Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:30–57
39:30Page 461
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.
﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاخْتِصامِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقُرِئَ: ( مائِتٌ ) و ( مائِتُونَ ) . وقِيلَ: كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتَهُ، أيْ: إنَّكم جَمِيعًا بِصَدَدِ المَوْتِ.
39:31Page 461
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.
﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغْتَهم مّا أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ، واجْتَهَدْتَ في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ حَقَّ الِاجْتِهادِ، وهم قَدْ لَجُّوا في المُكابَرَةِ والعِنادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الِاخْتِصامُ العامُّ الجارِي في الدُّنْيا بَيْنَ الأنامِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ (p-254)تَعالى:
39:32Page 462
۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ إلى آخِرِهِ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ كُلٍّ مِن طَرَفَيِ الِاخْتِصامِ الجارِي في شَأْنِ الكُفْرِ والإيمانِ لا غَيْرَ، أيْ: أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنْ أضافَ إلَيْهِ الشَّرِيكَ والوَلَدَ.
﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي هو عَيْنُ الحَقِّ ونَفْسُ الصِّدْقِ، وهو ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
﴿إذْ جاءَهُ﴾ أيْ: في أوَّلِ مَجِيئِهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فِيهِ، ولا تَأمُّلٍ.
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وسارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالصَّدْقِ مِن أوَّلِ الأمْرِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، أوْ لِجِنْسِ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
39:33Page 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، كَما أنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْمُهُ. وقِيلَ: عَنِ الجِنْسِ المُتَناوَلِ المُرْسَلِ والمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ ) وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو الفَوْجُ أوِ الفَرِيقُ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَجِيءِ بِالصَّدْقِ، والتَّصْدِيقِ بِهِ.
﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أجَلُّ الرَّغائِبِ. وقُرِئَ: ( وصَدَقَ بِهِ ) بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: صَدَقَ بِهِ النّاسَ فَأدّاهُ إلَيْهِمْ كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وقِيلَ: وصارَ صادِقًا بِهِ، أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ القرآن مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ ﷺ . وقُرِئَ: ( صُدِّقَ بِهِ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
39:34Page 462
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -
﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بَيانٌ لِما لَهم في الآخِرَةِ مِن حُسْنِ المَآبِ بَعْدَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، أيْ: لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَ مِن جَلْبِ المَنافِعِ، ودَفْعِ المَضارِّ في الآخِرَةِ لا في الجَنَّةِ فَقَطْ، لِما أنَّ بَعْضَ ما يَشاءُونَهُ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ والأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وسائِرِ أهْوالِ القِيامَةِ إنَّما يَقَعُ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن حُصُولِ كُلِّ ما يَشاءُونَهُ.
﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهُمْ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الإحْسانِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
39:35Page 462
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ . . . إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ ضَرُورَةَ أنَّ التَّفْكِيرَ المَذْكُورَ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ غايَةً لِثُبُوتِ ما يَشاءُونَ لَهم في الآخِرَةِ، كَيْفَ لا وهو بَعْضُ ما سَيَثْبُتُ لَهم فِيها، بَلْ بِاعْتِبارِ فَحَواهُ ؟ فَإنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ إخْبارًا بِما ثَبَتَ لَهم فِيما مَضى بَلْ بِما سَيَثْبُتُ لَهم فِيما سَيَأْتِي كانَ في مَعْنى الوَعْدِ بِهِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَعْدَ اللَّهِ" فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا. فانْتَصَبَ بِهِ وعْدُ اللَّهِ كَأنَّهُ قِيلَ: (p-255)وَعَدَهُمُ اللَّهُ جَمِيعَ ما يَشاءُونَهُ مِن زَوالِ المَضارِّ، وحُصُولِ المَسارِّ، لِيُكَفِّرَ عَنْهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَعْدِ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا دَفْعًا لِمَضارِّهِمْ.
﴿وَيَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إعْطاءً لِمَنافِعِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ. وإضافَةُ الأسْوَأِ والأحْسَنِ إلى ما بَعْدَهُما لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ إضافَةِ المُفَضَّلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بَلْ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى بَعْضِهِ لِلْقَصْدِ إلى التَّحْقِيقِ والتَّوْضِيحِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ فِيهِما مُطْلَقُ الفَضْلِ والزِّيادَةِ لا عَلى المُضافِ إلَيْهِ المُعَيَّنِ بِخُصُوصِهِ كَما في قَوْلِهِمْ: النّاقِصُ والأشَجُّ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ. خَلا أنَّ الزِّيادَةَ المُعْتَبَرَةَ فِيهِما لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ بَلْ هي في الأوَّلِ: بِالنَّظَرِ إلى ما يَلِيقُ بِحالِهِمْ مِنِ اسْتِعْظامِ سَيِّئاتِهِمْ وإنْ قَلَّتْ، واسْتِصْغارِ حَسَناتِهِمْ وإنْ جَلَّتْ. والثّانِي: بِالنَّظَرِ إلى لُطْفِ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ مِنِ اسْتِكْثارِ الحَسَنَةِ اليَسِيرَةِ، ومُقابَلَتِها بِالمَثُوباتِ الكَثِيرَةِ، وحَمْلِ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ وإنْ أمْكَنَ في الأوَّلِ. بِناءً عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الأسْوَأِ بِالذِّكْرِ لِبَيانِ تَكْفِيرِ ما دُونَهُ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ تَكْفِيرِ الأسْوَأِ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئِ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في الأحْسَنِ كانَ الأحْسَنُ نَظْمَهُما في سِلْكٍ واحِدٍ مِنَ الِاعْتِبارِ. والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ؛ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِخِلافِ السَّيِّئَةِ.
39:36Page 462
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦
Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، كَأنَّ الكِفايَةَ مِنَ التَّحَقُّقِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَتَفَوَّهَ بِعَدَمِها، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الجَوابِ بِوُجُودِها. والمُرادُ بِـ "العَبْدِ" إمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أوِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( عِبادَهُ ) وفُسِّرَ بِـ "الأنْبِياءُ" عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( بِكافِي عِبادِهِ ) عَلى الإضافَةِ، و ( يُكافِئُ عِبادَهُ ) صِيغَةُ المُغالَبَةِ، إمّا مِنَ الكِفايَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ فِيها، وإمّا مِنَ المُكافَأةِ بِمَعْنى المُجازاةِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إنّا نَخافُ أنْ تُخْبِلَكَ آلِهَتُنا، ويُصِيبَكَ مَضَرَّتُها لِعَيْبِكِ إيّاها. وفي رِوايَةٍ قالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا، أوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنهم خَبَلٌ أوْ جُنُونٌ. كَما قالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيِ: الأوْثانِ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةَ مِن دُونِهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: حالٌ.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى، وعَصِمْتِهِ لَهُ ﷺ، وخَوْفِهِ بِما يَنْفَعُ ويَضُرُّ أصْلًا.
﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى خَيْرٍ ما.
39:37Page 462
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧
And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?
﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ، ولا مُعارِضَ لِإرادَتِهِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالِبٍ لا يُغالَبُ، مَنِيعٌ لا يُمانَعُ ولا يُنازَعُ.
﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
39:38Page 462
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨
And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."
(p-256)﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِوُضُوحِ الدَّلِيلِ وسُنُوحِ السَّبِيلِ.
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ما تَحَقَّقْتُمْ أنَّ خالِقَ العالَمِ العَلَوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَأخْبَرُونِي أنَّ آلِهَتَكم إنْ أرادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ يَكْشِفْنَ عَنِّي ذَلِكَ الضُّرَّ.
﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ: أوْ أرادَنِي بِنَفْعٍ.
﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فَيَمْنَعْنَها عَنِّي، وقُرِئَ: ( كاشِفاتٌ ضُرَّهُ ) و ( مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ ) بِالتَّنْوِينِ فِيهِما، ونُصِبَ ضُرُّهُ ورَحْمَتُهُ، وتَعْلِيقُ إرادَةِ الضُّرِّ والرَّحْمَةِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلرَّدِّ في نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانُوا خَوَّفُوهُ مَعَرَّةَ الأوْثانِ، ولِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ.
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أُمُورِي مِن إصابَةِ الخَيْرِ، ودَفْعِ الشَّرِّ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا سَألَهم سَكَتُوا. فَنَزَلَ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ أصْلًا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى.
39:39Page 462
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩
Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمُ عَلَيْها مِنَ العَداوَةِ الَّتِي تَمَكَّنْتُمْ فِيها، فَإنَّ المَكانَةَ تُسْتَعارُ مِنَ العَيْنِ لِلْمَعْنى كَما تُسْتَعارُ هُنا، وحَيْثُ لِلزَّمانِ مَعَ كَوْنِهِما لِلْمَكانِ، وقُرِئَ: ( عَلى مَكاناتِكم ) ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي. فَحُذِفَ لِلِاخْتِصارِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِأنَّ حالَهُ لا تَزالُ تَزْدادُ قُوَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأْيِيدِهِ، ولِذَلِكَ تَوَعَّدَهم بِكَوْنِهِ مَنصُورًا عَلَيْهِمْ في الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
39:40Page 462
مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠
To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."
﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَإنَّ خِزْيَ أعْدائِهِ دَلِيلُ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأخْزاهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: دائِمٌ هو عَذابُ النّارِ.
39:41Page 463
إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١
Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّهُ مَناطُ مَصالِحِهِمْ في المَعاشِ والمَعادِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أنْزَلْنا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ.
﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِأنْ عَمِلَ بِما فِيهِ.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: إنَّما نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِأنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهِ.
﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِما أنَّ وبالَ ضَلالِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْها.
﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لِتُجْبِرَهم عَلى الهُدى، وما وظِيفَتُكَ إلّا البَلاغُ، وقَدْ بَلَّغْتَ أيَّ بَلاغٍ.
39:42Page 463
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢
Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ: يَقْبِضُها مِنَ الأبْدانِ، (p-257)بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها عَنْها وتَصَرُّفَها فِيها، إمّا ظاهِرًا وباطِنًا، كَما عِنْدَ المَوْتِ، أوْ ظاهِرًا فَقَطْ كَما عِنْدَ النَّوْمِ.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ﴾ ولا يَرُدُّها إلى البَدَنِ. وقُرِئَ: ( قُضِيَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ( المَوْتُ ) ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ: النّائِمَةَ إلى بَدَنِها عِنْدَ التَّيَقُّظِ.
﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِمَوْتِهِ، وهو غايَةٌ لِجِنْسِ الإرْسالِ الواقِعِ بَعْدَ الإمْساكِ لا لِفَرْدٍ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا امْتِدادَ فِيهِ، ولا كَمِّيَّةَ. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفَسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ، والرُّوحُ هي الَّتِي بِها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فَتُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ، وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ. قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي عَلى الوَجْهَيْنِ، والإمْساكِ في أحَدِهِما، والإرْسالِ في الآخَرِ.
﴿لآياتٍ﴾ عَجِيبَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قدرته تعالى، وحِكْمَتِهِ، وشُمُولِ رَحْمَتِهِ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِها بِالأبْدانِ، وتَوَفِّيها عَنْها تارَةً بِالكُلِّيَّةِ كَما عِنْدَ المَوْتِ، وإمْساكُها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها، وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وأُخْرى عَنْ ظَواهِرِها فَقَطْ، كَما عِنْدَ النَّوْمِ، وإرْسالُها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى انْقِضاءِ آجالِها.
39:43Page 463
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣
Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"
﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: بَلِ اتَّخَذَ قُرَيْشٌ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن دُونِ إذْنِهِ تَعالى ﴿شُفَعاءَ﴾ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَهُ تَعالى.
﴿قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ أتَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَ، ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، ولا يَعْقِلُونَهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ هي لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّ ما فَعَلُوا لَيْسَ مِنِ اتِّخاذِ الشُّفَعاءِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ فَرْعُ كَوْنِ الأوْثانِ شُفَعاءَ، وذَلِكَ أظْهَرُ المُحالاتِ، فالمُقَدَّرُ حِينَئِذٍ غَيْرُ ما قُدِّرَ أوَّلًا. وعَلى أيِّ تَقْدِيرٍ كانَ فَـ "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى شَرْطِيَّةٍ قَدْ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها، أيْ: أيَشْفَعُونَ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ. . . إلَخْ ؟ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
39:44Page 463
قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤
Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."
﴿قُلْ﴾ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ، وتَجْهِيلِهِمْ بِما ذُكِرَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: هو مالِكُها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ لَهُ مُرْتَضًى، والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ هَهُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَأْكِيدٌ، أيْ: لَهُ مُلْكُهُما وما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَمْلِكُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ بِدُونِ إذْنِهِ ورِضاهُ.
﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ لا إلى أحَدٍ سِواهُ لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، فَيَفْعَلُ يَوْمَئِذٍ ما يُرِيدُ.
39:45Page 463
وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥
And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.
﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ﴾ دُونَ آلِهَتِهِمْ ﴿اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيِ: انْقَبَضَتْ ونَفَرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القرآن وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ .
﴿وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ فُرادى أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِها، ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، ولَقَدْ بُولِغَ في بَيانِ حالَيْهِمُ القَبِيحَتَيْنِ حَيْثُ (p-258)بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ هو أنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ سُرُورًا حَتّى يَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ الوَجْهِ، والِاشْمِئْزازُ: أنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا وغَمًّا يَنْقَبِضُ مِنهُ أدِيمُ الوَجْهِ. والعامِلُ في "إذا" الأُولى "اشْمَأزَّتْ"، وفي الثّانِيَةِ ما هو العامِلُ في إذا المُفاجَأةِ تَقْدِيرُهُ: وقْتَ ذِكْرِ الَّذِينَ مِن دُونِهِ فاجَأُوا وقْتَ الِاسْتِبْشارِ.
39:46Page 463
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦
Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيِ: التَجِئْ إلَيْهِ تَعالى بِالدُّعاءِ لِما تَحَيَّرْتَ في أمْرِ الدَّعْوَةِ، وضَجِرْتَ مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الأشْياءِ بِجُمْلَتِها، والعالِمُ بِالأحْوالِ بِرُمَّتِها.
﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: حُكْمًا يُسَلِّمُهُ كُلُّ مُكابِرٍ مُعانِدٍ، ويَخْضَعُ لَهُ كُلُّ عاتٍ مارِدٍ، وهو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ، أوِ الأُخْرَوِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
39:47Page 463
وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧
And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1
﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ . . . إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِ الحُكْمِ الَّذِي اسْتَدْعاهُ النَّبِيُّ ﷺ، وغايَةِ شِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، أيْ: لَوْ أنَّ لَهم جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ.
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ مَناصٍ، وهَذا كَما تَرى وعِيدٌ شَدِيدٌ، وإقْناطٌ لَهم مِنَ الخَلاصِ.
39:48Page 464
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨
And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ، وهَذِهِ غايَةٌ مِنَ الوَعِيدِ لا غايَةَ وراءَها، ونَظِيرُهُ في الوَعْدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ .
﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ أوْ كَسْبِهِمْ حِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ صَحائِفُهم.
﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ جَزاؤُهُ.
39:49Page 464
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ إخْبارٌ عَنِ الجِنْسِ بِما يَفْعَلُهُ غالِبُ أفْرادِهِ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ المُناقَضَةِ والتَّعْكِيسِ عَلى ما مَرَّ مِن حالَتَيْهِمُ القَبِيحَتَيْنِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ: أنَّهم يَشْمَئِزُّونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ الآلِهَةِ. فَإذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعُوا مَنِ اشْمَأزُّوا عَنْ ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرُوا بِذِكْرِهِ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا﴾ أعْطَيْناهُ إيّاها تَفَضُّلًا فَإنَّ التَّخْوِيلَ مُخْتَصٌّ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى ما أُعْطِي جَزاءً.
﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ كَسْبِهِ، أوْ بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما لِي مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِي وبِاسْتِحْقاقِي، و "الهاءُ" لَمّا أنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، وإلّا فَلِنِعْمَةٍ، والتَّذْكِيرُ لِما أنَّ المُرادَ شَيْءٌ نِعْمَةٌ.
﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾ أيْ: مِحْنَةٌ وابْتِلاءٌ لَهُ أيَشْكُرُ، (p-259)أمْ يَكْفُرُ ؟ وهو رَدٌّ لِما قالَهُ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، والإيذانُ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الإيتاءِ المُنْبِئِ عَنِ الكَرامَةِ، وإنَّما هو أمْرٌ مُبايِنٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ النِّعْمَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هو الجِنْسُ.
39:50Page 464
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠
Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الهاءُ لِقَوْلِهِ: "إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ" لِأنَّها كَلِمَةٌ أوْ جُمْلَةٌ. وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ قارُونَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وهم راضُونَ بِهِ.
﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ويَجْمَعُونَ مِنهُ.
39:51Page 464
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١
And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ، أوْ أجْزِيَةَ ما كَسَبُوا. وتَسْمِيَتُها سَيِّئاتٍ؛ لِأنَّها في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ﴾ المُشْرِكِينَ، و "مِن" لِلْبَيانِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: أفْرَطُوا في الظُّلْمِ والعُتُوِّ.
﴿سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما أصابَ أُولَئِكَ، و "السِّينُ" لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ أصابَهُمْ، أيْ: إصابَةً حَيْثُ قُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلَ صَنادِيدُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿وَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِنِينَ.
39:52Page 464
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أقالُوا ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمُوا ؟ أوْ أغْفَلُوا ولَمْ يَعْلَمُوا.
﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَهُ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مَدْخَلٌ ما في ذَلِكَ حَيْثُ حُبِسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ سَبْعًا، ثُمَّ بَسَطَهُ لَهم سَبْعًا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ ﴿لآياتٍ﴾ دالَّةً عَلى أنَّ الحَوادِثَ كافَّةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إذْ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ بِها عَلى مَدْلُولاتِها.
39:53Page 464
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣
Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أفْرَطُوا في الجِنايَةِ عَلَيْها بِالإسْرافِ في المَعاصِي، وإضافَةُ العِبادِ تَخَصُّصُهُ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى ما هو عُرْفُ القرآن الكَرِيمِ.
﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ أوَّلًا، ولا تَفَضُّلِهِ ثانِيًا.
﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عَفُوًّا لِمَن يَشاءُ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ بِتَعْذِيبٍ في الجُمْلَةِ وبِغَيْرِهِ حَسْبَما يَشاءُ، وتَقْيِيدُهُ بِالتَّوْبَةِ خِلافَ الظّاهِرِ كَيْفَ لا ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ فِيما عَدا الشِّرْكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ عَلى المُبالَغَةِ، وإفادَةِ الحَصْرِ والوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، وتَقْدِيمُ ما يَسْتَدْعِي عُمُومَ المَغْفِرَةِ مِمّا في عِبادِي مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الذِّلَّةِ والِاخْتِصاصِ المُقْتَضِيَيْنِ لِلتَّرَحُّمِ، وتَخْصِيصُ ضَرَرِ الإسْرافِ بِأنْفُسِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ مُطْلَقًا عَنِ الرَّحْمَةِ فَضْلًا عَنِ المَغْفِرَةِ وإطْلاقِها، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ (p-260)الضَّمِيرِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَغْنِي والمُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ. والتَّأْكِيدُ بِالجَمِيعِ، وما رُوِيَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ الدّالَّةِ عَلى وُرُودِ الآيَةِ فِيمَن تابَ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَ الحُكْمِ بِهِمْ، ووُجُوبُ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ في كَلامٍ واحِدٍ مِثْلِ: أكْرَمُ الفُضَلاءِ أكْرَمُ الكامِلِينَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَكَيْفَ فِيما هو بِمَنزِلَةِ كَلامٍ واحِدٍ ؟ ولا يُخِلُّ بِذَلِكَ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ في قَوْلِهِ تَعالى:
39:54Page 464
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ إذْ لَيْسَ المُدَّعى أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ أحَدٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وسَبْقِ تَعْذِيبٍ لِتُغْنِيَ عَنِ الأمْرِ بِهِما، وتُنافِي الوَعِيدَ بِالعَذابِ.
39:55Page 464
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: القرآن، أوِ المَأْمُورَ بِهِ دُونَ المَنهِيِّ عَنْهُ، أوِ العَزائِمَ دُونَ الرُّخَصِ، أوِ النّاسِخَ دُونَ المَنسُوخِ، ولَعَلَّهُ ما هو أنْجى وأسْلَمَ كالإنابَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بِمَجِيئِهِ لِتَتَدارَكُوا وتَتَأهَّبُوا لَهُ.
39:56Page 464
أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦
Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولَ. والتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ فَإنَّهُ مَسْلَكٌ رُبَّما يُسْلَكُ عِنْدَ إرادَةِ التَّكْثِيرِ والتَّعْمِيمِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿يا حَسْرَتا﴾ بِالألِفِ بَدَلًا مِن ياءِ الإضافَةِ، وقُرِئَ: ( يا حَسْرَتاهُ ) بِهاءِ السَّكْتِ وقْفًا، وقُرِئَ: ( ياحَسْرَتايَ ) بِالجَمْعِ بَيْنَ العِوَضَيْنِ، وقُرِئَ: ( يا حَسْرَتِي ) عَلى الأصْلِ، أيِ: احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ.
﴿عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ أيْ: عَلى تَفْرِيطِي وتَقْصِيرِي ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أيْ: جانِبِهِ وفي حَقِّهِ وطاعَتِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبٍ وامِقٍ. . . لَهُ كَبِدٌ حَرّى وعَيْنٌ تَرَقْرَقُ
وَهُوَ كِنايَةٌ فِيها مُبالَغَةٌ، وقِيلَ: في ذاتِ اللَّهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كالطّاعَةِ، وقِيلَ: في قُرْبِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وقُرِئَ: ( في ذِكْرِ اللَّهِ ) .
﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ أيِ: المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِهِ. ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِ، أيْ: فَرَّطْتُ وأنا ساخِرٌ.
39:57Page 465
أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧
Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences