Abu as-Su'udGhafir · 40:18–45

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:18–45

40:18Page 469

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨

And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.

﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيِ: القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأُزُوفِها، وهو القُرْبُ غَيْرَ أنَّ فِيهِ إشْعارًا بِضِيقِ الوَقْتِ، وقِيلَ: الخُطَّةُ الآزِفَةُ، وهي مُشارَفَةُ أهْلِ النّارِ دُخُولَها. وقِيلَ: وقْتَ حُضُورِ المَوْتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ الآزِفَةِ فَإنَّها تَرْتَفِعُ مِن أماكِنِها فَتَلْتَصِقُ بِحُلُوقِهِمْ فَلا تَعُودُ فَيَتَرَوَّحُوا، وتَخْرُجُ فَيَسْتَرِيحُوا بِالمَوْتِ.

﴿كاظِمِينَ﴾ عَلى الغَمِّ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى إذِ الأصْلُ قُلُوبُهُمْ، أوْ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ، وجُمِعَ السَّلامَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ الكَظْمَ مِن أحْوالِ العُقَلاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِ "أنْذِرْهُمْ" عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: أنْذِرْهم مُقَدِّرًا كَظْمَهُمْ، أوْ مُشارِفِينَ الكَظْمَ.

﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: قَرِيبٍ مُشْفِقٍ.

﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ أيْ: لا شَفِيعٍ مُشَفَّعٍ عَلى مَعْنى نَفْيِ الشَّفاعَةِ والطّاعَةِ مَعًا، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

والضَّمائِرُ إنْ عادَتْ إلى الكُفّارِ وهو الظّاهِرُ فَوَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ.

40:19Page 469

يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩

He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.

﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ النَّظْرَةُ الخائِنَةُ كالنَّظْرَةِ الثّانِيَةِ إلى غَيْرِ المَحْرَمِ واسْتِراقِ النَّظَرِ إلَيْهِ، أوْ خِيانَةُ الأعْيُنِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ.

﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مِنَ الضَّمائِرِ والأسْرارِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ مَثَلٌ يُلْقِي الرُّوحَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ ما مِن خَفِيٍّ إلّا وهو مُتَعَلِّقُ العِلْمِ والجَزاءِ.

40:20Page 469

وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠

And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.

﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ﴾ لِأنَّهُ المالِكُ الحاكِمُ عَلى الإطْلاقِ فَلا يَقْضِي بِشَيْءٍ إلّا وهو حُقٌّ وعَدْلٌ.

﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدُونَهم ﴿مِن دُونِهِ﴾ تَعالى ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ الجَمادَ لا يُقالُ في حَقِّهِ يَقْضِي أوْ لا يَقْضِي. وقُرِئَ: ( تَدْعُونَ ) عَلى الخِطابِ التِفاتًا، أوْ عَلى إضْمارِ قُلْ.

﴿إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تَقْرِيرٌ لِعلمه تعالى بِخائِنَةِ الأعْيُنِ، وقَضائِهِ بِالحَقِّ، ووَعِيدٌ لَهُمُ عَلى ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ، وتَعْرِيضٌ بِحالِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ.

40:21Page 469

۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَآلُ حالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.

﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ قُدْرَةً وتَمَكُّنًا مِنَ التَّصَرُّفاتِ، وإنَّما جِيءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ لِمُضاهاةِ افْعَلْ مِن لِلْمَعْرِفَةِ في امْتِناعِ دُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: ( أشَدَّ مِنكم ) بِالكافِ.

﴿وَآثارًا في الأرْضِ﴾ مِثْلَ القِلاعِ الحَصِينَةِ، والمَدائِنِ المَنِينَةِ. وقِيلَ: المَعْنى وأكْثَرَ آثارًا، كَقَوْلِهِ:

مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا

﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أخْذًا وبِيلًا ﴿وَما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ واقٍ﴾ (p-273)أيْ: مِن واقٍ يَقِيهِمْ عَذابَ اللَّهِ.

40:22Page 469

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ.

﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ أوْ بِالأحْكامِ الظّاهِرَةِ.

﴿فَكَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُ غايَةَ التَّمَكُّنِ.

﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُؤْبَهُ عِنْدَ عِقابِهِ بِعِقابٍ.

40:23Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ.

﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: وحُجَّةٍ قاهِرَةٍ. وهي إمّا عَيْنُ الآياتِ والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ، وإمّا بَعْضُ مَشاهِيرِها كالعَصا أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها تَحْتَ الآياتِ؛ لِأنَّ فِيها إفْرادَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِهِ مَعَ دُخُولِهِما في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

40:24Page 469

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أيْ: فِيما أظْهَرَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، وفِيما ادَّعاهُ مِن رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ.

40:25Page 469

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥

And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.

﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وهو ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ.

﴿قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أيْ: أعِيدُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ أوَّلًا، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَفَّ عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ فَلَمّا بُعِثَ ﷺ وأحَسَّ بِأنَّهُ قَدْ وقَعَ ما وقَعَ أعادَهُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا وحَنَقًا وزَعْمًا مِنهُ أنَّهُ يَصُدُّهم بِذَلِكَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِهِمْ عَلى يَدِهِ.

﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: في ضَياعٍ وبُطْلانٍ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ويَنْفُذُ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ القَدَرُ المَقْدُورُ، والقَضاءُ المَحْتُومُ. و "اللّامُ" إمّا لِلْعَهْدِ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأباطِيلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ بُطْلانِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ واضْمِحْلالِهِ بِالمَرَّةِ.

40:26Page 470

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦

And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ كانَ مَلَؤُهُ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ هَذا بِالَّذِي تَخافُهُ فَإنَّهُ أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ، وما هو إلّا بَعْضُ السحرةِ. وبِقَوْلِهِمْ: إذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ عَلى النّاسِ شُبْهَةً، واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِالحُجَّةِ وعَدَلْتَ إلى المُقارَعَةِ بِالسَّيْفِ. والظّاهِرُ مِن دَهاءِ اللَّعِينِ ونَكارَتِهِ أنَّهُ كانَ قَدِ اسْتَيْقَنَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ آياتٌ باهِرَةٌ وما هو بِسِحْرٍ، ولَكِنْ كانَ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ، وكانَ قَوْلُهُ هَذا تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، وإيهامًا أنَّهم هُمُ الكافُّونَ لَهُ عَنْ قَتْلِهِ (p-274)وَلَوْلاهم لَقَتَلَهُ، وما كانَ الَّذِي يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِنَ الفَزَعِ الهائِلِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ تَجَلُّدٌ مِنهُ، وإظْهارٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِدُعائِهِ، ولَكِنَّهُ أخْوَفُ ما يَخافُهُ.

﴿إنِّي أخافُ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ ﴿أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أنْ يُغِيرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ عِبادَتِهِ وعِبادَةِ الأصْنامِ لِتُقَرِّبَهم إلَيْهِ.

﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ ما يُفْسِدُ دُنْياكم مِنَ التَّحارُبِ والتَّهارُجِ، إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَبْدِيلِ دِينِكم بِالكُلِّيَّةِ، وقُرِئَ بِالواوِ الجامِعَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ ورَفْعِ الفَسادِ، وقُرِئَ: ( بِظَهْرٍ ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ مِن تَظاهَرَ، أيْ: تَتابَعَ وتَعاوَنَ.

40:27Page 470

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧

But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."

﴿وَقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِقَوْمِهِ حِينَ سَمِعَ بِما تَقَوَّلَهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ صَدَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَهُ بِإنَّ تَأْكِيدًا لَهُ، وإظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وفَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ، وخُصَّ اسْمَ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ الحِفْظِ والتَّرْبِيَةِ؛ لِأنَّهُما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فَإنَّ في تَظاهُرِ النُّفُوسِ تَأْثِيرًا قَوِيًّا في اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، ولَمْ يُسَمِّفِرْعَوْنَ بَلْ ذَكَرَهُ بِوَصْفٍ يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ لِتَعْمِيمِ الِاسْتِعاذَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ القَساوَةِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ: ( عُدْتُ ) بِالإدْغامِ.

40:28Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ: كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمٍّ لِفِرْعَوْنَ آمَنَ بِمُوسى سِرًّا، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا أوْ غَرِيبًا مُوَحِّدًا.

﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ أيْ: مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.

﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ.

﴿أنْ يَقُولَ﴾ لِأنْ يَقُولَ أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولَ.

﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ وتَأمُّلٍ في أمْرِهِ.

﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ والحالُ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي شاهَدْتُمُوها وعَهِدْتُمُوها.

﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ البَيِّناتِ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، واسْتِنْزالًا لَهُمُ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ ثُمَّ أخَذَهم بِالِاحْتِجاجِ مِن بابِ الِاحْتِياطِ فَقالَ: ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ.

﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُصِبْكم كُلُّهُ فَلا أقَلَّ مِن إصابَةِ بَعْضِهِ لاسِيَّما إنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ بِسُوءٍ، وهَذا كَلامٌ صادِرٌ عَنْ غايَةِ الإنْصافِ، وعَدَمِ التَّعَصُّبِ. ولِذَلِكَ قُدِّمَ مِن شِقَّيِ التَّرْدِيدِ كَوْنُهُ كاذِبًا، أوْ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا، وهو بَعْضُ ما يَعِدُهم كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما أظْهَرَ احْتِمالًا عِنْدَهُمْ، وتَفْسِيرُ البَعْضِ بِالكُلِّ مُسْتَدَلًّا بِقَوْلِ لَبِيَدٍ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها. . . أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

مَرْدُودٌ لِما أنَّ مُرادَهُ بِالبَعْضِ نَفْسُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما أيَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ، وثانِيهِما: إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ ولَعَلَّهُ أراهُمُ المَعْنى الثّانِي وهو عاكِفٌ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم. وقَدْ عَرَّضَ بِهِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ (p-275)مُسْرِفٌ كَذّابٌ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ سَبِيلَ الصَّوابِ، ومِنهاجَ النَّجاةِ.

40:29Page 470

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ عالِينَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ لا يُقاوِمُكم أحَدٌ في هَذا الوَقْتِ.

﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ مِن أخْذِهِ وعَذابِهِ ﴿إنْ جاءَنا﴾ أيْ: فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ بِقَتْلِهِ فَإنْ جاءَنا لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ أحَدٌ، وإنَّما نُسِبَ ما يَسُرُّهم مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ في الأرْضِ إلَيْهِمْ خاصَّةً، ونَظَّمَ نَفْسَهُ في سِلْكِهِمْ فِيما يَسُوءُهم مِن مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ مُناصِحٌ لَهم ساعٍ في تَحْصِيلِ ما يُجْدِيهِمْ ودَفْعِ ما يُرْدِيهِمْ سَعْيُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ لِيَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ.

﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ بَعْدَ ما سَمِعَ نُصْحَهُ ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم ﴿إلا ما أرى﴾ وأسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ ﴿وَما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيِ: الصَّوابِ أوْ لا أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُهُ، ولَقَدْ كَذَّبَ حَيْثُ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ، ولَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ، ولَوْلاهُ لَما اسْتَشارَ أحَدًا أبَدًا، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَشُدَ كَعَلّامٍ، أوْ مِن رَشَدَ كَعَبّادٍ لا مَن أرْشَدَ كَجَبّارٍ مَن أجْبَرَ؛ لِأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، أوْ لِلنِّسْبَةِ إلى الرُّشْدِ كَعَوّاجٍ وبَتّاتٍ غَيْرَ مَنظُورٍ فِيهِ إلى فَعَلَ.

40:30Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ مُخاطِبًا لِقَوْمِهِ ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ في تَكْذِيبِهِ، والتَّعَرُّضِ لَهُ بِالسُّوءِ.

﴿مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ مَثَلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ يَعْنِي وقائِعَهُمْ، وجَمْعُ الأحْزابِ مَعَ التَّفْسِيرِ أغْنى عَنْ جَمْعِ اليَوْمِ.

40:31Page 470

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ: مِثْلَ جَزاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وإيذاءِ الرُّسُلِ.

﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ فَلا يُعاقِبُهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُخَلِّي الظّالِمَ مِنهم بِغَيْرِ انْتِقامٍ، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِما أنَّ المَنفِيَّ فِيهِ إرادَةُ ظُلْمِ ما يَنْتَفِي الظُّلْمَ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.

40:32Page 470

وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

And O my people, indeed I fear for you the Day of Calling1 -

﴿وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ خَوَّفَهم بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويَوْمَ التَّنادِ يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يُنادِي فِيهِ بَعْضُهم لِلِاسْتِغاثَةِ، أوْ يَتَصايَحُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، أوْ يَتَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ وأصْحابُ النّارِ حَسْبَما حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الدّالِ وهو أنْ يَنِدَّ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ . وعَنِ الضَّحّاكِ: إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ نَدُّوا هَرَبًا فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا فَبَيْنا هم بِمَوْجٍ بَعْضُهم في بَعْضٍ إذْ سَمِعُوا مُنادِيًا أقْبِلُوا إلى الحِسابِ.

40:33Page 470

يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

The Day you will turn your backs fleeing; there is not for you from Allāh any protector. And whoever Allāh sends astray - there is not for him any guide.

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ التَّنادِ، أيْ: مُنْصَرِفِينَ عَنِ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ فارِّينَ مِنها حَسْبَما نُقِلَ آنِفًا.

(p-276)﴿ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ يَعْصِمُكم مِن عَذابِهِ. والجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى مِن ضَمِيرِ تُوَلُّونَ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ.

40:34Page 471

وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤

And Joseph had already come to you before with clear proofs, but you remained in doubt of that which he brought to you, until when he died, you said, 'Never will Allāh send a messenger after him.' Thus does Allāh leave astray he who is a transgressor and skeptic."

﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ﴾ هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَهُ فِرْعَوْنُ مُوسى، أوْ عَلى نِسْبَةِ أحْوالِ الآباءِ إلى الأوْلادِ، وقِيلَ: سِبْطُهُ يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ.

﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ مُوسى ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ ﴿فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿حَتّى إذا هَلَكَ﴾ بِالمَوْتِ ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾ ضَمًّا إلى تَكْذِيبِ رِسالَتِهِ تَكْذِيبَ رِسالَةِ مَن بَعْدَهُ، أوْ جَزْمًا بِأنْ لا يُبْعَثَ بَعْدَهُ رَسُولٌ مَعَ الشَّكِّ في رِسالَتِهِ، وقُرِئَ: ( ألَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ ) عَلى أنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا بِنَفْيِ البَعْثِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ مَثَلُ ذَلِكَ الإضْلالِ الفَظِيعِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ﴾ في عِصْيانِهِ.

﴿مُرْتابٌ﴾ في دِينِهِ شاكٌّ فِيما تَشْهَدُ بِهِ البَيِّناتُ لِغَلَبَةِ الوَهْمِ، والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ.

40:35Page 471

ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥

Those who dispute concerning the signs of Allāh without an authority1 having come to them - great is hatred [of them] in the sight of Allāh and in the sight of those who have believed. Thus does Allāh seal over every heart [belonging to] an arrogant tyrant.

﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ صِفَةٌ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ مُسْرِفٍ مُرْتابٍ، أوِ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ.

﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ مُتَعَلِّقُ يُجادِلُونَ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ بِها في الجُمْلَةِ.

﴿أتاهُمْ﴾ صِفَةُ سُلْطانٍ.

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، وفي كَبُرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مَن وتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وقِيلَ: إلى الجِدالِ المُسْتَفادِ مِن يُجادِلُونَ.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ.

﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ، والِارْتِيابِ، والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ، وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ( قَلْبٍ ) ووَصْفِهِ بِالتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَهُما.

40:36Page 471

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦

And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ أيْ: بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرْحِ الشَّيْءِ إذا ظَهَرَ ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ أيِ: الطُّرُقَ.

40:37Page 471

أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧

The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.

﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ بَيانٌ لَها وفي إبْهامِها ثُمَّ إيضاحِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها وتَشْوِيقٌ لِلسّامِعِ إلى مَعْرِفَتِها.

﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّرَجِّي، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى أبْلُغُ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا في مَوْضِعٍ عالٍ لِيَرْصُدَ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الَّتِي هي أسْبابٌ سَماوِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، أوْ أنْ يَرى فَسادَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ إخْبارَهُ مِن إلَهِ السَّماءِ يَتَوَقَّفُ عَلى اطِّلاعِهِ عَلَيْهِ، ووُصُولِهِ إلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِالصُّعُودِ إلى السَّماءِ وهو مِمّا (p-277)لا يَقْوى عَلَيْهِ الإنْسانُ، وما ذاكَ إلّا لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبائِهِ.

﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ فِيما يَدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ، أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المُفْرِطِ.

﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فانْهَمَكَ فِيهِ انْهِماكًا لا يَرْعَوِي عَنْهُ بِحالٍ ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الرَّشادِ. والفاعِلُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زَيَّنَ بِالفَتْحِ، وبِالتَّوَسُّطِ لِشَيْطانٍ، وقُرِئَ: ( وصَدَّ ) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ صَدَّ النّاسَ عَنِ الهُدى بِأمْثالِ هَذِهِ التَّمْوِيهاتِ والشُّبُهاتِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾ أيْ: خَسارٍ وهَلاكٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مِن صَدَّ صُدُودًا، أيْ: أعْرَضَ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدّالِ إلَيْهِ، وقُرِئَ: ( وصَدٌّ ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى سُوءِ عَمَلِهِ، وقُرِئَ: ( وصَدُّوا ) أيْ: هو وقَوْمُهُ.

40:38Page 471

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨

And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.

﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أيْ: مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ﴾ فِيما دَلَلْتُكم عَلَيْهِ.

﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أيْ: سَبِيلًا يَصِلُ سالِكُهُ إلى المَقْصُودِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما يَسْلُكُهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ والضَّلالِ.

40:39Page 471

يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩

O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.

﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أيْ: تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ لِسُرْعَةِ زَوالِها أجْمَلَ لَهُمُ أوَّلًا، ثُمَّ فَسَّرَ فافْتَتَحَ بِذَمِّ الدُّنْيا وتَصْغِيرِ شَأْنِها؛ لِأنَّ الإخْلادَ إلَيْها رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ ومِنهُ تَتَشَعَّبُ فُنُونَ ما يُؤَدِّي إلى سُخْطِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ثَنّى بِتَعْظِيمِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ لِخُلُودِها ودَوامِ ما فِيها.

40:40Page 471

مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠

Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.

﴿مَن عَمِلَ﴾ في الدُّنْيا ﴿سَيِّئَةً فَلا يُجْزى﴾ في الآخِرَةِ ﴿إلا مِثْلَها﴾ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِناياتِ تُغَرَّمُ بِأمْثالِها.

﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ عَمِلُوا ذَلِكَ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ومُوازَنَةٍ بِالعَمَلِ بَلْ أضْعافًا مُضاعَفَةً فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورَحْمَةً، وجَعْلُ العَمَلِ عُمْدَةً والإيمانِ حالًا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا عِبْرَةَ بِالعَمَلِ بِدُونِهِ وأنَّ ثَوابَهُ أعْلى مِن ذَلِكَ.

40:41Page 472

۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١

And O my people, how is it that I invite you to salvation while you invite me to the Fire?

﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ كَرَّرَ نِداءَهم إيقاظًا لَهم عَنْ سِنَةٍ الغَفْلَةِ، واعْتِناءً بِالمُنادى لَهُ ومُبالَغَةً في تَوْبِيخِهِمْ عَلى ما يُقالُونَ بِهِ نُصْحَهُ، ومَدارُ التَّعَجُّبِ الَّذِي يُلَوِّحُ الِاسْتِفْهامُ دَعْوَتُهم إيّاهُ إلى النّارِ ودَعْوَتُهُ إيّاهم إلى النَّجاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ أدْعُوكم إلى الخَيْرِ وتَدْعُونَنِي إلى الشَّرِّ، وقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ ما لِي أراكَ حَزِينًا ؟ ! وقَوْلُهُ تَعالى:

40:42Page 472

تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢

You invite me to disbelieve in Allāh and associate with Him that of which I have no knowledge, and I invite you to the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1

﴿تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ والدُّعاءُ كالهِدايَةِ في التَّعْدِيَةِ بِـ "إلى" و "اللّامِ" ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في المَعْبُودِيَّةِ، وقِيلَ بِرُبُوبِيَّتِهِ. عِلْمٌ والمُرادُ نَفْيُ المَعْلُومِ والإشْعارُ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ مُوجِبِ (p-278)العِلْمِ بِها.

﴿وَأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المُجازاةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ والغُفْرانِ.

40:43Page 472

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣

Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.

﴿لا جَرَمَ﴾ لا رَدَّ لِما دَعَوْهُ إلَيْهِ، و "جَرَمَ" فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى حَقَّ وفاعِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ أيْ: حَقَّ ووَجَبَ عَدَمُ دَعْوَةِ آلِهَتِكم إلى عِبادَتِها أصْلًا، أوْ عَدَمُ دَعْوَةٍ مُسْتَجابَةٍ دَعْوَةٍ لَها. وقِيلَ: جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ مُسْتَكِنٌّ فِيهِ، أيْ: كَسَبَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلَيْهِ بُطْلانَ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، وقِيلَ: جَرَمَ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بَدا مِن لا بُدَّ فُعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ، أيِ: التَّفْرِيقِ. والمَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ، أيْ: لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ ما فَيَنْقَلِبُ حَقًّا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهم: جُرْمَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ، وفُعْلٌ وفَعَلٌ أخَوانِ كَرُشْدٍ ورَشَدٍ.

﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ. عَطْفٌ عَلى أنَّ ما تَدْعُونَنِي داخِلٌ في حُكْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: في الضَّلالِ والطُّغْيانِ كالإشْراكِ وسَفْكِ الدِّماءِ.

﴿هم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: مُلازِمُوها.

40:44Page 472

فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤

And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."

﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ وقُرِئَ: ( فَسَتَذْكُرُونَ ) أيْ: فَسَيَذْكُرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.

﴿ما أقُولُ لَكُمْ﴾ مِنَ النَّصائِحِ ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ قالَهُ لِما أنَّهم كانُوا تَوَعَّدُوهُ ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ فَيَحْرُسُ مَن يَلُوذُ بِهِ مِنَ المَكارِهِ.

40:45Page 472

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥

So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -

﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ شَدائِدَ مَكْرِهِمْ وما هَمُّوا بِهِ مِن إلْحاقِ أنْواعِ العَذابِ بِمَن خالَفَهم. قِيلَ: نُجامِعُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلِاسْتِغْناءِ بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِطَلِبَةِ المُؤْمِنِ مِن قَوْمِهِ لِما أنَّهُ فَرَّ إلى جَبَلٍ فاتَّبَعَهُ طائِفَةٌ لِيَأْخُذُوهُ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي والوُحُوشُ صُفُوفٌ حَوْلَهُ فَرَجَعُوا رُعْبًا فَقَتَلَهم.

﴿سُوءُ العَذابِ﴾ الغَرَقُ والقَتْلُ والنّارُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском