Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:16–42
42:16Page 485
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦
And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.
﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في دِينِهِ.
﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ النّاسُ ودَخَلُوا فِيهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِجابَةِ بِاعْتِبارِ دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ وأيَّدَهُ بِنَصْرِهِ أوْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ لَهُ أهْلِ الكِتابِ بِأنْ أقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ ﷺ واسْتَفْتَحُوا بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ؛ وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم ونَحْنُ خَيْرٌ مِنكم وأوْلى بِالحَقِّ.
﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ زالَّةٌ زائِلَةٌ باطِلَةٌ بَلْ لا حُجَّةَ لَهم أصْلًا وإنَّما عُبِّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ.
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لِمُكابَرَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
﴿وَلَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
42:17Page 485
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسًا بِهِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ أوْ بِما يَحِقُّ إنْزالُهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ.
﴿والمِيزانَ﴾ والشَّرْعِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ الحُقُوقُ ويُسَوّى بَيْنَ النّاسِ أوْ نَفْسُ العَدْلِ بِأنْ أنْزَلَ الأمْرَ بِهِ أوْ آلَةُ الوَزْنِ.
﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ عالِمًا؟
﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ الَّتِي يُخْبِرُ بِمَجِيئِها الكِتابُ النّاطِقُ بِالحَقِّ.
﴿قَرِيبٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ قَرِيبٌ أوْ قَرِيبٌ مَجِيئُها. وقِيلَ: القَرِيبُ بِمَعْنى ذاتُ قُرْبٍ أوِ السّاعَةُ بِمَعْنى البَعْثِ، والمَعْنى: أنَّها عَلى جَناحِ الإتْيانِ فاتَّبِعِ الكِتابَ واعْمَلْ بِهِ وواظِبْ عَلى العَدْلِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اليَوْمُ الَّذِي يُوزَنُ فِيهِ الأعْمالُ ويُوَفّى جَزاؤُها.
42:18Page 485
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨
Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ اسْتِعْجالَ إنْكارٍ واسْتِهْزاءٍ كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هِيَ؟ لَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا الحَقُّ، أهُوَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أمِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؟
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ خائِفُونَ مِنها مَعَ اعْتِناءٍ بِها لِتَوَقُّعِ الثَّوابِ.
﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ أيْ: الكائِنُ لا مَحالَةَ.
﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ يُجادِلُونَ فِيها مِنَ المِرْيَةِ أوْ مِن مَرَيْتُ النّاقَةَ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها بِشِدَّةٍ لِلْحَلْبِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ ما عِنْدَ صاحِبِهِ بِكَلامٍ فِيهِ شِدَّةٌ.
﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ البَعْثَ أشْبَهُ الغائِباتِ بِالمَحْسُوساتِ فَمَن لَمْ يَهْتَدِ إلى تَجْوِيزِهِ فَهو عَنِ (p-29)الِاهْتِداءِ إلى ما وراءَهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ.
42:19Page 485
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ: بَرٌّ بَلِيغُ البِرِّ بِهِمْ يُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ ألْطافِهِ ما لا يَكادُ يَنالُهُ أيْدِي الأفْكارِ والظُّنُونِ.
﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَرْزُقَهُ كَيْفَما يَشاءُ فَيَخُصُّ كُلًّا مِن عِبادِهِ بِنَوْعٍ مِنَ البَرِّ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
﴿وَهُوَ القَوِيُّ﴾ الباهِرُ القُدْرَةِ الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
﴿العَزِيزُ﴾ المَنِيعُ الَّذِي لا يُغْلَبُ.
42:20Page 485
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الحَرْثُ في الأصْلِ: إلْقاءُ البَذْرِ في الأرْضِ يُطْلَقُ عَلى الزَّرْعِ الحاصِلِ مِنهُ ويُسْتَعْمَلُ في ثَمَراتِ الأعْمالِ ونَتائِجِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالغِلالِ الحاصِلَةِ مِنَ البُذُورِ المُتَضَمِّنِ لِتَشْبِيهِ الأعْمالِ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ.
﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ نُضاعِفْ لَهُ ثَوابَهُ بِالواحِدِ عَشْرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها.
﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِأعْمالِهِ.
﴿حَرْثَ الدُّنْيا﴾ وهو مَتاعُها وطَيِّباتُها.
﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: شَيْئًا مِنها حَسَبَما قَسَّمْنا لَهُ لا ما يُرِيدُهُ ويَبْتَغِيهِ.
﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ إذْ كانَتْ هِمَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى الدُّنْيا، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ.
42:21Page 485
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ: بَلْ ألَهم شُرَكاءُ مِنَ الشَّياطِينِ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ.
﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾ بِالتَّسْوِيلِ.
﴿مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشَّرَكِ وإنْكارِ البَعْثِ والعَمَلِ لِلدُّنْيا. وقِيلَ: شُرَكاؤُهم أوْثانُهم وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإسْنادُ الشَّرْعِ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُ ضَلالَتِهِمْ وافْتِتانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ أوْ تَماثِيلَ مَن سَنَّ الضَّلالَةَ لَهم.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ: القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ أوِ العِدَةُ بِأنَّ الفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ.
﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ عَطْفًا عَلى كَلِمَةِ الفَصْلِ أيْ: ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ وتَقْدِيرُ عَذابِ الظّالِمِينَ في الآخِرَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا فَإنَّ العَذابَ الألِيمَ غالِبٌ في عَذابِ الآخِرَةِ.
42:22Page 485
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ لِلْقَصْدِ إلى أنَّ سُوءَ حالِهِمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِرُؤْيَةِ راءٍ دُونَ راءٍ.
﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ.
﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ.
﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ: ووَبالُهُ لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا، أوِ الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مُشْفِقِينَ" أوِ اعْتِراضٌ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-30)الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ مُسْتَقِرُّونَ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.
﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ما يَشْتَهُونَهُ مِن فُنُونِ المُسْتَلَذّاتِ حاصِلٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ، ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في لَهم. وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ"يَشاءُونَ".
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ.
﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ غايَتُهُ.
42:23Page 486
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣
It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1
﴿ذَلِكَ﴾ الفَضْلُ الكَبِيرُ هو ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ أيْ: يُبَشِّرُهم بِهِ، فَحَذَفَ الجارَّ ثُمَّ العائِدَ إلى المَوْصُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ أوْ ذَلِكَ التَّبْشِيرُ الَّذِي يُبَشِّرُهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وقُرِئَ "يُبْشِرُ" مِن أبْشَرَ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ في مَجْمَعٍ لَهم فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا فَنَزَلَتْ، أيْ: لا أطْلُبُ مِنكم عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ والبِشارَةِ.
﴿أجْرًا﴾ نَفْعًا.
﴿إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي أوْ تَوَدُّوا أهْلَ قَرابَتِي. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والمَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا قَطُّ ولَكِنْ أسْألُكُمُ المَوَدَّةَ و"فِي القُرْبى" حالٌ مِنها أيْ: إلّا المَوَدَّةَ ثابِتَةً في القُرْبى مُتَمَكِّنَةً في أهْلِها أوْ في حَقِّ القَرابَةِ و"القُرْبى" مَصْدَرٌ كالزُّلْفى بِمَعْنى القَرابَةِ. رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهُمْ؟ قالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما.» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "حُرِّمَتِ الجَنَّةُ عَلى مَن ظَلَمَ أهْلَ بَيْتِي وآذانِي في عِتْرَتِي ومَنِ اصْطَنَعَ صَنِيعَةً إلى أحَدٍ مِن ولَدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ولَمْ يُجازِهْ فَأنا أُجازِيهِ عَلَيْها غَدًا إذا لَقِيَنِي يَوْمَ القِيامَةِ".» وقِيلَ: القُرْبى: التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في تَقَرُّبِكم إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وقُرِئَ "إلّا مَوَدَّةً في القُرْبى".
﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أيْ: يَكْتَسِبْ أيَّ حَسَنَةٍ كانَتْ، فَتَناوَلَ مَوَدَّةَ ذِي القُرْبى تَناوُلًا أوَّلِيًّا. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها المُرادَةُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَوَدَّتِهِ فِيهِمْ ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها﴾ أيْ: في الحَسَنَةِ.
﴿حُسْنًا﴾ بِمُضاعَفَةِ الثَّوابِ، وقُرِئَ "يَزِدْ" أيْ: يَزِدِ اللَّهُ، وقُرِئَ "حُسْنى".
﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِمَن أذْنَبَ.
﴿شَكُورٌ﴾ لِمَن أطاعَ بِتَوْفِيَةِ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ.
42:24Page 486
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤
Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ.
﴿افْتَرى﴾ مُحَمَّدٌ.
﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِدَعْوى النُّبُوَّةِ وتِلاوَةِ القرآن عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَتَمالَكُونَ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو هو إلى الِافْتِراءِ لا سِيَّما الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الفِرى وأفْحَشُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى بُطْلانِ ما قالُوا بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ تَعالى لَمَنَعَهُ مِن ذَلِكَ قَطْعًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّ دَعْوى كَوْنِ القرآن افْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى قَوْلٌ مِنهم بِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ صُدُورَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَشاءُ عَدَمَ صُدُورِهِ (p-31)عَنْهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ مَنعُهُ عَنْهُ قَطْعًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانَ افْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى لَشاءَ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْكَ، وإنْ يَشَأْ ذَلِكَ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ تَواتَرَ الوَحْيُ حِينًا فَحِينًا تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى هَذا، وقِيلَ: المَعْنى إنْ يَشَأْ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ ومُؤَدّاهُ اسْتِبْعادُ الِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ في البُعْدِ مِثْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وعَنْ قَتادَةَ ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يُنْسِكَ القرآن ويَقْطَعْ عَنْكَ الوَحْيَ، يَعْنِي: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وهَذا مَعْنى ما قِيلَ لَوْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ لَأنْساهُ القرآن. وقِيلَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يَرْبِطْ عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ أذاهم.
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ الِافْتِراءِ، غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى يَخْتِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وسُقُوطُ الواوِ كَما في بَعْضِ المَصاحِفِ لِاتِّباعِ اللَّفْظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ أيْ: ومِن عادَتِهِ تَعالى أنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ ويُثْبِتُ الحَقَّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ فَلَوْ كانَ افْتِراءً كَما زَعَمُوا لَمَحَقَهُ ودَمَغَهُ أوْ عِدَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّهُ تَعالى يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البُهْتِ والتَّكْذِيبِ ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ بِالقرآن أوْ بِقَضائِهِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيُجْرِي عَلَيْها أحْكامَها اللّائِقَةَ بِها مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ.
42:25Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥
And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ التَّوْبَةُ: هي الرُّجُوعُ عَنِ المَعاصِي بِالنَّدَمِ عَلَيْها والعَزْمُ عَلى أنْ لا يُعاوِدَها أبَدًا. ورَوى جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عُنَّهُ: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ هَذِهِ تَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وما التَّوْبَةُ؟ قالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولَتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَتُها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضِحْكْتَهُ.
﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ صَغِيرِها وكَبِيرِها لِمَن يَشاءُ.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازِي ويَتَجاوَزُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، وقُرِئَ "ما تَفْعَلُونَ" بِالتّاءِ.
42:26Page 486
وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦
And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهم فَحَذَفَ اللّامَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا كالُوهُمْ﴾ أيْ: كالُوا لَهُمْ، والمُرادُ: إجابَةُ دَعْوَتِهِمْ والإثابَةُ عَلى طاعَتِهِمْ فَإنَّها كَدُعاءٍ وطَلَبٍ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ﴿أفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أوْ يَسْتَجِيبُونَ اللَّهَ بِالطّاعَةِ إذا دَعاهم إلَيْها، وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ قِيلَ لَهُ: ما بالُنا نَدْعُو فَلا (p-32)نُجابُ؟ قالَ: لِأنَّهُ دَعاكم ولَمْ تُجِيبُوهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ .
﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ما سَألُوا واسْتَحَقُّوا بِمُوجِبِ الوَعْدِ.
﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بَدَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ والفَضْلِ المَزِيدِ.
42:27Page 486
۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧
And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ لَتَكَبَّرُوا وأفْسَدُوا فِيها بَطَرًا أوْ لعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالِاسْتِيلاءِ والِاسْتِعْلاءِ كَما عَلَيْهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ، وأصْلُ البَغْيِ: طَلَبُ تَجاوُزِ الِاقْتِصادِ فِيما يُتَحَرّى مِن حَيْثُ الكَمِّيَّةُ أوِ الكَيْفِيَّةُ.
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرٍ.
﴿ما يَشاءُ﴾ أنْ يُنَزِّلَهُ مِمّا تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ.
﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِخَفايا أُمُورِهِمْ وجَلاياها فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِهِمْ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ فَيُفْقِرُ ويُغْنِي ويَمْنَعُ ويُعْطِي ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا. ورُوِيَ أنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ تَمَنَّوُا الغِنى فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا أُخْصِبُوا تَحارَبُوا وإذا أُجْدِبُوا انْتَجَعُوا.
42:28Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨
And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ أيِ: المَطَرَ الَّذِي يُغِيثُهم مِنَ الجَدْبِ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالنّافِعِ مِنهُ، وقُرِئَ "يُنْزِلُ" مِنَ الإنْزالِ.
﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ يَئِسُوا مِنهُ وتَقْيِيدُ تَنْزِيلِهِ بِذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِ أيْضًا لِتَذَكُّرِ كَمالِ النِّعْمَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ.
﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ: بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ السَّهْلِ والجَبَلِ والنَّباتِ والحَيَوانِ أوْ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ المُنْتَظِمَةَ لِما ذُكِرَ انْتِظامًا أوَّلِيًا.
﴿وَهُوَ الوَلِيُّ﴾ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِالإحْسانِ ونَشْرِ الرَّحْمَةِ.
﴿الحَمِيدُ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلى ذَلِكَ لا غَيْرُهُ.
42:29Page 486
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩
And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.
﴿وَمن آياته خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى ما هُما مِن تَعاجِيبِ الصَّنائِعِ فَإنَّها بِذاتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى شُئُونِهِ العَظِيمَةِ.
﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ عَطْفٌ عَلى السَّمَواتِ أوِ الخَلْقِ.
﴿مِن دابَّةٍ﴾ مِن حَيٍّ، عَلى إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أوْ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ فَإنَّ ما يَخْتَصُّ بِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ المُتَجاوِرَيْنِ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَشْيٌ مَعَ الطَّيَرانِ فَيُوصَفُوا بِالدَّبِيبِ وأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في السَّماءِ حَيَوانًا يَمْشُونَ فِيها مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَّ وأظْلافِهِنَّ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ العَرْشُ العَظِيمُ.» ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ أيْ: حَشْرِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ لِلْمُحاسَبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا يَشاءُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ لا بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-33)﴿قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ المُقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ جَمْعُهُ تَعالى لا قدرته وإذا عِنْدَ كَوْنِها بِمَعْنى الوَقْتِ كَما تَدْخُلُ الماضِيَ تَدْخُلُ المُضارِعَ.
42:30Page 486
وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠
And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.
﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾ أيَّ مُصِيبَةٍ كانَتْ.
﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: فَهي مَعاصِيكُمُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها، والفاءُ لِأنَّ "ما" شَرْطِيَّةٌ أوْ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، وقُرِئَ بِدُونِها اكْتِفاءً بِما في الباءِ مِن مَعْنى السَّبَبِيَّةِ.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ فَإنَّ ما أصابَ غَيْرَهم لِأسْبابٍ أُخْرى مِنها تَعْرِيضُهُ لِلثَّوابِ بِالصَّبْرِ عَلَيْها.
42:31Page 486
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١
And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.
﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ فائِتِينَ ما قُضِيَ عَلَيْكم مِنَ المَصائِبِ وإنْ هَرَبْتُمْ مِن أقْطارِها كُلَّ مَهْرَبٍ.
﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَحْمِيكم مِنها.
﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُها عَنْكم.
42:32Page 487
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢
And of His signs are the ships in the sea, like mountains.
﴿وَمن آياته الجَوارِ﴾ السُّفُنُ الجارِيَةُ.
﴿فِي البَحْرِ﴾ وقُرِئَ الجَوارِي.
﴿كالأعْلامِ﴾ أيْ: كالجِبالِ عَلى الإطْلاقِ لا الَّتِي عَلَيْها النّارُ لِلِاهْتِداءِ خاصَّةً.
42:33Page 487
إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣
If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي يُجْرِيها، وقُرِئَ "الرِّياحَ".
﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ فَيَبْقَيْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ أيْ: غَيْرَ جارِياتٍ لا غَيْرَ مُتَحَرِّكاتٍ أصْلًا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ السُّفُنِ اللّاتِي يَجْرِينَ تارَةً ويَرْكُدْنَ أُخْرى عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.
﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في العَدَدِ دالَّةً عَلى ما ذُكِرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى.
﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لِكُلِّ مَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى ما لا يَنْبَغِي ووَكَلَ هِمَّتَهُ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في آلائِهِ، أوْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ كامِلٍ فَإنَّ الإيمانَ نِصْفُهُ صَبْرٌ ونِصْفُهُ شُكْرٌ.
42:34Page 487
أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤
Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.
﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "يُسْكِنْ" والمَعْنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ أوْ يُرْسِلْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وإيقاعُ الإيباقِ عَلَيْهِنَّ مَعَ أنَّهُ حالُ "أهْلِهِنَّ" لِلْمُبالَغَةِ والتَّهْوِيلِ، وإجْراءُ حُكْمِهِ عَلى العَفْوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ لِما أنَّ المَعْنى: أوْ يُرْسِلْها فَيَوْبَقْ ناسًا ويُنْجِ آخَرِينَ بِطَرِيقِ العَفْوِ عَنْهُمْ، وقُرِئَ "وَيُعْفُو" عَلى الِاسْتِئْنافِ.
42:35Page 487
وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥
And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ولِيَعْلَمَ ...إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ ونَظائِرِهِما، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ وبِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَعْفُ" فَيَكُونُ المَعْنى: وإنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بَيْنَ إهْلاكِ قَوْمٍ وإنْجاءِ قَوْمٍ وتَحْذِيرِ قَوْمٍ ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: مِن مَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ.
42:36Page 487
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦
So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely
(p-34)﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ مِمّا تَرْغَبُونَ وتَتَنافَسُونَ فِيهِ.
﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: فَهو مَتاعُها تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّةَ حَياتِكم.
﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ.
﴿خَيْرٌ﴾ ذاتًا لِخُلُوصِ نَفْعِهِ.
﴿وَأبْقى﴾ زَمانًا حَيْثُ لا يَزُولُ ولا يَفْنى.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ أصْلًا، والمَوْصُولُ الأوَّلُ لَمّا كانَ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنى الشَّرْطِ مِن حَيْثُ إنَّ إيتاءَ ما أُوتُوا سَبَبٌ لِلتَّمَتُّعِ بِها في الحَياةِ الدُّنْيا دَخَلَتْ جَوابَها الفاءُ بِخِلافِ الثّانِي، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ تَصَدَّقَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمالِهِ فَلامَهُ جَمْعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ.
42:37Page 487
وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧
And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: الكَبائِرَ مِن هَذا الجِنْسِ.
﴿والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى "الَّذِينَ آمَنُوا" أوْ مَدْحٌ بِالنَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وبِناءُ "يَغْفِرُونَ" عَلى الضَّمِيرِ خَبَرًا لَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ الأخِصّاءُ بِالمَغْفِرَةِ حالَ الغَضَبِ لِعِزَّةِ مَنالِها، وقُرِئَ كَبِيرَ الإثْمِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كَبِيرُ الإثْمِ: الشِّرْكُ.
42:38Page 487
وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨
And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ نَزَلَ في الأنْصارِ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ إلى الإيمانِ فاسْتَجابُوا لَهُ.
﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: ذُو شُورى لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَتَشاوَرُوا ويَجْتَمِعُوا عَلَيْها وكانُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها إذا حَزَبَهم أمْرٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: في سَبِيلِ الخَيْرِ ولَعَلَّ فَصْلَهُ عَنْ قَرِينِهِ بِذِكْرِ المُشاوَرَةِ لِوُقُوعِها عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ لِلصَّلَواتِ.
42:39Page 487
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩
And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم كَراهَةَ التَّذَلُّلِ، وهو وصْفٌ لَهم بِالشَّجاعَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِسائِرِ مُهِمّاتِ الفَضائِلِ وهَذا لا يُنافِي وصْفَهم بِالغُفْرانِ فَإنَّ كُلاًّ مِنهُما فَضِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ في مَوْقِعِ نَفْسِهِ ورَذِيلَةٌ مَذْمُومَةٌ في مَوْقِعِ صاحِبِهِ، فَإنَّ الحِلْمَ عَنِ العاجِزِ وعَوْراءِ الكِرامِ مَحْمُودٌ، وعَنِ المُتَغَلِّبِ ولَغْواءِ اللِّئامِ مَذْمُومٌ؛ فَإنَّهُ إغْراءٌ عَلى البَغْيِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا
؎ فَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدى
42:40Page 487
وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ بَيانٌ لِوَجْهِ كَوْنِ الِانْتِصارِ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ إساءَةً إلى الغَيْرِ بِالإشارَةِ إلى أنَّ البادِئَ هو الَّذِي فَعَلَهُ لِنَفْسِهِ فَإنَّ الأفْعالَ مُسْتَتْبِعَةٌ لِأجْزِيَتِها حَتْمًا إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى حُرْمَةِ التَّعَدِّي، وإطْلاقُ السَّيِّئَةِ عَلى الثّانِيَةِ (p-35)لِأنَّها تَسُوءُ مَن نَزَلَتْ بِهِ.
﴿فَمَن عَفا﴾ عَنِ المُسِيءِ إلَيْهِ.
﴿وَأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُعادِيهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ مُنْبِئَةٌ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المَوْعُودِ وخُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ المَعْهُودِ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ البادِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ والمُعْتَدِينَ في الِانْتِقامِ.
42:41Page 487
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ظُلِمَ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أنَّ الضَّمِيرَيْنِ لَها بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ بِالمُعاتَبَةِ أوِ المُعاقَبَةِ.
42:42Page 487
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢
The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ يَبْتَدِئُونَهم بِالإضْرارِ أوْ يَعْتَدُونَ في الِانْتِقامِ.
﴿وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ فِيها تَجَبُّرًا وفَسادًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ بِغَيْرِ الحَقِّ.
﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences