Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:145–161

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:145–161

4:145Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

(p-247)﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وهو الطَّبَقَةُ الَّتِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ حَيْثُ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ وخِداعَهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ﴿ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا ائْتُمِنَ خانَ﴾ ونَحْوُهُ فَمِن بابِ التَّشْدِيدِ والتَّهْدِيدِ والتَّغْلِيظِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ، وتَسْمِيَةُ طَبَقاتِها السَّبْعِ دَرَكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ ويُعَضِّدُهُ أنَّ جَمْعَهُ أدْراكٌ.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يُخَلِّصُهم مِنهُ والخِطابُ كَما سَبَقَ.

4:146Page 101

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.

﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ النِّفاقِ وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَلْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ.

﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ.

﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أىْ: وثِقُوا بِهِ وتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ.

﴿وَأخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾ أىْ: جَعَلُوهُ خالِصًَا.

﴿لِلَّهِ﴾ لا يَبْتَغُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ.

﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أىِ: المُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم نِفاقٌ أصْلًَا مُنْذُ آمَنُوا وإلّا فَهم أيْضًَا مُؤْمِنُونَ أىْ: مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَيُساهِمُونَهم فِيهِ.

4:147Page 101

مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧

What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.

﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًَا وعَدَمًَا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرَ فَيَكُونُ مُقَرِّرًَا لِما قَبْلَهُ مِن إثابَتِهِمْ عَنْ تَوْبَتِهِمْ و"ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْىِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أىْ: أىُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكم ؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًَا أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًَا كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكم فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لامَحالَةَ، وتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ فَإنَّ النَّظَرَ يُدْرِكُ أوَّلًَا ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ فَيَشْكُرُ شُكْرًَا مُبْهَمًَا ثُمَّ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَيُؤْمِنُ بِهِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا﴾ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ هو الرِّضا بِاليَسِيرِ مِن طاعَةِ عِبادِهِ وإضْعافِ الثَّوابِ بِمُقابَلَتِهِ.

﴿عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شُكْرُكم وإيمانُكم فَيَسْتَحِيلُ أنْ لا يُوَفِّيَكم أُجُورَكم.

4:148Page 102

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ تَعالى لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ سَخَطِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ "الجَهْرَ" و "مِن" بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "السُّوءِ" أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًَا مِنَ القَوْلِ.

﴿إلا مَن (p-248)ظُلِمَ﴾ أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظُلِمَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو أنْ يُبْدَأ بِالشَّتِيمَةِ فَيَرُدَّ عَلى الشّاتِمِ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةُ. وقِيلَ: ضافَ رَجُلًَا قَوْمٌ فَلَمْ يُطْعِمُوهُ فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ عَلى الشِّكايَةِ فَنَزَلَتْ، وقُرِئَ "إلّا مَن ظَلَمَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّ الظّالِمَ يَرْتَكِبُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ فَيَنْدَرِجُ فِيها كَلامُ المَظْلُومِ والظّالِمِ.

﴿عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ المَظْلُومِ والظّالِمِ فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ.

4:149Page 102

إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1

﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.

﴿أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَةِ المُسِيءِ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِهِ في إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ لِما أنَّهُ الحَقِيقُ بِالبَيانِ وإنَّما ذُكِرَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ فَإنَّ إيرادَهُ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هو العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ أيْ: كانَ مُبالِغًَا في العَفْوِ مَعَ كَمالِ قدرته عَلى المُؤاخَذَةِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قدرته عَلى الِانْتِقامِ فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكم. وقِيلَ: عَفْوًَا عَمَّنْ عَفا قَدِيرًَا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.

4:150Page 102

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠

Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهم ويَقْتَضِيهِ رَأْيُهم لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى ويَكْفُرُوا بِهِمْ لَكِنْ لا بِأنْ يُصَرِّحُوا بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزامِ كَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما قالَتِ اليَهُودُ: نُؤْمِنُ بِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ ونَكْفُرُ بِما وراءَ ذَلِكَ وما ذاكَ إلّا كَفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في الإيمانِ، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًَا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.

﴿وَيُرِيدُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.

﴿سَبِيلا﴾ يَسْلُكُونَهُ مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًَا إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.

4:151Page 102

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ.

﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًَا أصْلًَا.

﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ أيْ: كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًَّا أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حَقًَّا أىْ: (p-249)ثابِتًَا يَقِينًَا لا رَيْبَ فِيهِ.

﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهم وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَكانَ المُضْمَرِ ذَمًَّا وتَذْكِيرًَا لِوَصْفِهِمْ أوْ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ عِنْدَ حُلُولِهِ.

4:152Page 102

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢

But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: عَلى الوَجْهِ الَّذِي بُيِّنَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةِ.

﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ كَما فَعَلَهُ الكَفَرَةُ ودُخُولُ بَيْنَ عَلى أحَدٍ قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ.

﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ المَوْعُودَةَ لَهُمْ، وتَصْدِيرُهُ بِـ"سَوْفَ" لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَراخى، وقُرِئَ "نُؤْتِيهِمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما فَرَطَ مِنهم.

﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.

4:153Page 102

يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنْ كُنْتَ نَبِيًَّا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: كِتابًَا مُحَرَّرًَا بِخَطٍّ سَماوِيٍّ عَلى اللَّوْحِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ أوْ كِتابًَا نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ أوْ كِتابًَا إلَيْنا بِأعْيانِنا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وما كانَ مَقْصِدُهم بِهَذِهِ العَظِيمَةِ إلّا التَّحَكُّمَ والتَّعَنُّتَ. قالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنُوُا الحَقَّ أعْطاهم وفِيما آتاهم كِفايَةٌ.

﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أىْ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى شَيْئًَا أكْبَرَ. وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ أيْ: فَلا تُبالِ بِسُؤالِهِمْ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ وإنْ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ لَكِنَّهم لَمّا كانُوا مُقْتَدِينَ بِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أُسْنِدَتْ إلَيْهِمْ والمَعْنى: أنَّ لَهم في ذَلِكَ عِرْقًَا راسِخًَا وأنَّ ما اقْتَرَحُوا عَلَيْكَ لَيْسَ أوَّلَ جَهالاتِهِمْ.

﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أيْ: أرِناهُ نَرَهُ جَهْرَةً، أيْ: عِيانًَا أوْ مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ لَهُ والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: النّارُ الَّتِي جاءَتْ مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهُمْ، وقُرِئَ "الصَّعْقَةُ".

﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهم لِما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وذَلِكَ لا يَقْتَضِي امْتِناعَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًَا.

﴿ثُمَّ اتَّخَذُوُا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرَها لِفِرْعَوْنَ مِنَ العَصا واليَدِ البَيْضاءِ وفَلْقِ البَحْرِ وغَيْرِها لا التَّوْراةُ لِأنَّها لَمْ تُنْزَلْ عَلَيْهِمْ بَعْدُ.

﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم وكانُوا أحِقّاءَ بِهِ. قِيلَ: هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم إلى التَّوْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ أجْرَمُوا وتابُوا فَعَفَوْنا عَنْهم فَتُوبُوا أنْتُمْ أيْضًَا حَتّى نَعْفُوَ عَنْكم.

﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ سُلْطانًَا ظاهِرًَا عَلَيْهِمْ حَيْثُ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا (p-250)أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ.

4:154Page 102

وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.

﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الطُّورَ فَقَبِلُوها أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقُضُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

﴿وَقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمْ.

﴿ادْخُلُوُا البابَ﴾ قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: هو إيلِيا. وقِيلَ: هو أرِيحا. وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ. وقِيلَ: بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها فَإنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿سُجَّدًا﴾ أيْ: مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ.

﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا﴾ أيْ: لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ.

﴿فِي السَّبْتِ﴾ وقُرِئَ "لا تَعَدُّوا" بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَعْتَدُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ.

﴿وَأخَذْنا مِنهُمْ﴾ عَلى الِامْتِثالِ بِما كُلِّفُوهُ.

﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ مُؤَكَّدًَا وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ. قِيلَ: إنَّهم أعْطُوُا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ.

4:155Page 103

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥

And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ تامَّةٌ و"نَقْضِهِمْ" بَدَلٌ مِنها والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم ذَلِكَ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا مِنَ اللَّعْنِ والمَسْخِ وغَيْرِهِما مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ أوْ عَلى أعْقابِهِمْ. رُوِيَ أنَّهُمُ اعْتَدُوا في السَّبْتِ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلُعِنُوا ومُسِخُوا قِرَدَةً. وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"حَرَّمْنا" عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُعَلَّلًَا بِالكُلِّ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ البُهْتانَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّحْرِيمِ ولا مَساغَ لِتَعَلُّقِها بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ لِأنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ فَيَكُونُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ فَلا يَعْمَلُ في جارِهِ.

﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالقرآن أوْ بِما في كِتابِهِمْ.

﴿وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ هو تَخْفِيفُ غُلُفٍ جَمْعِ غِلافٍ أيْ: هي أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ أنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها حَدِيثٌ إلّا وعَتْهُ ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ خَيْرٌ لَوَعَتْهُ أيْضًَا.

﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ أيْ: لَيْسَ كُفْرُهم وعَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ لِكَوْنِها غُلْفًَا بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ أوْ لَيْسَتْ قُلُوبُهم كَما زَعَمُوا بَلْ هي مَطْبُوعٌ عَلَيْها (p-251)بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ أوْ إلّا إيمانًَا قَلِيلًَا لا يُعْبَأُ بِهِ.

4:156Page 103

وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِمْ، وإعادَةُ الجارِّ لِطُولِ ما بَيْنَهُما بِالِاسْتِطْرادِ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى "بِكُفْرِهِمْ" فَيَكُونُ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ. وقِيلَ: هَذا المَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ وتَكْرِيرُ ذِكْرِ الكُفْرِ لِلْإيذانِ بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ حَيْثُ نَسَبُوها إلى ما هي عَنْهُ بِألْفِ مَنزِلٍ.

4:157Page 103

وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1

﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ نَظْمُ قَوْلِهِمْ هَذا في سِلْكِ سائِرِ جِناياتِهِمُ الَّتِي نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ كَذِبًَا بَلْ لِتَضَمُّنِهِ لِابْتِهاجِهِمْ بِقَتْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَإنَّ وصْفَهم لَهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إنَّما هو بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلَخْ ولِإنْبائِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ القَبِيحِ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ وضْعٌ لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ. وقِيلَ: نَعْتٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًَا لَهُ ورَفْعًَا لِمَحَلِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارًَا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ ونِهايَةِ وقاحَتِهِمْ في افْتِخارِهِمْ بِذَلِكَ.

﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ حالٌ واعْتِراضٌ.

﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ رَهْطًَا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً وخَنازِيرَ فَأجْمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يَرْضى بِأنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ فَيُصْلَبَ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَقُتِلَ وصُلِبَ. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ يُنافِقُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: إنَّ طَيْطانُوسَ اليَهُودِيَّ دَخَلَ بَيْتًَا كانَ هو فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَلَمّا خَرَجَ ظُنَّ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُخِذَ وقُتِلَ، وأمْثالُ هَذِهِ الخَوارِقِ لا تُسْتَبْعَدُ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ خافَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ بَيْنَ عَوامِّهِمْ فَأخَذُوا إنْسانًَا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ ولَبَّسُوا عَلى النّاسِ وأظْهَرُوا لَهم أنَّهُ هو المَسِيحُ وما كانُوا يَعْرِفُونَهُ إلّا بِالِاسْمِ لِعَدَمِ مُخالَطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم إلّا قَلِيلًَا و"شُبِّهَ" مُسْنَدًَا إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمَقْتُولِ أوْ في الأمْرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ ولَكِنْ أُرْجِفَ بِقَتْلِهِ فَشاعَ بَيْنَ النّاسِ أوْ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِدِلالَةِ "إنّا قَتَلْنا" عَلى أنَّ ثَمَّ مَقْتُولًَا.

﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ كاذِبًَا فَقَتَلْناهُ حَتْمًَا وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى (p-252)فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ وقالَ قَوْمٌ: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ.

﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ لَفي تَرَدُّدٍ والشَّكُّ: كَما يُطْلَقُ عَلى ما لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ وعَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًَا كانَ أوْ غَيْرَهُ فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ.

﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أيْ: قَتْلًَا يَقِينًَا كَما زَعَمُوا بِقَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وما عَلِمُوهُ يَقِينًَا كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنا

مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ الشَّيْءَ عِلْمًَا ونَحَرْتُهُ عِلْمًَا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِإشْعارِهِ بِعِلْمِهِمْ في الجُمْلَةِ وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ.

4:158Page 103

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨

Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتُ الرَّفْعَةِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ فِيما يُرِيدُهُ.

﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ فَيَدْخُلُ فِيها تَدْبِيراتُهُ تَعالى في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلَيْهِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الثّانِي والأوَّلُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ولاتَ حِينَ إيمانٍ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ، ويُعَضِّدُهُ بِأنَّهُ قُرِئَ "لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ" بِضَمِّ النُّونِ لِما أنَّ أحَدًَا في مَعْنى الجَمْعِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ قالَ: فَإنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ؟! قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَواءِ ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ قالَ لِيَ الحَجّاجُ: آيَةٌ ما قَرَأْتُها إلّا تَخالَجَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنها - يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ- وقالَ: إنِّي أُوتى بِالأسِيرِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَأضْرِبُ عُنُقَهُ فَلا أسْمَعُ مِنهُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: إنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًَّا فَكَذَّبْتَ بِهِ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدٌ نَبِيٌّ وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًَّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ وابْنُ اللَّهِ فَيُؤْمِنُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ قالَ: وكانَ مُتَّكِئًَا فاسْتَوى جالِسًَا فَنَظَرَ إلَيَّ وقالَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذا؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَنَفِيَّةِ فَأخَذَ يَنْكُثُ الأرْضَ بِقَضِيبِهِ ثُمَّ قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن عَيْنٍ صافِيَةٍ، والإخْبارُ بِحالِهِمْ هَذِهِ وعِيدٌ لَهم وتَحْرِيضٌ عَلى المُسارَعَةِ إلى الإيمانِ بِهِ قَبْلَ أنْ يُضْطَرُّوا إلَيْهِ مَعَ انْتِفاءِ جَدْواهُ. وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِعِيسى والمَعْنى: وما مِن أهْلِ الكِتابِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ الدَّجّالَ وتَقَعُ الأمَنَةُ (p-253)حَتّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإبِلِ والنُّمُورُ مَعَ البَقَرِ والذِّئابُ مَعَ الغَنَمِ ويَلْعَبَ الصِّبْيانُ بِالحَيّاتِ ويَلْبَثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ويَدْفِنُونَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.

﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ﴾ أيْ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابِ.

﴿شَهِيدًا﴾ فَيَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِالتَّكْذِيبِ وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا.

4:160Page 103

فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ لَعَلَّ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ أنْ هادُوا أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ مِثْلَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ المَشْرُوطَةِ بِبَخْعِ النُّفُوسِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ في حَدِّ ذاتِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْباهِ والأشْكالِ الصّادِرِ عَنْهم.

﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في ادِّعائِكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَلَّفَهم إخْراجَ التَّوْراةِ لَمْ يَجْسُرْ أحَدٌ عَلى إخْراجِها لِما أنَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ بِظُلْمِهِمْ كانَ مَسْطُورًَا فِيها فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ.

﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًَا كَثِيرًَا أوْ صَدًَّا كَثِيرًَا.

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

﴿وَأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ فَإنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًَا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ.﴿وَأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ.

﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ.

﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском