Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:46–50

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:46–50

4:46Page 86

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦

Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قِيلَ: هو بَيانٌ لِأعْدائِكم وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ الَّذِي حَقُّهُ العُمُومُ والإطْلاقُ وانْتِظامُ ما هو المَقْصُودُ في المَقامِ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو صِلَةٌ لِـ"نَصِيرًَا" أيْ: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ ما فِيهِ مِن تَحْجِيرِ واسِعِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَيْسَ بِوَصْفٍ مُلائِمٍ لِلنَّصْرِ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةً لَهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ أوْ فَرِيقٌ يُحَرِّفُونَ إلَخْ وفِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لِاشْتِرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، فالَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ (p-183)التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ المُتَناوِلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ قَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهم وتَحْذِيرِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ والِاهْتِمامِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانٌ لِاشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ ضَلالَتِهِمْ وقَدْ رُوعِيَتْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ طَرِيقَةُ التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ إثْرَ الإجْمالِ و"ما" لِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ والكَلِمُ اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ كَلِمَةٌ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ إفْرادِهِ لَفْظًَا وجَمْعِيَّةُ مَواضِعِهِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنىً، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ كِلْمَةٍ تَخْفِيفُ كَلِمَةٍ، وقُرِئَ "يُحَرِّفُونَ الكَلامَ"، والمُرادُ بِهِ: هَهُنا إمّا ما في التَّوْراةِ خاصَّةً وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ المَعْهُودَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا مَساغَ لِإرادَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ خاصَّةً بِأنْ يُجْعَلَ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ إلَخْ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفًَا تَفْسِيرِيًَّا لِما سَتَقِفُ عَلى سِرِّهِ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الأوَّلُ كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ فَتَحْرِيفُهُ إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ في نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ أسْمَرَ رَبْعَةٍ عَنْ مَوْضِعِهِ في التَّوْراةِ بِأنْ وضَعُوا مَكانَهُ آدَمَ طُوالًَا وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ بِوَضْعِهِمْ بَدَلَهُ الحَدَّ أوْ صَرْفِهِ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ المُلائِمَةِ لِشَهَواتِهِمِ الباطِلَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الثّانِي فَلا بُدَّ مِن أنْ يُرادَ بِمَواضِعِهِ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًَا كَمَواضِعِ ما في التَّوْراةِ أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ أوِ الدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَقَوْلُهم سَمِعْنا وعَصَيْنا يَنْبَغِي أنْ يَجْرِيَ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ ولا تَخْصِيصٍ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ بَلْ وأنْ يُحْمَلَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ القَوْلِ الحَقِيقِيِّ ومِمّا يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ فَإنَّ مَن لا يَتَفَوَّهُ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجِنايَةِ وإلّا فَحَمْلُهُ عَلى ما قالُوهُ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ القَبائِحِ خاصَّةً يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ حُكْمِ الشَّرْطِيَّةِ الآتِيَةِ وما بَعْدَها بِهِنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَحْرِيفِهِمُ التَّوْراةَ مَعَ أنَّهُ مُعْظَمُ جِنايَتِهِمِ المَعْدُودَةِ ومِن هَهُنا انْكَشَفَ لَكَ السِّرُّ المَوْعُودُ فَتَأمَّلْ، أيْ: يَقُولُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ لا بِلِسانِ المَقالِ أوِ الحالِ سَمِعْنا وعَصَيْنا عِنادًَا وتَحْقِيقًَا لِلْمُخالَفَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى سَمِعْنا وعَصَيْنا داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ، أيْ: ويَقُولُونَ ذَلِكَ في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ ﷺ خاصَّةً وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًَا أصْلًَا بِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أيْ: مَدْعُوًَّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًَا تَرْضاهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًَا كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ مُظْهِرِينَ لَهُ ﷺ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ وهم مُضْمِرُونَ في أنْفُسِهِمُ المَعْنى الأوَّلَ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ.

﴿وَراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى "اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ" أيْ: ويَقُولُونَ في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا أيْضًَا يُورِدُونَ كُلًَّا مِنَ العَظائِمِ الثَّلاثِ في مَواقِعِها وهي أيْضًَا كَلِمَةٌ ذاتُ وجْهَيْنِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْخَيْرِ بِحَمْلِها عَلى مَعْنى ارْقُبْنا وانْظُرْنا نُكَلِّمْكَ ولِلشَّرِّ بِحَمْلِها عَلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ، أيِ: الحُمْقِ أوْ بِإجْرائِها مَجْرى ما يُشْبِهُها مِن كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ أوْ سُرْيانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها وهي راعِينا كانُوا يُخاطِبُونَهُ ﷺ بِذَلِكَ يَنْوُونَ الشَّتِيمَةَ والإهانَةَ ويُظْهِرُونَ التَّوْقِيرَ والِاحْتِرامَ ومَصِيرُهم إلى مَسْلَكِ النِّفاقِ في (p-184)القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالعِصْيانِ في الأوَّلِ لِما قالُوا مِن أنَّ جَمِيعَ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ الأوَّلَ فِيما بَيْنَهم. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ جُعِلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ.

﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ: فَتْلًَا بِها وصَرْفًَا لِلْكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى نِسْبَةِ السَّبِّ حَيْثُ وضَعُوا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَوْضِعَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًَا وأجْرَوْا راعِنا المُشابِهَةَ لِراعِينا مَجْرى انْظُرْنا أوْ فَتْلًَا بِها وضَمًَّا لِما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الدُّعاءِ والتَّوْقِيرِ إلى ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ السَّبِّ والتَّحْقِيرِ.

﴿وَطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ: قَدْحًَا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِّيَّةِ لِ "يَقُولُونَ" بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ إلى السَّبِّ والطَّعْنِ في الدِّينِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ في الدِّينِ.

﴿وَلَوْ أنَّهُمْ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًَا مِن أوامِرِ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ.

﴿قالُوا﴾: بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ مَكانَ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا.

﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ إنَّما أُعِيدَ سَمِعْنا مَعَ أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في كَلامِهِمْ وإنَّما الحاجَةُ إلى وضْعِ أطَعْنا مَكانَ عَصَيْنا لا لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ بَلْ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ. كَيْفَ لا؟ وسَماعُهم سَماعُ الرَّدِّ ومُرادُهم بِحِكايَتِهِ إعْلامَ عِصْيانِهِمْ لِلْأمْرِ بَعْدَ سَماعِهِ والوُقُوفِ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن إزالَتِهِ وإقامَةِ سَماعِ القَبُولِ مَقامَهُ.

﴿واسْمَعْ﴾ أيْ: لَوْ قالُوا عِنْدَ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِمُ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ اسْمَعْ.

﴿وانْظُرْنا﴾ أيْ: ولَوْ قالُوا ذَلِكَ بَدَلَ قَوْلِهِمْ راعِنا ولَمْ يَدُسُّوا تَحْتَ كَلامِهِمْ شَرًَّا وفَسادًَا، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّهم قالُوا هَذا مَكانَ ما قالُوا مِنَ الأقْوالِ.

﴿لَكانَ﴾ قَوْلُهم ذَلِكَ.

﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوا.

﴿وَأقْوَمَ﴾ أيْ: أعْدَلُ وأسَدُّ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها واعْتِبارِ أصْلِ الفَضْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ وإنَّما قُدِّمَ في البَيانِ حالُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ لِأنَّ هِمَمَهم مَقْصُورَةٌ عَلى ما يَنْفَعُهم.

﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِذَلِكَ.

﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ.

﴿إلا قَلِيلا﴾ قِيلَ: أيْ: إلّا إيمانًَا قَلِيلًَا لا يُعْبَأُ بِهِ وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ أوْ إلّا زَمانًَا قَلِيلًَا وهو زَمانُ الِاحْتِضارِ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وكِلاهُما لَيْسَ بِإيمانٍ قَطْعًَا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ أيْ: إنْ كانَ الإيمانُ المَعْدُومُ إيمانًَا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًَا مِنَ الإيمانِ فَهو في المَعْنى تَعْلِيقٌ بِالمُحالِ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الكُلَّ يَأْباهُ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإيمان بالقرآن النّاطِقِ بِهَذا لِإفْضائِهِ إلى التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ الَّذِي هو إيمانُهم بِعَدَمِ إيمانِهِمِ المُسْتَمِرِّ أمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ أمْرَهم بِالإيمانِ المُنْجَزِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ والرُّسُلِ تَكْلِيفٌ لَهم بِإيمانِهِمْ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ وبِعَدَمِ إيمانِهِمْ إلى وقْتِ الِاحْتِضارِ، فالوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ القَلِيلُ عَلى مَن يُؤْمِنُ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنْ لا يُجْعَلُ المُسْتَثْنى مِنهُ ضَمِيرَ الفاعِلِ في "لا يُؤْمِنُونَ" لِإفْضائِهِ إلى وُقُوعِ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ مَعَ ما فِيهِ مِن نِسْبَةِ القُرّاءِ إلى الِاتِّفاقِ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ بَلْ بِجَعْلِهِ ضَمِيرَ المَفْعُولِ في "لَعَنَهُمْ" أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إلّا فَرِيقًَا قَلِيلًَا فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَلْعَنْهم فَلَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِمْ بابُ الإيمانِ وقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنَ الأحْبارِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما كَما سَيَأْتِي.

4:47Page 86

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.

(p-185)﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إمّا إلى مَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم خاصَّةً بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، ووَصْفُهم تارَةً بِإيتاءِ الكِتابِ أيِ: التَّوْراةِ وأُخْرى بِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنها لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ، فَإنَّ المَقْصُودَ فِيما سَبَقَ بَيانُ أخْذِهِمُ الضَّلالَةَ وإزالَةُ ما أُوتُوهُ بِمُقابَلَتِها بِالتَّحْرِيفِ ولَيْسَ ما أزالُوهُ بِذَلِكَ كُلَّها حَتّى يُوصَفُوا بِإيتائِهِ بَلْ هو بَعْضُها فَوُصِفُوا بِإيتائِهِ، وأمّا هَهُنا فالمَقْصُودُ تَأْكِيدُ إيجابِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ الَّذِي يَعْقُبُهُ والتَّحْذِيرُ عَنْ مُخالَفَتِهِ مِن حَيْثُ أنَّ الإيمان بالمُصَدِّقِ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ بِما يُصَدِّقُهُ والكُفْرَ بِالثّانِي مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ بِالأوَّلِ قَطْعًَا، ولا رَيْبَ في أنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم إنَّما هو لُزُومُ الكُفْرِ بِالتَّوْراةِ نَفْسِها لا بِبَعْضِها وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِجَعْلِ القرآن مُصَدِّقًَا لِكُلِّها وإنْ كانَ مَناطُ التَّصْدِيقِ بَعْضًَا مِنها ضَرُورَةَ أنَّ مُصَدِّقَ البَعْضِ مُصَدِّقٌ لِلْكُلِّ المُتَضَمِّنِ لَهُ حَتْمًَا وإمّا إلَيْهِمْ وإلى غَيْرِهِمْ قاطِبَةً وهو الأظْهَرُ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَتَفْصِيلُ ما فُصِّلَ: لِما كانَ مِن مَظانِّ إقْلاعِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهِدايَةِ مَشْفُوعًَا بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ فَقِيلَ: ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ مِنَ القرآن، عَبَّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ تَشْرِيفًَا لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَحْقِيقًَا لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ فَإنَّ المَعِيَّةَ المُسْتَدْعِيَةَ لِدَوامِ تِلاوَتِها وتَكَرُّرِ المُراجَعَةِ إلَيْها مِن مُوجِباتِ العُثُورِ عَلى ما في تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القرآن مُصَدِّقًَا لَها ومَعْنى تَصْدِيقِهِ إيّاها نُزُولُهُ حَسْبَما نُعِتَ لَهم فِيها أوْ كَوْنُهُ مُوافِقًَا لَها في القِصَصِ والمَواعِيدِ والدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ، وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَها في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأُمَمِ والأعْصارِ فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ بَلْ هي عَيْنُ المُوافَقَةِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًَّا مِنها حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَأخِّرِ ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ قَطْعًَا، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: « "لَوْ كانَ مُوسى حَيًَّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي".» ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ بِهِ والجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ لَمْ يُعَلَّقْ وُقُوعُ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ ولَمْ يُصَرَّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ الوُجُوهِ المُفِيدِ لِلتَّكْثِيرِ تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ وفي إبْهامِها لُطْفٌ بِالمُخاطَبِينَ وحُسْنُ اسْتِدْعاءٍ لَهم إلى الإيمانِ وأصْلُ الطَّمْسِ مَحْوُ الآثارِ وإزالَةُ الأعْلامِ، أيْ: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها ونُزِيلَ آثارَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: نُعْمِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ . وقِيلَ: نَجْعَلُها مَنابِتَ الشَّعْرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ.

﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فالفاءُ لِلتَّسْبِيبِ أوْ نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ فَنَرُدَّها إلى مَوْضِعِ (p-186)الأقْفاءِ والأقْفاءَ إلى مَوْضِعِها، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أشَدِّهِما فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ: الوُجَهاءُ عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ فَنَسْلُبَ إقْبالَهم ووَجاهَتَهم ونَكْسُوَهم صَغارًَا وأدْبارًَا أوْ نَرُدَّهم مِن حَيْثُ جاءُوا مِنهُ وهي أذْرِعاتُ الشّامِ فالمُرادُ بِذَلِكَ: إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ الوَعِيدِ وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ لِلْجَمِيعِ فالوَجْهُ ما سَبَقَ مِنَ الوُجُوهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ الوَعِيدَ هَلْ كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؛ فَقِيلَ: كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا قَدِمَ مِنَ الشّامِ وقَدْ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي إلى قَفايَ، وفي رِوايَةٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَدُهُ عَلى وجْهِهِ وأسْلَمَ وقالَ ما قالَ، وكَذا ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى كَعْبِ الأحْبارِ فَقالَ كَعْبٌ: يا رَبُّ آمَنتُ يا رَبُّ أسْلَمْتُ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ وعِيدُها ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ ولابُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ ومَسْخٍ وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ وفِيهِ أنَّ انْصِرافَ العَذابِ المَوْعُودِ عَنْ أوائِلِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ باشَرُوا أسْبابَ نُزُولِهِ ومُوجِباتِ حُلُولِهِ حَيْثُ شاهَدُوا شَواهِدَ النُّبُوَّةِ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَذَّبُوها وفي التَّوْراةِ فَحَرَّفُوها وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَعَلَّقَ بِهِمْ خِطابُ المُشافَهَةِ بِالوَعِيدِ ثُمَّ نُزُولَهُ عَلى مَن وُجِدَ بَعْدَ مِئاتٍ مِنَ السِّنِينَ مِن أعْقابِهِمُ الضّالِّينَ بِإضْلالِهِمُ العالَمِينَ بِما مَهَّدُوا مِن قَوانِينِ الغِوايَةِ بَعِيدٌ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ الحَكِيمِ. وقِيلَ: إنَّ وُقُوعَهُ كانَ مَشْرُوطًَا بِعَدَمِ الإيمانِ وقَدْ آمَنَ مِن أحْبارِهِمُ المَذْكُورانِ وأضْرابُهُما فَلَمْ يَقَعْ وفِيهِ أنَّ إسْلامَ بَعْضِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًَا لِتَأكُّدِ نُزُولِ العَذابِ عَلى الباقِينَ لِتَشْدِيدِهِمُ النَّكِيرَ والعِنادَ بَعْدَ ازْدِيادِ الحَقِّ وُضُوحًَا وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ أماثِلِهِمُ العُدُولِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَكُونَ سَبَبًَا لِرَفْعِهِ عَنْهُمْ، وقِيلَ: كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في وُقُوعِ الثّانِي، كَيْفَ لا؟ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ في كُلِّ زَمانٍ وتَفْسِيرُ اللَّعْنِ بِالمَسْخِ لَيْسَ بِمُقَرَّرٍ البَتَّةَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ اللَّعْنِ المُشَبَّهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ هو المَسْخُ ولَيْسَ في عَطْفِهِ عَلى الطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ شائِبَةُ دِلالَةٍ عَلى عَدَمِ إرادَةِ المَسْخِ ضَرُورَةَ أنَّهُ تَغْيِيرٌ مُغايِرٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى أنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أمْرًَا حادِثًَا مُتَرَتِّبًَا عَلى الوَعِيدِ مَحْذُورًَا عِنْدَهم لِيَكُونَ مَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرِ ولَمْ يُعْهَدْ أنَّهُ وقَعَ عَلَيْهِمْ لَعْنٌ بِهَذا الوَصْفِ إنَّما الواقِعُ عَلَيْهِمْ ما تَداوَلَتْهُ الألْسِنَةُ مِنَ اللَّعْنِ المُسْتَمِرِّ الَّذِي ألِفُوهُ وهو بِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَةِ أنْ يَكُونَ حُكْمًَا لِهَذا الوَعِيدِ أوْ مَزْجَرَةً لِلْعَنِيدِ. وقِيلَ: إنَّما كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحَشْرِ وسَيَقَعُ فِيها لا مَحالَةَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ فَمَبْنِيٌّ عَلى الِاحْتِياطِ اللّائِقِ بِشَأْنِهِما، والحَقُّ أنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لَيْسَ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ بَلِ المُتَبادِرُ مِنهُ بِحَسَبِ المَقامِ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ وعَلَيْهِ مَبْنِيٌّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَّضِحْ وُقُوعُهُ عُلِمَ أنَّ المُرادَ هو الثّانِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وأيًَّا ما كانَ؛ فَلَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ مِن بَيْنِ العُقُوباتِ مُراعاةُ المُشاكَلَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما أوْجَبَها مِن جِنايَتِهِمُ الَّتِي هي التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ واللَّهُ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ.

﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ كائِنًَا ما كانَ أوْ أمْرُهُ بِإيقاعِ شَيْءٍ ما مِنَ الأشْياءِ.

﴿مَفْعُولا﴾ نافِذًَا كائِنًَا لا مَحالَةَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ (p-187)دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَقْوِيَةِ ما في الِاعْتِراضِ مِنَ الاسْتِقْلالِ.

4:48Page 86

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِالإيمانِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بِدُونِهِ فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحْرِيفِ ويَطْمَعُونَ في المَغْفِرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوُا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ: عَلى التَّحْرِيفِ.

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ والمُرادُ بِالشِّرْكِ: مُطْلَقُ الكُفْرِ المُنْتَظِمِ لِكُفْرِ اليَهُودِ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ في النّارِ ونُزُولُهُ في حَقِّ اليَهُودِ كَما قالَ مُقاتِلٌ وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَهُ بِكُفْرِهِمْ بَلْ يَكْفِي انْدِراجُهُ فِيهِ قَطْعًَا بَلْ لا وجْهَ لَهُ أصْلًَا لِاقْتِضائِهِ جَوازَ مَغْفِرَةِ ما دُونُ كُفْرِهِمْ في الشِّدَّةِ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، أيْ: لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ لِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ ولِأنَّ ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إنَّما يَسْتُرُها نُورُ الإيمانِ فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمانٌ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ إنَّ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِهِ في الذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ وكَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ، أيْ: ويَغْفِرُ ما دُونَهُ في القُبْحِ مِنَ المَعاصِي صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً تَفَضُّلًَا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًَا مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ عَنْها لَكِنْ لا لِكُلِّ أحَدٍ بَلْ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ فَقَطْ لا بِما فَوْقَهُ فَإنَّ مَغْفِرَتَهُما لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِما سَواءً في اسْتِحالَةِ الدُّخُولِ تَحْتَ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ مَغْفِرَةِ المَعاصِي مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بِأهْلِ الإيمانِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ والزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، ومَن عَلَّقَ المَشِيئَةَ بِكِلا الفِعْلَيْنِ وجَعَلَ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةً عَمَّنْ لَمْ يَتُبْ والثّانِي عَمَّنْ تابَ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ الصَّوابِ. كَيْفَ لا؟ وأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ كَمالِ عِظَمِ جَرِيمَةِ الكُفْرِ وامْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ المَعاصِي بِبَيانِ اسْتِحالَةِ مَغْفِرَتِهِ وجَوازِ مَغْفِرَتِها فَلَوْ كانَ الجَوازُ عَلى تَقْدِيرِ التَّوْبَةِ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُما فَرْقٌ لِلْإجْماعِ عَلى مَغْفِرَتِهِما بِالتَّوْبَةِ ولَمْ يَحْصُلْ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الزَّجْرِ البَلِيغِ عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ والحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ.

﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ الإشْراكِ وتَفْظِيعِ حالِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ.

﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ: افْتَرى واخْتَلَقَ مُرْتَكِبًَا إثْمًَا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ويُسْتَحْقَرُ دُونَهُ جَمِيعُ الآثامِ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًَا.

4:49Page 86

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمِ المُنافِيَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، والمُرادُ بِهِمُ: اليَهُودُ الَّذِينَ يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقِيلَ: ناسٌ مِنَ اليَهُودِ جاءُوا بِأطْفالِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ؟ فَقالَ ﷺ: لا قالُوا: ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ ما عَمِلْنا بِالنَّهارِ كُفِّرَ (p-188)عَنّا بِاللَّيْلِ وما عَمِلْنا بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ فَتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ العَظِيمِ أوْ مِنِ ادِّعائِهِمُ التَّكْفِيرَ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِلْكافِرِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِن إعْجابِ المَرْءِ بِنَفْسِهِ وبِعَمَلِهِ.

﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يُزَكُّونَها في الحَقِيقَةِ لِكَذِبِهِمْ وبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِمَّنْ يَسْتَأْهِلُها مِنَ المُرْتَضَيْنِ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ إذْ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ البَشَرُ مِنَ المَحاسِنِ والمَساوِي، وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِهِ مِنَ القَبائِحِ وأصْلُ التَّزْكِيَةِ نَفْيُ ما يُسْتَقْبَحُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ.

﴿وَلا يُظْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "قَدْ" حُذِفَتْ تَعْوِيلًَا عَلى دِلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإيذانًَا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ أيْ: يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفَعْلَةِ القَبِيحَةِ ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ.

﴿فَتِيلا﴾ أيْ: أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرَهُ وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: يُثابُ المُزَكُّونَ ولا يُنْقَصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْءٌ أصْلًَا ولا يُساعِدُهُ مَقامُ الوَعِيدِ.

4:50Page 86

ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠

Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ "كَيْفَ" نُصِبَ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ والعامِلُ "يَفْتَرُونَ" وبِهِ تَتَعَلَّقُ "عَلى" أيْ: في أيِّ حالٍ أوْ عَلى أيِّ حالٍ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ تَعالى الكَذِبَ، والمُرادُ بَيانُ شَناعَةِ تِلْكَ الحالِ وكَمالُ فَظاعَتِها والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ والنَّظَرُ مُتَعَلِّقٌ بِها وهو تَعْجِيبٌ إثْرَ تَعْجِيبٍ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مُتَضَمِّنٌ لِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلتَّعَجُّبِ؛ ادِّعاؤُهُمُ الاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ادِّعاءَهُمُ الزَّكاءَ عِنْدَهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ قَبُولَ اللَّهِ وارْتِضاءَهُ إيّاهم تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا، ولِكَوْنِ هَذا أشْنَعَ مِنَ الأوَّلِ جُرْمًَا وأعْظَمَ قُبْحًَا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ مِن قَبُولِ الكُفْرِ وارْتِضائِهِ لِعِبادِهِ ومَغْفِرَةِ كُفْرِ الكافِرِ وسائِرِ مَعاصِيهِ وُجِّهَ النَّظَرُ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًَا لِلتَّشْنِيعِ وتَأْكِيدًَا لِلتَّعْجِيبِ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًَا لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.

﴿وَكَفى بِهِ﴾ أيْ: بِافْتِرائِهِمْ هَذا مِن حَيْثُ هو افْتِراءٌ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُقارَنَتِهِ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ وسائِرِ آثامِهِمِ العِظامِ.

﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًَا بَيِّنًَا كَوْنُهُ إثْمًَا والمَعْنى: كَفى ذَلِكَ وحْدَهُ في كَوْنِهِمْ أشَدَّ إثْمًَا مِن كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ أوْ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العُقُوباتِ لِما مَرَّ سِرُّهُ وجَعْلُ الضَّمِيرِ لِزَعْمِهِمْ مِمّا لا مَساغَ لَهُ لِإخْلالِهِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الِافْتِراءِ فَتَدَبَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском