Abu as-Su'udFussilat · 41:44–54

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:44–54

41:44Page 481

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤

And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1

﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القرآن بِلُغَةِ العَجَمِ، والضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ.

﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أيْ: بُيِّنَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّخْصِيصِ والأعْجَمِيُّ يُقالُ لِكَلامٍ لا يُفْهَمُ ولِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، والياءُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَأحْمَرِيٍّ والمَعْنى: أكَلامٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ عَلى أنَّ الإفْرادَ مَعَ كَوْنِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أُمَّةً جَمَّةً لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ التَّنافِي والتَّنافُرِ بَيْنَ الكَلامِ وبَيْنَ المُخاطَبِ بِهِ لا بَيانُ كَوْنِ المُخاطَبِ واحِدًا أوْ جَمْعًا، وقُرِئَ "أعَجَمِيٌّ" أيْ: أكَلامٌ مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَجَمِ، وقُرِئَ "أعْجَمِيٌّ" عَلى الإخْبارِ بِأنَّ القرآن أعْجَمِيٌّ والمُتَكَلِّمُ والمُخاطَبُ عَرَبِيٌّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ وأيًّا ما كانَ؛ فالمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى أيِّ وجْهٍ جاءَتْهم وجَدُوا فِيها مُتَعَنَّتًا يَتَعَلَّلُونَ بِهِ.

﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ.

﴿وَشِفاءٌ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ.

﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مُبْتَدَأٌّ خَبَرُهُ ﴿فِي آذانِهِمْ وقْرٌ﴾ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُوَ: أيِ القرآن في آذانِهِمْ وقْرٌ، عَلى أنَّ "وَقْرٌ" خَبَرٌ لِلضَّمِيرِ المُقَدَّرِ و"فِي آذانِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "وَقْرٌ" وهو أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ . وقِيلَ: خَبَرُ المَوْصُولِ "فِي آذانِهِمْ" و"وَقْرٌ" فاعِلُ الظَّرْفِ. وقِيلَ: "وَقْرٌ" مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ مِنهُ وقْرٌ ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى عامِلَيْنِ عَطْفَ المَوْصُولَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ أيْ: هو لِلْأوَّلِينَ هُدًى وشِفاءٌ ولِلْآخِرِينَ وقْرٌ في آذانِهِمْ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (p-17)المَوْصُولِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ ومُلاحَظَةِ ما أُثْبِتَ لَهُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسِبَةِ لِلنِّداءِ مِن بَعِيدٍ أيْ: أُولَئِكَ البُعَداءُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّصامِّ عَنِ الحَقِّ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ والتَّعامِي عَنِ الآياتِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها.

﴿يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ قَبُولِهِمْ واسْتِماعِهِمْ لَهُ بِمَن يُنادى مِن مَسافَةٍ نائِيَةٍ لا يَكادُ يَسْمَعُ مِن مِثْلِها الأصْواتِ.

41:45Page 481

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ٤٥

And We had already given Moses the Scripture, but it came under disagreement.1 And if not for a word [i.e., decree]2 that preceded from your Lord, it would have been concluded between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ في شَأْنِ الكُتُبِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْأُمَمِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْناهُ التَّوْراةَ فاخْتُلِفَ فِيها فَمِن مُصَدِّقٍ لَها ومُكَذِّبٍ وهَكَذا حالُ قَوْمِكَ في شَأْنِ ما آتَيْناكَ مِنَ القرآن فَمِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ.

﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في حَقِّ أُمَّتِكَ المُكَذِّبَةِ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ وفَصْلُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخُصُومَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .

﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ كَما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ.

﴿وَأنَّهُمْ﴾ أيْ: كُفّارُ قَوْمِكَ.

﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ أيْ: مِنَ القرآن، وجَعْلُ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْيَهُودِ والثّانِي لِلتَّوْراةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ.

41:46Page 481

مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦

Whoever does righteousness - it is for his [own] soul; and whoever does evil [does so] against it. And your Lord is not ever unjust to [His] servants.

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ بِأنْ آمَنَ بِالكُتُبِ وعَمِلَ بِمُوجِبِها.

﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: فَلِنَفْسِهِ يَعْمَلُهُ أوْ فَنَفْعُهُ لِنَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ.

﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ضَرَرُهُ لا عَلى غَيْرِهِ.

﴿وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَرْكِ إثابَةِ المُحْسِنِ بِعَمَلِهِ أوْ إثابَةِ الغَيْرِ بِعَمَلِهِ وتَنْزِيلِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ إساءَةٍ أوْ بِإساءَةِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ مَرَّ ما في المَقامِ مِنَ التَّحْقِيقِ والتَّفْصِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وسُورَةِ الأنْفالِ.

41:47Page 482

۞ إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٖ ٤٧

To Him [alone] is attributed knowledge of the Hour. And fruits emerge not from their coverings nor does a female conceive or give birth except with His knowledge. And the Day He will call to them, "Where are My 'partners'?" they will say, "We announce to You that there is [no longer] among us any witness [to that]."

﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ: إذا سُئِلَ عَنْها يُقالُ: اللَّهُ يَعْلَمُ، أوْ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.

﴿وَما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ أيْ: مِن أوْعِيَتِها جَمْعُ كِمٍّ بِالكَسْرِ، وهو وِعاءُ الثَّمَرَةِ كَجُفِّ الطَّلْعَةِ، وقُرِئَ "مِن ثَمَرَةٍ" عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، والجَمْعُ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وقَدْ قُرِئَ بِجَمْعِ الضَّمِيرِ أيْضًا و"ما" نافِيَةٌ و"مِن" الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى السّاعَةِ و"مِن" مُبَيِّنَةً بَعِيدٌ.

﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ أيْ: حَمْلَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِعِلْمِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: وما يَحْدُثُ شَيْءٌ (p-18)مِن خُرُوجِ ثَمَرَةٍ ولا حَمْلِ حامِلٍ ولا وضْعِ واضِعٍ مُلابِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلابِسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ.

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ: بِزَعْمِكم كَما نَصَّ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَقْرِيعٌ لَهم و"يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ تُرِكَ إيذانًا بِقُصُورِ البَيانِ عَنْهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ .

﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾ أيْ: أخْبَرْناكَ.

﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ مِن أحَدٍ يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ إذْ تَبَرَّأْنا مِنهم لَمّا عايَنّا الحالَ وما مِنّا أحَدٌ إلّا وهو مُوَحِّدٌ لَكَ أوْ ما مِنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم حِينَئِذٍ. وقِيلَ: هو قَوْلُ الشُّرَكاءِ أيْ: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم كانُوا مُحِقِّينَ، وقَوْلُهم آذَنّاكَ إمّا لِأنَّ هَذا التَّوْبِيخَ مَسْبُوقٌ بِتَوْبِيخٍ آخَرَ مُجابٍ بِهَذا الجَوابِ أوْ لِأنَّ مَعْناهُ: أنَّكَ عَلِمْتَ مِن قُلُوبِنا وعَقائِدِنا الآنَ أنّا لا نَشْهَدُ تِلْكَ الشَّهادَةَ الباطِلَةَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَهُ مِن نُفُوسِهِمْ فَكَأنَّهم أعْلَمُوهُ أوْ لِأنَّ مَعْناهُ الإنْشاءُ لا الإخْبارُ بِإيذانٍ قَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ.

41:48Page 482

وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَدۡعُونَ مِن قَبۡلُۖ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٤٨

And lost from them will be those they were invoking before, and they will be certain that they have no place of escape.

﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ.

﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: غابُوا عَنْهم أوْ ظَهَرَ عَدَمُ نَفْعِهِمْ فَكانَ حُضُورُهم كَغَيْبَتِهِمْ.

﴿وَظَنُّوا﴾ أيْ: أيْقَنُوا.

﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ مَهْرَبٍ، والظَّنُّ مُعَلَّقٌ عَنْهُ بِحَرْفِ النَّفْيِ.

41:49Page 482

لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ ٤٩

Man is not weary of supplication for good [things], but if evil touches him, he is hopeless and despairing.

﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ أيْ: لا يَمَلُّ ولا يَفْتُرُ.

﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ مِن طَلَبِ السَّعَةِ في النِّعْمَةِ وأسْبابِ المَعِيشَةِ، وقُرِئَ "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ".

﴿وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيِ: العُسْرُ والضِّيقَةُ.

﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ فِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ البِناءِ ومِن جِهَةِ التَّكْرِيرِ ومِن جِهَةِ أنَّ القُنُوطَ عِبارَةٌ عَنْ يَأْسٍ مُفْرِطٍ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الشَّخْصِ فَيَتَضاءَلُ ويَنْكَسِرُ أيْ: مُبالَغٌ في قَطْعِ الرَّجاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِوَصْفِ غالِبِ أفْرادِهِ لِما أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى لا يَتَأتّى إلّا مِنَ الكافِرِ وسَيُصَرِّحُ بِهِ.

41:50Page 482

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٠

And if We let him taste mercy from Us after an adversity which has touched him, he will surely say, "This is [due] to me,1 and I do not think the Hour will occur; and [even] if I should be returned to my Lord, indeed, for me there will be with Him the best." But We will surely inform those who disbelieved about what they did, and We will surely make them taste a massive punishment.

﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بِتَفْرِيجِها عَنْهُ.

﴿لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾ أيْ: حَقِّي أسْتَحِقُّهُ لِما لِي مِنَ الفَضْلِ والعَمَلِ أوْ لِي لا لِغَيْرِي فَلا يَزُولَ عَنِّي أبَدًا.

﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أيْ: تَقُومُ فِيما سَيَأْتِي.

﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي﴾ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها.

﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ أيْ: لَلْحالَةُ الحُسْنى مِنَ الكَرامَةِ وذَلِكَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ما أصابَهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا لِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ وأنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ كَذَلِكَ.

﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ: لَنُعْلِمَنَّهم بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ حِينَ أظْهَرْناها بِصُورَةِ الحَقِيقَةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مِن سُورَةِ يُونُسَ.

﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ كُنْهُهُ.

(p-19)﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾

41:51Page 482

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١

And when We bestow favor upon man, he turns away and distances himself; but when evil touches him, then he is full of extensive supplication.

﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ أيْ: عَنِ الشُّكْرِ.

﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ: ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَباعَدَ بِكُلِّيَّتِهِ تَكَبُّرًا وتَعَظُّمًا والجانِبُ مَجازٌ عَنِ النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ عِطْفُهُ ويَكُونَ عِبارَةً عَنِ الِانْحِرافِ والِازْوِرارِ كَما قالُوا: ثَنى عِطْفَهُ وتَوَلّى بِرُكْنِهِ.

﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ أيْ: كَثِيرٍ، مُسْتَعارٌ مِمّا لَهُ عَرْضٌ مُتَّسِعٌ لِلْإشْعارِ بِكَثْرَتِهِ واسْتِمْرارِهِ وهو أبْلَغُ مِنَ الطَّوِيلِ إذِ الطُّولُ أطْوَلُ الِامْتِدادَيْنِ فَإذا كانَ عَرْضُهُ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِطُولِهِ، ولَعَلَّ هَذا شَأْنُ بَعْضٍ غَيْرِ البَعْضِ الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ اليَأْسُ والقُنُوطُ أوْ شَأْنُ الكُلِّ في بَعْضِ الأوْقاتِ.

41:52Page 482

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢

Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] is from Allāh and you disbelieved in it, who would be more astray than one who is in extreme dissension?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبَرُونِي.

﴿إنْ كانَ﴾ أيِ: القرآن.

﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ.

﴿مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: مَن أضَلُّ مِنكم فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ شَرْحًا لِحالِهِمْ وتَعْلِيلًا لِمَزِيدِ ضَلالِهِمْ.

41:53Page 482

سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣

We will show them Our signs in the horizons and within themselves until it becomes clear to them that it is the truth.1 But is it not sufficient concerning your Lord that He is, over all things, a Witness?2

﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ الدّالَّةَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿فِي الآفاقِ﴾ هو ما أخْبَرَهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَوادِثِ الآتِيَةِ وآثارِ النَّوازِلِ الماضِيَةِ وما يُسِرُّ اللَّهُ تَعالى لَهُ ولِخُلَفائِهِ مِنَ الفُتُوحِ والظُّهُورِ عَلى آفاقِ الدُّنْيا والِاسْتِيلاءِ عَلى بِلادِ المَشارِقِ والمَغارِبِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ.

﴿وَفِي أنْفُسِهِمْ﴾ هو ما ظَهَرَ فِيما بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَلَّ بِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في الآفاقِ أيْ: مَنازِلِ الأُمَمِ الخالِيَةِ وآثارِهِمْ وفي أنْفُسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَن ُ والسُّدِّي ّ ُ: في الآفاقِ ما يَفْتَحُ اللَّهُ مِنَ القُرى عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُسْلِمِينَ وفي أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ. وقِيلَ: في الآفاقِ أيْ: في أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والأضْواءِ والظِّلالِ والظُّلُماتِ ومِنَ النَّباتِ والأشْجارِ والأنْهارِ وفي أنْفُسِهِمْ مِن لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وبَدِيعِ الحِكْمَةِ في تَكْوِينِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ واعْتُذِرَ بِأنَّ مَعْنى السِّينِ مَعَ أنَّ إراءَةَ تِلْكَ الآياتِ قَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى سَيُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ الآياتِ زَمانًا فَزَمانًا ويَزِيدُهم وُقُوفًا عَلى حَقائِقِها يَوْمًا فَيَوْمًا.

﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ بِذَلِكَ.

﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ أيِ: القرآن أوِ الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ.

﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرَدُّدِهِمْ في شَأْنِ القرآن وعِنادِهِمُ المُحْوِجِ إلى إراءَةِ الآياتِ وعَدَمِ اكْتِفائِهِمْ بِإخْبارِهِ تَعالى، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: ألَمْ يُغْنِ ولَمْ يَكْفِ رَبُّكَ والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا تَكادُ تُزادُ إلّا مَعَ كَفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أيْ: ألَمْ يُغْنِهِمْ عَنْ إراءَةِ الآياتِ المَوْعُودَةِ المُبَيِّنَةِ لِحَقِيقَةِ القرآن ولَمْ يَكْفِهِمْ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ وقَدْ أخْبَرَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِهِ وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ هَذا المَوْعُودَ مِن إظْهارِ آياتِ اللَّهِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ سَيَرَوْنَهُ (p-20)وَيُشاهِدُونَهُ فَيَتَبَيَّنُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ القرآن تَنْزِيلُ عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أيْ: مُطَّلِعٌ يَسْتَوِي عِنْدَهُ غَيْبُهُ وشَهادَتُهُ فَيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ حَقٌّ وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما قَوِيَ هَذِهِ القُوَّةَ ولَما نُصِرَ حامِلُوهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ فَتَأمَّلْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أوْ لَمْ يَكْفِكَ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ مُحَقِّقٌ لَهُ فَيُحَقِّقُ أمْرَكَ بِإظْهارِ الآياتِ المَوْعُودَةِ كَما حَقَّقَ سائِرَ الأشْياءِ المَوْعُودَةِ فَمَعَ إشْعارِهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ مَنصِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّرَدُّدِ فِيما ذُكِرَ مِن تَحْقِيقِ المَوْعُودِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:

41:54Page 482

أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ ٥٤

Unquestionably, they are in doubt about the meeting with their Lord. Unquestionably He is, of all things, encompassing.

﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن ذَلِكَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ عَدَمَ الكِفايَةِ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ "مُرْيَةٍ" بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيها.

﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ جُمَلِها وتَفاصِيلِها وظَواهِرِها وبَواطِنِها فَلا تَخْفى عَلَيْها خافِيَةٌ مِنهم وهو مُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ومِرْيَتِهِمْ لا مَحالَةَ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ السَّجْدَةِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَناتٍ".» واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском