Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:58–75
39:58Page 465
أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."
﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ رَجْعَةً إلى الدُّنْيا ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في العَقِيدَةِ والعَمَلِ، و "أوْ" لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّها لا تَخْلُو عَنْ هَذِهِ الأقْوالِ تَحَسُّرًا وتَحَيُّرًا وتَعَلُّلًا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
39:59Page 465
بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩
But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.
﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ رَدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي" مِن مَعْنى النَّفْيِ، (p-261)وَفَضْلِهِ عَنْهُ لِما أنَّ تَقْدِيمَهُ يُفَرِّقُ القَرائِنَ، وتَأْخِيرُ المَرْدُودِ يُخِلُّ بِالتَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ؛ لِأنَّهُ يَتَحَسَّرُ بِالتَّفْرِيطِ، ثُمَّ يَتَعَلَّلُ بِفَقْدِ الهِدايَةِ، ثُمَّ يَتَمَنّى الرَّجْعَةَ وهو لا يَمْنَعُ تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في فِعْلِ العَبْدِ، ولا ما فِيهِ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ كَما عَرَفْتَ، وتَذْكِيرُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وقُرِئَ بِالتَّأْنِيثِ.
39:60Page 465
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠
And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ﴾ بِأنْ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ كاتِّخاذِ الوَلَدِ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ بِما يَنالُهم مِنَ الشِّدَّةِ، أوْ بِما يَتَخَيَّلُ عَلَيْها مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ. والجُمْلَةُ حالٌ قَدِ اكْتُفِيَ فِيها بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها عَلى أنَّها عِرْفانِيَّةٌ.
﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ أيْ: مَقامٌ.
﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن رُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ.
39:61Page 465
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١
And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، أيْ: مِن جَهَنَّمَ، وقُرِئَ: ( يُنْجِي ) مِنَ الإنْجاءِ.
﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ إمّا مِن فازَ بِالمَطْلُوبِ، أيْ: ظَفِرَ بِهِ. و "الباءُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُفِيدَةٌ لِمُقارَنَةِ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ العَذابِ لِنَيْلِ الثَّوابِ، أيْ: يُنَجِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِن مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ مُلْتَبِسِينَ بِفَوْزِهِمْ بِمَطْلُوبِهِمُ الَّذِي هو الجَنَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِ مَفازَتِهِمْ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ نَجاتِهِمْ أوْ فَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِمِساسِ العَذابِ والحُزْنِ، وإمّا مِن فازَ مِنهُ، أيْ: نَجا مِنهُ. و "الباءُ" لِلْمُلابَسَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَمَسُّهُمْ" إلى آخِرِهِ تَفْسِيرٌ وبَيانٌ لِمَفازَتِهِمْ، أيْ: يُنَجِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى، مُلْتَبِسِينَ بِنَجاتِهِمُ الخاصَّةِ بِهِمْ، أيْ: بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم. أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: يُنَجِّيهِمْ بِسَبَبِ مَفازَتِهِمُ الَّتِي هي تَقْواهم كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا عَلى إطْلاقِ المَفازَةِ عَلى سَبَبِها الَّذِي هو التَّقْوى، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ دَوامِ المِساسِ والحُزْنِ، بَلْ دَوامَ نَفْيِهِما، كَما مَرَّ مِرارًا.
39:62Page 465
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.
﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ، لَكِنْ لا بِالجَبْرِ بَلْ بِمُباشَرَةِ الكاسِبِ لِأسْبابِها.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ.
39:63Page 465
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا يَمْلِكُ أمْرَها، ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها غَيْرُهُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ قدرته تعالى وحِفْظِهِ لَها. وفِيها مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى الِاسْتِقْلالِ والِاسْتِبْدادِ؛ لِأنَّ الخَزائِنَ لا يَدْخُلُها، ولا يَتَصَرَّفُ فِيها إلّا مَن بِيَدِهِ مَفاتِيحِها، وهو جَمْعُ مِقْلِيدٍ أوْ مِقْلادٍ مَن قَلَّدْتُهُ إذا ألْزَمْتَهُ. وقِيلَ: جَمْعُ إقْلِيدٍ مُعَرَّبُ كَلِيدٍ عَلى الشُّذُوذِ كالمَذاكِيرِ. «وَعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَقالِيدِ فَقالَ ﷺ: "تَفْسِيرُها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ، والظّاهِرُ والباطِنُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، يُحْيِي ويُمِيتُ، وهو عَلى كُلٍّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"» . والمَعْنى عَلى هَذا أنَّ لِلَّهِ هَذِهِ الكَلِماتِ يُوَحَّدُ بِها، ويُمَجَّدُ. وهي مَفاتِيحُ خَيْرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن تَكَلَّمَ بِها أصابَهُ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ (p-262)وَمُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَما يَشاءُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، بِيَدِهِ مَقالِيدُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِهِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، والتَّنْزِيلِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ، هُمُ الخاسِرُونَ خُسْرانًا لا خَسارَ وراءَهُ. هَذا وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَيُنَجِّي اللَّهُ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ فَتَدَبَّرْ.
39:64Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ أيْ: أبَعْدَ مُشاهِدَةِ هَذِهِ الآياتِ غَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ. و "تَأْمُرُونِّي" اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أمَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ، وقالُوا اسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُؤْمِنُ بِإلَهِكَ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ غَيْرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ "تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى تُعَبِّدُونَنِي، وتَقُولُونَ لِي أعْبُدُ عَلى أنَّ أصْلَهُ "تَأْمُرُونَنِي أنْ أعْبُدَ" فَحُذِفَ "أنْ" ورُفِعَ ما بَعْدَها، كَما في قَوْلِهِ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى. . . وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
وَيُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: ( أعْبُدَ ) بِالنَّصْبِ، وقُرِئَ: ( تَأْمُرُونَنِي ) بِإظْهارِ النُّونَيْنِ عَلى الأصْلِ، وبِحَذْفِ الثّانِيَةِ.
39:65Page 465
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الفَرْضِ لِتَهْيِيجِ الرُّسُلِ، وإقْناطِ الكَفَرَةِ، والإيذانِ بِغايَةِ شَناعَةِ الإشْراكِ وقُبْحِهِ، وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يُباشِرَهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ ؟ وإفْرادُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ. و "اللّامُ" الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والأُخْرَيانِ لِلْجَوابِ، وإطْلاقُ الإحْباطِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن خَصائِصِهِمْ عِنْدَ الإشْراكِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ مِنهم أشَدُّ وأقْبَحُ، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمَوْتِ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وعَطْفُ الخُسْرانِ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ.
39:66Page 465
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ، ولَوْلا دَلالَةُ التَّقْدِيمِ عَلى القَصْرِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إنْعامَهُ عَلَيْكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ، ويَقْتَضِيهِ.
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما قَدَرُوا عَظَمَتَهُ تَعالى في أنْفُسِهِمْ حَقَّ عَظَمَتِهِ، حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا، ووَصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى غايَةِ عَظَمَتِهِ، وكَمالِ قدرته، وحَقارَةِ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ، بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ تَخْرِيبَ العالَمِ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ القَبْضَةِ واليَمِينِ حَقِيقَةً ولا مَجازًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ. والقَبْضَةُ: المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ أُطْلِقَتْ بِمَعْنى القَبْضَةِ، وهي المِقْدارُ (p-263)المَقْبُوضُ بِالكَفِّ. تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، أوْ بِتَقْدِيرِ ذاتِ قَبْضَةٍ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ تَشْبِيهًا لِلْمُوَقَّتِ بِالمُبْهَمِ، وتَأْكِيدُ الأرْضِ بِالجَمِيعِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأرَضُونَ السَّبْعُ، أوْ جَمِيعُ أبْعاضِها البادِيَةِ والغائِرَةِ، وقُرِئَ: مَطْوِيّاتٍ عَلى أنَّها حالٌ، والسَّماواتُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأرْضِ مَنظُومَةٌ في حُكْمِها.
﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما أبْعَدَ وما أعْلى مَن هَذِهِ قدرته وعَظَمَتُهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ عَمّا يُشْرِكُونَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ.
39:68Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى.
﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ: خَرُّوا أمْواتًا، ومَغْشِيًّا عَلَيْهِمْ.
﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ قِيلَ: هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، فَإنَّهم لا يَمُوتُونَ بَعْدُ، وقِيلَ: حَمَلَةُ العَرْشِ.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ نَفْخَةٌ أُخْرى هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، و "أُخْرى" يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ.
﴿فَإذا هم قِيامٌ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ، أوْ مُتَوَقِّفُونَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الخَبَرَ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ. والمَعْنى: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجَوانِبِ كالمَبْهُوتِينَ، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
39:69Page 466
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ بِما أقامَ فِيها مِنَ العَدْلِ اسْتُعِيرَ لَهُ النُّورُ؛ لِأنَّهُ يُزَيِّنُ البِقاعَ، ويُظْهِرُ الحُقُوقَ كَما يُسَمّى الظُّلْمُ ظُلْمَةً. وفي الحَدِيثِ: ﴿الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ولِذَلِكَ أُضِيفَ الِاسْمُ الجَلِيلُ إلى ضَمِيرِ الأرْضِ، أوْ بِنُورٍ خَلَقَهُ فِيها بِلا تَوَسُّطِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ، ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ الحِسابُ والجَزاءُ، مِن وضْعِ المُحاسِبِ كِتابَ المُحاسَبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ صَحائِفَ الأعْمالِ في أيْدِي العُمّالِ، واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ. وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ يُقابَلُ بِهِ الصَّحائِفُ.
﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ لِلْأُمَمِ، وعَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُسْتَشْهِدُونَ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ العِبادِ.
﴿بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ، أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ.
39:70Page 466
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَهُ.
﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى:
39:71Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ . . . إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، أيْ: سِيقُوا إلَيْها بِالعُنْفِ والإهانَةِ أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في إثْرِ بَعْضٍ، مُتَرَتِّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ في الضَّلالَةِ والشِّرارَةِ. والزُّمَرُ جَمْعُ زُمْرَةٍ، واشْتِقاقُها مِنَ الزَّمْرِ، وهو (p-264)الصَّوْتُ إذِ الجَماعَةُ لا تَخْلُو عَنْهُ.
﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ لِيُدْخِلُوها، وحَتّى هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمْلَةُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ تَقْرِيعًا وتَوْبِيخًا.
﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ مِن جِنْسِكُمْ، وقُرِئَ: ( نُذُرٌ مِنكم ) ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: وقْتِكم هَذا، وهو وقْتُ دُخُولِهِمُ النّارَ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ الشَّرْعِ مِن حَيْثُ أنَّهم عَلَّلُوا تَوْبِيخَهم بِإتْيانِ الرُّسُلِ، وتَبْلِيغِ الكُتُبِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ قَدْ أتَوْنا وأنْذَرُونا ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وقَدْ كُنّا مِمَّنِ اتَّبَعَهُ، وكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وقُلْنا: ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ.
39:72Page 466
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها، وإبْهامُ القائِلِ لِتَهْوِيلِ المَقُولِ.
﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اللّامُ لِلْجِنْسِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِذِكْرِهِ آنِفًا، أيْ: فَبِئْسَ مَثْواهم جَهَنَّمُ، ولا يَقْدَحُ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ كَوْنَ مَثْواهم جَهَنَّمَ لِتَكَبُّرِهِمْ عَنِ الحَقِّ في أنَّ دُخُولَهُمُ النّارَ لِسَبْقِ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّها إنَّما حَقَّتْ عَلَيْهِمْ بِناءً عَلى تَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الم السَّجْدَةِ.
39:73Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ﴾ مَساقَ إعْزازٍ وتَشْرِيفٍ، لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ، وقِيلَ: سِيقَ مَراكِبُهم إذْ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ.
﴿زُمَرًا﴾ مُتَفاوِتِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في الفَضْلِ، وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ.
﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ الكَراماتِ ما لا يَحْدِقُ بِهِ نِطاقُ العِباراتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها.
﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ والآلامِ.
﴿طِبْتُمْ﴾ طَهُرْتُمْ مِن دَنَسِ المَعاصِي، أوْ طِبْتُمْ نَفْسًا بِما أُتِيحَ لَكم مِنَ النَّعِيمِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ كانَ ما كانَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ.
39:74Page 466
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ.
﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ يُرِيدُونَ المَكانَ الَّذِي اسْتَقَرُّوا فِيهِ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وإيراثُها تَمْلِيكُها مُخَلَّفَةً عَلَيْهِمْ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ تَمْكِينُهم مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها تَمْكِينَ الوارِثِ فِيما يَرِثُهُ.
﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ: نَتَبَوَّأُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ عَلى أنَّ فِيها مَقاماتٍ مَعْنَوِيَّةً لا يَتَمانَعُ وارِدُوها.
﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ الجَنَّةُ.
39:75Page 467
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾ مُحْدِقِينَ ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ: حَوْلَهُ. (p-265)وَ "مِن" مَزِيدَةٌ، أوْ لِابْتِداءِ الحُفُوفِ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ مُقَيِّدَةٌ لِلْأُولى. والمَعْنى: ذاكِرِينَ لَهُ تَعالى بِوَصْفَيْ جَلالِهِ وإكْرامِهِ تَلَذُّذًا بِهِ. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ أقْصى دَرَجاتِ العِلِّيِّينَ وأعْلى لَذائِذِهِمْ هو الِاسْتِغْراقُ في شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ أيْ: بَيْنَ الخَلْقِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ النّارَ وبَعْضِهِمُ الجَنَّةَ، أوْ بَيْنَ المَلائِكَةِ بِإقامَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ عَلى حَسَبِ تَفاضُلِهِمْ.
﴿وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: عَلى ما قُضِيَ بَيْنَنا بِالحَقِّ، وأُنْزِلَ كَلامُنا مَنزِلَتَهُ الَّتِي هي حَقُّهُ، والقائِلُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ، أوِ المَلائِكَةُ. وطّى ذِكْرَهم لِتَعَيُّنِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزُّمَرِ لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ تَعالى رَجاءَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأعْطاهُ ثَوابَ الخائِفِينَ» .
وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَنِي إسْرائِيلَ والزُّمَرَ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences