Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:92–95
4:92Page 93
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢
And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لَهُ ولا لاقَ بِحالِهِ.
﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ رُبَّما يَقَعُ لِعَدَمِ دُخُولِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ تَحْتَ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَإ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَإ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًَا خَطَأً. وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى ولا، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا عَمْدًَا ولا خَطَأً. وقِيلَ: ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوْ إلى الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًَا أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ "خَطاءً" بِالمَدِّ، و"خَطًَا" كَعَصًَا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. رُوِيَ أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ خَوْفًَا مِن أهْلِهِ وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا يَأْوِيها سَقْفٌ حَتّى يَرْجِعَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحَرْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أنِيسَةَ فَأتَياهُ وهو في أُطُمٍ فَفَتَلَ مِنهُ أبُو جَهْلٍ في الذِّرْوَةِ والغارِبِ، وقالَ: ألَيْسَ مُحَمَّدٌ يَحُثُّكَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ انْصَرِفْ وبَرَّ أُمَّكَ وأنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى نَزَلَ وذَهَبَ مَعَهُما فَلَمّا فَسَحا مِنَ المَدِينَةِ كَتَّفاهُ وجَلَدَهُ فَقالَ لِلْحَرْثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حَرْثُ؟ لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًَا أنْ أقْتُلَكَ وقَدِما بِهِ عَلى أُمِّهِ فَحَلَفَتْ لا يُحَلُّ كِتافُهُ أوْ يَرْتَدُّ فَفَعَلَ بِلِسانِهِ ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأسْلَمَ الحَرْثُ وهاجَرَ فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِظَهْرِ قُباءَ ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَأنْحى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أُخْبِرَ بِإسْلامِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَنَزَلَتْ.
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ أوْ فَمُوجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: إعْتاقُ نَسَمَةٍ عَبَّرَ عَنْها بِها كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ.
﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ أىْ مَحْكُومًَا بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً.
﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ لِقَوْلِ ضَحّاكَ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: كَتَبَ إلىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها.
﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أهْلُهُ عَلَيْهِ، سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًَّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًَا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"،» وقُرِئَ "إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا" وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"عَلَيْهِ" أوْ بِـ"مُسَلَّمَةٌ" أيْ: تَجِبُ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا وقْتَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَصَدِّقِينَ عَلَيْهِ فَهو حالٌ مِنَ الأهْلِ أوِ القاتِلِ.
﴿فَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ.
﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ كُفّارٍ مُحارِبِينَ.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ القاتِلُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ (p-216)بِأنْ أسْلَمَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُفارِقْهم أوْ بِأنْ أتاهم بَعْدَ ما فارَقَهم لِمُهِمٍّ مِنَ المُهِمّاتِ.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ لِأنَّهم مُحارِبُونَ.
﴿وَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ المُؤْمِنُ.
﴿مِن قَوْمٍ﴾ كَفَرَةٍ.
﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ.
﴿فَدِيَةٌ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ.
﴿مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مِن أهْلِ الإسْلامِ إنْ وُجِدُوا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذا الحُكْمِ هَهُنا مَعَ تَأْخِيرِهِ فِيما سَلَفَ لِلْإشْعارِ بِالمُسارَعَةِ إلى تَسْلِيمِ الدِّيَةِ تَحاشِيًَا عَنْ تَوَهُّمِ نَقْضِ المِيثاقِ.
﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كَما هو حُكْمُ سائِرِ المُسْلِمِينَ ولَعَلَّ إفْرادَهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في حُكْمِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إلَخْ لِبَيانِ أنَّ كَوْنَهُ فِيما بَيْنَ المُعاهَدِينَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الدِّيَةِ كَما مَنَعَهُ كَوْنُهُ فِيما بَيْنَ المُحارَبِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَقْتُولِ: الذِّمِّيُّ أوِ المُعاهَدُ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ بِلا فائِدَةٍ ولا التَّوْرِيثُ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ وقَدْ عَرَفْتَ عَدَمَ لُزُومِها.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ: رَقَبَةً لِيُحَرِّرَها بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها مِنَ الثَّمَنِ.
﴿فَصِيامُ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ.
﴿شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ يَوْمَيْنِ مِن أيّامِهِما إفْطارٌ.
﴿تَوْبَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: شُرِّعَ لَكم ذَلِكَ تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًَا لَها مِن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "عَلَيْهِ" بِحَذْفِ المُضافِ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ذا تَوْبَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"تَوْبَةً" أيْ: كائِنَةً مِنهُ تَعالى.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهُ.
﴿حَكِيمًا﴾ في كُلِّ ما شَرَعَ وقَضى مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَهُ في شَأْنِهِ.
4:93Page 93
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣
But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ خَطَأً وفَصَّلَ أقْسامَهُ الثَّلاثَةَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ القَتْلِ عَمْدًَا خَلا أنَّ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ لَمّا بُيِّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حُكْمِهِ الأُخْرَوِيِّ. رُوِيَ أنَّ مَقِيسَ بْنَ ضُبابَةَ الكِنانِيَّ وكانَ قَدْ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ وجَدَ أخاهُ قَتِيلًَا في بَنِي النَّجّارِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ لَهُ القِصَّةَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ زُبَيْرَ بْنَ عِياضٍ الفِهْرِيَّ وكانَ مِن أصْحابِ بَدْرٍ إلى بَنِي النَّجّارِ يَأْمُرُهم بِتَسْلِيمِ القاتِلِ إلى مَقِيسٍ لِيَقْتَصَّ مِنهُ إنْ عَلِمُوهُ وبِأداءِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ فَقالُوا: سَمْعًَا وطاعَةً لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًَا ولَكِنّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ فَأتَوْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ فانْصَرَفا راجِعَيْنِ إلى المَدِينَةِ حَتّى إذا كانا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أتى الشَّيْطانُ مَقِيسًَا فَوَسْوَسَ إلَيْهِ فَقالَ: أتَقْبَلُ دِيَةَ أخِيكَ فَيَكُونَ مَسَبَّةً عَلَيْكَ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونَ نَفْسًَا بِنَفْسٍ وفَضْلَ الدِّيَةِ فَتَغَفَّلَ الفِهْرِيَّ فَرَماهُ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًَا مِنَ الإبِلِ واسْتاقَ بَقِيَّتَها راجِعًَا إلى مَكَّةَ كافِرًَا وهو يَقُولُ:
؎ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًَا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ∗∗∗ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أصْحابَ قارِعِ
؎ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًَا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ
فَنَزَلَتْ وهو الَّذِي اسْتَثْناهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ مِمَّنْ أمَّنَهُ فَقُتِلَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَقْتُلْ" ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ سُكُونُ التّاءِ كَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ.
﴿فَجَزاؤُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ. (p-217)﴿جَهَنَّمُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًَا فِيها. وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُجْزاها". وقِيلَ: مِن مَفْعُولِ "جازاهُ" وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ولا يَخْفى أنَّ ما يُقَدَّرُ لِلْحالِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًَا ويَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ دِلالَةً بَيِّنَةً، وظاهِرٌ أنَّ كَوْنَ جَزائِهِ ما ذُكِرَ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ الجَزاءِ البَتَّةَ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ حَتّى يُقَدَّرَ يُجْزاها أوْ جازاهُ بِطَرِيقِ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ فَعُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دِلالَةً واضِحَةً كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَقْرِيرًَا وتَأْكِيدًَا لِمَضْمُونِها: حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ وغَضِبَ عَلَيْهِ، أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ.
﴿وَلَعَنَهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ أنَّ وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ ونَظائِرِهِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَخْ.
﴿وَأعَدَّ لَهُ﴾ في جَهَنَّمَ.
﴿عَذابًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولِما تَرى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ والوَعِيدِ الأكِيدِ وفُنُونِ الإبْراقِ والإرْعادِ وقَدْ تَأيَّدَتْ بِما رُوِيَ مِنَ الأخْبارِ الشِّدادِ كَقَوْلِهِ ﷺ: ﴿والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَزَوالُ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ أهْوَنُ مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ﴾ وقَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ رَجُلًَا قُتِلَ بِالمَشْرِقِ وآخَرُ رَضِيَ بِالمَغْرِبِ لَأُشْرِكَ في دَمِهِ﴾ وقَوْلِهِ ﷺ: ﴿مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى﴾ وبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَوارِعِ تَمَسَّكَتِ الخَوارِجُ والمُعْتَزِلَةُ بِها في خُلُودِ مَن قَتَلَ المُؤْمِنَ عَمْدًَا في النّارِ ولا مُتَمَسَّكَ لَهم فِيها إلّا لِما قِيلَ مِن أنَّها في حَقِّ المُسْتَحِلِّ كَما هو رَأْيُ عِكْرِمَةَ وأضْرابِهِ بِدَلِيلِ أنَّها نَزَلَتْ في مَقِيسِ بْنِ ضُبابَةَ الكِنانِيِّ المُرْتَدِّ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهُ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ بَلْ لِأنَّ المُرادَ بِالخُلُودِ هو المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّوامُ لِتَظاهُرِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًَا، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ أنَّ أهْلَ العِلْمِ كانُوا إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاقْتِداءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "أبى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةً".» كَيْفَ لا؟ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَجُلًَا سَألَهُ: ألِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ قالَ: لا، وسَألَهُ آخَرُ: ألِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ فَقالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ: قُلْتَ لِذَلِكَ كَذا ولِهَذا كَذا قالَ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَقْتُلْ بَعْدُ فَقُلْتُ ما قُلْتُ كَيْلا يَقْتُلَ وكانَ هَذا قَدْ قَتَلَ فَقُلْتُ لَهُ ما قُلْتُ لِئَلّا يَيْأسَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوازُ المَغْفِرَةِ بِلا تَوْبَةٍ أيْضًَا حَيْثُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآيَةِ هي جَزاؤُهُ فَإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ. ورُوِيَ مَرْفُوعًَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿هُوَ جَزاؤُهُ إنْ جازاهُ﴾ وبِهِ قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو صالِحٍ قالُوا: قَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يَزْجُرُهُ عَنْ أمْرٍ إنْ فَعَلْتَهُ فَجَزاؤُكَ القَتْلُ والضَّرْبُ ثُمَّ إنْ لَمْ يُجازِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ كَذِبًَا. قالَ الواحِدِيُّ: والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ الوَعِيدَ وإنِ امْتَنَعَ أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، بِهَذا ورَدَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَمَلِهِ ثَوابًَا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ ومَن أوْعَدَهُ عَلى عَمَلِهِ عِقابًَا فَهو بِالخَيارِ،» والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى تَفْرِيعِ (p-218)ما نَحْنُ فِيهِ عَلى الأصْلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ لا بِأنَّهُ يَجْزِيهِ بِذَلِكَ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ ولَوْ كانَ هَذا إخْبارًَا بِأنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لَعارَضَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
4:94Page 93
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤
O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ بِقِسْمَيْهِ وأنَّ ما يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنِ المُؤْمِنِ إنَّما هو القَتْلُ خَطَأً شَرَعَ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن قِلَّةِ المُبالاةِ في الأُمُورِ.
﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في الغَزْوِ ولِما في "إذا" مِن مَعْنى الشَّرْطِ صُدِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بِالفاءِ أىْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ، وقُرِئَ "فَتَثَبَّتُوا" أيِ: اطْلُبُوا إثْباتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ نَهْيٌ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ وتَعْيِينٌ لِمادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينُ، وقُرِئَ "السِّلْمَ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: لا تَقُولُوا بِغَيْرِ تَأمُّلٍ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ أوْ لِمَن ألْقى إلَيْكم مَقالِيدَ الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ.
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما أظْهَرْتَ ما أظْهَرْتَ مُتَعَوِّذًَا بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ، وقُرِئَ "مُؤْمَنًَا" بِالفَتْحِ أيْ: مَبْذُولًَا لَكَ الأمانُ، وهَذا أنْسَبُ بِالقِراءَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ في القِراءَةِ الأُولى مَعَ كَوْنِها مَقْرُونَةً بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ كَما سَيَأْتِي في سَبَبِ النُّزُولِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ كانَتْ كافِيَةً في المُكافَّةِ والِانْزِجارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِهِما.* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَقُولُوا" مُنْبِئٌ عَمّا يَحْمِلُهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّأنِّي لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ راجِعًَا إلى القَيْدِ فَقَطْ كَما في قَوْلِكَ: "لا تَطْلُبِ العِلْمَ تَبْتَغِي بِهِ الجاهَ بَلْ إلَيْهِما جَمِيعًَا" أيْ: لا تَقُولُوا لَهُ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم طالِبِينَ لِمالِهِ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ ابْتِغاءِ مالِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا مالَهُ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يُغْنِمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنِ ارْتِكابِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلَخْ وتَقْدِيمُ خَبَرِ كانَ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابَهَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ،وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والفاءُ في "فَمَنَّ" لِلْعَطْفِ عَلى "كُنْتُمْ" أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ كُنْتُمْ أنْتُمْ أيْضًَا في مَبادِي إسْلامِكم يَظْهَرُ مِنكم لِلنّاسِ غَيْرُ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِن تَحِيَّةِ الإسْلامِ ونَحْوِها فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ مِنكم تِلْكَ المَرْتَبَةَ وعَصَمَ بِها دِماءَكم وأمْوالَكم ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ سَرائِرِكُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (p-219)فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاطْلُبُوا بَيانَ هَذا الأمْرِ البَيِّنِ وقِيسُوا حالَهُ بِحالِكم وافْعَلُوا بِهِ ما فُعِلَ بِكم في أوائِلِ أُمُورِكم مِن قَبُولِ ظاهِرِ الحالِ مِن غَيْرِ وُقُوفٍ عَلى تَواطُؤِ الظّاهِرِ والباطِنِ هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ وتَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ، ومَن حَسِبَ أنَّ المَعْنى: أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ سُمِعَتْ مِن أفْواهِكم كَلِمَةُ الشَّهادَةِ فَحَصَّنَتْ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ انْتِظارِ الِاطِّلاعِ عَلى مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالِاسْتِقامَةِ والِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ وإنْ صِرْتُمْ أعْلامًَا فِيهِ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ الإسْلامِ في المُكافَّةِ ولا تَقُولُوا إلَخْ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ لِأنَّ المُرادَ كَما عَرَفْتَ بَيانُ أنَّ تَحْصِينَ الدِّماءِ والأمْوالِ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما فِيهِ المُماثَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِن مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، وإظْهارُ أنَّ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ في حَقِّهِمْ يَقْتَضِي تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ في حَقِّهِ أيْضًَا إلْزامًَا لَهم وإظْهارًَا لِخَطَئِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِتَفْسِيرٍ مِنهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلى كَوْنِهِمْ مِثْلَهُ بِتَحْصِينِ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ حَسْبَما ذَكَرَ حَتّى يَظْهَرَ عِنْدَهم وُجُوبُ تَحْصِينِ دَمِهِ ومالِهِ أيْضًَا بِحُكْمِ المُشارَكَةِ فِيما يُوجِبُهُ، وحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ فَسَّرَهُ بِما فَسَّرَهُ بِهِ لَمْ يَبْقَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ تَحْصِينِ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ؛ فَمِن أيْنَ لَهُ أنْ يَقُولَ: فَحَصَّنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم حَتّى يَتَأتّى البَيانُ، وارْتِكابُ تَقْدِيرِهِ بِناءً عَلى اقْتِضاءِ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَنِّ إيّاهُ بِناءٌ عَلى أساسٍ واهٍ. كَيْفَ لا؟ وإنَّما ذِكْرُهُ بِصَدَدِ التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ أمْرًَا مُتَفَرِّعًَا عَلى ما فِيهِ المُماثَلَةُ مَبْنِيًَّا عَلَيْهِ في حَقِّهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ أُرِيدَ إثْباتُهُ في حَقِّهِ بِناءً عَلى ثُبُوتِهِ في حَقِّهِمْ كالتَّحْصِينِ المَذْكُورِ حَتّى يَسْتَحِقَّ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ ولا بِأمْرٍ لَهُ دَخْلٌ في وُجُوبِ اعْتِبارِ ظاهِرِ الإسْلامِ مِنَ الدّاخِلِينَ فِيهِ حَتّى يَصِحَّ نَظْمُهُ في سِلْكِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا إلَخْ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى أنَّكم في أوَّلِ الأمْرِ كُنْتُمْ مِثْلَهُ في قُصُورِ الرُّتْبَةِ في الإسْلامِ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم وبَلَغْتُمْ هَذِهِ الرُّتْبَةَ العالِيَةَ مِنهُ فَلا تَسْتَقْصِرُوا حالَتَهُ نَظَرًَا إلى حالَتِكم هَذِهِ بَلِ اعْتَدُّوا بِها نَظَرًَا إلى حالَتِكُمُ السّابِقَةِ يَرُدُّهُ أنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِقْصارِ إسْلامِهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ عَدَمِ مُطابَقَةِ قَلْبِهِ لِلِسانِهِ، فَإنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ مِرْداسِ بْنِ نَهِيكٍ مِن أهْلِ فَدَكٍ وكانَ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ فَغَزَتْهم سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ غالِبُ بْنُ فَضالَةَ اللَّيْثِيُّ فَهَرَبُوا وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ واسْتاقَ غَنَمَهُ فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ وجْدًَا شَدِيدًَا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ فَقالَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ قالَ بِلِسانِهِ دُونَ قَلْبِهِ -وَفِي رِوايَةٍ إنَّما قالَها خَوْفًَا مِنَ السِّلاحِ - فَقالَ ﷺ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» - وفي رِوايَةٍ «أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» - ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي فَقالَ: كَيْفَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ ﷺ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنْ لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ أعْتِقْ رَقَبَةً. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا نَطْلُبُ القَوْمَ وقَدْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقَصَدْتُ رَجُلًَا فَلَمّا أحَسَّ بِالسَّيْفِ قالَ إنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلْتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أقَتَلْتَ مُسْلِمًَا قالَ: إنَّهُ كانَ مُتَعَوِّذًَا فَقالَ ﷺ: «أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ.» ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها.
﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِها إنْ خَيْرًَا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًَّا فَشَرٌّ فَلا تَتَهاوَنُوا في القَتْلِ واحْتاطُوا فِيهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (p-220)إنَّ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ "تَبَيَّنُوا" أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.
4:95Page 94
لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥
Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِتارِيخِ النُّزُولِ لا ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ مِن أنَّهُمُ الخارِجُونَ إلى تَبُوكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُوافِقُهُ التّارِيخُ ولا يُساعِدُهُ الحالُ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَخَلِّفِينَ يَوْمَئِذٍ هَذِهِ الرُّخْصَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "القاعِدِينَ" أيْ: كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَتُها الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إخْلالِ وصْفِ القُعُودِ بِإيمانِهِمْ والإشْعارُ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيَأْتِي مِنَ الحُسْنى.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿القاعِدُونَ﴾ لِجَرَيانِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ أوِ اسْتِثْناءٌ وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ والضَّرَرُ: المَرَضُ أوِ العاهَةُ مِن عَمىً أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ أوْ نَحْوِها، وفي مَعْناهُ: العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ. «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ "لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ" فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: - وكانَ أعْمى- يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ كَذَلِكَ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾» إيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ وتَقْدِيمِ القاعِدِينَ في الذِّكْرِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًَا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِأنَّ صِلَتَهُ مِلْكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَفْضِيلِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاضُلِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِوائِهِما إجْمالًَا بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: فَضَّلَ اللَّهُ إلَخْ، وأمّا تَقْدِيرُ ما لَهم لا يَسْتَوُونَ فَإنَّما يَلِيقُ بِجَعْلِ الِاسْتِئْنافِ (p-221)تَعْلِيلًَا لِعَدَمِ الِاسْتِواءِ مَسُوقًَا لِإثْباتِهِ، وفِيهِ تَعْكِيسٌ ظاهِرٌ فَإنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًَا بِالذّاتِ إنَّما هو بَيانُ تَفاضُلِ الفَرِيقَيْنِ عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، وأمّا عَدَمُ اسْتِوائِهِما فَقُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ تَوْطِئَةً لِذِكْرِهِ ولامُ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لِلْعَهْدِ فَقَيْدُ كَوْنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ في الأوَّلِ كَما أنَّ قَيْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ مُعْتَبَرٌ في الثّانِي و"دَرَجَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: فَضَّلَ اللَّهُ تَفْضِيلَةً أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِدَرَجَةٍ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ. وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ مِنَ "المُجاهِدِينَ" أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ تَأْكِيدًَا لِلْوَعْدِ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لا أحَدَهُما فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ عَلى أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"رَسُولًَا" والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًَا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ واللّامُ في الفَرِيقَيْنِ مُغْنِيَةٌ لَهُما عَنْ ذِكْرِ القُيُودِ الَّتِي تُرِكَتْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"فَضَّلَ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أجَرَ، وإيثارُهُ عَلى ما هو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِهِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ التَّفْضِيلِ أجْرًَا لِأعْمالِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ أيْ: أعْطاهم زِيادَةً عَلى القاعِدِينَ أجْرًَا عَظِيمًَا. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ عَظِيمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences