Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:46–77
40:46Page 472
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ سُوءِ العَذابِ، أوِ النّارُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: هو النّارُ. و "يُعْرَضُونَ" اسْتِئْنافٌ لِلْبَيانِ أوْ بَدَلٌ مِن سُوءِ العَذابِ، و "يَعْرِضُونَ" حالٌ مِنها أوْ مِنَ الآلِ، ولا يُشْتَرَطُ في الحَيْقِ أنْ يَكُونَ الحائِقُ ذَلِكَ السُّوءَ بِعَيْنِهِ حَتّى يَرِدَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَهُمُّوا بِتَعْذِيبِهِ بِالنّارِ لِيَكُونَ ابْتِلاؤُهم بِها مِن قَبِيلِ رُجُوعِ ما هَمُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّوءِ، وقُرِئَتْ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ يُعْرَضُونَ مِثْلَ يُصَلُّونَ، فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ بِإحْراقِهِمْ بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قُتِلُوا بِهِ وذَلِكَ لِأرْواحِهِمْ، (p-279)كَما رَوىَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تُعْرَضُ عَلى النّارِ بُكْرَةً وعَشِيًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وذَكَرَ الوَقْتَيْنِ إمّا لِلتَّخْصِيصِ وإمّا فِيما بَيْنَهُما، فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِمْ وإمّا لِلتَّأْيِيدِ هَذا ما دامَتِ الدُّنْيا.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ أيْ: عَذابَ جَهْنَمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ أوْ أشَدُّ عَذابِ جَهْنَمَ فَإنَّ عَذابَها ألْوانٌ بَعْضُها أشَدُّ مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ: ( ادْخُلُوا ) مِنَ الدُّخُولِ، أيْ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ.
40:47Page 472
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧
And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"
﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ أيْ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ فِيها ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ مِنهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم رُؤَساؤُهم ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ اتِّباعًا كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ، أيْ: أتْباعٍ عَلى إضْمارِ المُضافِ أوْ تَبَعًا عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً.
﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ بِالدَّفْعِ أوْ بِالحَمْلِ، و "نَصِيبًا" مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ، أيْ: دافِعُونَ عَنّا نَصِيبًا. . . إلَخْ. أوْ بِمُغْنُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الحَمْلِ، أيْ: مُغْنُونَ عَنّا حامِلِينَ نَصِيبًا. . . إلَخْ. أوْ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَإنَّهُ في مَوْقِعِ غَناءٍ فَكَذَلِكَ نَصِيبًا.
40:48Page 472
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨
Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ، فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا ؟ وقُرِئَ: ( كُلًّا ) عَلى التَّأْكِيدِ لِاسْمِ إنَّ بِمَعْنى كُلِّنا، وتَنْوِيهٌ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ، فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ فَإنَّكَ تَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تَقُولُ جَدِيدًا لَكَ ثَوْبٌ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ وقَضى قَضاءً مُتْقَنًا لا مَرَدَّ لَهُ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
40:49Page 472
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩
And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."
﴿وَقالَ الَّذِينَ في النّارِ﴾ مِنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا لَمّا ضاقَتْ حِيَلُهم وعَيَّتْ بِهِمْ عِلَلُهم ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، ووَضْعُ جَهَنَّمَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ أوْ لِبَيانِ مَحَلِّهِمْ فِيها بِأنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دِرْكاتِ النّارِ وفِيها، أعْنِي الكَفَرَةِ وأطْغاهم أوْ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أهْلِها أقْدَرَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾ أيْ: مِقْدارَ يَوْمٍ أوْ في يَوْمٍ ما مِنَ الأيّامِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لا مِعْيارٌ شَيْئًا.
﴿مِنَ العَذابِ﴾ واقْتِصارُهم في الِاسْتِدْعاءِ عَلى ما ذُكِرَ مِن تَخْفِيفِ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِنَ العَذابِ في مِقْدارٍ قَصِيرٍ مِنَ الزَّمانِ دُونَ رَفْعِهِ رَأْسًا، أوْ تَخْفِيفِ قَدْرٍ كَثِيرٍ مِنهُ في زَمانٍ مَدِيدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مِمّا لَيْسَ في حَيِّزِ الإمْكانِ ولا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ أمانِيِّهِمْ.
40:50Page 473
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠
They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."
﴿قالُوا﴾ أيِ: الخَزَنَةُ. (p-280)﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: ألَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مُغِبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ، وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ: أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا فادْعُوا﴾ فَصِيحَةٌ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنّا، وتَعْلِيلُ امْتِناعِهِمْ عَنِ الدُّعاءِ بِعَدَمِ الإذْنِ فِيهِ مَعَ عَرائِهِ عَنْ بَيانِ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِهِمْ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ، رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ، وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم فِيهِ لَفَعَلُوا، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَسْبَما صَرَّحُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ: ضَياعٍ وبُطْلانٍ. وقَوْلُهُ تَعالى:
40:51Page 473
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ . . . إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وهو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنّا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لَهم مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ.
﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ، وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِشَهادَةِ الأشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ.
40:52Page 473
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢
The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وعَدَمُ نَفْعِ المَعْذِرَةِ لِأنَّها باطِلَةٌ، وقُرِئَ: ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ.
﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: البُعْدُ عَنِ الرَّحْمَةِ.
﴿وَلَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: جَهَنَّمَ.
40:53Page 473
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣
And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ما يُهْتَدى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والصُّحُفِ والشَّرائِعِ، ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ وتَرَكْنا عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِهِ التَّوْراةَ.
40:54Page 473
هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤
As guidance and a reminder for those of understanding.
﴿هُدًى وذِكْرى﴾ هِدايَةً وتَذْكِرَةً، أوْ هادِيًا ومُذَكِّرًا.
﴿لأُولِي الألباب﴾ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ العامِلِينَ بِما في تَضاعِيفِهِ.
40:55Page 473
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥
So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.
﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ما نالَكَ مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ.
﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: وعْدَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ أوْ وعْدَهُ الخاصَّ بِكَ أوْ جَمِيعَ مَواعِيدِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.
﴿حَقٌّ﴾ لا يَحْتَمِلُ الإخْلافَ أصْلًا، واسْتَشْهَدَ بِحالِ مُوسى وفِرْعَوْنَ (p-281)﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ تَدارُكًا لِما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى في بَعْضِ الأحايِينِ، فَإنَّهُ تَعالى كافِيكَ في نُصْرَةِ دِينِكَ وإظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: ودُمْ عَلى التَّسْبِيحِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ تَعالى، وقِيلَ: صَلِّ لِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ إذْ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا، وقِيلَ: صَلِّ شُكْرًا لِرَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ، وقِيلَ: هُما صَلاةُ العَصْرِ وصَلاةُ الفَجْرِ.
40:56Page 473
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦
Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ ويَجْحَدُونَ بِها ﴿بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾ في ذَلِكَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّكَلُّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنِ اسْتِنادِهِ إلى سُلْطانٍ مُبِينٍ البَتَّةَ، وهَذا عامٌّ لِكُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ﴾ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"، أيْ: ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعَظُّمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ، أوْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الإطْلاقِ، أوْ إلّا إرادَةُ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقالُوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ فِيها لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما، وأنَّ لَهُمُ شَيْئًا يُتَوَهَّمُ أنْ يَصْلُحَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هم بِبالِغِيهِ﴾ صِفَةٌ لِكِبْرٍ. قالَ مُجاهِدٌ: ما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ، وهو ما أرادُوهُ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: المُجادِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، وكانُوا يَقُولُونَ لَسْتَ صاحِبَنا المَذْكُورَ في التَّوْراةِ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ، وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا، ونَفى أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم.
﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: فالتَجِئْ إلَيْهِ مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ.
﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لِأقْوالِكم وأفْعالِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:
40:57Page 473
لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَبْيِينٌ لِأشْهَرِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لِقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ والتَّأمُّلِ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ لِأهْوائِهِمْ.
40:58Page 473
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨
And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ: الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ أيْ: والمُحْسِنُ والسَّيِّئُ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ، وزِيادَةُ لا في المُسِيءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِطُولِ الكَلامِ بِالصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواتِهِ لِلْمُحْسِنِ فِيما لَهُ مِنَ الفَضْلِ والكَرامَةِ، والعاطِفُ الثّانِي عَطْفُ المَوْصُولِ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الأعْمى والبَصِيرِ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ في المَقْصُودِ، أوِ الدَّلالَةِ بِالصَّراحَةِ والتَّمْثِيلِ.
﴿قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ عَلى الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، (p-282)أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ.
40:59Page 474
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩
Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.
﴿إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ: في مَجِيئِها لِوُضُوحِ شَواهِدِها، وإجْماعِ الرُّسُلِ عَلى الوَعْدِ بِوُقُوعِها ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ عَلى ظَواهِرِ ما يُحِسُّونَ بِهِ.
40:60Page 474
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠
And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.
﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ أيِ: اعْبُدُونِي.
﴿أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أيِ: أنِبْكم لِقَوْلِهِ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ أذِلّاءَ وإنْ فُسِّرِ الدُّعاءُ بِالسُّؤالِ كانَ الأمْرُ الصّارِفُ عَنْهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ العِبادَةِ لِلْمُبالِغَةِ، أوِ المُرادُ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ فَإنَّهُ مِن أفْضَلِ أبْوابِها، وقُرِئَ: ( سَيُدْخَلُونَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ.
40:61Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١
It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بِأنْ خَلَقَهُ بارِدًا مُظْلِمًا لِيُؤَدِّيَ إلى ضَعْفِ الحَرَكاتِ، وهُدْءِ الحَواسِّ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ، وتَقَدُّمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا.
﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ: مُبْصَرًا فِيهِ أوْ بِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُوازِيهِ، ولا يُدانِيهِ فَضْلٌ ﴿عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواضِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ بِهِمْ.
40:62Page 474
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢
That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?
﴿ذَلِكُمُ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والربوبية ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ تُخَصِّصُ اللّاحِقَةُ مِنها السّابِقَةَ وتُقَرِّرُها، وقُرِئَ: ( خالِقَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَيَكُونُ لا إلَهَ إلّا هو اسْتِئْنافٌ بِما هو كالنَّتِيجَةِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ.
﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ ؟ ومِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ خاصَّةً إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ ؟
40:63Page 474
كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣
Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ ولا مُصَحِّحَ أصْلًا يُؤْفَكُ كُلُّ مَن جَحَدَ بِآياتِهِ تَعالى أيَّ آيَةٍ كانَتْ لا إفْكًا آخَرَ لَهُ وجْهٌ ومُصَحَّحٌ في الجُمْلَةِ.
40:64Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤
It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالمَكانِ بَعْدَ بَيانِ فَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالزَّمانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِهِمْ، و "الفاءُ" في "فَأحْسَنَ" تَفْسِيرِيَّةٌ، (p-283)فَإنَّ الإحْسانَ عَيْنُ التَّصْوِيرِ، أيْ: صَوَّرَكم أحْسَنَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ خَلَقَكم مُنْتَصِبَ القامَةِ بادِيَ البَشَرَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ والتَّخْطِيطاتِ، مُتَهَيِّئًا لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكَمالاتِ.
﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: اللَّذائِذِ.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الَّذِي نُعِتِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خَبَرانِ لِذَلِكم ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: تَعالى بِذاتِهِ ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ. والكُلُّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ في ذاتِهِ ووُجُودِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ جَمِيعًا بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ فَيْضُهُ عَنْهُ آنًا لانْعَدَمَ بِالكُلِّيَّةِ.
40:65Page 474
هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥
He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.
﴿هُوَ الحَيُّ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
﴿فادْعُوهُ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُهُ بِهِ تَعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيِ: الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ والخَفِيِّ.
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: قائِلِينَ ذَلِكَ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها: الحُمَدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
40:66Page 474
۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ أوْ مِنَ الآياتِ لِكَوْنِها مُؤَيِّدَةً لِأدِلَّةِ العَقْلِ مُنَبِّهَةً عَلَيْها فَإنَّ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ مُفَسِّراتٌ لِلْآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ.
﴿وَأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أنْقادَ لَهُ وأُخْلِصَ لَهُ دِينِي.
40:67Page 475
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧
It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقَكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ، أيْ: مَنِيٍّ.
﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ أيْ: أطْفالًا. والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن أفْرادِهِ.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِيُخْرِجَكم مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَهُ مُناسِبَةٍ لَها كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى لِتَبْلُغُوا، وقُرِئَ: ( شَيْخًا ) كَقَوْلِهِ تَعالى: "طِفْلًا" ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى مَن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الأشَدِّ أوْ قَبْلَهُ أيْضًا.
﴿وَلِتَبْلُغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ، أيْ: ولِتَبْلُغُوا ﴿أجَلا مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ بِفِعْلِ ذَلِكَ.
﴿وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ولِكَيْ تَعْقِلُوا ما في ذَلِكَ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والعِبَرِ.
40:68Page 475
هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨
He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.
﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي﴾ الأمْواتَ ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحْياءَ أوِ الَّذِي يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ.
﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ: أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، وهَذا تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قدرته في المَقْدُوراتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِها، وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ (p-284)تَرَتُّبِ المُكَوِّناتِ عَلى تَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أمْرٌ ومَأْمُورٌ، و "الفاءُ" الأُولى لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مِن نَتائِجِ ما قَبْلَها مِنِ اخْتِصاصِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِهِ سُبْحانَهُ.
40:69Page 475
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩
Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ وآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ تَكْذِيبِهِمْ بِكُلِّ القرآن وبِسائِرِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ، وتَرْتِيبُ الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ كَما أنَّ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ . . . إلَخْ. بَيانٌ لِابْتِناءِ جِدالِهِمْ عَلى مَبْنًى فاسِدٍ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ هو الأمْنِيَّةُ الفارِغَةُ فَلا تَكْرِيرَ فِيهِ، أيِ: انْظُرْ إلى هَؤُلاءِ المُكابِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِهِ تَعالى الواضِحَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِها الزّاجِرَةِ عَنِ الجِدالِ فِيها، كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْها مَعَ تَعاضُدِ الدَّواعِي إلى الإقْبالِ عَلَيْها وانْتِفاءِ الصَّوارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى:
40:70Page 475
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠
Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ: بِكُلِّ القرآن أوْ بِجِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. فَإنَّ تَكْذِيبَهُ تَكْذِيبٌ لَها في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ. وإنَّما وُصِلَ المَوْصُولُ الثّانِي بِالتَّكْذِيبِ دُونَ المُجادَلَةِ؛ لِأنَّ المُعْتادَ وُقُوعُ المُجادَلَةِ في بَعْضِ المَوادِّ لا في الكُلِّ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ كَما أنَّ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ المُجادَلَةِ وتَكَرُّرِها.
﴿وَبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، أوْ مُطْلَقِ الوَحْيِ والشَّرائِعِ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ما فَعَلُوا مِنَ الجِدالِ والتَّكْذِيبِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعُقُوباتِهِ.
40:71Page 475
إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١
When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged
﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لَيَعْلَمُونَ إذِ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، ولَفْظُ الماضِي لِتَيَقُّنِهِ.
﴿والسَّلاسِلُ﴾ عَطْفٌ عَلى الأغْلالِ، والجارُّ في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ خَبَرُ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْحَبُونَ﴾ بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ: يُسْحَبُونَ بِها. وهو عَلى الأوَّلِينَ حالٌ مِنَ المَسَّتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حالُهم بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: يُسْحَبُونَ ؟
40:72Page 475
فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢
In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].
﴿فِي الحَمِيمِ﴾ وقُرِئَ: ( والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ ) بِالنَّصْبِ وفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ وعَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، و ( السَّلاسِلِ ) بِالجَرِّ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ في مَعْنى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ أوْ إضْمارًا لِلْباءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِهِ.
﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أيْ: يُحْرَقُونَ مِن سَجْرِ التَّنُّورِ إذا مَلَأهُ بِالوَقُودِ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ، أيْ: مُلِئَ. والمُرادُ بَيانُ أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِأنْواعِ العَذابِ، ويُنْقَلُونَ مِن بابٍ إلى بابٍ.
40:73Page 475
ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣
Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
40:74Page 475
مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.
(p-285)﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ ويَقُولُونَ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ومَعْنى "ضَلُّوا عَنّا" غابُوا عَنّا، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَقَرْنَ بِهِمْ آلِهَتَهم أوْ ضاعُوا عَنّا فَلَمْ نَجِدْ ما كُنّا نَتَوَقَّعُ مِنهم.
﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ: بَلْ تَبَيَّنَ لَنا أنّا لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ شَيْئًا بِعِبادَتِهِمْ لِما ظَهَرَ لَنا اليَوْمَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ كَقَوْلِكَ: حَسِبْتُهُ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ الفَظِيعِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ حِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، أوْ كَما ضَلَّ عَنْهم آلِهَتُهم يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ حَتّى لَوْ تَطالَبُوا لَمْ يَتَصادَفُوا.
40:75Page 475
ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥
[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الإضْلالُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَبْطُرُونَ وتَتَكَبَّرُونَ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهو الشِّرْكُ والطُّغْيانُ ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تَتَوَسَّعُونَ في البَطَرِ والأشَرِ، والِالتِفاتُ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ.
40:76Page 475
ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦
Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أبْوابَها السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها.
﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ. والتَّعْبِيرُ عَنْ مَدْخَلِهِمْ بِـ "المَثْوى" لِكَوْنِ دُخُولِهِمْ بِطَرِيقِ الخُلُودِ.
40:77Page 475
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧
So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.
﴿فاصْبِرْ﴾ إلى أنْ يُلاقُوا ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِتَعْذِيبِهِمْ ﴿حَقٌّ﴾ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيْ: فَإنْ نُرِكَ. و "ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الشُّرْطِيَّةِ، ولِذَلِكَ لَحِقَتِ النُّونُ الفِعْلَ ولا تَلْحَقُهُ مَعَ إنْ وحْدَها.
﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وهو القَتْلُ والأسْرُ.
﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، وهو جَوابُ "نَتَوَفَّيَنَّكَ"، وجَوابُ "نُرِيَنَّكَ" مَحْذُوفٌ. مِثْلُ فَذاكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَها بِمَعْنى إنْ نُعَذِّبْهم في حَياتِكَ، أوْ لَمْ نُعَذِّبْهم فَإنّا نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ أشَدَّ العَذابِ وأفْظَعَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الرُّجُوعِ في هَذا المَعْرَضِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences