Abu as-Su'udAsh‑Shuraa · 42:43–53

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:43–53

42:43Page 487

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣

And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1

﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ عَلى الأذى.

﴿وَغَفَرَ﴾ لِمَن ظَلَمَهُ ولَمْ يَنْتَصِرْ وفَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ.

﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: إنَّ ذَلِكَ مِنهُ، فَحُذِفَ ثِقَةً بِغايَةِ ظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، وهَذا في المَوادِّ الَّتِي لا يُؤَدِّي العَفْوُ إلى الشَّرِّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

42:44Page 487

وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤

And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"

﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ تَعالى إيّاهُ.

﴿وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَهُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.

﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ﴾ أيْ: إلى رَجْعَةٍ إلى الدُّنْيا.

﴿مِن سَبِيلٍ﴾ حَتّى نُؤْمِنَ ونَعْمَلَ صالِحًا.

42:45Page 488

وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥

And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."

﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى النّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالعَذابِ، والخِطابُ في المَوْضِعَيْنِ لِكُلِ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ.

﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ مُتَذَلِّلِينَ مُتَضائِلِينَ مِمّا دَهاهم.

﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ: يَبْتَدِئُ نَظَرُهم إلى النّارِ مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ، كالمَصْبُورِ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ.

﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: المُتَّصِفِينَ بِحَقِيقَةِ الخُسْرانِ.

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ الخالِدِ.

﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ إمّا ظَرْفٌ لِـ"خَسِرُوا" فالقَوْلُ في (p-36)الدُّنْيا، أوْ لِقالَ، فالقَوْلُ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ: يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَهم عَلى تِلْكَ الحالِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِهِمْ أوْ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم.

42:46Page 488

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦

And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.

﴿وَما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ بِرَفْعِ العَذابِ عَنْهم.

﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حَسَبَما كانُوا يَرْجُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.

﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ يُؤَدِّي سُلُوكُهُ إلى النَّجاةِ.

42:47Page 488

ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧

Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1

﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ إذا دَعاكم إلى الإيمانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ، عَلى أنَّ مِن صِلَةُ مَرَدَّ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.

﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: مَفَرٌّ تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ.

﴿وَما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ أيْ: إنْكارُهُ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ لِأنَّهُ مُدَوَّنٌ في صَحائِفِ أعْمالِكم وتَشْهَدُ عَلَيْكم جَوارِحُكم.

42:48Page 488

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨

But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.

﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَلْوِينٌ لِلْكَلامِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ خِطابِ النّاسِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالِاسْتِجابَةِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وأعْرَضُوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ فَما أرْسَلْناكَ رَقِيبًا ومُحاسِبًا عَلَيْهِمْ.

﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ وقَدْ فَعَلْتَ.

﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِنَ الصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ.

﴿فَرِحَ بِها﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ.

﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بَلِيغُ الكُفْرِ يَنْسى النِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ البَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَها، وإسْنادُ هَذِهِ الخَصْلَةِ إلى الجِنْسِ مَعَ كَوْنِها مِن خَواصِّ المُجْرِمِينَ لِغَلَبَتِهِمْ فِيما بَيْنَ الأفْرادِ، وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى بِـ"إذا" مَعَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ مُحَقَّقُ الوُجُودِ كَثِيرُ الوُقُوعِ وأنَّهُ مُقْتَضى الذّاتِ كَما أنَّ تَصْدِيرَ الثّانِيَةِ بِـ"إنْ" وإسْنادُ الإصابَةِ إلى السَّيِّئَةِ وتَعْلِيلُها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الإرادَةِ بِالذّاتِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ.

42:49Page 488

لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَمِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ فِيهِما وفي كُلِّ ما فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ومِن جُمْلَتِهِ أنْ يُقَسِّمَ النِّعْمَةَ والبَلِيَّةَ حَسَبَما يُرِيدُهُ.

﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِمّا تَعْلَمُهُ ومِمّا لا تَعْلَمُهُ.

﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ مِنَ الأوْلادِ.

﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (p-37)مِنهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ مَدْخَلٌ لِأحَدٍ.

42:50Page 488

أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠

Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.

﴿أوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ أيْ: يَقْرِنُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ فَيَهَبُهُما جَمِيعًا.

﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ قالُوا: مَعْنى يُزَوِّجُهُمْ: أنْ تَلِدَ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً أوْ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا أوْ تَلِدَ ذَكَرًا وأُنْثى تَوْأمَيْنِ.

﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ والمَعْنى: يَجْعَلُ أحْوالَ العِبادِ في حَقِّ الأوْلادِ مُخْتَلِفَةً عَلى ما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ فَيَهَبُ لِبَعْضٍ إمّا صِنْفًا واحِدًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وإمّا صِنْفَيْنِ ويُعَقِّمُ آخَرِينَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الإناثِ لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ أوْ لِأنَّ مَساقَ الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الواقِعَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى لا ما تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ الإنْسانِ، والإناثُ كَذَلِكَ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ في البَلاءِ والعَرَبُ تَعُدُّهُنَّ أعْظَمَ البَلايا، أوْ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ؛ ولِذَلِكَ عَرَّفَ الذُّكُورَ، أوْ لِجَبْرِ التَّأْخِيرِ وتَغْيِيرُ العاطِفِ في الثّالِثِ لَأنَّهُ قَسِيمُ المُشْتَرِكِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ في الرّابِعِ لِإفْصاحِهِ بِأنَّهُ قَسِيمُ المُشْتَرِكِ بَيْنَ الأقْسامِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: بَيانُ أحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ وُهِبَ لِشُعَيْبٍ ولُوطٍ إناثًا، ولِإبْراهِيمَ ذُكُورًا ولِلنَّبِيِّ ﷺ ذُكُورًا وإناثًا وجُعِلَ يَحْيى وعِيسى عَقِيمَيْنِ.

﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ والقُدْرَةِ فَيَفْعَلُ ما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ.

42:51Page 488

۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١

And it is not for any human being that Allāh should speak to him except by revelation or from behind a partition or that He sends a messenger [i.e., angel] to reveal, by His permission, what He wills. Indeed, He is Most High and Wise.

﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ.

﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ بَوْجَهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

﴿إلا وحْيًا﴾ أيْ: إلّا بِأنْ يُوحِيَ إلَيْهِ ويُلْهِمَهُ ويَقْذِفَ في قَلْبِهِ كَما أوْحى إلى أُمِّ مُوسى وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَبْحِ ولَدِهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْحى اللَّهُ الزَّبُورَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صَدْرِهِ أوْ بِأنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ الَّذِي يَخْلُقُهُ في بَعْضِ الأجْرامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ السّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ فَإنَّهُ تَمْثِيلٌ لَهُ بِحالِ المَلَكِ المُحْتَجِبِ الَّذِي يُكَلِّمُ بَعْضَ خَواصِّهِ مِن وراءِ الحِجابِ يَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ، وذَلِكَ كَما كَلَّمَ مُوسى وكَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ بِأنْ يُكَلِّمَهُ بِواسِطَةِ المَلَكِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ أيْ: مَلَكًا ﴿فَيُوحِيَ﴾ ذَلِكَ الرَّسُولُ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ الَّذِي هو الرَّسُولُ البُشْرى.

﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ.

﴿ما يَشاءُ﴾ أنْ يُوحِيَهُ إلَيْهِ وهَذا هو الَّذِي يَجْرِي بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوْقاتِ مِنَ الكَلامِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَحْيًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ مَصْدَرانِ واقِعانِ مَوْقِعَ الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَها، والتَّقْدِيرُ: وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ مُرْسِلًا، وقُرِئَ "أوْ يُرْسِلُ" بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. ورُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما كَلَّمَهُ مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ فَإنّا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى تَفْعَلَ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَمْ يَنْظُرْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ، ثُمَّ قالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (p-38)أوْلَمَ تَسْمَعُوا رَبَّكم يَقُولُ فَتَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ.

﴿إنَّهُ عَلِيٌّ﴾ مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لا يَتَأتّى جَرَيانُ المُفاوَضَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم إلّا بِأحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ فَيُكَلِّمُ تارَةً بِواسِطَةٍ وأُخْرى بِدُونِها إمّا إلْهامًا وإمّا خِطابًا.

42:52Page 489

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢

And thus We have revealed to you an inspiration of Our command [i.e., the Qur’ān]. You did not know what is the Book or [what is] faith, but We have made it a light by which We guide whom We will of Our servants. And indeed, [O Muḥammad], you guide to a straight path -

﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ الإيحاءِ البَدِيعِ.

﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ هو القرآن الَّذِي هو لِلْقُلُوبِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ لِلْأبْدانِ حَيْثُ يُحْيِيها حَياةً أبَدِيَّةً. وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْنى إيحائِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِما السَّلامُ: إرْسالُهُ إلَيْهِ بِالوَحْيِ.

﴿ما كُنْتَ تَدْرِي﴾ قُبَلَ الوَحْيِ.

﴿ما الكِتابُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هو.

﴿وَلا الإيمانُ﴾ أيِ: الإيمانُ بِتَفاصِيلَ ما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَهْتَدِي إلَيْها العُقُولُ لا الإيمانُ بِما يَسْتَقِلُّ بِهِ العَقْلُ والنَّظَرُ عَلَيْهِ فَإنَّ دِرايَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ قَطْعًا.

﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الرُّوحَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ.

﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ.

﴿مِن عِبادِنا﴾ وهو الَّذِي يَصْرِفُ اخْتِيارَهُ نَحْوَ الِاهْتِداءِ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ تَقْرِيرٌ لِهِدايَتِهِ تَعالى وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها ومَفْعُولُ "لَتَهْدِي" مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِغايَةِ الظُّهُورِ أيْ: وإنَّكَ لَتَهْدِي بِذَلِكَ النُّورِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ.

﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسْلامُ وسائِرُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقُرِئَ "لَتُهْدى" أيْ: لَيَهْدِيكَ اللَّهُ، وقُرِئَ "لَتَدْعُو".

42:53Page 489

صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣

The path of Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Unquestionably, to Allāh do [all] matters evolve [i.e., return].

﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ثُمَّ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ وتَقْرِيرِ اسْتِقامَتِهِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ سُلُوكِهِ، فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ما فِيها مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ أتَمَّ إيجابٍ.

﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ أيْ: أُمُورُ ما فِيهِما قاطِبَةً لا إلى غَيْرِهِ، فَفِيهِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُهْتَدِينَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والوَعِيدِ لِلضّالِّينَ عَنْهُ ما لا يَخْفى. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ حمْ عسق كانَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ ويَسْتَغْفِرُونَ ويَسْتَرْحِمُونَ لَهُ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском