Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:25–31
4:25Page 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
(p-166)﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾ "مَن" إمّا شَرْطِيَّةٌ ما بَعْدَها شَرْطُها أوْ مَوْصُولَةٌ ما بَعْدَها صِلَتُها والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِ "يَسْتَطِعْ" أيْ: حالَ كَوْنِهِ مِنكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْلا﴾ أوْ غِنىً وسَعَةً، أيِ: اعْتِلاءً ونَيْلًَا وأصْلُهُ الزِّيادَةُ والفَضْلُ مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ". وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ إمّا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِـ"طَوْلًَا" فَإنَّ إعْمالَ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ شائِعٌ ذائِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم أنْ يَنالَ نِكاحَهُنَّ، وإمّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنىً إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، فالجارُّ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً لِـ"طَوْلًَا" أيْ: طَوْلًَا مُوصِلًَا إلَيْهِ أوْ كائِنًَا لَهُ أوْ عَلى نِكاحِهِنَّ عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، في القامُوسِ: الطَّوْلُ والطّائِلُ والطّائِلَةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنى والسَّعَةُ، ومَحَلُّ "أنْ" بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والفَرّاءِ وجَرٌّ عِنْدَ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ، وإمّا بَدَلٌ مِن "طَوْلًَا" لِأنَّ الطَّوْلَ فَضْلٌ والنِّكاحَ قُدْرَةٌ، وإمّا مَفْعُولٌ لِـ"يَسْتَطِعْ" و"طَوْلًَا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ؛ إذِ الاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم نِكاحَهُنَّ اسْتِطاعَةً أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ فَإنَّ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ: الحَرائِرُ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ فَإنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ ذُلِّ الرِّقِّ والِابْتِذالِ وغَيْرِهِما مِن صِفاتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ إمّا جَوابٌ لِلشَّرْطِ أوْ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ و"ما" مَوْصُولَةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً أوْ أمَةً مِنَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكم وهو في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـذَلِكَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً مِن ذَلِكَ النَّوْعِ. وقِيلَ: "مِن" زائِدَةٌ والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ في "مَلَكَتْ" الرّاجِعِ إلى ما. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ عَلى زِيادَةِ "مِن" و "مِمّا مَلَكَتْ" مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن فَتَياتِكم و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: فَلْيَنْكِحْ فَتَياتِكم كائِناتٍ بَعْضَ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم و"المُؤْمِناتِ" صِفَةٌ لِـ"فَتَياتِكُمْ" عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وقِيلَ: هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ و"مِمّا مَلَكَتْ" عَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًَا و"مِن فَتَياتِكُمْ" حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ أصْلًَا كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ وقَدْ جَوَّزَهُما أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُتَمَسِّكًَا بِالعُمُوماتِ؛ فَمَحْمَلُ الشَّرْطِ والوَصْفِ هو الأفْضَلِيَّةُ ولا (p-167)نِزاعَ فِيها لِأحَدٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ومِمّا وسَّعَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ واليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وإنْ كانَ مُوسِرًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ جِئَ بِها لِتَأْنِيسِهِمْ بِنِكاحِ الإماءِ واسْتِنْزالِهِمْ مِن رُتْبَةِ الِاسْتِنْكافِ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ مَناطَ التَّفاضُلِ ومَدارَ التَّفاخُرِ هو الإيمانُ دُونَ الأحْسابِ والأنْسابِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًَا: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ مِنكم بِمَراتِبِكم في الإيمانِ الَّذِي بِهِ تَنْتَظِمُ أحْوالُ العِبادِ وعَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ المَصالِحِ في المَعاشِ والمَعادِ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ فَرُبَّ أمَةٍ يَفُوقُ إيمانُها إيمانَ الحَرائِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ الِاتِّصالُ مِن حَيْثُ الدِّينُ فَهو بَيانٌ لِتَناسُبِهِمْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِهِمْ في ذَلِكَ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الِاتِّصالُ مِن حَيْثُ النَّسَبُ فَهو اعْتِراضٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِلتَّأْنِيسِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، والخِطابُ في المَوْضِعَيْنِ إمّا لِمَن كَما في الخِطابِ الَّذِي يَعْقُبُهُ قَدْ رُوعِيَ فِيما سَبَقَ جانِبُ اللَّفْظِ وهَهُنا جانِبُ المَعْنى والِالتِفاتُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّأْنِيسِ، وإمّا لِغَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ كالخِطاباتِ السّابِقَةِ لِحُصُولِ التَّرْغِيبِ بِخِطابِهِمْ أيْضًَا وأيًَّا ما كانَ؛ فَإعادَةُ الأمْرِ بِالنِّكاحِ عَلى وجْهِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾ مَعَ انْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ حَسْبَما ذُكِرَ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في نِكاحِهِنَّ وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ وتَصْدِيرُهُ بِالفاءِ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ: وإذْ قَدْ وقَفْتُمْ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ مَوالِيهِنَّ ولا تَتَرَفَّعُوا عَنْهُنَّ، وفي اشْتِراطِ إذْنِ المَوالِي دُونَ مُباشَرَتِهِمْ لِلْعَقْدِ إشْعارٌ بِجَوازِ مُباشَرَتِهِنَّ لَهُ.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ.
﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"آتُوهُنَّ" أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِغَيْرِ مَطْلٍ وضِرارٍ وإلْجاءٍ إلى الِاقْتِضاءِ واللَّزِّ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ والعادَةُ، ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ الأداءُ إلَيْهِنَّ بِإذْنِ المَوالِي فَيَكُونُ ذِكْرُ إيتائِهِنَّ لِبَيانِ جَوازِ الأداءِ إلَيْهِنَّ لا لِكَوْنِ المُهُورِ لَهُنَّ. وقِيلَ: أصْلُهُ آتُوا مَوالِيَهُنَّ فَحُذِفَ المُضافُ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى المُضافِ إلَيْهِ.
﴿مُحْصَناتٍ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "فَـانْكِحُوهُنَّ" أيْ: حالَ كَوْنِهِنَّ عَفائِفَ عَنِ الزِّنا.
﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أيْ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِهِ.
﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مُسافِحاتٍ﴾ و"لا" لِتَأْكِيدِ ما في ﴿غَيْرَ﴾ مِن مَعْنى النَّفْىِ، الخِدْنُ: الصّاحِبُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: الأخْدانُ الأصْدِقاءُ عَلى الفاحِشَةِ والواحِدُ خِدْنٌ وخَدِينٌ والجَمْعُ لِلْمُقابَلَةِ بِالِانْقِسامِ عَلى مَعْنى أنْ لا يَكُونَ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ خِدْنٌ لا عَلى مَعْنى أنْ لا يَكُونَ لَها أخْدانٌ، أيْ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالزِّنا ولا مُسِرّاتٍ لَهُ وكانَ الزِّنا في الجاهِلِيَّةِ مُنْقَسِمًَا إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: بِالتَّزْوِيجِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ أوْ أزْواجَهُنَّ.
﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ: فَعَلْنَ فاحِشَةً وهي الزِّنا.
﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًَا.
﴿نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ: الحَرائِرِ الأبْكارِ.
﴿مِنَ العَذابِ﴾ مِنَ الحَدِّ الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ كَما هو كَذَلِكَ قَبْلَ الإحْصانِ، فالمُرادُ بَيانُ عَدَمِ تَفاوُتِ حَدِّهِنَّ بِالإحْصانِ كَتَفاوُتِ حَدِّ الحَرائِرِ، فالفاءُ في "فَإنْ أتَيْنَ" جَوابُ "إذا" والثّانِيَةُ جَوابُ "إنْ" والشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ الأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: "إذا أتَيْتَنِي فَإنْ لَمْ أُكْرِمْكَ فَعَبْدِي حُرٌّ".
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: نِكاحُ الإماءِ.
﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِمَن خافَ وُقُوعَهُ في الإثْمِ الَّذِي تُؤَدِّي إلَيْهِ غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ، وأصْلُ العَنَتِ: انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ يَعْتَرِي الإنْسانَ بَعْدَ (p-168)صَلاحِ حالِهِ ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ المَآثِمِ بِارْتِكابِ أفْحَشِ القَبائِحِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الحَدُّ لِأنَّهُ إذا هَوِيَها يَخْشى أنْ يُواقِعَها فَيُحَدَّ، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِحالِ المُؤْمِنِ دُونَ الثّانِي لِإيهامِهِ أنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُ الحَدُّ لا ما يُوجِبُهُ.
﴿وَأنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَنْ نِكاحِهِنَّ مُتَعَفِّفِينَ كافِّينَ أنْفُسَكم عَمّا تَشْتَهِيهِ مِنَ المَعاصِي.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ وإنْ سَبَقَتْ كَلِمَةُ الرُّخْصَةِ فِيهِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّما حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأمَةٍ فَقَدْ أرَقَّ نِصْفَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما نِكاحُ الأمَةِ مِنَ الزِّنا إلّا قَرِيبٌ ولِأنَّ حَقَّ المَوْلى فِيها أقْوى فَلا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ ولِأنَّ المَوْلى يَقْدِرُ عَلى اسْتِخْدامِها كَيْفَما يُرِيدُ في السَّفَرِ والحَضَرِ وعَلى بَيْعِها لِلْحاضِرِ والبادِي وفِيهِ مِنِ اخْتِلالِ حالِ الزَّوْجِ وأوْلادِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولِأنَّها مُمْتَهَنَةٌ مُبْتَذَلَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ وذَلِكَ كُلُّهُ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ إلى النّاكِحِ والعِزَّةُ هي اللّائِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ ولِأنَّ مَهْرَها لِمَوْلاها فَلا تَقْدِرُ عَلى التَّمَتُّعِ بِهِ ولا عَلى هِبَتِهِ لِلزَّوْجِ فَلا يَنْتَظِمُ أمْرُ المَنزِلِ. وقَدْ قالَ ﷺ: « "الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ والإماءُ هَلاكُ البَيْتِ".» ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْ نِكاحِهِنَّ وما في ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُنافِيَةِ لِحالِ المُؤْمِنِينَ.
﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ ولِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في نِكاحِهِنَّ.
4:26Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ وبَيانِ كَوْنِها جارِيَةً عَلى مَناهِجِ المُهْتَدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، قِيلَ: أصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ "يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ" فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ ومَفْعُولُ "يُبَيِّنَ" مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِشَهادَةِ السِّباقِ والسِّياقِ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكم ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكم أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: مَفْعُولُ "يُرِيدُ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللَّهُ تَشْرِيعَ ما شَرَعَ مِنَ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ لِأجْلِ التَّبْيِينِ لَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ ويُعْزى إلى سِيبَوَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ اللّامَ بِنَفْسِها ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارِ أنْ وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ فَإنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ أنْ في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، فَيُقالُ: أرَدْتُ لِأذْهَبَ وأنْ أذْهَبَ وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ وأنْ تَقُومَ. قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ وفي مَوْضِعٍ ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ﴾ وفي آخَرَ ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ: أنْ أعْدِلَ بَيْنَكُمْ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ وقالُوا: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ هي الجَرُّ والنَّصْبُ فِيما قالُوا بِإضْمارِ أنْ، أيْ: أُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ويُرِيدُونَ ما يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا. وقِيلَ: يُؤَوَّلُ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ اللّامِ بِمَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ بِالِابْتِداءِ ويُجْعَلُ ما بَعْدَهُ خَبَرًَا لَهُ كَما في "تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ" أيْ: أنْ تَسْمَعَ بِهِ ويُعْزى بِهِ هَذا الرَّأْيُ إلى بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِتَقْتَدُوا بِهِمْ.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إذا تُبْتُمْ إلَيْهِ تَعالى عَمّا يَقَعُ مِنكم مِنَ التَّقْصِيرِ والتَّفْرِيطِ في مُراعاةِ ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنَ الشَّرائِعِ - فَإنَّ المُكَلَّفَ قَلَّما يَخْلُو مِن تَقْصِيرٍ يَسْتَدْعِي تَلافِيَهُ بِالتَّوْبَةِ - ويَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم أوْ يُرْشِدُكم إلى ما يَرْدَعُكم عَنِ المَعاصِي ويَحُثُّكم عَلى التَّوْبَةِ أوْ إلى ما يَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِكُمْ، ولَيْسَ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ حَتّى يَتَخَلَّفَ مُرادُهُ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ فِيمَن لَمْ يَتُبْ مِنهم بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصُلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها (p-169)ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ.
﴿حَكِيمٌ﴾ مُراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ.
4:27Page 83
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَمالِ مَنفَعَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى وكَمالِ مَضَرَّةِ ما يُرِيدُ الفَجَرَةُ، لا لِبَيانِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلتَّقْرِيرِ ولِذَلِكَ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دِلالَةً عَلى دَوامِ الإرادَةِ ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى الحُدُوثِ ولِلْإيماءِ إلى كَمالِ المُبايَنَةِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةِ والمُرادُ بِمُتَّبِعِي الشَّهَواتِ: الفَجَرَةُ فَإنَّ اتِّباعَها الِائْتِمارُ بِها وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنَ المُشَهَّياتِ دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: هُمُ المَجُوسُ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ مِنَ الأبِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: فَإنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ وبِنْتَ العَمَّةِ مَعَ أنَّ العَمَّةَ والخالَةَ عَلَيْكم حَرامٌ فانْكِحُوا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ فَنَزَلَتْ.
﴿أنْ تَمِيلُوا﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ واسْتِحْلالِ المُحَرَّماتِ وتَكُونُوا زُناةً مِثْلَهُمْ، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ.
﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ بِلا اسْتِحْلالٍ.
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِما مَرَّ مِنَ الرُّخَصِ ما في عُهْدَتِكم مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عاجِزًَا عَنْ مُخالَفَةِ هَواهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُقابَلَةِ دَواعِيهِ وقُواهُ حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولا يَسْتَخْدِمُ قُواهُ في مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ ضَعْفُ الخِلْقَةِ ولا يُساعِدُهُ المَقامُ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ ولَيْسَ لِضَعْفِ البِنْيَةِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ وإنَّما الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّخْفِيفُ في العِباداتِ الشّاقَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ضَعْفُهُ في أمْرِ النِّساءِ خاصَّةً حَيْثُ لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن بَنِي آدَمَ قَطُّ إلّا أتاهم مِن قِبَلِ النِّساءِ فَقَدْ أتى عَلَيَّ ثَمانُونَ سَنَةً وذَهَبَتْ إحْدى عَيْنىَّ وأنا أعْشُو بِالأُخْرى وإنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلىَّ فِتْنَةُ النِّساءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "وَخَلَقَ الإنْسانَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والضَّمِيرُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَمانِي آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾، ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ .
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم (p-170)بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ الحُرُماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأبْضاعِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ والمُرادُ بِالباطِلِ: ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالغَصْبِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ والقِمارِ وعُقُودِ الرِّبا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحْهُ الشَّرْعُ، أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ.
﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ و"عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"تِجارَةً" أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً صادِرَةً عَنْ تَراضٍ كَما في قَوْلِهِ:
؎ إذا كانَ يَوْمًَا ذا كَواكِبَ أشْنَعًَا
أيْ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًَا إلَخْ أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، وقُرِئَ "تِجارَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ: ولَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ أيْ: وُقُوعَها أوْ ولَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيانِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها مُعْظَمَها وأغْلَبَها وُقُوعًَا وأوْفَقَها لِذَوِي المُرُوءاتِ، والمُرادُ بِالتَّراضِي: مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ فِيما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حالَةَ الِافْتِراقِ عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: مَن كانَ مِن جِنْسِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ كُلَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ: تَقْتُلُوا إخْوانَكُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِهِمْ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَفْعَلُهُ عاقِلٌ أوْ لا تُهْلِكُوا أنْفُسَكم بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ بِاقْتِرافِ ما يُفْضِي إلَيْهِ فَإنَّهُ القَتْلُ الحَقِيقِيُّ لَها كَما يُشْعِرُ بِهِ إيرادُهُ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الحَرامِ فَيَكُونُ مُقَرِّرًَا لِلنَّهْيِ السّابِقِ. وقِيلَ: لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِالبَخْعِ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ أوْ بِارْتِكابِ ما يُؤَدِّي إلى القَتْلِ مِنَ الجِناياتِ. وقِيلَ: بِإلْقائِها في التَّهْلُكَةِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ تَأوَّلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِخَوْفِ البَرْدِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ. وقُرِئَ "وَلا تُقَتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ وقَدْ جُمِعَ في التَّوْصِيَةِ بَيْنَ حِفْظِ النَّفْسِ وحِفْظِ المالِ لِما أنَّهُ شَقِيقُها مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقِوامِها وتَحْصِيلِ كَمالاتِها واسْتِيفاءِ فَضائِلِها وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ ولِذَلِكَ نَهاكم عَمّا نَهى فَإنَّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكم بِالزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي ولِلَّذِينَ هم في مَعْرِضِ التَّعَرُّضِ لَهم بِحِفْظِ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًَا حَيْثُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًَا لِخَطاياهم ولَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ.
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القَتْلِ خاصَّةً أوْ لِما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِما في الفَسادِ.
﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ أيْ: إفْراطًَا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ وإتْيانًَا بِما لا يَسْتَحِقُّهُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ بِالظُّلْمِ والظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ عَلى العِلِيَّةِ أىْ مُعْتَدِيًَا وظالِمًَا أوْ لِلْعُدْوانِ والظُّلْمِ، وقُرِئَ "عِدْوانًَا" بِكَسْرِ العَيْنِ.
﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ أىْ: نُدْخِلُهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن صَلّى وبِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ يَصْلِيهِ ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ ويُصْلِيهِ بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلْيِ.
﴿نارًا﴾ أيْ: نارًَا مَخْصُوصَةً هائِلَةً شَدِيدَةَ العَذابِ.
﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ.
﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِتَحَقُّقِ الدّاعِي وعَدَمِ الصّارِفِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
(p-171)﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ الشَّرْعُ عَنْها مِمّا ذُكِرَ هَهُنا ومالَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ "كَبِيرَ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وقُرِئَ بِالياءِ بِالإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى والتَّكْفِيرُ: إماطَةُ المُسْتَحَقِّ مِنَ العِقابِ بِثَوابٍ أزْيَدَ أوْ بِتَوْبَةٍ، أيْ: نَغْفِرْ لَكم.
﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ صَغائِرَكم ونَمْحُها عَنْكُمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّلاةُ إلى الصَّلاةِ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ مِنَ الصَّغائِرِ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ، واخْتُلِفَ في الكَبائِرِ والأقْرَبُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ الشّارِعُ عَلَيْهِ الحَدَّ أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ، وقِيلَ: ما عُلِمَ حُرْمَتُهُ بِقاطِعٍ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "أنَّها سَبْعٌ الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى وقَذْفُ المُحْصَناتِ وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ والرِّبا والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ"،» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّعَقُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَكانَ عُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وزادَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما السحر واسْتِحْلالَ البَيْتِ الحَرامِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًَا قالَ لَهُ: الكَبائِرُ سَبْعٌ؛ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ، ورُوِيَ عَنْهُ إلى سَبْعِينَ إذْ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أنْواعُ الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقِيلَ: صِغَرُ الذُّنُوبِ وكِبَرُها بِالإضافَةِ إلى ما فَوْقَها وما تَحْتَها وبِحَسَبِ فاعِلِها بَلْ بِحَسَبِ الأوْقاتِ والأماكِنِ أيْضًَا، فَأكْبَرُ الكَبائِرِ الشِّرْكُ وأصْغَرُ الصَّغائِرِ حَدِيثُ النَّفْسِ وما بَيْنَهُما وسايِطُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الأمْرانِ فَمَن عَنَّ لَهُ أمْرانِ مِنها ودَعَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِما بِحَيْثُ لا يَتَمالَكُ فَكَفَّها عَنْ أكْبَرِهِما كُفِّرَ عَنْهُ ما ارْتَكَبَهُ لِما اسْتَحَقَّ عَلى اجْتِنابِ الأكْبَرِ مِنَ الثَّوابِ.
﴿وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا﴾ بِضَمِّ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ هو الجَنَّةُ.
﴿كَرِيمًا﴾ أيْ: حَسَنًَا مَرْضِيًَّا أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: إدْخالًَا مَعَ كَرامَةٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وهو أيْضًَا يَحْتَمِلُ المَكانَ والمَصْدَرَ ونَصْبُهُ عَلى الثّانِي بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُطاوِعٍ لِلْمَذْكُورِ، أيْ: نُدْخِلْكم فَتَدْخُلُونَ مُدْخَلًَا أوْ دُخُولًَا كَرِيمًَا كَما في قَوْلِهِ:
؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدْعَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ إلَخْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences