلِهِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، أوِ الشَّرابُ الشّامِلُ لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ، أوْ هو راجِعٌ إلى الغَسّاقِ.
﴿أزْواجٌ﴾ أيْ: أجْناسٌ. وهو خَبَرٌ لِآخَرَ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا، أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ لِلثَّلاثَةِ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالجارِّ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ مِثْلُ لَهم.
38:59Page 456
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ حِكايَةُ ما يُقالُ مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الطّاغِينَ إذا دَخَلُوا النّارَ، واقْتَحَمَها مَعَهم فَوْجٌ كانُوا يَتْبَعُونَهم في الكُفْرِ والضَّلالَةِ. والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ في الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ. قالَ الرّاغِبُ: الِاقْتِحامُ تَوَسُّطُ شِدَّةٍ مُخِيفَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ مِن إتْمامِ كَلامِ الخَزَنَةِ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ عَلى الفَوْجِ، أوْ صِفَةٌ لِلْفَوْجِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: مَقُولٌ أوْ مَقُولًا في حَقِّهِمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ، أيْ: لا أتَوْا مَرْحَبًا، أوْ لا رَحُبَتْ بِهِمُ الدّارُ مَرْحَبًا.
﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ مِن جِهَةِ الخَزَنَةِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، أوْ وصْفِهِمْ بِما ذُكِرَ، وقِيلَ: لا مَرْحَبًا بِهِمْ إلى هُنا كَلامُ الرُّؤَساءِ في حَقِّ أتْباعِهِمْ عِنْدَ خِطابِ الخَزَنَةِ لَهم بِاقْتِحامِ الفَوْجِ مَعَهم تَضَجُّرًا مِن مُقارَنَتِهِمْ، (p-233)وَتَنَفُّرًا مِن مُصاحَبَتِهِمْ، وقِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ كَلامُ الرُّؤَساءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في حَقِّ الأتْباعِ.
38:60Page 456
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
﴿قالُوا﴾ أيِ: الأتْباعُ عِنْدَ سَماعِهِمْ ما قِيلَ في حَقِّهِمْ، ووَجْهُ خِطابِهِمْ لِلرُّؤَساءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ . . . إلَخْ. عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَعَلَّهم إنَّما خاطَبُوهم مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَقُولُوا بِطَرِيقِ الِاعْتِذارِ إلى الخَزَنَةِ، بَلْ هم لا مَرْحَبًا بِهِمْ. . . إلَخْ. قَصْدًا مِنهم إلى إظْهارِ صِدْقِهِمْ بِالمُخاطَبَةِ مَعَ الرُّؤَساءِ، والتَّحاكُمِ إلى الخَزَنَةِ طَمَعًا في قَضائِهِمْ بِتَخْفِيفِ عَذابِهِمْ، أوْ تَضْعِيفِ عَذابِ خُصَمائِهِمْ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ أحَقُّ بِما قِيلَ لَنا، أوْ قُلْتُمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ تَعْلِيلٌ لِأحَقِّيَّتِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: أنْتُمُ قَدَّمْتُمُ العَذابَ، أوِ الصِّلِيَّ لَنا، وأوْقَعْتُمُونا فِيهِ بِتَقْدِيمِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ الزّائِفَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ، وتَزْيِينِها في أعْيُنِنا، وإغْرائِنا عَلَيْها لا أنّا باشَرْناها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا.
﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: فَبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ قَصَدُوا بِذَمِّها تَغْلِيظَ جِنايَةِ الرُّؤَساءِ عَلَيْهِمْ.
38:61Page 456
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: الأتْباعُ أيْضًا. وتَوْسِيطُهُ بَيْنَ كَلامَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ ذاتًا وخِطِابًا، أيْ: قالُوا مُعْرِضِينَ عَنْ خُصُومَتِهِمْ مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ: عَذابًا مُضاعَفًا، أيْ: ذا ضِعْفٍ. وذَلِكَ بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، ويَكُونُ ضِعْفَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أوْ قِيلَ: المُرادُ بِالضِّعْفِ: الحَيّاتُ والأفاعِي.
38:62Page 457
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ ٦٢
And they will say, "Why do we not see men whom we used to count among the worst?1
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: الطّاغُونَ.
﴿ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَرْذِلُونَهُمْ، ويَسْخَرُونَ مِنهم.
38:63Page 457
أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٦٣
Is it [because] we took them in ridicule, or has [our] vision turned away from them?"
﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ سَقَطَتْ لِأجْعَلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. قالُوهُ إنْكارًا عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَأْنِيبًا لَها في الِاسْتِسْخارِ مِنهم.
﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ مُتَّصِلٌ بِاتَّخَذْناهم عَلى أنَّ "أمْ" مُتَّصِلَةٌ، والمَعْنى أيَّ الأمْرَيْنِ فَعَلْنا بِهِمُ الِاسْتِسْخارُ مِنهُمْ، أمِ الِازْدِراءُ بِهِمْ وتَحْقِيرُهم وإنَّ أبْصارَنا كانَتْ تَزِيغُ عَنْهُمْ، وتَقْتَحِمُهم. عَلى مَعْنى إنْكارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ تَوْبِيخًا لَها، أوْ عَلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ، والمَعْنى أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا بَلْ أزاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا، كَقَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ، أمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ عَلى مَعْنى تَوْبِيخِ أنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِسْخارِ، ثُمَّ الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِازْدِراءِ والتَّحْقِيرِ. وقُرِئَ: ( اتَّخَذْناهم ) بِغَيْرِ هَمْزَةٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِرَجالًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى﴾ والمَعْنى ما لَنا لا نَراهم في النّارِ، ألَيْسُوا فِيها فَلِذَلِكَ لا نَراهُمْ، أمْ زاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا وهم فِيها ؟ ! وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقُرِئَ: ( سُخْرِيًّا ) بِضَمِ السِّينِ.
38:64Page 457
إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ ٦٤
Indeed, that is truth [i.e., reality] - the quarreling of the people of the Fire.
(p-234)﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ: الَّذِي حَكى مِنِ أحْوالِهِمْ.
﴿لَحَقٌّ﴾ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِذَلِكَ. وفي الإبْهامِ أوَّلًا، والتَّبْيِينِ ثانِيًا، مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لَهُ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مَحَلِّ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن حَقٌّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ. وما قِيلَ: مِن أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ، فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ إنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يُوصَفُ إلّا بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ، يُقالُ: بِهَذا الرَّجُلِ، ولا يُقالُ: بِهَذا غُلامِ الرَّجُلِ.
38:65Page 457
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٦٥
Say, [O Muḥammad], "I am only a warner, and there is not any deity except Allāh, the One, the Prevailing,1
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى أُنْذِرُكم عَذابَهُ.
﴿وَما مِن إلَهٍ﴾ في الوُجُودِ ﴿إلا اللَّهُ الواحِدُ﴾ الَّذِي لا يَقْبَلُ الشِّرْكَةَ والكَثْرَةَ أصْلًا.
﴿القَهّارُ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ سِواهُ.
38:66Page 457
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ مِنها ؟ ! ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغْلَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ.
﴿الغَفّارُ﴾ المُبالِغُ في المَغْفِرَةِ يَغْفِرُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ. وفي هَذِهِ النُّعُوتِ مِن تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، والوَعْدِ لِلْمُوَحِّدِينَ، والوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى، وتَثْنِيَةِ ما يُشْعِرُ بِالوَعِيدِ مِن وصْفَيِ القَهْرِ والعِزَّةِ، وتَقْدِيمِهِما عَلى وصْفِ المَغْفِرَةِ؛ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الإنْذارِ حَقَّهُ.
﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقُولَ أمْرٌ جَلِيلٌ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِهِ أمْرًا وائْتِمارًا.
﴿هُوَ﴾ أيْ: ما أنْبَأْتُكم بِهِ مِن أنِّي مُنْذِرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ القرآن وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا كَما يَشْهَدُ بِهِ آخِرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ بِهِ بِبَيانِ أنَّهم لا يُقْدِرُونَ قَدْرَهُ الجَلِيلَ حَيْثُ يُعْرِضُونَ عَنْهُ مَعَ عَظَمَتِهِ، وكَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلَيْهِ، وتَلَقِّيهِ بِحُسْنِ القَبُولِ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِـ "نَبَأٌ" . وقَوْلُهُ تَعالى:
38:69Page 457
مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩
I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].
﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى﴾ . . . إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِذِكْرِ نَبَأٍ مِن أنْبائِهِ عَلى التَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ مَعْرِفَةٍ بِهِ، ولا مُباشَرَةِ سَبَبٍ مِن أسْبابِها المُعْتادَةِ. فَإنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ سائِرَ أنْبِيائِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، والمَلَأُ الأعْلى هُمُ المَلائِكَةُ، وآدَمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، إذِ المُرادُ نَفِيُ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحالِهِمْ (p-235)لا بِذَواتِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِي فِيما سَبَقَ عِلْمٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ المَلَأِ الأعْلى وقْتَ اخْتِصامِهِمْ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ كَما اخْتارَهُ الجُمْهُورُ تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما جَرى بَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ فَقَطْ بَلْ عامٌّ لَها، ولِلْأفْعالِ أيْضًا مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ، واسْتِكْبارِ إبْلِيسَ وكُفْرُهُ حَسْبَما يَنْطَلِقُ بِهِ الوَحْيُ، فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ العُمُومِ في نَفْيِهِ أيْضًا لا مَحالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:70Page 457
إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠
It has not been revealed to me except that I am a clear warner."
﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ، تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لَمّا كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا فَجَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجَعَلَ مَصَبَّ الفائِدَةِ، والمَقْصُودَ إخْبارُ ما هو داعٍ إلى الوَحْيِ، ومُصَحِّحٌ لَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ في ضِمْنِ تَحْقِيقِ عِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِصَّةِ المَلَأِ الأعْلى، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ لِيُوحى إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ. فالمَعْنى ما يُوحى إلى حالِ المَلَأِ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ ما يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم إلّا لِإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومِن مُوجِباتِهِ حَتْمًا، وأمّا أنَّ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، أوْ هو إنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ بِلا تَقْدِيرِ الجارِّ. وأنَّ المَعْنى ما يُوحى إلَيَّ إلّا لِلْإنْذارِ، أوْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا أنْ أُنْذِرَ وأُبْلِغَ ولا أُفَرِّطَ في ذَلِكَ، كَما قِيلَ. فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاضْطِرارِ إلى التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ قَصْرِ الوَحْيِ عَلى كَوْنِهِ لِلْإنْذارِ في الأوَّلِ، وقَصْرِهِ عَلى الإنْذارِ في الثّانِي، فَلا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ، كَيْفَ لا والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِمّا تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِن إجْمالِ الِاخْتِصامِ وتَفْصِيلِهِ ؟ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ المُرْشِدُ. وقُرِئَ: ( إنَّما ) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
38:71Page 457
إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١
[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الِاخْتِصامِ الَّذِي هو ما جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ، وحَيْثُ كانَ تَكْلِيمُهُ تَعالى إيّاهم بِواسِطَةِ المَلَكِ صَحَّ إسْنادُ الِاخْتِصامِ إلى المَلائِكَةِ، وإذْ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ البَدَلِيَّةِ دُخُولُها عَلى نَفْسِ الِاخْتِصامِ، بَلْ يَكْفِي اشْتِمالُ ما في حَيِّزِها عَلَيْهِ فَإنَّ القِصَّةَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ تَفْصِيلًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ، والإيذانِ بِأنَّ وحْيَ هَذا النَّبَأِ إلَيْهِ تَرْبِيَةٌ وتَأْيِيدٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. و "الكافُ" وارِدٌ بِاعْتِبارِ حالِ الآمِرِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . . . إلَخْ. دُونَ حالِ المَأْمُورِ، وإلّا لَقِيلَ رَبِّي لِأنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ الأمْرِ.
﴿إنِّي خالِقٌ﴾ أيْ: فِيما سَيَأْتِي. وفِيهِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ لَهُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ.
﴿بَشَرًا﴾ قِيلَ: أيْ جِسْمًا كَثِيفًا يُلاقى ويُباشَرُ، وقِيلَ: خَلْقًا بادِيَ البَشَرَةِ بِلا صُوفٍ ولا شَعْرٍ. ولَعَلَّ ما جَرى عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ لَيْسَ هَذا الِاسْمَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقُ مُسَمّاهُ حِينَئِذٍ فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ، بَلْ عِبارَةٌ كاشِفَةٌ عَنْ حالِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الحِكايَةِ.
﴿مِن طِينٍ﴾ لَمْ يَتَعَرَّضْ (p-236)لِأوْصافِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ والِاسْوِدادِ والمَسْنُونِيَّةِ، اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَواقِعَ أُخَرَ.
38:72Page 457
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢
So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ: صَوَّرْتُهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ: إجْراءُ الرِّيحِ إلى تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها، والِامْتِلاءِ بِها. ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، أيْ: فَإذا كَمَّلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي هي مِن أمْرِي.
﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ، كَما قِيلَ. أيِ: اسْقُطُوا لَهُ.
﴿ساجِدِينَ﴾ تَحِيَّةً لَهُ، وتَكْرِيمًا.
38:73Page 457
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣
So the angels prostrated - all of them entirely,
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ.
﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ إلّا سَجَدَ.
﴿أجْمَعُونَ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ. بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى بِالحالِيَّةِ، بَلْ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ أيْضًا. وقِيلَ: أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ مُبالَغَةً في التَّعَمُّمِ هَذا وأمّا أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، والَّتِي في سُورَةِ الحِجْرِ. فَإنَّ ظاهِرَهُما يَسْتَدْعِي تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ ما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ، أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ. كَما يَقْتَضِيهِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وما في سُورَةِ الأعْرافِ، وما في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وما في سُورَةِ الكَهْفِ، وما في سُورَةِ طه، مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ الأعْرافِ.
38:74Page 457
إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِهِمْ فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّ المَلائِكَةَ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ وهو مِنهُمْ، أوْ مُنْقَطِعٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ عَلى الأوَّلِ: اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَرْكِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتّامُّلِ والتَّرَوِّي، وبِهِ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لِلْإباءِ والِاسْتِكْبارِ. وعَلى الثّانِي: يَجُوزُ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ، أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ.
﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: وصارَ مِنهم بِمُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ واسْتِكْبارِهِ عَنِ الطّاعَةِ، أوْ كانَ مِنهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ.
38:75Page 457
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أيْ: خَلَقْتُهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ أبٍ وأُمٍّ. والتَّثْنِيَةُ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِخَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَدْعِي لِإجْلالِهِ وإعْظامِهِ، قَصْدًا إلى تَأْكِيدِ الإنْكارِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ.
﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ وطَرْحِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، أيْ: أتَكَبَّرْتَ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ.
﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ المُسْتَحِقِّينَ لِلتَّفَوُّقِ. وقِيلَ: أسْتَكْبَرْتَ الآنَ أمْ لَمْ تَزَلْ مُنْذُ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ، وقُرِئَ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ثِقَةً بِدَلالَةِ "أمْ" عَلَيْها، (p-237)وَقَوْلُهُ تَعالى:
38:76Page 457
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ ادِّعاءٌ مِنهُ لِشَيْءٍ مُسْتَلْزِمٍ لِمَنعِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، وإشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَلِيقُ أنْ يَسْجُدَ الفاضِلُ لِلْمَفْضُولِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وزَلَّ عَنْهُ ما مِن جِهَةِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وما مِن جِهَةِ الصُّورَةِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وما مِن جِهَةِ الغايَةِ، وهو مَلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِسُجُودِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حِينَ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.
38:77Page 457
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأمْرِ الجَلِيلِ، وتَعْلِيلِها بِالأباطِيلِ، أيْ: فاخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وهو المُرادُ بِالأمْرِ بِالهُبُوطِ لا الهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ، كَما قِيلَ. فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وقَدْ بُيِّنَ كَيْفِيَّةِ وسْوَسَتِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقِيلَ: اخْرُجْ مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي كُنْتَ فِيها وانْسَلِخْ مِنها، فَإنَّهُ كانَ يَفْتَخِرُ بِخِلْقَتِهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ خِلْقَتَهُ فاسْوَدَّ بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ، وقَبُحَ بَعْدَ ما كانَ حَسَنًا، وأظْلَمَ بَعْدَ ما كانَ نُورانِيًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ، أيْ: مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فَإنَّ مَن يُطْرَدْ يُرْجَمْ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ.
38:78Page 457
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ أيْ: إبْعادِي عَنِ الرَّحْمَةِ. وتَقْيِيدُها بِالإضافَةِ مَعَ إطْلاقِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ لِما أنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ أيْضًا مِن جِهَتِهِ تَعالى وأنَّهم يَدْعُونَ عَلَيْهِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وإبْعادِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ.
﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِجِنايَتِهِ، بَلْ هي أُنْمُوذَجٌ لِما سَيَلْقاهُ مُسْتَمِرًّا إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ التَّوْقِيتِ بَلْ عَلى أنَّهُ سَيَلْقى يَوْمَئِذٍ مِن ألْوانِ العَذابِ وأفانِينِ العِقابِ ما يَنْسى عِنْدَهُ اللَّعْنَةَ، وتَصِيرُ كالزّائِلِ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالِي: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ .
38:79Page 457
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ: أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي. و "الفاءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي.
﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ. وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ يَوْمِ البَعْثِ.
38:80Page 457
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ لِآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ (p-238)بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم. في ذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا لا إنْشاءً لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ قَدْ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِنهم لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، كَما قِيلَ. فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ، أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ.
﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وعَيَّنَهُ لِفَناءِ الخَلائِقِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى، لا إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ. فَـ "الفاءُ" لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المَذْكُورِ بِهِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلٌ
فَإنَّهُ لا إمْكانَ لِجَعْلِ الفاءِ فِيهِ لِرَبْطِ ما لَهُ تَعالى مِنَ الأهْلِيَّةِ القَدِيمَةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِ الرَّحْمَةِ الحادِثَةِ بَلْ هي لِرَبْطِ الإخْبارِ بِتِلْكَ الأهْلِيَّةِ لِلرَّحْمَةِ بِوُقُوعِها، هَذا وقَدْ تُرِكَ التَّوْقِيتُ في سُورَةِ الأعْرافِ، كَما تُرِكَ النِّداءُ والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ. تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هَهُنا، وفي سُورَةِ الحِجْرِ. وإنْ خَطَرَ بِبالِكَ أنَّ كُلَّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَقامٌ يَقْتَضِيهِ مُغايِرٌ لِمَقامِ غَيْرِهِ، وأنَّ ما حُكِيَ مِنَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً، وكَذا جَوابُهُ لَمْ يَقَعْ إلّا دُفْعَةً، فَمَقامُ الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ إنِ اقْتَضى أحَدَ الوُجُوهِ المَحْكِيَّةِ فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ ودَرَجَةِ الإعْجازِ، وأمّا ما عَداهُ مِنَ الوُجُوهِ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ طَبَقَةِ البَلاغَةِ، فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ، فَقَدْ سَلَفَ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ.
38:82Page 457
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ "الباءُ" لِلْقَسَمِ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾، وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ فَإنَّ إغْواءَهُ تَعالى إيّاهُ أثَرٌ مِن آثارِ قدرته تعالى وعِزَّتِهِ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِ قَهْرِهِ وسَلْطَنَتِهِ، فَمَآلُ الإقْسامِ بِهِما واحِدٌ. ولَعَلَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما، وأُخْرى بِالآخَرِ، أيْ: فَأُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ.
﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: ذَرِّيَّةَ آدَمَ بِتَزْيِينِ المَعاصِي لَهم.
﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، وعَصَمَهم مِنَ الغَوايَةِ. وقُرِئَ: ( المُخْلِصِينَ ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا قُلُوبَهم وأعْمالَهم لِلَّهِ تَعالى.
38:84Page 458
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
﴿قالَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، ونُصِبَ الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: فالحَقُّ قَسَمِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences