Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:16–22

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:16–22

4:16Page 80

وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا ١٦

And the two1 who commit it [i.e., unlawful sexual intercourse] among you - punish [i.e., dishonor] them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allāh is ever Accepting of Repentance and Merciful.

﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَ السَّنَدِيُّ: أُرِيدَ بِهِما البِكْرانِ مِنهُما كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَوْنُ عُقُوبَتِها أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ خَلا أنَّهُ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ مُبْهَمًَا لِاخْتِصاصِ العُقُوبَةِ الأُولى بِالمُحْصَناتِ، وعَدَمُ ظُهُورِ إلْحاقِهِ بِأحَدِ الحُكْمَيْنِ دِلالَةٌ لِخَفاءِ الشَّرِكَةِ في المَناطِ.

﴿فَآذُوهُما﴾ أيْ: بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: بِالضَّرْبِ بِالنِّعالِ أيْضًَا، وظاهِرٌ أنَّ إجْراءَ هَذا الحُكْمِ أيْضًَا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَكِنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ تَعْوِيلًَا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًَا.

﴿فَإنْ تابا﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ ما لَقِيا مِن زَواجِرِ الأذِيَّةِ وقَوارِعِ التَّوْبِيخِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿وَأصْلَحا﴾ أيْ: أعْمالَهُما، ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ بِقَطْعِ الأذِيَّةِ والتَّوْبِيخِ فَإنَّ التَّوْبَةَ والصَّلاحَ مِمّا يَمْنَعُ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى هَناتِهِما، ويُرادَ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى الوُلاةِ، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِالرَّفْعِ إلَيْهِمْ، قِيلَ: كانَتْ عُقُوبَةُ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في أوائِلِ الإسْلامِ عَلى ما مَرَّ مِنَ التَّفْصِيلِ ثُمَّ نُسِخَ بِالحَدِّ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًَا الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والبِكْرُ تُجْلَدُ".» وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ عَلى الأُولى نُزُولًَا، وكانَتْ عُقُوبَةُ الزُّناةِ مُطْلَقًَا الأذى ثُمَّ الحَبْسَ ثُمَّ الجَلْدَ ثُمَّ الرَّجْمَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالحَبْسِ غَيْرَ مَنسُوخٍ بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًَا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ ويُوصى بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ إقامَةِ الحَدِّ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مِثْلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: - وقَدْ عَزاهُ إلى مُجاهِدٍ - إنَّ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهَذِهِ في اللَّوّاطِينَ، وما في سُورَةِ النُّورِ في الزُّناةِ والزَّوانِي مُتَمَسِّكًَا بِأنَّ المَذْكُورَ في الأُولى صِيغَةُ الإناثِ خاصَّةً، وفي الثّانِيَةِ صِيغَةُ الذُّكُورِ، ولا ضَرُورَةَ إلى المَصِيرِ إلى التَّغْلِيبِ عَلى أنَّهُ لا إمْكانَ لَهُ في الأُولى ويَأْباهُ الأمْرُ بِاسْتِشْهادِ الأرْبَعَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الشَّرْعِ فِيما عَدا الزِّنا.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ مُبالِغًَا في قَبُولِ التَّوْبَةِ.

﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ.

4:17Page 80

إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧

The repentance accepted by Allāh is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon [after].1 It is those to whom Allāh will turn in forgiveness, and Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا بَلْ هو مُقَيَّدٌ بِما سَيَنْطِقُ بِهِ النَّصُّ الكَرِيمُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿التَّوْبَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الاسْتِقْرارِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ المَعْنَوِيِّ مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ وكَذا الظَّرْفُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَإ المُسْتَكِنِّ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًَا (p-156)أوْ حَرْفَ جَرٍّ كَما سَبَقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ وأيًَّا ما كانَ؛ فَمَعْنى كَوْنِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ صُدُورُ القَبُولِ عَنْهُ تَعالى، وكَلِمَةُ ﴿عَلى﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ البَتَّةَ بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ وسَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ:كَلِمَةُ "عَلى" بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَنِ الحَسَنِ يَعْنِي: التَّوْبَةَ الَّتِي يَقْبَلُها اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: هي التَّوْبَةُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَفْسِهِ بِفَضْلِهِ قَبُولَها، وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلتَّوْبَةِ بِتَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِهِ مَعْرِفَةً عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيْ: إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ، والمُرادُ بِـالسُّوءِ: المَعْصِيَةُ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، وقِيلَ: الخَبَرُ ﴿ "عَلى اللَّهِ".﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلَّقِ الخَبَرِ، ولَيْسَ فِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَقْدِيمِ الحالِ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ إلّا أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ هو الأوَّلُ لِما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ تَوّابًَا رَحِيمًَا إنَّما يَقْتَضِي بَيانَ اخْتِصاصِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهُ تَعالى بِالمَذْكُورِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ خَبَرًَا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ ناطِقٌ بِما قُلْنا كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما التَّوْبَةُ لِهَؤُلاءِ لا لِهَؤُلاءِ.

﴿بِجَهالَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَعْمَلُونَ" أيْ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِها، أيْ: جاهِلِينَ سُفَهاءَ أوْ بِـ"يَعْمَلُونَ" عَلى أنَّ الباءَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ: يَعْمَلُونَهُ بِسَبَبِ الجَهالَةِ لِأنَّ ارْتِكابَ الذَّنْبِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الجَهْلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ عَدَمَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ سُوءًَا بَلْ عَدَمَ التَّفَكُّرِ في العاقِبَةِ كَما يَفْعَلُهُ الجاهِلُ. قالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَصى بِهِ رَبَّهُ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًَا كانَ أوْ خَطَأً. وعَنْ مُجاهِدٍ "مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ جَهالَتِهِ"، وقالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ بِجَهالَةٍ: اخْتِيارَهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ أيْ: مِن زَمانٍ قَرِيبٍ وهو ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ وقْتَ الِاحْتِضارِ هو الوَقْتُ الَّذِي لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ فَبَقِيَ ما وراءَهُ في حَيِّزِ القَبُولِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِ سُلْطانُ المَوْتِ"، وعَنِ الضَّحّاكِ "كُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ المَوْتِ" فَهو قَرِيبٌ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ "مالَمْ يُؤْخَذْ بِكَظَمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ". ورَوى أبُو أيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ"،» وعَنْ عَطاءَ "وَلَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُواقِ ناقَةٍ"، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ قالَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ وعِزَّتِكَ لا أُفارِقُ ابْنَ آدَمَ ما دامَ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَقالَ تَعالى: "وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بابَ التَّوْبَةِ مالَمْ يُغَرْغِرْ" و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: يَتُوبُونَ بَعْضَ زَمانٍ قَرِيبٍ كَأنَّهُ سَمّى ما بَيْنَ وُجُودِ المَعْصِيَةِ وبَيْنَ حُضُورِ المَوْتِ زَمانًَا قَرِيبًَا، فَفي أيِّ جُزْءٍ تابَ مِن أجْزاءِ هَذا الزَّمانِ فَهو تائِبٌ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما ذُكِرَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ بِانْقِضاءِ ذِكْرِهِمْ في حُكْمِ البَعِيدِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وهَذا وعْدٌ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إثْرَ بَيانِ أنَّ التَّوْبَةَ لَهُمْ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّتِها لِلْقَبُولِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ والحِكْمَةِ فَيَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَنشَأٌ لِاتِّصافِهِ تَعالى بِصِفاتِ الكَمالِ.

4:18Page 80

وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٨

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

(p-157)﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن قَصْرِ القَبُولِ عَلى تَوْبَةِ مَن تابَ مِن قَرِيبٍ، وزِيادَةُ تَعْيِينٍ لَهُ بِبَيانِ أنَّ تَوْبَةَ مَن عَداهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وجَمْعُ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها في الزَّمانِ المَدِيدِ لا لِأنَّ المُرادَ جَمِيعُ أنْواعِها وبِما مَرَّ مِنَ السُّوءِ نَوْعٌ مِنها.

﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ "حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى حُضُورِ مَوْتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ إنِّي تُبْتُ الآنَ وذِكْرُ ﴿الآنَ﴾ لِمَزِيدِ تَعْيِينِ الوَقْتِ، وإيثارُ قالَ عَلى تابَ لِإسْقاطِ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ والتَّحاشِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَوْبَةً.

﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي قَبْلَهُ، أيْ: لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِهَؤُلاءِ ولا لِهَؤُلاءِ، وإنَّما ذُكِرَ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم رَأْسًَا مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ المُسَوِّفِينَ وإيذانًَا بِأنَّ وُجُودَها كَعَدَمِها، بَلْ في تَكْرِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ إشْعارٌ خَفِيٌّ بِكَوْنِ حالِ المُسَوِّفِينَ في عَدَمِ اسْتِتْباعِ الجَدْوى أقْوى مِن حالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ: إمّا الكُفّارُ خاصَّةً وإمّا الفُسّاقُ وحْدَهُمْ، وتَسْمِيَتُهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ "كُفّارًَا" لِلتَّغْلِيظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، وأمّا ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًَا فالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّغْلِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوَّلِ الفَسَقَةُ وبِالثّانِي الكَفَرَةُ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ أُخْرى.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَرامِي حالِهِمْ في الفَظاعَةِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في السُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿أعْتَدْنا لَهُمْ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لَهم.

﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ تَكْرِيرُ الإسْنادِ لِما مَرَّ مِن تَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ العَذابِ مُعَدًَّا لَهم وتَنْكِيرُ العَذابِ ووَصْفُهُ لِلتَّفْخِيمِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ.

4:19Page 80

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوُا النِّساءَ كَرْهًا﴾ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ قَرِيبُهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ عَلى امْرَأتِهِ أوْ عَلى خِبائِها ويَقُولُ: أرِثُ امْرَأتَهُ كَما أرِثُ مالَهُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ أحَقَّ بِها مِن كُلِّ أحَدٍ ثُمَّ إنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِلا صَداقٍ غَيْرِ الصَّداقِ الأوَّلِ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها مِنهُ شَيْئًَا وإنْ شاءَ عَضَلَها لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، وإنْ ذَهَبَتِ المَرْأةُ إلى أهْلِها قَبْلَ إلْقاءِ الثَّوْبِ فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقِيلَ لَهُمْ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما تُحازُ المَوارِيثُ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ. وقُرِئَ "تَحِلُّ" بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ "أنْ تَرِثُوا" بِمَعْنى الوِراثَةِ، وقُرِئَ "كُرْهًَا" بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ كالضَّعْفِ والضُّعْفِ وكانَ الرَّجُلُ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ حَبَسَها مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ والقَهْرِ وضَيَّقَ عَلَيْها (p-158)لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها وتَخْتَلِعَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ عَطْفًَا عَلى "تَرِثُوا" و"لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، والعَضْلُ: الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها إذا اخْتَنَقَتْ رَحِمُها فَخَرَجَ بَعْضُهُ وبَقِيَ بَعْضُهُ، أيْ: ولا أنْ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.

﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الصَّداقِ بِأنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَهُ اضْطِرارًَا فَتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ إيذانًَا بِكَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ لِصُدُورِهِ عَنْهُنَّ اضْطِرارًَا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ ولا بِالإذْهابِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ: شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابُ مِنهُنَّ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُسْتَصْحَبًَا بِهِ.

﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن "بَيَّنَ" بِمَعْنى: تَبَيَّنَ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ وعَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ بِمَعْنى تَبَيُّنْ، أيْ: بَيِّنَةِ القُبْحِ مِنَ النُّشُوزِ وشَكاسَةِ الخُلُقِ وإيذاءِ الزَّوْجِ وأهْلِهِ بِالبَذاءِ والسَّلاطَةِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ". وقِيلَ: الفاحِشَةُ: الزِّنا، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: ولا يَحِلُّ لَكم عَضْلُهُنَّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا في حالِ إتْيانِهِنَّ بِفاحِشَةٍ أوْ إلّا في وقْتِ إتْيانِهِنَّ أوْ إلّا لِإتْيانِهِنَّ بِها، فَإنَّ السَّبَبَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِن جِهَتِهِنَّ وأنْتُمْ مَعْذُورُونَ في طَلَبِ الخُلْعِ.

﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينَ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَهُنَّ والمَعْرُوفُ ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، و المُرادُ هَهُنا: النَّصَفَةُ في المَبِيتِ والنَّفَقَةُ والإجْمالُ في المَقالِ ونَحْوُ ذَلِكَ.

﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ وسَئِمْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَلا تُفارِقُوهُنَّ بِمُجَرَّدِ كَراهَةِ النَّفْسِ واصْبِرُوا عَلى مُعاشَرَتِهِنَّ.

﴿فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ اسْتِلْزامِها إيّاهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ مَعَ الكَراهَةِ فَلَعَلَّ لَكم فِيما تَكْرَهُونَهُ خَيْرًَا كَثِيرًَا لَيْسَ فِيما تُحِبُّونَهُ و"عَسى" تامَّةٌ رافِعَةٌ لِما بَعْدَها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الخَبَرِ أيْ: فَقَدْ قَرَّبَتْ كَراهَتُكم شَيْئًَا وجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، فَإنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَكْرَهُ ما هو أصْلَحُ في الدِّينِ وأحْمَدُ عاقِبَةً وأدْنى إلى الخَيْرِ وتُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ؛ فَلْيَكُنْ نَظَرُكم إلى ما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ دُونَ ما تَهْوى أنْفُسُكُمْ، وذِكْرُ الفِعْلِ الأوَّلِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ وانْحِصارُ العِلِّيَّةِ في الثّانِي لِلتَّوَسُّلِ إلى تَعْمِيمِ مَفْعُولِهِ لِيُفِيدَ أنَّ تَرْتِيبَ الخَيْرِ الكَثِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَخْصُوصًَا بِمَكْرُوهٍ دُونَ مَكْرُوهٍ بَلْ هو سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى الإطْلاقِ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وأنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مادَّةٌ مِن مَوادِّها، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمِ الإرْشادِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ "وَيَجْعَلُ" مَرْفُوعًَا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - تَقْدِيرُهُ: وهو أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًَا كَثِيرًَا، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: واللَّهُ يَجْعَلُ بِوَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وتَنْوِينُ "خَيْرًَا" لِتَفْخِيمِهِ الذّاتِيِّ، ووَصْفُهُ بِالكَثْرَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ الوَصْفِيَّةِ والمُرادُ بِهِ هَهُنا: الوَلَدُ الصّالِحُ، وقِيلَ: الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ.

4:20Page 81

وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾ أيْ: تَزَوُّجَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها.

﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها.

﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾ أيْ: إحْدى الزَّوْجاتِ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّوْجِ هو الجِنْسُ (p-159)والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِإضْمارِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ، أيْ: وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها.

﴿قِنْطارًا﴾ أيْ: مالًَا كَثِيرًَا.

﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ القِنْطارِ.

﴿شَيْئًا﴾ يَسِيرًَا فَضْلًَا عَنِ الكَثِيرِ.

﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ أوْ لِلْبُهْتانِ والإثْمِ فَإنَّ أحَدَهم كانَ إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ: الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ ويُدْهِشُهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الفِعْلِ الباطِلِ ولِذَلِكَ فُسِّرَ هَهُنا بِالظُّلْمِ.

4:21Page 81

وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنْكارٌ لِأخْذِهِ إثْرَ إنْكارٍ وتَنْفِيرٍ عَنْهُ غَبَّ تَنْفِيرٍ وقَدْ بُولِغَ فِيهِ حَيْثُ وُجِّهَ الإنْكارُ إلى كَيْفِيَّةِ الأخْذِ إيذانًَا بِأنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ لَهُ إلى التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ أصْلًَا لِأنَّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حالٌ أصْلًَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الوُجُودِ قَطْعًَا. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَأْخُذُونَهُ" مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ حالٍ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ جَرى بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ أحْوالٌ مُنافِيَةٌ لَهُ مِنَ الخَلْوَةِ وتَقَرُّرِ المَهْرِ وثُبُوتِ حَقِّ خِدْمَتِهِنَّ لَكم وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: أخَذْنَ مِنكم عَهْدًَا وثِيقًَا وهو حَقُّ الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةِ أوْ ما أوْثَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في شَأْنِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ أوْ ما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى".»

4:22Page 81

وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.

﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ، وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنْظَمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى تَعاطِيهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَزَوَّجُونَ بِأزْواجِ آبائِهِمْ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ مَجازًَا فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًَّا وإجْماعًَا ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ إذا كانَ صَحِيحًَا، وأمّا إذا كانَ فاسِدًَا فَلا بُدَّ في إثْباتِها مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ ونَحْوِهِما بَلْ هو المُثْبِتُ لَها في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ أوْ بِالوَجْهِ المُحَرَّمِ تَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا خِلافًَا لِلشّافِعِيِّ في المُحَرَّمِ، أيْ: لا تَنْكِحُوُا الَّتِي نَكَحَها آباؤُكُمْ، وإيثارُ "ما" عَلى "مَن" لِلذَّهابِ إلى الوَصْفِ، وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ.

﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانٌ لِما نُكِحَ عَلى الوَجْهَيْنِ.

﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِمّا نُكِحَ مُفِيدٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ بِإخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

والمَعْنى: لا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا مَن ماتَتْ مِنهُنَّ، والمَقْصُودُ: سَدُّ طَرِيقِ الإباحَةِ بِالكُلِّيَّةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ ويَسْتَوْجِبُهُ مُباشَرَةً المَنهِيُّ عَنْهُ (p-160)كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعِقابِ إلّا ما قَدْ مَضى فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنَّ ما قَدْ سَلَفَ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ لا أنَّهُ مُقَرَّرٌ ويَأْباهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وبَيانٌ لِكَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ في غايَةِ القُبْحِ مَبْغُوضًَا أشَدَّ البُغْضِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ مَوْصُوفًَا بِذَلِكَ ما رَخَّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ فَلا يُلائِمُ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما ما يُهَوِّنُ أمْرَهُ مِن تَرْكِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ.

﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ في كَلِمَةِ "ساءَ" قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها جارِيَةٌ مَجْرى بِئْسَ في الذَّمِّ والعَمَلِ فَفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "وَساءَ سَبِيلًَا سَبِيلُ ذَلِكَ النِّكاحِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءُ، وثانِيهِما: أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ "إنَّهُ" وسَبِيلًَا تَمْيِيزٌ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو المَعْطُوفُ في الحَقِيقَةِ تَقْدِيرُهُ: ومَقُولًَا في حَقِّهِ ساءَ سَبِيلًَا، فَإنَّ ألْسِنَةَ الأُمَمِ كافَّةً لَمْ تَزَلْ ناطِقَةً بِذَلِكَ في الأعْصارِ والأمْصارِ. قِيلَ: مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثٌ: القُبْحُ الشَّرْعِيُّ والقُبْحُ العَقْلِيُّ والقُبْحُ العادِيُّ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذا النِّكاحَ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاحِشَةً﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَقْتًا﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾ مَرْتَبَةُ قُبْحِهِ العادِيِّ، وما اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ المَراتِبُ فَقَدْ بَلَغَ أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском