Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:162–170

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:162–170

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا﴾ إلَخْ وبَيانٌ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ عَلى خِلافِ حالِهِمْ عاجِلًَا أوْ آجِلًَا أيْ: لَكِنِ الثّابِتُونَ في العِلْمِ مِنهُمُ المُتْقِنُونَ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ غَيْرُ التّابِعِينَ لِلظَّنِّ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِنهم، وُصِفُوا بِالإيمانِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِما يُوجِبُهُ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَنْزِيلًَا لِلِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ "المُؤْمِنُونَ" مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ. وقِيلَ: اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ (p-254)فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وأعْنِي المُقِيمِينَ الصَّلاةَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "ما أُنْزِلَ إلَيْكَ" عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ. قالَمَكِّيُّ: أيْ: ويُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ صِفَتُهم إقامَةُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الكافِ في "إلَيْكَ" أيْ: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "المُؤْمِنُونَ" بِناءً عَلى ما مَرَّ مِن تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ في مَنزِلَةِ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ وكَذا الحالُ فِيما سَيَأْتِي مِنَ المَعْطُوفَيْنِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى "المُؤْمِنُونَ" مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ ذاتًَا وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالكُلِّ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قَدْ وُصِفُوا أوَّلًَا بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في عِلْمِ الكِتابِ إيذانًَا بِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ حَتْمًَا وأنَّ مَن عَداهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ عامِلِينَ بِما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ واكْتُفِيَ مِن بَيْنِها بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِسائِرِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِالمَبْدَإ والمَعادِ تَحْقِيقًَا لِحِيازَتِهِمُ الإيمانَ بِقُطْرَيْهِ وإحاطَتِهِمْ بِهِ مِن طَرَفَيْهِ وتَعْرِيضًَا بِأنَّ مَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِنهُما حَقِيقَةً فَإنَّهم بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِقَوْلِهِمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًَا مَعْدُودَةً كافِرُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو الرّاسِخُونَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَنْكِيرُ الأجْرِ لِلتَّفْخِيمِ وهَذا أنْسَبُ بِتَجاوُبِ طَرَفَيِ الاسْتِدْراكِ حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ ووُعِدَ الآخَرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ " لَكِنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا " وأمّا ما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ إلَخْ خَبَرًَا لِلْمُبْتَدَإ فَفي كَمالِ السَّدادِ خَلا أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِتَقابُلِ الطَّرَفَيْنِ، وقُرِئَ "سَيُؤْتِيهِمْ" بِالياءِ مُراعاةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .

//////////////////////////////

4:163Page 104

۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًَا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ بِدْعًَا مِنَ الرُّسُلِ وإنَّما شَأْنُهُ في حَقِيقَةِ الإرْسالِ وأصْلِ الوَحْيِ كَشَأْنِ سائِرِ مَشاهِيرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لا رَيْبَ لِأحَدٍ في نُبُوَّتِهِمْ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيحاءً مِثْلَ إيحائِنا إلى نُوحٍ أوْ عَلى أنَّهُ (p-255)حالٌ مِن ذَلِكَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مُعَرَّفًَا كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: أوْحَيْنا الإيحاءَ حالَ كَوْنِهِ مُشْبِهًَا بِإيحائِنا إلَخْ و "مِن بَعْدِهِ" مُتَعَلِّقٌ بِ "أوْحَيْنا"، وإنَّما بُدِئَ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ وأوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعَ والأحْكامَ وأوَّلُ نَبِيٍّ عُذِّبَتْ أُمَّتُهُ لِرَدِّهِمْ دَعْوَتَهُ وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ بِدُعائِهِ أهْلَ الأرْضِ.

﴿وَأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ عَطْفٌ عَلى أوْحَيْنا إلى نُوحٍ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ﴿وَإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿وَعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ ﴾ خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ ظُهُورِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ النَّبِيِّينَ تَشْرِيفًَا لَهم وإظْهارًَا لِفَضْلِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ وتَصْرِيحًَا بِمَن يَنْتَمِي إلَيْهِمُ اليَهُودُ مِنَ الأنْبِياءِ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ الإيحاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم طائِفَةٌ خاصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوَحْيِ.

﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: كانَ فِيهِ مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ وثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِضَمِّ الزّاىِ وهو جَمْعُ زِبْرٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى "أوْحَيْنا" داخِلٌ في حُكْمِهِ، لِأنَّ إيتاءَ الزَّبُورِ مِن بابِ الإيحاءِ أيْ: وكَما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًَا، وإيثارُهُ عَلى "وَأوْحَيْنا إلى داوُدَ" لِتَحْقِيقِ المُماثَلَةِ في أمْرٍ خاصٍّ هو إيتاءُ الكِتابِ بَعْدَ تَحْقِيقِها في مُطْلَقِ الإيحاءِ، ثُمَّ أُشِيرَ إلى تَحْقِيقِها في أمْرٍ لازِمٍ لَهُما لُزُومًَا كُلِّيًَّا وهو الإرْسالُ.

4:164Page 104

وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.

فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أوْحَيْنا" مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ داخِلٍ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ كَما قَبْلَهُ أيْ: وكَما أرْسَلْنا رُسُلًَا، لا بِما يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ أيْ: وقَصَصْنا رُسُلًَا كَما قالُوا وفَرَّعُوا عَلَيْهِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"رُسُلًَا" وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ فَإنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ "رُسُلٌ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"قَصَصْنا" أيْ: قَصَصْنا مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أوِ اليَوْمِ.

﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "رُسُلًَا" مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ. وقِيلَ: كِلاهُما مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والتَّقْدِيرُ: كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ وإلى الرُّسُلِ إلَخْ، والحَقُّ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِـ"أرْسَلْنا" فَإنَّ فِيهِ تَحْقِيقًَا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ شُؤُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مُطْلَقِ الإيحاءِ ثُمَّ في إيتاءِ الكِتابِ ثُمَّ في الإرْسالِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مُنْتَظِمٌ بِمَعْنى آتَيْناكَ وأرْسَلْناكَ حَتْمًَا كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ وآتَيْناكَ وأرْسَلْناكَ حَتْمًَا كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ إيحاءً مِثْلَ ما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ ومِثْلَ ما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ وآتَيْناكَ الفُرْقانَ إيتاءً مِثْلَ ما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًَا وأرْسَلْناكَ إرْسالًَا مِثْلَ ما أرْسَلْنا رُسُلًَا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًَا آخَرِينَ لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في حَقِيقَةِ الإيحاءِ وأصْلِ الإرْسالِ، فَما لِلْكَفَرَةِ يَسْألُونَكَ شَيْئًَا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومِن هَهُنا اتَّضَحَ أنَّ "رُسُلًَا" لا يُمْكِنُ نَصْبُهُ بِـ"قَصَصْنا" فَإنَّ ناصِبَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًَا عَلى "أوْحَيْنا" داخِلًَا مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ الِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ "قَصَصْنا" لا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الإيحاءِ والإيتاءِ حَتّى يُمْكِنَ اعْتِبارُهُ في ضِمْنِ (p-256)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ يُعْتَبَرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَذْكُورِ مُماثَلَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلتَّشْبِيهِ عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ في "رُسُلًَا" الأوَّلِ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ نَفْيِهِ في الثّانِي وذَلِكَ أشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ بُطْلانًَا.

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى﴾ بِرَفْعِ الجَلالَةِ ونَصْبِ "مُوسى" وقُرِئَ عَلى القَلْبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ رافِعٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًَا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ فَإذا أُكِّدَ بِهِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لا عَلى "آتَيْنا" وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وإمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ والمَعْنى: أنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ خُصَّ بِهِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًَا في نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ جُمْلَةً قادِحًَا في صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ مُفَصَّلًَا مَعَ ظُهُورِ أنَّ نُزُولَها كَذَلِكَ لِحِكَمٍ مُقْتَضِيَةٍ لِذَلِكَ مِن جُمْلَتِها أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في العِنادِ وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُها كَذَلِكِ لَما آمَنُوا بِها ومَعَ ذَلِكَ ما آمَنُوا بِها إلّا بَعْدَ اللِّئْيا والَّتِي وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّنا مُحَمَّدًَا ﷺ بِأنْ أعْطاهُ مِثْلَ ما أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم ﷺ تَسْلِيمًَا كَثِيرًَا.

4:165Page 104

رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ بِإضْمارِ "أرْسَلْنا" أوْ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ "رُسُلًَا" مُوَطِّئًَا لِما بَعْدَهُ أوْ عَلى البِدايَةِ مِن "رُسُلًَا" الأوَّلِ، أيْ: مُبَشِّرِينَ لِأهْلِ الطّاعَةِ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرِينَ لِلْعُصاةِ بِالنّارِ.

﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أيْ: مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها قائِلِينَ: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًَا فَيُبَيِّنَ لَنا شَرائِعَكَ ويُعَلِّمَنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ مِن أحْكامِكَ لِقُصُورِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنْ إدْراكِ جُزْئِيّاتِ المَصالِحِ وعَجْزِ أكْثَرِ النّاسِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ ...الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَتْ حُجَّةً مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حُجَّةٌ في فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ بَلْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَعْذِرَةَ في القَبُولِ عِنْدَهُ تَعالى بِمُقْتَضى كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ الَّتِي لا مَرَدَّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "ما أحَدٌ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ وما أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وما أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ وأنْزَلَ الكُتُبَ".» فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أرْسَلْنا". وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ و"حُجَّةٌ" اسْمُ كانَ و"لِلنّاسِ" خَبَرُها و"عَلى اللَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "حُجَّةٌ" أىْ: كائِنَةً عَلى اللَّهِ، أوْ هو الخَبَرُ و"لِلنّاسِ" حالٌ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ كُلٌّ مِنهُما بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرِ الَّذِي هو الخَبَرُ ولا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِ "حُجَّةٌ" لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: بَعْدَ إرْسالِهِمْ وتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إلى الأُمَمِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِـ"حُجَّةٌ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها لِأنَّ الظُّرُوفَ يُوصَفُ بِها الأحْداثُ كَما يُخْبَرُ بِها عَنْها نَحْوُ: القِتالُ يَوْمُ الجُمُعَةِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ ومِن قَضِيَّتِهِ الِامْتِناعُ عَنِ الإجابَةِ إلى مَسْألَةِ المُتَعَنِّتِينَ.

﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ فَإنَّ تَعَدُّدَ الرُّسُلِ والكُتُبِ واخْتِلافَها في كَيْفِيَّةِ النُّزُولِ وتَغايُرَها (p-257)فِي بَعْضِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ إنَّما لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ الأُمَمِ في الأحْوالِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ فَكَما أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَرَّأهم عَلى أنْحاءٍ شَتّى وأطْوارٍ مُتَبايِنَةٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ كَذَلِكَ تَعَبَّدَهم بِما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ وتَقْتَضِيهِ أحْوالُهُمُ المُتَخالِفَةُ واسْتِعْداداتُهُمُ المُتَغايِرَةُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ وراعى في إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِمَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ ما فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ، فَسُؤالُ تَنْزِيلِ الكِتابِ جُمْلَةً اقْتِراحٌ فاسِدٌ إذْ حِينَئِذٍ تَتَعاقَمُ التَّكالِيفُ فَيَثْقُلُ عَلى المُكَلَّفِ قَبُولُها والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِها، وأمّا التَّنْزِيلُ المُنَجَّمُ الواقِعُ حَسَبَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ فَهو أيْسَرُ قَبُولًَا وأسْهَلُ امْتِثالًَا.

4:166Page 104

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ وهو اسْتِدْراكٌ عَمّا يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهم لَمّا تَعَنَّتُوا عَلَيْهِ بِما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا﴾ إلَخْ قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ.

﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والباءُ صِلَةٌ لِلشَّهادَةِ أيْ: يَشْهَدُ بِحَقِّيَّةِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القرآن المُعْجِزِ النّاطِقِ بِنُبُوَّتِكَ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالُوا ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .

﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًَا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ أوْ بِعِلْمِهِ بِحالِ مَن أنْزَلَهُ عَلَيْهِ واسْتِعْدادِهِ لِاقْتِباسِ الأنْوارِ القُدُسِيَّةِ أوْ بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلَيْنِ حالٌ مِنَ الفاعِلِ وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ التَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وقُرِئَ "نَزَّلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ "أنْزَلَهُ" أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ حَيْثُ نَصَبَ لَها مُعْجِزاتٍ باهِرَةً وحُجَجًَا ظاهِرَةً مُغْنِيَةً عَنِ الاسْتِشْهادِ بِغَيْرِها.

4:167Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وشَهِدَ بِهِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو داخِلٌ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ.

﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ مَن أرادَ سُلُوكَهُ بِقَوْلِهِمْ: ما نَعْرِفُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ في كِتابِنا، وقُرِئَ "صُدُّوا" مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ.

﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أعْرَقَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ.

4:168Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِما ذَكَرَ آنِفًَا.

﴿وَظَلَمُوا﴾ أيْ: مُحَمَّدًَا ﷺ بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ ووَضْعِ غَيْرِها مَكانَها، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم في المَعاشِ والمَعادِ.

﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ.

﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ .(p-258)

4:169Page 104

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.

﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ بِالهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ خَلْقُهُ تَعالى لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ عِنْدَ صَرْفِ قدرتهمْ واخْتِيارِهِمْ إلى اكْتِسابِها، أوْ سَوْقُهم إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: خاصٌّ بِطَرِيقِ الحَقِّ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ دِلالَةً واضِحَةً كَأنَّهُ قِيلَ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ رافِعٌ لِاحْتِمالِ حَمْلِ الخُلُودِ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ.

﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: جَعْلُهم خالِدِينَ في جَهَنَّمَ.

﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُراداتِهِ تَعالى.

4:170Page 104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠

O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ بَعْدَ ما حَكى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعَلُّلَ اليَهُودِ بِالأباطِيلِ واقْتِراحَهُمُ الباطِلَ تَعَنُّتًَا ورَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ بِبَيانِ أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِ الوَحْيِ والإرْسالِ كَشُئُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِن مَشاهِيرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأكَّدَ ذَلِكَ بِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ وشَهادَةِ المَلائِكَةِ أُمِرَ المُكَلَّفُونَ كافَّةً عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ بِالإيمانِ بِذَلِكَ أمْرًَا مَشْفُوعًَا بِالوَعْدِ بِالإجابَةِ والوَعِيدِ عَلى الرَّدِّ تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأحَدٍ عُذْرٌ في عَدَمِ القَبُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلشَّهادَةِ وتَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإيمانِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طاعَتِهِ، والمُرادُ بِالحَقِّ: هو القرآن الكَرِيمُ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"جاءَكُمْ" فَهي لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ ﴿الرَّسُولُ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًَا بِالحَقِّ و"مِن" أيْضًَا مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ وإمّا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الحَقِّ، أيْ: جاءَكم بِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى أوْ جاءَكم بِالحَقِّ كائِنًَا مِن عِنْدِهِ تَعالى والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَبْلِيغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ تَرْغِيبًَا لَهم في الِامْتِثالِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَآمِنُوا﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى إيجابِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها أيْ: فَآمِنُوا بِهِ وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ كَما هو رَأْيُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، أيِ: اقْصُدُوا أوِ ائْتُوا أمْرًَا خَيْرًَا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَما هو رَأْيُ الفَرّاءِ أيْ: آمِنُوا إيمانًَا خَيْرًَا لَكم أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ المُضْمَرَةِ الواقِعَةِ جَوابًَا لِلْأمْرِ لا جَزاءً لِلشَّرْطِ الصِّناعِيِّ وهو رَأْيُ الكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أيْ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًَا لَكم.

﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ أيْ: أنْ تُصِرُّوا وتَسْتَمِرُّوا عَلى الكُفْرِ بِهِ.

﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءً كانَتْ داخِلَةً في حَقِيقَتِهِما وبِذَلِكَ يُعْلَمُ حالُ أنْفُسِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أوْ خارِجَةً عَنْهُما مُسْتَقِرَّةً فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ فَيَدْخُلُ في جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُونَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا أيْ: كُلُّها لَهُ عَزَّ وجَلَّ (p-259)خَلْقًَا ومِلْكًَا وتَصَرُّفًَا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ شَيْءٌ مِنها فَمَن هَذا شَأْنُهُ فَهو قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِكُفْرِكم لا مَحالَةَ أوْ فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَنِيٌّ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم ولا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، وقِيلَ: فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ عَبِيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ فَهو أعْلَمُ بِأحْوالِ الكُلِّ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ علمه تعالى بِكُفْرِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.

﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًَا لِلْحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَعْذِيبُهُ تَعالى إيّاهم بِكُفْرِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском