Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
41:1–3Page 477
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
(p-2)سُورَةُ فُصِّلَتْ مَكِّيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
﴿حم﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَهو إمّا خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو الأظْهَرُ لِما مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ وخَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أوْ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ خَبَرُهُ ﴿كِتابٌ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ آخَرُ أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَدارٌ لِلْمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ واقِعٌ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .
﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ مُيِّزَتْ بِحَسَبِ النَّظْمِ والمَعْنى: وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ ومَعانٍ مُتَغايِرَةٍ مِن أحْكامٍ وقِصَصٍ ومَواعِظَ وأمْثالٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ وقُرِئَ "فَصَلَتْ" أيْ: فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فُصِلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الأسالِيبِ والمَعانِي مِن قَوْلِكَ: "فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا".
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِيَّةِ مِن "كِتابٌ" لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ من آياته.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَعانِيَهُ لِكَوْنِهِ عَلى لِسانِهِمْ. وقِيلَ: لِأهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ أُخْرى لِـ"قُرْآنًا" أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ ...إلَخْ.
أوْ بِتَنْزِيلٍ عَلى أنَّ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لَهُ أوْ بِفُصِّلَتْ.
41:4Page 477
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ صِفَتانِ أُخْرَيانِ لِـ"قُرْآنًا" أيْ: بَشِيرًا لِأهْلِ الطّاعَةِ ونَذِيرًا لِأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ حالانِ مِن "كِتابٌ" أوْ مِن "آياتِهِ" وقُرِئا بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِـ"كِتابٌ" أوِ الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ.
﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَنْ تَدَبُّرِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلى لُغَتِهِمْ.
﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَفَكُّرٍ وتَأمُّلٍ حَتّى يَفْهَمُوا إجَلالَةَ قَدْرِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
41:5Page 477
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
﴿وَقالُوا﴾ (p-3)أيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ بِما في القرآن.
﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ أيْ: أغْطِيَةٍ.
﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ: صَمَمُ الثِّقْلِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ.
﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ غَلِيظٌ يَمْنَعُنا عَنِ التَّواصُلِ و"مِن" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحِجابَ مُبْتَدَأٌ مِنَ الجانِبَيْنِ بِحَيْثُ اسْتَوْعَبَ ما بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ المُتَوَسِّطَةِ ولَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ فَراغٌ أصْلًا وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنِ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ كَأنَّ بِها صَمَمًا وامْتِناعَ مُواصَلَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ.
﴿فاعْمَلْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكَ وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِنا.
﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ أيْ: عَلى دِينِنا، وقِيلَ: في إبْطالِ أمْرِكَ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ،
41:6Page 477
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ تَلْقِينٌ لِلْجَوابِ عَنْهُ أيْ: لَسْتُ مِن جِنْسٍ مُغايِرٍ لَكم حَتّى يَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكم حِجابٌ وتَبايُنٌ مُصَحِّحٌ لِتَبايُنِ الأعْمالِ والأدْيانِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُكُمْ: فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ، بَلْ إنَّما مِثْلُكم مَأْمُورٌ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ حَيْثُ أُخْبِرْنا جَمِيعًا بِالتَّوْحِيدِ بِخِطابٍ جامِعٍ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَإنَّ الخِطابَ في إلَهِكم مَحْكِيٌّ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ لا أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكَفَرَةِ كَما في مَثَلِكم. وقِيلَ: المَعْنى: لَسْتُ مَلَكًا ولا جِنِّيًا لا يُمْكِنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهُ ولا أدْعُوكم إلى ما تَنْبُو عَنْهُ العُقُولُ والأسْماعُ وإنَّما أدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ في العَمَلِ، وقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِما دَلائِلُ العَقْلِ وشَواهِدُ النَّقْلِ، وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي لَسْتُ بِمَلَكٍ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم وقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ دُونَكم فَصَحَّتْ بِالوَحْيِ إلَيَّ وأنا بَشَرٌ نُبُوَّتِي وإذا صَحَّتْ نَبُّوتِي وجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي فَتَأمَّلْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن إحْياءِ الوَحْدانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاسْتِقامَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الأعْمالِ.
﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ مِمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن سُوءِ العَقِيدَةِ والعَمَلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ تَرْهِيبٌ وتَنْفِيرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في التَّوْحِيدِ.
41:7Page 477
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
وَوَصَفَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ عَنْ مَنعِ الزَّكاةِ حَيْثُ جُعِلَ مِن أوْصافِ المُشْرِكِينَ وقُرِنَ بِالكُفْرِ بِالآخِرَةِ حَيْثُ قِيلَ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى "لا يُؤْتُونَ" داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، واخْتِلافُهُما بِالفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ لِما أنَّ عَدَمَ إيتائِها مُتَجَدِّدٌ والكُفْرُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ بِقَوْلِهِ: لا يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإنَّها زَكاةُ الأنْفُسِ والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ . وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: لا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ ولا يَتَصَدَّقُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم.
41:8Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ: (p-4)لا يُمَنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَنِّ وأصْلُهُ الثِّقْلُ أوْ لا يُقْطَعُ مِن مَنَنْتُ الحَبْلَ قَطَعْتُهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والهَرْمى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ.
41:9Page 477
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ إنْكارٌ وتَشْنِيعٌ لِكُفْرِهِمْ و"إنَّ واللّامَ " إمّا لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ، وتَقْدِيمُ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُفْرَهم مِنَ البُعْدِ بِحَيْثُ يُنْكِرُ العُقَلاءُ وُقُوعَهُ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ وإنَّما عَلَّقَ كُفْرَهم بِالمَوْصُولِ حَيْثُ قِيلَ ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ تَعالى واسْتِعْظامِ كُفْرِهِمْ بِهِ أيْ: بِالعَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي قَدَّرَ وُجُودَها أيْ: حَكَمَ بِأنَّها سَتُوجَدُ في مِقْدارِ يَوْمَيْنِ أوْ في نَوْبَتَيْنِ عَلى أنَّ ما يُوجَدُ في كُلِّ نَوْبَةٍ يُوجَدُ بِأسْرَعَ ما يَكُونُ وإلّا فاليَوْمُ الحَقِيقِيُّ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِها وتَسْوِيَةِ السَّمَواتِ وإبْداعِ نَيِّراتِها وتَرْتِيبِ حَرَكاتِها.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَطْفٌ عَلى "تَكْفُرُونَ" داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وجَمَعَ الأنْدادَ بِاعْتِبارِ ما هو الواقِعُ لا بِأنْ يَكُونَ مَدارُ الإنْكارِ هو التَّعَدُّدُ أيْ: وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا والحالُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظَمَةِ، وإفْرادُ الكافِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ المُرادَ لَيْسَ تَعْيِينَ المُخاطَبِينَ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ: ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ.
﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها دُونَ الأرْضِ خاصَّةً فَكَيْفَ يُتَصَّوَرُ أنْ يَكُونَ أخَسُّ مَخْلُوقاتِهِ نِدًّا لَهُ؟
41:10Page 477
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ عَطْفٌ عَلى "خَلَقَ" داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وحَدِيثُ لُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِجُمْلَتَيْنِ خارِجِيَّتَيْنِ عَنْ حَيِّزِ الصِّلَةِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ الأُولى مُتَّحِدَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ فَهو بِمَنزِلَةِ الإعادَةِ لَهُ والثّانِيَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ، فالفَصْلُ بِهِما كَلا فَصْلٍ عَلى أنَّ فِيهِ فائِدَةَ التَّنَبِّيِهِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كافٍ في تَحَقُّقٍ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ واسْتِحالَةِ أنْ يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ المَعْطُوفاتُ. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: خَلَقَها وجَعَلَ ...إلَخْ وقِيلَ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ تَقْدِيرُ الجَعْلِ لا الجَعْلُ بِالفِعْلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"جَعَلَ" أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"رَواسِيَ" أيْ: كائِنَةً مِن فَوْقِها مُرْتَفِعَةً عَلَيْها لِتَكُونَ مَنافِعُها مُعَرَّضَةً لِأهْلِها ويَظْهَرَ لِلنُّظّارِ ما فِيها مِن مَراصِدِ الِاعْتِبارِ ومَطارِحِ الأفْكارِ.
﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أيْ: قَدَّرَ أنْ يَكْثُرَ خَيْرُها بِأنْ يَخْلُقَ أنْواعَ الحَيَواناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ وأصْنافُ النَّباتِ الَّتِي مِنها مَعايِشُهم.
﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ: حَكَمَ بِالفِعْلِ بِأنْ يُوجَدَ فِيما سَيَأْتِي لِأهْلِها مِنَ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ أقْواتُها المُناسِبَةُ لَها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وقُرِئَ "وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها". (p-5)﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا بِتَقْدِيرِها أيْ: قَدَّرَ حُصُولَها في يَوْمَيْنِ وإنَّما قِيلَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أيْ: تَتِمَّةِ أرْبَعَةٍ تَصْرِيحًا بِالفَذْلَكَةِ.
﴿سَواءً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"أيّامٍ" أيِ: اسْتَوَتْ سَواءً أيِ: اسْتِواءً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ. وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أقْواتِها" أوْ في "فِيها"، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ: هِي سَواءٌ.
﴿لِلسّائِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها أوْ بِقَدَّرَ أيْ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ السّائِلِينَ أيِ: الطّالِبِينَ لَها المُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ المُقْتاتِينَ.
41:11Page 477
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ إثْرَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّقْدِيرِ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ البَيانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ وأهْلِها لِما أنَّ بَيانَ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِ المُخاطَبِينَ وتَرْتِيبِ مَبادِي مَعايِشِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ أيْ: ثُمَّ قَصَدَ نَحْوَها قَصْدًا سَوِيًّا لا يَلْوِي عَلى غَيْرِهِ.
﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ أيْ: أمْرٌ ظَلْمانِيٌّ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مادَّتِها أوْ عَنِ الأجْزاءِ المُتَصَغِّرَةِ الَّتِي رُكِّبَتْ هي مِنها أوْ دُخانٌ مُرْتَفِعٌ مِنَ الماءِ كَما سَيَأْتِي وإنَّما خَصَّ الِاسْتِواءَ بِالسَّماءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما مَعًا حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾ اكْتِفاءً بِذِكْرِ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ ما فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ الَّتِي قُدِّرَ وُجُودُها ووُجُودُ ما فِيها.
﴿ائْتِيا﴾ أيْ: كُونا واحْدُثا عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ وفي وقْتٍ مُقَدَّرٍ لِكُلٍّ مِنكُما، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُجُودِهِما تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ بَعْدَ تَقْدِيرِ أمْرِهِما مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أمْرٌ ومَأْمُورٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ تَمْثِيلٌ لِتَحَتُّمِ تَأْثِيرِ قدرته تعالى فِيهِما واسْتِحالَةِ امْتِناعِهِما مِن ذَلِكَ لا إثْباتُ الطَّوْعِ والكَرْهِ لَهُما وهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ أيْ: طائِعَتَيْنِ أوْ كارِهَتَيْنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ أيْ: مُنْقادِينَ تَمْثِيلٌ لِكَمالِ تَأثُّرِهِما بِالذّاتِ عَنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ وحُصُولِهِما كَما أُمِرَتا بِهِ وتَصْوِيرٌ لِكَوْنِ وجُودِهِما كَما هُما عَلَيْهِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ، فَإنَّ الطَّوْعَ مُنْبِئٌ عَنْ ذَلِكَ، والكَرْهَ مُوهِمٌ لِخِلافِهِ، وإنَّما قِيلَ طائِعِينَ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في مَعْرِضِ الخِطابِ والجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساجِدِينَ﴾ .
41:12Page 478
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ تَفْسِيرٌ وتَفْصِيلٌ لِتَكْوِينِ السَّماءِ المُجْمَلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالأمْرِ وجَوابِهِ لا أنَّهُ فِعْلٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَكْوِينِها أيْ: خَلَقَهُنَّ خَلْقًا إبْداعِيًّا وأتْقَنَ أمْرَهُنَّ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والضَّمِيرُ إمّا لِلسَّماءِ عَلى المَعْنى أوْ مُبْهَمٌ و"سَبْعَ سَمَواتٍ" حالٌ عَلى الأوَّلِ تَمْيِيزٌ عَلى الثّانِي.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ في وقْتٍ مُقَدَّرٍ بِيَوْمَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ مِقْدارَ زَمانِ خَلْقِ الأرْضِ وخَلْقِ ما فِيها عِنْدَ بَيانِ تَقْدِيرِهِما فَكانَ خَلْقُ الكُلِّ في سِتَّةِ أيّامٍ حَسَبَما نَصَّ عَلَيْهِ في مَواقِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ.
﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ عَطْفٌ عَلى قَضّاهُنَّ أيْ: خَلَقَ في كُلٍّ مِنها ما في المَلائِكَةِ (p-6)والنَّيِّراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّي فالوَحْيُ عِبارَةٌ عَنِ التَّكْوِينِ كالأمْرِ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ أوْ أوْحى إلى أهْلِ كُلٍّ مِنها أوامِرَهُ وكَلَّفَهم ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ فَهو بِمَعْناهُ، ومُطْلَقٌ عَنِ القَيْدِ المَذْكُورِ وأيًّا ما كانَ؛ فَعَلى ما قُرِّرَ مِنَ التَّفْصِيلِ لا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى التَّرْتِيبِ بَيْنَ إيجادِ الأرْضِ وإيجادِ السَّماءِ وإنَّما التَّرْتِيبُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ والإيجادِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَلْقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعانِيها الظّاهِرَةِ فَهي وما في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ تَدُلّانِ عَلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها عَلى خَلْقِ السَّماءِ وما فِيها وعَلَيْهِ إطْباقُ أكْثَرِ أهْلِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ العَرْشَ العَظِيمَ كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أحْدَثَ في الماءِ اضْطِرابًا فَأزْبَدَ فارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ فَأمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ فِيهِ اليُبُوسَةَ فَجَعَلَهُ أرْضًا واحِدَةً ثُمَّ فَتَقَها فَجَعَلَها أرَضِينَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ. ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جِرْمَ الأرْضِ يَوْمَ الأحَدِ ويَوْمَ الِاثْنَيْنِ ودَحاها وخَلَقَ ما فِيها يَوْمَ الثُّلاثاءِ ويَوْمَ الأرْبِعاءِ وخَلَقَ السَّمَواتِ وما فِيهِنَّ يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ وخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ ساعَةٍ مِنهُ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ. وقِيلَ: إنَّ خَلْقَ جِرْمِ الأرْضِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ لَكِنْ دَحْوُها وخَلْقُ ما فِيها مُؤَخَّرٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ولِما رُوِي عَنِ الحَسَن ِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْهِ دُخانٌ مُلْتَزِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ الآيَةُ. ولَيْسَ المُرادُ بِنَظْمِها مَعَ السَّماءِ في سِلْكِ الأمْرِ بِالإتْيانِ إنْشاءَها وإحْداثَها بَلْ إنْشاءُ دَحْوِها وجَعْلُها عَلى وجْهٍ خاصٍّ يَلِيقُ بِها مِن شَكْلٍ مُعَيَّنٍ ووَصْفٍ مَخْصُوصٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ ائْتِي يا أرْضُ مَدْحُوَّةً قَرارًا ومِهادًا لِأهْلِكِ وائْتِي يا سَماءُ مُقْبِيَةً سَقْفًا لَهُمْ، ومَعْنى الإتْيانِ: الحُصُولُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ قِراءَةُ "آتِيا" و"آتَيْنا" مِنَ المُواتاةِ وهي المُوافَقَةُ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَذْكُورَ قَبْلَ الأمْرِ بِالإتْيانِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلْقِ جِرْمِ الأرْضِ حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرَ بَلْ خَلْقُ ما فِيها أيْضًا مِنَ الأُمُورِ المُتَأخِّرَةِ عَنْ دَحْوِها قَطْعًا فالأظْهَرُ أنْ يُسَلَكَ مَسْلَكَ الأوَّلِينَ ويُحَمَلَ الأمْرُ بِالإتْيانِ عَلى تَكْوِينِهِما مُتَوافِقَتَيْنِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ دَحْوُها مُتَرَتِّبًا عَلى ذَلِكَ التَّكْوِينِ وإنَّما اللّازِمُ تَرَتُّبُ حُصُولِ التَّوافُقِ عَلَيْهِ ولا رَيْبَ في أنَّ تَكْوِينَ السَّماءِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِها كافٍ في حُصُولِهِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَكْوِينُ الأرْضِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ قَبْلَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ الأرْضَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ مَنصُوبًا بِمُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ عَلى شَرْطِيَّةِ التَّفْسِيرِ ويَجْعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ذِكْرِ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ السَّماءِ ورَفْعِ سَمْكِها وتَسْوِيَتِها وغَيْرَها لا إلى أنْفُسِها وتُحْمَلُ البَعْدِيَّةُ إمّا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ عَنِ الأوَّلِ في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَما قِيلَ، وإمّا عَلى أنَّهُ أدْخَلُ في الإلْزامِ لِما أنَّ المَنافِعَ المَنُوطَةَ بِما في الأرْضِ أكْثَرُ، وتَعَلُّقَ مَصالِحِ النّاسِ بِذَلِكَ أظْهَرُ،وَإحاطَتَهم بِتَفاصِيلِها أكْمَلُ، ولَيْسَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَن ِ (p-7)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا في تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ فَإنَّ بَسْطَ الأرْضِ مَعْطُوفٌ عَلى إصْعادِ الدُّخانِ وخَلْقِ السَّماءِ بِالواوِ فَلا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ قَطْعًا، وقَدْ نَقَلَ الإمامُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الأرْضِ فَضْلًا عَنْ دَحْوِها فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ الأمْرِ بِإتْيانِهِما حِينَئِذٍ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوافُقِ والمُواتاةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ خَلْقِ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ كَما لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ تَقَدُّمُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى خَلْقِ السَّماءِ هَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "ثُمَّ" لِلْتَراخِي الزَّمانِيِّ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما جَنَحَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى التَّرْتِيبِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ وعَلى ذَلِكَ بُنِيَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةُ، وإنَّما لَمْ يُحْمَلِ الخَلْقُ هُناكَ عَلى مَعْنى التَّقْدِيرِ كَما حُمِلَ عَلَيْهِ هُنا لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ.
﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ مِنَ الكَواكِبِ فَإنَّها كُلَّها تُرى مُتَلَأْلِئَةً عَلَيْها كَأنَّها فِيها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِالأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى "زَيَّنّا" أيْ: وحَفِظْناها مِنَ الآفاتِ أوْ مِنَ المُسْتَرِقَةِ حِفْظًا. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ بِتَفاصِيلِهِ.
﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ المُبالِغِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ.
41:13Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أإنَّكُمْ﴾ ...إلَخْ أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما ذُكِرَ مِن عَظائِمَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ أوْ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم.
﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ: أُنْذِرُكُمْ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإنْذارِ المُنْبِئِ عَنْ تَحَقُّقِ المُنْذَرِ بِهِ.
﴿صاعِقَةً﴾ أيْ: عَذابًا هائِلًا شَدِيدَ الوَقْعِ كَأنَّهُ صاعِقَةٌ.
﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وقُرِئَ "صَعْقَةً" مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودٍ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ أوِ الصَّعَقِ يُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ صَعْقًا فَصَعِقَ صَعْقًا وهو مِن بابِ فَعَلْتُهُ فَفُعِلَ
41:14Page 478
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ حالٌ مِن ﴿صاعِقَةِ عادٍ﴾ ولا سَدادَ لِجَعْلِهِ ظَرْفًا لـِ"أنْذَرْتُكُمْ" أوْ صِفَةً لِـ"صاعِقَةً" لِفَسادٍ المَعْنى، وأمّا جَعْلُهُ صِفَةً لِصاعِقَةِ عادٍ أيِ: الكائِنَةُ إذْ جاءَتْهم فَفِيهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ.
﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"جاءَتْهُمْ" أيْ: مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ واجْتَهَدُوا بِهِمْ مِن كُلِ جِهَةٍ أوْ مِن جِهَةِ الزَّمانِ الماضِي بِالإنْذارِ عَمّا جَرى فِيهِ عَلى الكُفّارِ ومِن جِهَةِ المُسْتَقْبَلِ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: المَعْنى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ مَنزِلَةَ مَجِيءِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ هُودًا وصالِحًا كانا داعِيَيْنِ لَهم إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ جاءَ مِن بَيْنِ أيْدِيِهِمْ أيْ: مِن قَبْلِهِمْ ومِمَّنْ يَجِيءُ مِن خَلْفِهِمْ أيْ: مِن بَعْدِهِمْ، فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ أوْ أيْ: لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ.
﴿قالُوا: لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ أيْ: (p-8)إرْسالَ الرُّسُلِ لا إنْزالَ المَلائِكَةِ كَما قِيلَ، فَإنَّهُ عارٍ عَنْ إفادَةِ ما أرادُوهُ مِن نَفْيِ رِسالَةِ البَشَرِ وقَدْ مَرَّ فِيما سَلَفَ.
﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ: لَأرْسَلَهم لَكِنْ لَمّا كانَ إرْسالُهم بِطَرِيقِ الإنْزالِ قِيلَ لَأنْزَلَ.
﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكُمْ، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ.
﴿كافِرُونَ﴾ لِما أنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا مِن غَيْرِ فَضْلٍ لَكم عَلَيْنا. رُوِيَ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْش قَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ والسحر فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ مِن أمْرِهِ فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والكِهانَةَ والسحر وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفِي عَلَيَّ فَأتاهُ فَقالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَبِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسًا، وإنْ تَكُ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ أيَّ بَناتِ قُرَيْش شِئْتَ وإنْ كانَ بِكَ المالُ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ فَلَمّا فَرَغَ عُتْبَةُ قالَ ﷺ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ " فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ ﷺ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يُخْرَجْ إلى قُرَيْش فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا: ما نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ فَغَضِبَ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ واللَّهِ ما هو بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا سِحْرٍ ولَمّا بَلَغَ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ أمْسَكْتُ بِفِيِهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ أنْ يَكُفَّ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ.»
41:15Page 478
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما يُخَصُّ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الجِنايَةِ والعَذابِ إثْرَ حِكايَةِ ما يَعُمُّ الكُلَّ مِنَ الكُفْرِ المُطْلَقِ أيْ: فَتَعَظَّمُوا فِيها عَلى أهْلِها أوِ اسْتَعْلَوْا فِيها واسْتَوْلَوْا عَلى أهْلِها.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلتَّعَظُّمِ والوِلايَةِ.
﴿وَقالُوا﴾ مُدِلِّينَ بِشِدَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.
﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ حَيْثُ كانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وخَلْقٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِمْ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْزِعُ الصَّخْرَةَ مِن جَبَلٍ فَيَقْتَلِعُها بِيَدِهِ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: أغَفُلُوا أوْ ألَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جَلِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ والعِيانِ.
﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ أيْ: قُدْرَةً، فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ بِالذّاتِ مُقْتَدِرٌ عَلى ما لا يَتَناهى قَوِيٌّ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مُفِيضٌ لِلْقُوى والقُدَرِ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ وقادِرٍ، وإنَّما أوْرَدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ خَلْقَهم دُونَ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ لِادِّعائِهِمُ الشِّدَّةَ في القُوَّةِ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
﴿وَكانُوا بِآياتِنا﴾ المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ.
﴿يَجْحَدُونَ﴾ أيْ: يُنْكِرُونَها وهم يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَها وهو عَطْفٌ عَلى "فاسْتَكْبَرُوا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلرَّدِّ عَلى كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ.
41:16Page 478
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أيْ: بارِدَةً تُهْلِكُ وتَحْرِقُ بِشِدَّةِ (p-9)بَرْدِها مِنَ الصِّرِّ وهو البَرْدُ الَّذِي يَصِرُّ أيْ: يَجْمَعُ ويَقْبِضُ أوْ عاصِفَةً في هُبُوبِها مِنَ الصَّرِيرِ.
﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ مِن نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ عَلى التَّخْفِيفِ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ مُبالَغَةً، قِيلَ: كُنَّ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ وما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ.
﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ "لِتُذِيقَهُمُ" عَلى إسْنادِ الإذاقَةِ إلى الرِّيحِ أوْ إلى الأيّامِ وأُضِيفَ العَذابُ إلى الخِزْيِ الَّذِي هو الذُّلُّ والِاسْتِكانَةُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَهُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِلْمُعَذَّبِ وقَدْ وُصِفَ بِهِ العَذابُ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿وَهم لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences