Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:11–15

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:11–15

4:11Page 78

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١

Allāh instructs you concerning your children [i.e., their portions of inheritance]: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate.1 And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [and/or sisters], for his mother is a sixth,2 after any bequest he [may have] made or debt.3 Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allāh. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ المَوارِيثِ المُجْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ وأقْسامُ الوَرَثَةِ ثَلاثَةٌ؛ قِسْمٌ لا يَسْقُطُ بِحالٍ وهُمُ الآباءُ والأوْلادُ والأزْواجُ فَهَؤُلاءِ قِسْمانِ، والثّالِثُ: الكَلالَةُ، أيْ: يَأْمُرُكم ويَعْهَدُ إلَيْكم.

﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾ أوْلادِ كُلِّ واحِدٍ مِنكُمْ، أيْ: في شَأْنِ مِيراثِهِمْ بُدِئَ بِهِمْ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ.

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها لِتَبْيِينِ الوَصِيَّةِ وتَفْسِيرِها، وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ"يُوصِيكُمْ" عَلى أنَّ المَعْنى يَفْرِضُ عَلَيْكم ويَشْرَعُ لَكم هَذا الحُكْمَ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا رَآهُ الفَرّاءُ فَإنَّهُ يُجْرِي ما كانَ بِمَعْنى القَوْلِ مِنَ الأفْعالِ مَجْراهُ في حِكايَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ ونَظِيرُهُ (p-149)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوُا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ قائِمٌ مَقامَهُ، والأصْلُ: لِذَكَرِهِمْ، و"مِثْلُ" صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لِلذَّكَرِ مِنهم حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ والبَداءَةُ بِبَيانِ حُكْمِ الذَّكَرِ لِإظْهارِ مَزِيَّتِهِ عَلى الأُنْثى كَما أنَّها المَناطُ في تَضْعِيفِ حَظِّهِ، وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًَا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبَرِ في ذَلِكَ أصْلًَا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ.

﴿فَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: الأوْلادُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساءً﴾ أيْ: خُلْصًَا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.

﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ صِفَةٌ لِ "نِساءً"، أيْ: نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ.

﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ أيِ: المُتَوَفّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

﴿وَإنْ كانَتْ﴾ أيِ: المَوْلُودَةُ.

﴿واحِدَةً﴾ أيِ: امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَوْصُوفِ لِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ.

﴿فَلَها النِّصْفُ﴾ مِمّا تَرَكَ، وقُرِئَ "واحِدَةٌ" عَلى كانَ التّامَّةِ، واخْتُلِفَ في الثِّنْتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حُكْمُهُما حُكْمُ الواحِدَةِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما فَوْقَهُما. وقالَ الجُمْهُورُ: حُكْمُهُما حُكْمُ ما فَوْقَهُما لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إذا كانَ مَعَهُ أُنْثى وهو الثُّلُثانِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ فَرْضَهُما الثُّلُثانِ ثُمَّ لَمّا أوْهَمَ ذَلِكَ أنْ يُزادَ النَّصِيبُ بِزِيادَةِ العَدَدِ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أخِيها الأقْوى مِنها في الِاسْتِحْقاقِ فَلَأنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ مِثْلِها أوْلى وأحْرى وأنَّ البِنْتَيْنِ أمَسُّ رَحِمًَا مِنَ الأُخْتَيْنِ، وقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَهُما الثُّلُثَيْنِ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ .

﴿وَلأبَوَيْهِ﴾ أيْ: لِأبَوَيِ المَيِّتِ، غُيِّرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ حُكْمِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ الصُّوَرِ.

﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَإ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿السُّدُسُ﴾ وبَيْنَ خَبَرِهِ الَّذِي هو "لِأبَوَيْهِ"، ونَقَلَ الخَبَرِيَّةَ إلَيْهِ تَنْصِيصًَا عَلى اسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما السُّدُسَ، وتَأْكِيدًَا لَهُ بِالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ. وقُرِئَ "السُّدْسُ" بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًَا وكَذَلِكَ "الثُّلْثُ" و"الرُّبْعُ" و"الثُّمْنُ".

﴿مِمّا تَرَكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "السُّدُسُ" والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ المُعْتَبَرُ في الخَبَرِ، أيْ: كائِنًَا مِمّا تَرَكَ المُتَوَفّى.

﴿إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ﴾ أوْ ولَدُ ابْنٍ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًَا أوْ مُتَعَدِّدًَا، غَيْرَ أنَّ الأبَ في صُورَةِ الأُنُوثَةِ بَعْدَ ما أخَذَ فَرْضَهُ المَذْكُورَ يَأْخُذُ ما بَقِيَ مِن ذَوِي الفُرُوضِ بِالعُصُوبَةِ.

﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ﴾ ولا ولَدُ ابْنٍ.

﴿وَوَرِثَهُ أبَواهُ﴾ فَحَسْبُ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مِمّا تَرَكَ والباقِي لِلْأبِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِأنَّهُ لَمّا فُرِضَ انْحِصارُ الوارِثِ في أبَوَيْهِ وعُيِّنَ نَصِيبُ الأُمِّ عُلِمَ أنَّ الباقِيَ لِلْأبِ، وتَخْصِيصُ جانِبِ الأُمِّ بِالذِّكْرِ وإحالَةُ جانِبِ الأبِ عَلى دِلالَةِ الحالِ مَعَ حُصُولِ البَيانِ بِالعَكْسِ أيْضًَا لِما أنَّ حَظَّها أخْصَرُ واسْتِحْقاقَهُ أتَمُّ وأوْفَرُ أوْ لِأنَّ اسْتِحْقاقَهُ بِطَرِيقِ العُصُوبَةِ دُونَ الفَرْضِ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما أحَدُ الزَّوْجَيْنِ، أمّا إذا كانَ مَعَهُما ذَلِكَ فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أحَدِهِما لا ثُلُثُ الكُلِّ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَإنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ عَلى الأبِ مَعَ كَوْنِهِ أقْوى مِنها في الإرْثِ بِدَلِيلِ إضْعافِهِ عَلَيْها عِنْدَ انْفِرادِهِما عَنْ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ وكَوْنِهِ صاحِبَ فَرْضٍ وعَصَبَةٍ وذَلِكَ خِلافُ وضْعِ الشَّرْعِ.

﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ أيْ: عَدَدٌ مِمَّنْ لَهُ أُخُوَّةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّثْلِيثِ سَواءً كانَتْ مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ أوْ مِن جِهَةِ أحَدِهِما وسَواءً كانُوا ذُكُورًَا أوْ إناثًَا (p-150)مُخْتَلِطِينَ وسَواءً كانَ لَهم مِيراثٌ أوْ كانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأبِ.

﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وأمّا السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوها عَنْهُ فَهو لِلْأبِ عِنْدَ وُجُودِهِ ولَهم عِنْدَ عَدَمِهِ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ خَلا أنَّ هَذا الحَجْبَ عِنْدَهُ لا يَتَحَقَّقُ بِما دُونَ الثَّلاثِ وبِالأخَواتِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ "فَلِإمِّهِ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إتْباعًَا لِما قَبْلَها.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَ جَمِيعًَا لا بِما يَلِيها وحْدَهُ، أيْ: هَذِهِ الأنْصِباءُ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إخْراجِ وصِيَّةٍ.

﴿يُوصى بِها﴾ أيِ: المَيِّتُ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًَا ومَبْنِيًَّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًَا، وفائِدَةُ الوَصْفِ التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدْبُ إلَيْها.

﴿أوْ دَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "وَصِيَّةٍ" إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِما قُيِّدَتْ بِهِ مِنَ الوَصْفِ بَلْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ ما ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ أوِ الإقْرارِ في الصِّحَّةِ وإيثارُ "أوْ" المُفِيدَةِ لِلْإباحَةِ عَلى الواوِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَساوِيهِما في الوُجُوبِ وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنِ أوْ مُنْفَرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ ذِكْرًَا مَعَ تَأخُّرِها عَنْهُ حُكْمًَا لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ في أدائِها ولِاطِّرادِها بِخِلافِ الدَّيْنِ.

﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ الخِطابُ لِلْوَرَثَةِ فَـ"آباؤُكُمْ" مُبْتَدَأٌ و"أبْناؤُكُمْ" عَطْفٌ عَلَيْهِ و"لا تَدْرُونَ" خَبَرُهُ و"أيُّهُمْ" مُبْتَدَأٌ و"أقْرَبُ" خَبَرُهُ و"نَفْعًَا" نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِنهُ وهو مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعُهُ!، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِـ"لا تَدْرُونَ" والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ، أيْ: أُصُولُكم وفُرُوعُكُمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكم أمَن يُوصِي بِبَعْضِ مالِهِ فَيُعَرِّضُكم لِثَوابِ الآخِرَةِ بِتَنْفِيذِ وصِيَّتِهِ أمْ مَن لا يُوصِي بِشَيْءٍ فَيُوَفِّرُ عَلَيْكم عَرَضَ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ بِنَفْيِ الدِّرايَةِ عَنْهم بَيانَ اشْتِباهِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ وكَوْنَ أنْفَعِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الأوَّلِ، والثّانِي في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ عِنْدَهم مِن غَيْرِ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ التَّأْكِيدِ المَذْكُورِ والتَّرْغِيبِ في تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بَلْ تَحْقِيقَ أنْفَعِيَّةِ الأوَّلِ في ضِمْنِ التَّعْرِيضِ بِأنَّ لَهُمُ اعْتِقادًَا بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَبْنِيًَّا عَلى عَدَمِ الدِّرايَةِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الأنْفَعِيَّةِ بِأقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ تَذْكِيرًَا لِمَناطِ زَعْمِهِمْ وتَعْيِينًَا لِمَنشَإ خَطَئِهِمْ ومُبالَغَةً في التَّرْغِيبِ المَذْكُورِ بِتَصْوِيرِ الثَّوابِ الآجِلِ بِصُورَةِ العاجِلِ لِما أنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الخَيْرِ الحاضِرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكُمْ، فَتَحْكُمُونَ نَظَرًَا إلى ظاهِرِ الحالِ وقُرْبِ المَنالِ بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِهِ فَإنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِهِ إلى صاحِبِهِ ودَوامِ تَمَتُّعِهِ بِهِ مَعَ غايَةِ قِصَرِ مُدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا أقْرَبُ وأحْضَرُ وعَرَضَ الدُّنْيا لِسُرْعَةِ نَفادِهِ وفَنائِهِ أبْعَدُ وأقْصى. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُوَرِّثِينَ، والمَعْنى: لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم عاجِلًَا وآجِلًَا، فَتَحَرَّوْا في شَأْنِهِمْ ما أوْصاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولا تَعْمَدُوا إلى تَفْضِيلِ بَعْضٍ وحِرْمانِ بَعْضٍ. رُوِيَ أنَّ أحَدَ المُتَوالِدِينَ إذا كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِنَ الآخَرِ في الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ صاحِبَهُ فَيُرْفَعُ إلَيْهِ بِشَفاعَتِهِ قِيلَ: فالجُمْلَةُ الِاعْتِراضِيَّةُ حِينَئِذٍ مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِسْمَةِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ الإرْثِ ما ذُكِرَ مِن أقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ مَعَ أنَّهُ العَلاقَةُ النِّسْبِيَّةُ.

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ نُصِبَتْ نَصْبَ مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرْضًَا أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى يَأْمُرُكم ويَفْرِضُ عَلَيْكم.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ.

﴿حَكِيمًا﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

4:12Page 79

۞ وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۚ مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ وَإِن كَانَ رَجُلٞ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمۡرَأَةٞ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوۡ أُخۡتٞ فَلِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُۚ فَإِن كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمۡ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصَىٰ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ وَصِيَّةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ ١٢

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for them [i.e., the wives] is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third,1 after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused].2 [This is] an ordinance from Allāh, and Allāh is Knowing and Forbearing.

(p-151)﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ مِنَ المالِ، شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّانِي مِنَ الوَرَثَةِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ حُكْمِ مِيراثِ الرِّجالِ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ.

﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ أيْ: ولَدٌ وارِثٌ مِن بَطْنِها أوْ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها وإنْ سَفَلَ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًَا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًَا لِأنَّ لَفْظَ الوَلَدِ يَنْتَظِمُ الجَمِيعَ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم والباقِي لِوَرَثَتِهِنَّ مِن ذَوِي الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ غَيْرِهِمْ، ولِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.

﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾ عَلى نَحْوِ ما فُصِّلَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ.

﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ مِنَ المالِ والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ.

﴿يُوصِينَ بِها﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"وَصِيَّةٍ" وفائِدَتُها ما مَرَّ مِن تَرْغِيبِ المَيِّتِ في الوَصِيَّةِ وحَثِّ الوَرَثَةِ عَلى تَنْفِيذِها.

﴿أوْ دَيْنٍ﴾ عَطْفٌ عَلى وصِيَّةٍ سَواءً كانَ ثُبُوتُهُ بِالبَيِّنَةِ أوْ بِالإقْرارِ وإيثارُ "أوْ" عَلى الواوِ لِما ذُكِرَ مِن إبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها.

﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًَا والباقِي لِبَقِيَّةِ ورَثَتِكم مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ أوْ ذَوِي الأرْحامِ أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم وارِثٌ آخَرُ أصْلًَا.

﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾ عَلى النَّحْوِ الَّذِي فُصِّلَ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ مِنَ المالِ لِلْباقِينَ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما فُصِّلَ في نَظِيرَيْهِ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّتِهِ عَلَيْها وشَرَفِهِ الظّاهِرِ ولِذَلِكَ اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ و القُرْبِ ولا يُسْتَثْنى مِنهُ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعْتَقُ والمُعْتَقَةُ وتَسْتَوِي الواحِدَةُ والعَدَدُ مِنهُنَّ في الرُّبُعِ والثُّمُنِ.

﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ القِسْمِ الثّالِثِ مِنَ الوَرَثَةِ المُحْتَمِلِ لِلسُّقُوطِ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَنِ الأوَّلَيْنِ بَيِّنٌ والمُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُورَثُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ لا مِن أوْرَثَ خَبَرُ كانَ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ.

﴿كَلالَةً﴾ الكَلالَةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ، وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ اسْتُعِيرَتْ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالإضافَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخَلِّفْ ولَدًَا ولا والِدًَا وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها صِفَةً كالهَجاجَةِ والفَقاقَةِ لِلْأحْمَقِ فَنَصْبُها إمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ (p-152)يُورَثُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ أوْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِ كانَ و"يُورَثُ" صِفَةٌ لِـ"رَجُلٌ" أيْ: إنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ لَهُ والِدٌ ولا ولَدٌ، وقُرِئَ "يُوَرِّثُ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مُخَفَّفًَا ومُشَدَّدًَا، فانْتِصابُ "كَلالَةً" إمّا عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُورَثُ لِأجْلِ الكَلالَةِ.

﴿أوِ امْرَأةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَجُلٌ" مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، أيْ: أوِ امْرَأةٌ تُورَثُ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ فَصْلَ ذِكْرِها عَنْ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِشَرَفِهِ وأصالَتِهِ في الأحْكامِ.

﴿وَلَهُ﴾ أيْ: لِلرَّجُلِ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْإيذانِ المَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَها بَعْدَ جَرَيانِ ذِكْرِها أيْضًَا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنهُما ﴿أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ أيْ: مِنَ الأُمِّ فَحَسْبَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ فَإنَّ أحْكامَ بَنِي الأعْيانِ والعَلّاتِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُورَثُ" أوْ مِن "رَجُلٌ" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "يُورَثُ" صِفَةً لَهُ ومَساقُها لِتَصْوِيرِ المَسْألَةِ وذِكْرُ "الكَلالَةِ" لِتَحْقِيقِ جَرَيانِ الحُكْمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ مَعَ مَن ذُكِرَ ورَثَةٌ أُخْرى بِطَرِيقِ الكَلالَةِ، وأمّا جَرَيانُهُ في صُورَةِ وُجُودِ الأُمِّ أوِ الجَدَّةِ مَعَ أنَّ قَرابَتَهُما لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ فَبِالإجْماعِ.

﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾ مِنَ الأخِ والأُخْتِ.

﴿السُّدُسُ﴾ مِن غَيْرِ تَفْضِيلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى لِأنَّ الإدْلاءَ إلى المَيِّتِ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ.

﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: أكْثَرَ مِنَ الأخِ أوِ الأُخْتِ المُنْفَرِدَيْنِ بِواحِدٍ أوْ بِأكْثَرَ، والفاءُ لِما مَرَّ مِن أنَّ ذِكْرَ احْتِمالِ الِانْفِرادِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ احْتِمالِ التَّعَدُّدِ.

﴿فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ يَقْتَسِمُونَهُ بِالسَّوِيَّةِ والباقِي لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ هَذا، وأمّا تَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ "يُورَثُ" في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مِن أوْرَثَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوارِثُ، والمَعْنى: وإنْ كانَ رَجُلٌ يُجْعَلُ وارِثًَا لِأجْلِ الكَلالَةِ أوْ ذا كَلالَةٍ، أىْ: غَيْرَ والِدٍ أوْ ولَدٍ ولِذَلِكَ الوارِثِ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الوارِثِ وأخِيهِ أوْ أُخْتِهِ السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، أيْ: مِنَ الاثْنَيْنِ بِأنْ كانُوا ثَلاثَةً أوْ أكْثَرَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ المُوَزَّعِ لِلِاثْنَيْنِ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، أمّا أوَّلًَا: فَلِأنَّ المُعْتَبَرَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّما هي الأُخُوَّةُ بَيْنَ الوارِثِ وبَيْنَ شَرِيكِهِ في الإرْثِ مِن أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ لا ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوَرِّثِهِ مِنَ الأُخُوَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَتَرَتَّبُ حُكْمُ الإرْثِ وبِها يَتِمُّ تَصْوِيرُ المَسْألَةِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ بَيْنَهُما الوِراثَةُ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ وهي عامَّةٌ لِجَمِيعِ صُوَرِ القَراباتِ الَّتِي لا تَكُونُ بِالوِلادَةِ فَلا يَكُونُ نَصِيبُهُ ولا نَصِيبُ شَرِيكِهِ مِمّا ذُكِرَ بِعَيْنِهِ ومَنِ ادَّعى اخْتِصاصَها بِالإخْوَةِ لِأُمٍّ مُتَمَسِّكًَا بِالإجْماعِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلالَةِ هَهُنا: أوْلادُ الأُمِّ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِبُطْلانِ رَأْيِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، كَيْفَ لا؟ ومَبْناهُ إنَّما هو الإجْماعُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُخُوَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾ هو الإخْوَةُ لِأُمٍّ خاصَّةً حَسْبَما شَهِدَتْ بِهِ القِراءَةُ المَحْكِيَّةُ والآيَةُ الآتِيَةُ في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ولَوْلا أنَّ الرَّجُلَ عِبارَةٌ عَنِ المَيِّتِ والأُخُوَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ لَما أمْكَنَ كَوْنُ الكُلِّ أوْلادَ الأُمِّ ثُمَّ إنَّ الكَلالَةَ كَما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ باقِيَةٌ عَلى إطْلاقِها لَيْسَ فِيها شائِبَةُ اخْتِصاصٍ بِأوْلادِ الأُمِّ فَضْلًَا عَنِ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ وإلّا لاقْتَصَرَ البَيانُ عَلى حُكْمِ صُورَةِ انْحِصارِ الوَرَثَةِ فِيهِمْ، وإنَّما الإجْماعُ فِيما ذُكِرَ مِن أنَّ المُرادَ بِالأخِ والأُخْتِ مَن كانَ لِأُمٍّ خاصَّةً. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ الإجْماعِ عَلى أنَّ "يُورَثُ" مِن ورِثَ لا مِن أوْرَثَ فَتَدَبَّرْ، و أمّا ثانِيًَا: فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ في اسْتِحْقاقِ الوَرَثَةِ في الفَرْضِ المَذْكُورِ أُخُوَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِن جِهَةِ الأُمِّ لِما ذُكِرَ مِنَ الإجْماعِ مَعَ (p-153)ثُبُوتِ الِاسْتِحْقاقِ عَلى تَقْدِيرِ الأُخُوَّةِ مِنَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا ثالِثًَا: فَلِأنَّ حُكْمَ صُورَةِ انْفِرادِ الوارِثِ عَنِ الأخِ والأُخْتِ يَبْقى حِينَئِذٍ غَيْرَ مُبَيَّنٍ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِ حَظِّ كُلٍّ مِنهُما السُّدُسَ عِنْدَ الإجْماعِ كَوْنُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الِانْفِرادِ؛ ألا يَرى أنَّ حَظَّ كُلٍّ مِنَ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والنِّصْفُ عِنْدَ الِانْفِرادِ، وأمّا رابِعًَا: فَلِأنَّ تَخْصِيصَ أحَدِ الوَرَثَةِ بِالتَّوْرِيثِ وجَعْلَ غَيْرِهِ تابِعًَا لَهُ فِيهِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ في الإدْلاءِ إلى المُوَرِّثِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ.

﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ خَلا أنَّ الدَّيْنَ هَهُنا مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ الوَصِيَّةِ جَرْيًَا عَلى قاعِدَةِ تَقْيِيدِ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِ المُضارَّةِ فِيهِ أيْضًَا، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ فِيما يَكُونُ ثُبُوتُهُ بِالإقْرارِ في المَرَضِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ دَيْنٍ يُوصى بِهِ.

﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وما حُذِفَ مِنَ المَعْطُوفِ اعْتِمادًَا عَلَيْهِ كَما أنَّ "رِجالٌ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ عَلى قِراءَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فاعِلٌ لِفِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَذْكُورُ ومِن فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ والمَحْذُوفِ اكْتِفاءً بِهِ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُوصِي بِما ذَكَرَ مِنَ الوَصِيَّةِ، والدَّيْنِ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُضارٍّ لِلْوَرَثَةِ، أيْ: بِأنْ يُوصِيَ بِما زادَ عَلى الثُّلُثِ أوْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ لِقَصْدِ الإضْرارِ بِهِمْ دُونَ القُرْبَةِ وبِأنْ يُقِرَّ في المَرَضِ بِدَيْنٍ كاذِبًَا، وتَخْصِيصُ هَذا القَيْدِ بِهَذا المَقامِ لِما أنَّ الوَرَثَةَ مَظِنَّةٌ لِتَفْرِيطِ المَيِّتِ في حَقِّهِمْ.

﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: يُوصِيكم بِذَلِكَ وصِيَّةً كائِنَةً مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأُصُولِ والفُرُوعِ وبَيْنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ حَسَبَ تَفاوُتِ الفَرِيضَةِ والوَصِيَّةِ وإنْ كانَتْ كِلْتاهُما واجِبَةَ المُراعاةِ، أوْ مَنصُوبٌ بِ "غَيْرَ مُضارٍّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ أوْ مَنفِيٌّ مَعْنىً فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ، أيْ: غَيْرَ مُضارٍّ لِوَصِيَّةِ اللَّهِ وعَهْدِهِ لا في شَأْنِ الأوْلادِ فَقَطْ كَما قِيلَ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهم بِالمَقامِ بَلْ في شَأْنِ الوَرَثَةِ المَذْكُورَةِ هَهُنا فَإنَّ الأحْكامَ المُفَصَّلَةَ كُلَّها مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ جارِيَةٌ مَجْرى تَفْسِيرِهِ وبَيانِهِ ومُضارَّتُها الإخْلالُ بِحُقُوقِهِمْ ونَقْصُها بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِما زادَ عَلى الثُّلُثِ والوَصِيَّةِ لِقَصْدِ الإضْرارِ دُونَ القُرْبَةِ والإقْرارِ بِالدَّيْنِ كاذِبًَا، وإيقاعُها عَلى الوَصِيَّةِ مَعَ أنَّها واقِعَةٌ عَلى الوَرَثَةِ حَقِيقَةً كَما في قَوْلِهِ: "يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ" لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْها بِإخْراجِها مَخْرَجَ مُضارَّةِ أمْرِاللَّهِ تَعالى ومُضادَّتِهِ، وجَعْلُ الوَصِيَّةِ عِبارَةً عَنِ الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَما دُونَهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾ حالًَا مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِالوَصِيَّةِ فَقَطْ، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وعامِلِها بِأجْنَبِيٍّ هو المَعْطُوفُ عَلى ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا تَنْحَسِمُ بِهِ مادَّةُ المُضارَّةِ لِبَقاءِ الإقْرارِ بِالدَّيْنِ عَلى إطْلاقِهِ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ.

﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا يُغْتَرَّ بِالإمْهالِ، وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

4:13Page 79

تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٣

These are the limits [set by] Allāh, and whoever obeys Allāh and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في شُئُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِ (p-154)ذَلِكَ.

﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ: شَرائِعُهُ المَحْدُودَةُ الَّتِي تَجُوزُ مُجاوَزَتُها.

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ هَهُنا، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًَا.

﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِـ"جَنّاتٍ" مَنصُوبَةٌ حَسَبَ انْتِصابِها.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وصِيغَةُ الجَمْعِ بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِيَّةِ "مَن" بِحَسَبِ المَعْنى، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ بِالنَّظَرِ إلى إفْرادِهِ لَفْظًَا.

﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن دُخُولِ الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الخُلُودِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ.

﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وُصِفَ الفَوْزُ وهو الظَّفَرُ بِالخَيْرِ بِالعِظَمِ إمّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِهِ أوْ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، فَإنَّ الفَوْزَ بِالعَظِيمِ عَظِيمٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

4:14Page 79

وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٤

And whoever disobeys Allāh and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ولَوْ في بَعْضِ الأوامِرِ والنَّواهِي، قالَ مُجاهِدُ: فِيما اقْتَصَّ مِنَ المَوارِيثِ. وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَمْ يَرْضَ بِقَسْمِ اللَّهِ تَعالى ويَتَعَدَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي: ومَن يَكْفُرْ بِقِسْمَةِ اللَّهِ المَوارِيثَ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ اسْتِحْلالًَا. والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ بِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ شَرائِعَهُ المَحْدُودَةَ في جَمِيعِ الأحْكامِ فَيَدْخُلُ فِيها ما نَحْنُ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

﴿يُدْخِلْهُ﴾ وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ في المَوْضِعَيْنِ.

﴿نارًا﴾ أيْ: عَظِيمَةً هائِلَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها.

﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، ولَعَلَّ إيثارَ الإفْرادِ هَهُنا نَظَرًَا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ واخْتِيارُ الجَمْعِ هُناكَ نَظَرًَا إلى المَعْنى لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِفَةِ الِاجْتِماعِ أجْلَبُ لِلْأُنْسِ كَما أنَّ الخُلُودَ في دارِ العَذابِ بِصِفَةِ الِانْفِرادِ أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ.

﴿وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ: ولَهُ مَعَ عَذابِ الحَرِيقِ الجِسْمانِيِّ عَذابٌ آخَرُ مُبْهَمٌ يُعْرَفُ كُنْهُهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ كَما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

4:15Page 80

وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا ١٥

Those who commit immorality [i.e., unlawful sexual intercourse] of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify,1 confine them [i.e., the guilty women] to houses until death takes them or Allāh ordains for them [another] way.2

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، واللّاتِي جَمْعُ الَّتِي بِحَسَبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ. وقِيلَ: جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والفاحِشَةُ: الفَعْلَةُ القَبِيحَةُ أُرِيدَ بِها الزِّنا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ، والإتْيانُ: الفِعْلُ والمُباشَرَةُ، يُقالُ: أتى الفاحِشَةَ، أيْ: فَعَلَها وباشَرَها وكَذا جاءَها ورَهَقَها وغَشِيَها، وقُرِئَ "بِالفاحِشَةِ". فالإتْيانُ بِمَعْناهُ المَشْهُورِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ ﴿يَأْتِينَ﴾ أيِ: اللّاتِي يَفْعَلْنَ الزِّنا كائِناتٍ مِن نِسائِكُمْ، أيْ: مِن أزْواجِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِنَّ بِإتْيانِها أرْبَعَةٌ مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ.

﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ.

﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ فِيها واجْعَلُوها سِجْنًَا عَلَيْهِنَّ.

﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ﴾ أيْ: إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ أرْواحَهُنَّ.

﴿المَوْتُ﴾ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْمَوْتِ وإبْرازٌ لَهُ في صُورَةِ مَن يَتَوَلّى قَبْضَ الأرْواحِ (p-155)وَتَوَفِّيها أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ.

﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ: يَشْرَعَ لَهُنَّ حُكْمًَا خاصًَّا بِهِنَّ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ طَرِيقًَا مَسْلُوكًَا فَلَيْسَ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى كَوْنِهِ أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском