Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:4–10
4:4Page 77
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤
And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2
﴿وَآتُوُا النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أمَرَ بِنِكاحِهِنَّ.
﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةٍ وهي المَهْرُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الدّالِ عَلى التَّخْفِيفِ وبِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، جَمْعُ صُدْقَةٍ كَغُرْفَةٍ وبِضَمِّها عَلى التَّوْحِيدِ وهو تَثْقِيلُ صُدْقَةٍ كَظُلُمَةٍ في ظُلْمَةٍ.
﴿نِحْلَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّها مِمّا فَرَضَهُ اللَّهُ في النِّحْلَةِ، أيِ: المِلَّةِ والشِّرْعَةِ والدِّيانَةِ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّجّاجُ: تَدَيُّنًَا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: "نِحْلَةً" أيْ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَفَضُّلًَا مِنهُ عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنها أيْضًَا، وقِيلَ: عَطِيَّةً مِن جِهَةِ الأزْواجِ مِن نَحَلَهُ كَذا إذا أعْطاهُ إيّاهُ ووَهَبَهُ لَهُ عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ نِحْلَةً ونُحْلًَا، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ الإيتاءَ والنِّحْلَةَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وانْحِلُوُا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكم أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "آتُوا" أيْ: آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ أوْ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ، فالخِطابُ لِلْأزْواجِ. وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ مُهُورَ بَناتِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ هَنِيئًَا لَكَ النّافِجَةُ لِمَن يُولَدُ لَهُ بِنْتٌ يَعْنُونَ: تَأْخُذُ مَهْرَها فَتَنْفِجُ بِهِ مالَكَ، أيْ: تُعْظِمُهُ.
﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مُجْرى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ يُشارُ بِهِ إلى المُتَعَدِّدِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ المَعْدُودَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ:
؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّها وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّهُما قالَ: لَكِنِّي أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ أوْ لِلصَّداقِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ صَدُقاتِهِنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَآتُوُا النِّساءَ صَداقَهُنَّ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ حَيْثُ عَطَفَ "أكُنْ" عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ووَقَعَ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ وكَذا "عَنْ" لَكِنْ (p-144)بِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّجافِي والتَّجاوُزِ، و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: كائِنٍ مِنَ الصَّداقِ وفِيهِ بَعْثٌ لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ.
﴿نَفْسًا﴾ تَمْيِيزٌ، والتَّوْحِيدُ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الجِنْسِ، أيْ: إنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًَا مِنَ الصَّداقِ مُتَجافِيًَا عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبَثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم لَكِنْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الهِبَةِ والسَّماحَةِ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ إيذانًَا بِأنَّ العُمْدَةَ في الأمْرِ إنَّما هو طِيبُ النَّفْسِ وتَجافِيها عَنِ المَوْهُوبِ بِالمَرَّةِ.
﴿فَكُلُوهُ﴾ أيْ: فَخُذُوا ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي طابَتْ بِهِ نُفُوسُهُنَّ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًَا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.
﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ صِفَتانِ مِن هَنُؤَ الطَّعامُ ومَرُؤَ إذا كانَ سائِغًَا لا تَنْغِيصَ فِيهِ، وقِيلَ: الهَنِيءُ الَّذِي يُلِذُّهُ الأكْلُ والمَرِيءُ ما يُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقِيلَ: ما يَنْساغُ في مَجْراهُ الَّذِي هو المَرِيءُ وهو ما بَيْنَ الحُلْقُومِ إلى فَمِ المَعِدَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُرُوءِ الطَّعامِ فِيهِ، أيِ: انْسِياغِهِ ونَصْبُهُما عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًَا هَنِيئًَا مَرِيئًَا أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ: كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى كُلُوهُ ويُبْتَدَأُ هَنِيئًَا مَرِيئًَا عَلى الدُّعاءِ وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنْأً ومَرْأً وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ. ورُوِيَ أنَّ ناسًَا كانُوا يَتَأثَّمُونَ أنْ يَقْبَلَ أحَدُهم مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًَا مِمّا ساقَهُ إلَيْها فَنَزَلَتْ.
4:5Page 77
وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥
And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.
﴿وَلا تُؤْتُوُا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها ووَقْتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِنَّ - أعْنِي نِكاحَهُنَّ - وبَيانُ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِهِنَّ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًَا، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ نُهُوا أنْ يُؤْتُوُا المُبَذِّرِينَ مِنَ اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ وهي لِلْيَتامى لا نَظَرًَا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ كَما قِيلَ فَإنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِها بِالوَصْفِ الآتِي بَلْ تَنْزِيلًَا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًَا حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ. فَقِيلَ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًَا تَقُومُونَ بِهِ وتَنْتَعِشُونَ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوهُ لَضِعْتُمْ، ثُمَّ زِيدَ في المُبالَغَةِ حَتّى جُعِلَ ما بِهِ القِيامُ قِيامًَا فَكَأنَّها في أنْفُسِها قِيامُكم وانْتِعاشُكم. وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى الأوْلِياءِ لِأنَّها مِن جِنْسِ ما يُقِيمُ بِهِ النّاسُ مَعايِشَهم حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِها الخُصُوصِيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ بَلِ الجِنْسِيَّةُ الَّتِي هي مَعْنى ما يُقامُ بِهِ المَعاشُ وتَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ ويُدَّخَرُ لِأوْقاتِ الِاحْتِياجِ، وهي بِهَذا الِاعْتِبارِ لا تَخْتَصُّ بِاليَتامى.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا؟ والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ (p-145)الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ؛ فَإذَنْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًَا. وقُرِئَ "اللّاتِي" و"اللَّواتِي"، وقُرِئَ "قَيْمًَا" بِمَعْنى قِيامًَا كَما جاءَ عَوْذًَا بِمَعْنى عِياذًَا، وقُرِئَ "قِوامًَا" بِكَسْرِ القافِ وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ أوْ مَصْدَرُ قاوَمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِها.
﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيْ: واجْعَلُوها مَكانًَا لِرِزْقِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ كائِنًَا مَن كانَ، والمُرادُ: نَهْيُهُ عَنْ أنْ يُفَوِّضَ أمْرَ مالِهِ إلى مَن لا رُشْدَ لَهُ مِن نِسائِهِ وأوْلادِهِ ووُكَلائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًَا لَيِّنًَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: عِدُوهم عِدَةً جَمِيلَةً بِأنْ تَقُولُوا إذا صَلَحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ لِحُسْنِهِ شَرْعًَا أوْ عَقْلًَا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ فَهو مَعْرُوفٌ وما أنْكَرَتْهُ لِقُبْحِهِ شَرْعًَا أوْ عَقْلًَا فَهو مُنْكَرٌ.
4:6Page 77
وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦
And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.
﴿وابْتَلُوُا اليَتامى﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ أصْحابِها سُفَهاءً، أيْ: واخْتَبِرُوا مَن لَيْسَ مِنهم بَيِّنَ السَّفَهِ قَبْلَ البُلُوغِ بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في صَلاحِ الدِّينِ والِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ المالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، فَإنْ كانُوا مِن أهْلِ التِّجارَةِ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنَ المالِ ما يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بَيْعًَا وابْتِياعًَا، وإنْ كانُوا مِمَّنْ لَهُ ضِياعٌ وأهْلٌ وخَدَمٌ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنهُ ما يَصْرِفُونَهُ إلى نَفَقَةِ عَبِيدِهِمْ وخَدَمِهِمْ وأُجَرائِهِمْ وسائِرِ مَصارِفِهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفِيَّةُ أحْوالِهِمْ.
﴿حَتّى إذا بَلَغُوُا النِّكاحَ﴾ بِأنْ يَحْتَلِمُوا لِأنَّهم يَصْلُحُونَ عِنْدَهُ لِلنِّكاحِ.
﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ، وقُرِئَ "أحَسْتُمْ" بِمَعْنى أحْسَسْتُمْ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ خَلا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحَسْنَ بِهِ وهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ
﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيِ: اهْتِداءً إلى وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ مِن غَيْرِ عَجْزٍ وتَبْذِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ أوْ لِلِاعْتِدادِ بِمَبْدَئِيَّتِهِ لَهُ، والتَّنْوِينُ لِلدِّلالَةِ عَلى كِفايَةِ رُشْدٍ في الجُمْلَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وبِضَمِّهِما.
﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ الوارِدِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، ونَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ:
فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءَها ... بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ
وَما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ "بَلَغُوا" وجَوابُهُ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: وابْتَلُوُا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ لا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ أبَدًَا وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَنْتَظِرُ إلى خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِأنَّ البُلُوغَ بِالسِّنِّ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً فَإذا زادَتْ عَلَيْها سَبْعُ سِنِينَ - وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ لِما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-146)والسَّلامُ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» - دُفِعَ إلَيْهِ مالُهُ أُونِسَ مِنهُ رُشْدٌ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ.
﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفْرِطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبَرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إلَخْ، أيْ: مَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ غَنِيًَّا فَلْيَتَنَزَّهْ عَنْ أكْلِها ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى والرِّزْقِ إشْفاقًَا عَلى اليَتِيمِ وإبْقاءً عَلى مالِهِ.
﴿وَمَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.
﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ وخِدْمَتِهِ، وفي لَفْظِ الِاسْتِعْفافِ والأكْلِ بِالمَعْرُوفِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْوَصِيِّ حَقًَّا لِقِيامِهِ عَلَيْها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "أنَّ رَجُلًَا قالَ لَهُ: إنَّ في حِجْرِي يَتِيمًَا أفَآكُلُ مِن مالِهِ؟ قالَ: بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مالًَا ولا واقٍ مالَكَ بِمالِهِ".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما "إنَّ ولِيَّ يَتِيمٍ قالَ لَهُ: أفَأشْرَبُ مِن لَبَنِ إبِلِهِ؟ قالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها وتَلُوطُ حَوْضَها وتَهْنَأُ جِرْباها وتَسْقِيها يَوْمَ وُرُودِها فاشْرَبْ غَيْرَ مُضِلٍّ بِنَسْلٍ ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ". وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ "يَتَقَرَّمُ كَما تَتَقَرَّمُ البَهِيمَةُ ويُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ الأجِيرِ فِيما لابُدَّ مِنهُ". وعَنِ الشَّعْبِيِّ: "يَأْكُلُ مِن مالِهِ بِقَدْرِ ما يُعَيَّنُ فِيهِ وعَنْهُ كالمَيْتَةِ يَتَناوَلُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ويَقْضِي ". وعَنْ مُجاهِدٍ "يَسْتَسْلِفُ فَإذا أيْسَرَ أدّى". وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "إنْ شاءَ شَرِبَ فَضْلَ اللَّبَنِ ورَكِبَ الظَّهْرَ ولَبِسَ ما يَسْتُرُهُ مِنَ الثِّيابِ وأخَذَ القُوتَ ولا يُجاوِزُهُ فَإنْ أيْسَرَ قَضاهُ وإنْ أعْسَرَ فَهو في حِلٍّ". وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِيَ مِن مالِ اللَّهِ تَعالى مَنزِلَةَ ولِيِّ اليَتِيمِ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وإنِ افْتَقَرْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ وإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ". و"اسْتَعَفَّ" أبْلَغُ مِن "عَفَّ" كَأنَّهُ يَطْلُبُ زِيادَةَ العِفَّةِ.
﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ بَعْدَما راعَيْتُمُ الشَّرائِطَ المَذْكُورَةَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بِأنَّهم تَسَلَّمُوها وقَبَضُوها وبَرِئَتْ عَنْها ذِمَمُكم لِما أنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ وأنْفى لِلْخُصُومَةِ وأدْخَلُ في الأمانَةِ وبَراءَةِ السّاحَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ واجِبًَا عِنْدَ أصْحابِنا فَإنَّ الوَصِيَّ مُصَدَّقٌ في الدَّفْعِ مَعَ اليَمِينِ خِلافًَا لِمالِكَ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ: مُحاسِبًَا فَلا تُخالِفُوا ما أمَرَكم بِهِ ولا تُجاوِزُوا ما حَدَّ لَكم.
4:7Page 78
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧
For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ بِالأقْرَبِينَ: المُتَوارِثُونَ مِنهُمْ، و"مِن" في "مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نَصِيبٌ" أيْ: لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ وقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُها بِ "نَصِيبٌ".
﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ إيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِهِمْ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ. رُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ (p-147)خَلَّفَ زَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةٍ وثَلاثَ بَناتٍ فَزَوى ابْنا عَمِّهِ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ وعَرْفَجَةُ مِيراثَهُ عَنْهُنَّ عَلى سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَتْ أُمُّ كُحَّةٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقالَ: ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى فَنَزَلَتْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِما: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًَا ولَمْ يُبَيِّنْ فَلا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًَا حَتّى يُبَيِّنَ فَنَزَلَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَأعْطى أُمَّ كُحَّةٍ الثُّمُنَ والبَناتِ الثُّلُثَيْنِ والباقِي لِابْنىِ العَمِّ» وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن "ما" الأخِيرَةِ بِإعادَةِ الجارِّ وإلَيْها يَعُودُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، وهَذا البَدَلُ مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًَا مَحْذُوفٌ لِلتَّعْوِيلِ عَلى المَذْكُورِ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ وتَحْقِيقُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًَّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ.
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قِسْمَةً مَفْرُوضَةً أوْ عَلى الحالِيَّةِ إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ حالَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًَا أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ: أعْنِي نَصِيبًَا مَقْطُوعًَا مَفْرُوضًَا واجِبًَا لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ.
4:8Page 78
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨
And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.
﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ، وإنَّما قُدِّمَتْ مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًَا لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًَا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاوُبُ أطْرافِ الكَلامِ.
﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ.
﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ.
﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم شَيْئًَا مِنَ المالِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًَا لِقُلُوبِ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ وتَصَدُّقًَا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ ثُمَّ اخْتُلِفَ في نَسْخِهِ.
﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.
4:9Page 78
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩
And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ، أوْ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يُضَرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، أوْ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًَا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم ؟ أوْ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ،وَ "لَوْ" بِما في حَيِّزِها صِلَةٌ لِلَّذِينَ عَلى مَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ورَثَةً ضِعافًَا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ مِنهُ والعِلَّةِ فِيهِ، وبَعْثٌ عَلى (p-148)التَّرَحُّمِ وأنْ يُحِبَّ لِأوْلادِ غَيْرِهِ ما يُحِبُّ لِأوْلادِ نَفْسِهِ وتَهْدِيدٌ لِلْمُخالِفِ بِحالِ أوْلادِهِ، وقُرِئَ "ضُعَفاءَ" و"ضِعافى" و"ضَعافى".
﴿فَلْيَتَّقُوُا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَ ما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَإ والمُنْتَهى؛ إذْ لا نَفْعَ لِلْأوَّلِ بِدُونِ الثّانِي، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا لِلْيَتامى مِثْلَ ما يَقُولُونَ لِأوْلادِهِمْ بِالشَّفَقَةِ وحُسْنِ الأدَبِ أوْ لِلْمَرِيضِ ما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ ويُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ وكَلِمَةَ الشَّهادَةِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ عُذْرًَا ووَعْدًَا حَسَنًَا أوْ يَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ.
4:10Page 78
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠
Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ أوْ ظالِمِينَ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ.
﴿نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها، وعَنْ أبِي بَرَدَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى قَوْمًَا مِن قُبُورِهِمْ تَتَأجَّجُ أفْواهُهم نارًَا، فَقِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ".» ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أيْ: سَيَدْخُلُونَ نارًَا هائِلَةً مُبْهَمَةَ الوَصْفِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الياءِ مُخَفَّفًَا ومُشَدَّدًَا مِنَ الإصْلاءِ والتَّصْلِيَةِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ، وأصْلَيْتُهُ: ألْقَيْتُهُ فِيها، والسَّعِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٌ مِن سَعَرْتُ النّارَ إذا ألْهَبْتُها. رُوِيَ أنَّ آكِلَ مالِ اليَتِيمِ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ والدُّخانُ يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ ومِن فِيهِ وأنْفِهِ وأُذُنَيْهِ وعَيْنَيْهِ فَيَعْرِفُ النّاسُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ في الدُّنْيا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فاحْتَرَزُوا عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى بِالكُلِّيَّةِ فَصَعُبَ الأمْرُ عَلى اليَتامى، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ الآيَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences