Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:31–58
43:31Page 491
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١
And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ﴾ أيْ: مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ .
﴿عَظِيمٍ﴾ أيْ: بِالجاهِ والمالِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ وعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وقِيلَ: حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ. وعَنْ مُجاهِدٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وكِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، ولَمْ يَتَفَوَّهُوا بِهَذِهِ العَظِيمَةِ حَسَدًا عَلى نُزُولِهِ إلى رَسُولِ ﷺ دُونَ مَن ذُكِرَ مِن عُظَمائِهِمْ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِقُرْآنِيَّتِهِ بَلِ اسْتِدْلالًا عَلى عَدَمِها بِمَعْنى: أنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَنَزَلَ إلى أحَدِ هَؤُلاءِ بِناءً عَلى ما زَعَمُوا مِن أنَّ الرِّسالَةَ مَنصِبٌ جَلِيلٌ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا مَن لَهُ جَلالَةٌ مِن حَيْثُ المالُ والجاهُ ولَمْ يَدْرُوا أنَّها رُتْبَةٌ رُوحانِيَّةٌ لا يَتَرَقّى إلَيْها إلّا هِمَمُ الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَحَلِّينَ بِالفَضائِلِ الإنْسِيَّةِ، وأمّا المُتَزَخْرِفُونَ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُتَمَتِّعُونَ بِالحُظُوظِ الدَّنِيَّةِ فَهم مِنَ اسْتِحْقاقِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ بِألِفِ مَنزِلٍ.
43:32Page 491
أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢
Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.
(p-46)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ لَهم وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةُ.
﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ أيْ: أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِسْمَةً تَقْتَضِيَها مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ ولَمْ نُفَوِّضْ أمْرَها إلَيْهِمْ عِلْمًا مِنّا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَدْبِيرِها بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرِّزْقِ وسائِرِ مَبادِي المَعاشِ.
﴿دَرَجاتٍ﴾ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبَ القُرْبِ والبُعْدِ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَمِن ضَعِيفٍ وقَوِيٍّ وفَقِيرٍ وغَنِيٍّ وخادِمٍ ومَخْدُومٍ وحاكِمٍ ومَحْكُومٍ.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيُصَرِّفَ بَعْضُهم بَعْضًا في مَصالِحِهِمْ ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ ويَتَسَخَّرُوهم في أشْغالِهِمْ حَتّى يَتَعايَشُوا ويَتَرافَدُوا ويَصِلُوا إلى مَرافِقِهِمْ لا لِكَمالٍ في المُوَسَّعِ ولا لِنَقْصٍ في المُقَتَّرِ ولَوْ فَرَضْنا ذَلِكَ إلى تَدْبِيرِهِمْ لَضاعُوا وهَلَكُوا، فَإذا كانُوا في تَدْبِيرِ خُوَيِّصَةِ أمْرِهِمْ وما يُصْلِحُهم مِن مَتاعِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ وهو في طَرَفِ الثُّمامِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِ الدِّينِ وهو أبْعَدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ، ومِن أيْنَ لَهُمُ البَحْثُ عَنْ أمْرِ النُّبُوَّةِ والتَّخَيُّرُ لَها مَن يَصْلُحُ لَها ويَقُومُ بِأمْرِها.
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ: النُّبُوَّةُ وما يَتْبَعُها مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ.
﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ الفانِيَةِ.
43:33Page 491
وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣
And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحَقارَةِ مَتاعِ الدُّنْيا ودَناءَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمَعْنى: أنَّ حَقارَةَ شَأْنِهِ بِحَيْثُ لَوْلا أنْ لا يَرْغَبَ النّاسُ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا في الكُفْرِ إذا رَأوْا أهْلَهُ في سَعَةٍ وتَنَعُّمٍ فَيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لَأعْطَيْناهُ بِحَذافِيرِهِ مَن هو شَرُّ الخَلائِقِ وأدْناهم مَنزِلَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ: مُتَّخَذَةً مِنها و"لِبُيُوتِهِمْ" بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن لِـ"مَن" وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ إفْرادَ المُسْتَكِنِّ في "يَكْفُرُ" بِاعْتِبارِ لَفْظِها والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ كَرُهُنٍ جَمْعُ رَهْنٍ، وعَنِ الفَرّاءِ جَمْعُ سَقِيفَةٍ كَسُفُنٍ وسَفِينَةٍ وقُرِئَ "سُقْفًا" بِسُكُونِ القافِ تَخْفِيفًا و"سَقْفًا" اكْتِفاءً بِجَمْعِ البُيُوتِ، وسُقُفًا كَأنَّهُ لُغَةٌ في سَقْفٍ وسُقُوفًا.
﴿وَمَعارِجَ﴾ أيْ: جَعَلَنا لَهم مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ أيْ: مَصاعِدَ جَمْعُ مَعْرَجٍ، وقُرِئَ "مَعارِيجَ" جَمْعُ مِعْراجٍ.
﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أيْ: يَعْلُونَ السُّطُوحَ والعَلالِيَ.
43:34Page 492
وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤
And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ أيْ: وجَعَلَنا لِبُيُوتِهِمْ.
﴿أبْوابًا وسُرُرًا﴾ مِن فِضَّةٍ.
﴿عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى السُّرُرِ.
﴿يَتَّكِئُونَ﴾ ولَعَلَّ تَكْرِيرَ ذِكْرِ بُيُوتِهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
43:35Page 492
وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥
And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.
﴿وَزُخْرُفًا﴾ أيْ: زِينَةً عَطْفٌ عَلى "سُقُفًا" أوْ ذَهَبًا عَطْفٌ عَلى مَحَلٍّ مِن فِضَّةٍ.
﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: وما (p-47)كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ البُيُوتِ المَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ المُفَصَّلَةِ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وفي مَعْناهُ ما قُرِئَ: وما كُلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ "ما" عَلى أنَّ "أنْ" هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ العِلَّةِ و"ما" مَوْصُولَةٌ قَدْ حُذِفَ عائِدُها أيْ: لَلَّذِي هو مَتاعُ ...إلَخْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ .
﴿والآخِرَةُ﴾ بِما فِيها مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي يَقْصُرُ عَنْها البَيانُ.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ العَظِيمَ هو العَظِيمُ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا.
43:36Page 492
وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦
And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.
﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أيْ: يَتَعامَ.
﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهو القرآن وإضافَتُهُ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِنُزُولِهِ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، وقُرِئَ "يَعْشَ" بِالفَتْحِ أيْ: يَعْمَ، يُقالُ: عَشى يَعْشى إذا كانَ في بَصَرِهِ آفَةٌ وعَشا يَعْشُو إذا تَعَشّى بِلا آفَةٍ كَعَرَجَ وعَرُجَ، وقُرِئَ "يَعْشُو" عَلى أنَّ "مَن" مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى: ومَن يُعْرِضْ عَنْهُ لِفَرْطِ اشْتِغالِهِ بِزَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا وانْهِماكِهِ في حُظُوظِها الفانِيَةِ والشَّهَواتِ.
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ لا يُفارِقُهُ ولا يَزالُ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ، وقُرِئَ "يُقَيِّضْ" بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَنِ ومَن رَفَعَ "يَعْشُو" فَحُقُّهُ أنْ يَرْفَعَ "يُقَيِّضْ".
43:37Page 492
وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧
And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided
﴿وَإنَّهُمْ﴾ أيْ: الشَّياطِينَ الَّذِينَ قُيِّضَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَعْشُو.
﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيْ: قُرَناءَهم فَمَدارُ جَمْعِ الضَّمِيرَيْنِ اعْتِبارُ مَعْنى مَن كَما أنَّ مَدارَ إفْرادِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ اعْتِبارُ لَفْظِها.
﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ المُسْتَبِينِ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ القرآن.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ أيِ: العاشُونَ.
﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ.
﴿مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وإلّا لَما اتَّبَعُوهم أوْ يَحْسَبُونَ أنَّ أنْفُسَهم مُهْتَدُونَ لِأنَّ اعْتِقادَ كَوْنِ الشَّياطِينِ مُهْتَدِينَ مُسْتَلْزِمٌ لِاعْتِقادِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِاتِّحادِ مَسْلَكِهِما، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يَصُدُّونَ" بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ أوْ مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما أيْ: وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ إلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الأفْعالِ الأرْبَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى:
43:38Page 492
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨
Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ فَإنَّ حَتّى وإنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً داخِلَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لَكِنَّها تَقْتَضِي حَتْمًا أنْ تَكُونَ غايَةً لِأمْرٍ مُمْتَدٍّ كَما مَرَّ مِرارًا وإفْرادُ الضَّمِيرِ في جاءَ وما بَعَدُهُ لِما أنَّ المُرادَ حِكايَةُ مَقالَةِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ العاشِينَ لِقَرِينِهِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ، والمَعْنى: يَسْتَمِرُّ العاشُّونَ عَلى ما ذَكَرَ مِن مُقارَنَةِ الشَّياطِينِ والصَّدْرِ والحُسْبانِ الباطِلِ حَتّى إذا جاءَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَعَ قَرِينِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لَهُ.
﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ في الدُّنْيا.
﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ: بُعْدَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أيْ: تَباعُدَ كُلٍّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ فَغَلَّبَ المَشْرِقَ وثَنّى وأُضِيفَ البُعْدَ إلَيْهِما.
﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ: أنْتَ.
43:39Page 492
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩
And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ ...إلَخْ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ.
﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ (p-48)تَمَنِّيَكم لِمُباعَدَتِهِمْ.
﴿إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ظُلْمِكم أنْفُسَكم في الدُّنْيا بِاتِّباعِكم إيّاهم في الكُفْرِ والمَعاصِي، وقِيلَ: "إذْ ظَلَمْتُمْ" بَدَلٌ مِنَ "اليَوْمَ" أيْ: إذْ تَبَيَّنَ عِنْدَكم وعِنْدَ النّاسِ جَمِيعًا أنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم في الدُّنْيا، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: [إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ] أيْ: تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ بَلْ كَرِيمَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ النَّفْعِ أيْ: لِأنَّ حَقَّكم أنْ تَشْتَرِكُوا أنْتُمْ وقُرَناؤُكم في العَذابِ كَما كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في سَبَبِهِ في الدُّنْيا ويَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلَيْهِ لَكِنْ لا بِمَعْنى لَنْ يَنْفَعَكُمُ اشْتِراكُكم في العَذابِ كَما يَنْفَعُ الواقِعِينَ في شَدائِدِ الدُّنْيا اشْتِراكُهم فِيها لِتَعاوُنِهِمْ في تَحَمُّلِ أعْبائِها وتَقَسُّمُهم لِعَنائِها لِأنَّ لِكُلٍّ مِنهم ما لا تَبْلُغُهُ طاقَتُهُ كَما قِيلَ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِذَلِكَ الوَجْهِ لَيْسَ مِمّا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْيِهِ بَلْ بِمَعْنى لَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ التَّشَفِّي بِكَوْنِ قُرَنائِكم مُعَذَّبِينَ مِثْلَكم حَيْثُ كُنْتُمْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِكُمْ: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا، وقَوْلِكُمْ: فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ ونَظائِرِهِما لِتَتَشَفُّوا بِذَلِكَ.
كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبالِغُ في المُجاهَدَةِ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا غَيًّا وتَعامِيًا عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ وتَصامًّا عَمّا يَسْمَعُونَهُ مِن بَيِّناتِ القرآن فَنَزَلَ:
43:40Page 492
أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠
Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ وهو إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ وهم قَدْ تَمَرَّنُوا في الكُفْرِ واسْتَغْرَقُوا في الضَّلالَةِ بِحَيْثُ صارَ ما بِهِمْ مِنَ العَشى عَمًى مَقْرُونًا بِالصَّمَمِ.
﴿وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى العَمى بِاعْتِبارِ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ، ومَدارُ الإنْكارِ هو التَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ في الضَّلالِ المُفْرِطِ بِحَيْثُ لا ارْعِواءَ لَهُ مِنهُ لا تَوَّهُمَ القُصُورِ مِن قِبَلِ الهادِي، فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ.
43:41Page 492
فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١
And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أيْ: فَإنْ قَبَضْناكَ قَبْلَ أنْ نُبَصِّرَكَ عَذابَهم ونَشْفِيَ بِذَلِكَ صَدْرَكَ وصُدُورَ المُؤْمِنِينَ.
﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ لا مَحالَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَـ"ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ بِمَنزِلَةِ لامِ القَسَمِ في أنَّها لا تُفارِقُ النُّونَ المُؤَكِّدَةَ.
43:42Page 492
أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢
Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.
﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ: أوْ أرَدْنا أنْ نُرِيَكَ العَذابَ الَّذِي وعَدْناهم.
﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ بِحَيْثُ لا مَناصَ لَهم مِن تَحْتِ مِلْكَتِنا وقَهْرِنا ولَقَدْ أراهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ.
43:43Page 492
فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣
So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.
﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ سَواءٌ عَجَّلْنا لَكَ المَوْعُودَ أوْ أخَّرْناهُ إلى يَوْمِ الآخِرَةِ، وقُرِئَ "أوْحى" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِمْساكِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ.
43:44Page 492
وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤
And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.
﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ.
﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْهُ وعَنْ قِيامِكم بِحُقُوقِهِ.
43:45Page 492
وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥
And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?
﴿واسْألْ (p-49)مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ أيْ: واسْألْ أُمَمَهم وعُلَماءَ دِينِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ وفائِدَةُ هَذا المَجازِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ عَيْنُ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ لا ما يَقُولُهُ أُمَمُهم وعُلَماؤُهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: هم إنَّما يُخْبِرُونَهُ عَنْ كِتابِ الرُّسُلِ فَإذا سَألَهم فَكَأنَّهُ سَألَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ: هَلَ حَكَمْنا بِعِبادَةِ الأوْثانِ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِهِمْ، والمُرادُ بِهِ: الِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ ابْتَدَعَهُ حَتّى يُكَذَّبَ ويُعادى.
43:46Page 492
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦
And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِها.
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أُرِيدَ بِاقْتِصاصِهِ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى التَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلى إجْماعِ جَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِ.
43:47Page 492
فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧
But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.
﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: فاجَئُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ مِنها أيِ: اسْتَهْزَءُوا بِها أوَّلَ ما رَأوْها ولَمْ يَتَأمَّلُوا فِيها.
43:48Page 493
وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨
And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].
﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ.
﴿إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ إلّا وهي بالِغَةٌ أقْصى مَراتِبِ الإعْجازِ بِحَيْثُ يَحْسَبُ كُلُّ مَن يَنْظُرُ إلَيْها أنَّها أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يُقاسُ بِها مِنَ الآياتِ، والمُرادُ: وصْفُ الكُلِّ بِغايَةِ الكِبَرِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ قُصُورٍ في شَيْءٍ مِنها أوْ إلّا وهي مُخْتَصَّةٌ بِضَرْبٍ مِنَ الإعْجازِ مُفَضَّلَةٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ عَلى غَيْرِها.
﴿وَأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ كالسِّنِينَ والطُّوفانِ والجَرادِ وغَيْرِها.
﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
43:49Page 493
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩
And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."
﴿وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ نادَوُهُ بِذَلِكَ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ ونِهايَةِ حَماقَتِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْعالِمِ الماهِرِ ساحِرٌ لِاسْتِعْظامِهِمْ عِلْمَ السحر، وقُرِئَ "أيُّهُ السّاحِرُ" بِضَمِّ الهاءِ.
﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ لِيَكْشِفَ عَنّا العَذابَ.
﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ أوْ مِنَ اسْتِجابَةِ دَعْوَتِكَ أوْ مِن كَشْفِ العَذابِ عَمَّنِ اهْتَدى أوْ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فَوَفَيْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيْ: لَمُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ كَشْفِ العَذابِ عَنّا بِدَعْوَتِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .
43:50Page 493
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠
But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ بِدَعْوَتِهِ.
﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ فاجَئُوا وقْتَ نَكْثِ عَهْدِهِمْ بِالِاهْتِداءِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في الأعْرافِ.
43:51Page 493
وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١
And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?
﴿وَنادى فِرْعَوْنُ﴾ بِنَفْسِهِ (p-50)أوْ بِمُنادِيِهِ.
﴿فِي قَوْمِهِ﴾ في مَجْمَعِهِمْ وفِيما بَيْنَهم بَعْدَ أنْ كَشَفَ العَذابَ عَنْهم مَخافَةَ أنْ يُؤْمِنُوا.
﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ﴾ أنْهارُ النِّيلِ ومُعْظَمُها أرْبَعَةُ أنْهُرٍ: المَلِكُ ونَهْرُ طُولُونَ، ونَهْرُ دِمْياطٍ، ونَهْرُ تُنَيْسٍ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ: مِن تَحْتِ قَصْرِي أوْ أمْرِي، وقِيلَ: مِن تَحْتِ سَرِيرِي لِارْتِفاعِهِ، وقِيلَ: بَيْنَ يَدَيَّ في جِنانِي وبَساتِينِي، والواوُ إمّا عاطِفَةٌ لِهَذِهِ الأنْهارِ عَلى مُلْكِ مِصْرَ فَتَجْرِي حالٌ مِنها أوْ لِلْحالِ فَـ"هَذِهِ" مُبْتَدَأٌ و"الأنْهارُ" صِفَتُها و"تَجْرِي" خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ.
﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ذَلِكَ، يُرِيدُ بِهِ اسْتِعْظامَ مُلْكِهِ.
43:52Page 493
أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢
Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1
﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَعَ هَذِهِ المَمْلَكَةِ والبَسْطَةِ.
﴿مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ.
﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيِ: الكَلامَ قالَهُ افْتِراءً عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَنْقِيصًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْيُنِ النّاسِ بِاعْتِبارِ ما كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَوْعِ رَتَّةٍ وقَدْ كانَتْ ذَهَبَتْ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ و"أمْ" إمّا مُنْقَطِعَةٌ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: إثْرَ ما عَدَّدَ أسْبابَ فَضْلِهِ ومَبادِيَ خَيْرِيَّتِهِ أثَبَتَ عِنْدَكم واسْتَقَرَّ لَدَيْكم أنِّي أنا خَيْرٌ وهَذِهِ حالِي مِن هَذا ...إلَخْ، وإمّا مُتَّصِلَةٌ فالمَعْنى: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ، خَلا أنَّهُ وضَعَ قَوْلَهُ: أنا خَيْرٌ مَوْضِعَ "تُبْصِرُونَ" لِأنَّهم إذا قالُوا لَهُ: أنْتَ خَيْرٌ فَهم عِنْدَهُ بُصَراءُ، وهَذا مِن بابِ تَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مِن تَنْزِيلِ المُسَبَّبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ فَإنَّ أبْصارَهم لِما ذُكِرَ مِن أسْبابِ فَضْلِهِ سَبَبٌ عَلى زَعْمِهِ لِحُكْمِهِمْ بِخَيْرِيَّتِهِ.
43:53Page 493
فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣
Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"
﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ أيْ: فَهَلّا أُلْقِيَ إلَيْهِ مَقالِيدُ المُلْكِ إنْ كانَ صادِقًا لِما أنَّهم كانُوا إذا سَوَّدُوا رَجُلًا سَوَّرُوهُ وطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سُوارٍ، وقُرِئَ "أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وقُرِئَ أساوِرَةٌ جَمْعُ إسْوارٍ، بِمَعْنى السِّوارِ عَلى تَعْوِيضِ التّاءِ مِن ياءِ أساوِيرَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقُرِئَ "ألْقى عَلَيْهِ أسْوِرَةً" و"أساوِرَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ مَقْرُونِينَ يُعِينُونَهُ أوْ يُصَدِّقُونَهُ مِن قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ أوْ مُتَقارِنِينَ مِنِ اقْتَرَنَ بِمَعْنى تَقارَنَ.
43:54Page 493
فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤
So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فاسْتَفَزَّهم وطَلَبَ مِنهُمُ الخِفَّةَ في مُطاوَعَتِهِ أوْ فاسْتَخَفَّ أحْلامَهم.
﴿فَأطاعُوهُ﴾ فِيما أمَرَهم بِهِ.
﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَلِذَلِكَ سارَعُوا إلى طاعَةِ ذَلِكَ الفاسِقِ الغَوِيِّ.
43:55Page 493
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥
And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.
﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ: أغْضَبُونا أشَدَّ الغَضَبِ مَنقُولٌ مِن أسِفَ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ.
﴿انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ في اليَمِّ.
43:56Page 493
فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦
And We made them a precedent and an example for the later peoples.
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا﴾ قُدْوَةً لِمَن بَعْدَهم مِنَ الكُفّارِ يَسْلُكُونَ مَسْلَكَهم في اسْتِيجابِ مِثْلِ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وهو إمّا مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ جَمْعُ سالِفٍ كَخَدَمٍ جَمْعُ خادِمٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سَلِيفٍ أيْ: فَرِيقٍ قَدْ سَلَفَ، كَرُغُفٍ أوْ سالِفٍ كَصُبُرٍ أوْ سَلَفٍ كَأسَدٍ، وقُرِئَ "سُلَفًا" بِإبْدالِ ضَمَّةِ اللّامِ (p-51)فُتْحَةً أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ سُلْفَةٍ أيْ: ثُلَّةٍ قَدْ سَلَفَتْ.
﴿وَمَثَلا لِلآخِرِينَ﴾ أيْ: عِظَةً لَهم أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً تَسِيرُ مَسِيرَ الأمْثالِ لَهم فَيُقالُ: مَثَلُكم مَثَلُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
43:57Page 493
۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ أيْ: ضَرَبَهُ ابْنُ الزِّبَعْرى حِينَ جادَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حَيْثُ قالَ: أهَذا لَنا ولِآلِهَتِنا أوْ جَمِيعِ الأُمَمِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ الأُمَمِ، فَقالَ اللَّعِينُ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ النَّصارى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ واليَهُودَ عُزَيْرًا وبَنُو مُلَيْحٍ المَلائِكَةَ، فَإنْ كانَ هَؤُلاءِ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم فَفَرِحَ بِهِ قَوْمُهُ وضَحِكُوا وارْتَفَعَتْ أصْواتُهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ المَثَلِ.
﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ: يَرْتَفِعُ لَهم جَلَبَةٌ وضَجِيجٌ فَرَحًا وجَذَلًا، وقُرِئَ "يَصُدُّونَ" أيْ: مِن أجْلِ ذَلِكَ المَثَلِ يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ أيْ: يَثْبُتُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإعْراضِ أوْ يَزْدادُونَ فِيهِ، وقِيلَ: هو أيْضًا مِنَ الصَّدِيدِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ نَحْوُ: يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنْسَبُ بِمَعْنى المُفاجَأةِ.
43:58Page 493
وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
﴿وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ حِكايَةٌ لِطَرَفٍ مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ قالُوهُ تَمْهِيدًا لِما بَنَوْا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ المُمَوَّهِ بِما يَغْتَرُّ بِهِ السُّفَهاءُ أيْ: ظاهِرٌ أنَّ عِيسى خَيْرٌ مِن آلِهَتِنا فَحَيْثُ كانَ هو في النّارِ فَلا بَأْسَ بِكَوْنِنا مَعَ آلِهَتِنا فِيها، واعْلَمْ أنَّ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ الفَرَحِ ورَفْعِ الأصْواتِ لَمْ يَكُنْ لِما قِيلَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَكَتَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَعَ إيهامِهِ لِما يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ مِن شائِبَةِ الإفْحامِ مِن أوَّلِ الأمْرِ خِلافُ الواقِعِ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ رُوِيَ أنَّ قَوْلَ ابْنِ الزِّبَعْرى: خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ صَدَرَ عَنْهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلامُ «ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ، أما فَهِمْتَ أنَّ ما لِما لا يَعْقِلُ» وإنَّما لَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الحُكْمَ بِآلِهَتِهِمْ حِينَ سَألَ الفاجِرَ عَنِ الخُصُوصِ والعُمُومِ عَمَلًا بِما ذَكَرَ مِنَ اخْتِصاصٍ كَلِمَةِ "ما" بِغَيْرِ العُقَلاءِ لِأنَّ إخْراجَ بَعْضِ المَعْبُودِينَ عَنْهُ عِنْدَ الحاجَةِ مُوهِمٌ لِلرُّخْصَةِ في عِبادَتِهِ في الجُمْلَةِ فَعَمَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْكُلِّ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ عِبارَةِ النَّصِّ بَلْ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ بِجامِعِ الِاشْتِراكِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونُوا مَعْبُودِيهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المَقامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ بَلْ إنَّما كانَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الأحْوالِ المُنْكَرَةِ لِمَحْضِ وقاحَتِهِمْ وتَهالُكِهِمْ عَلى المُكابَرَةِ والعِنادِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾ أيْ: ماضَرَبُوا لَكَ ذَلِكَ المَثَلَ إلّا لِأجْلِ الجِدالِ والخِصامِ لا لِطَلَبِ الحَقِّ حَتّى يُذْعِنُوا لَهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِبَيانِكَ.
﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أيْ: لُدٌّ شِدادُ الخُصُومَةِ مَجْبُولُونَ عَلى المِحَكِ واللَّجاجِ، وقِيلَ: لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ النَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ، فَقَوْلُهُمْ: أألِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ؟ حِينَئِذٍ (p-52)تَفْضِيلٌ لِآلِهَتِهِمْ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المُرادَ بِهِمُ المَلائِكَةُ، ومَعْنى ما ضَرَبُوهُ ...إلَخْ ما قالُوا هَذا القَوْلَ إلّا لِلْجَدَلِ، وقِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةُ، قالُوا: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِهَذا إلّا أنْ نَعْبُدَهُ وأنَّهُ يَسْتَأْهِلُ أنْ يُعْبَدَ وإنْ كانَ بَشَرًا كَما عَبَدَتِ النَّصارى المَسِيحَ وهو بَشَرٌ، ومَعْنى "يَصِدُّونَ": يَضِجُّونَ ويَضْجَرُونَ والضَّمِيرُ في "أمْ" هُو لِمُحَمَّد ٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَرَضُهم بِالمُوازَنَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ آلِهَتِهِمُ الِاسْتِهْزاءُ بِهِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ التَّنَصُّلَ عَمّا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى ومِن عِبادَتِهِمْ لَهم كَأنَّهم قالُوا: ما قُلْنا بِدْعًا مِنَ القَوْلِ ولا فَعَلْنا مُنْكَرًا مِنَ الفِعْلِ، فَإنَّ النَّصارى جَعَلُوا المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ وعَبَدُوهُ فَنَحْنُ أشَفُّ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ نَسَبْنا إلَيْهِ المَلائِكَةَ وهم نَسَبُوا إلَيْهِ الأناسِيَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences