Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:59–89
43:59Page 493
إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ: بِالنُّبُوَّةِ.
﴿وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أمْرًا عَجِيبًا حَقِيقًا بِأنْ يَسِيرَ ذِكْرُهُ كالأمْثالِ السّائِرَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ما نُسِبَ إلى الأصْنامِ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ كَما نَطَقَ بِهِ صَرِيحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةُ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِ رَأْيِ مَن رَفَعَهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ وتَعْرِيضٌ بِفَسادِ رَأْيِ مَن يَرى رَأْيَهم في شَأْنِ المَلائِكَةِ، وعَلى الثّانِي والرّابِعِ لِبَيانِ أنَّهُ قِياسُ باطِلٍ بِباطِلٍ أوْ بِأبْطَلَ عَلى زَعْمِهِمْ وما عِيسى إلّا عَبْدٌ كَسائِرِ العَبِيدِ، قُصارى أمْرِهِ أنَّهُ مِمَّنْ أنْعَمَنا عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وخَصَصْناهُ بِبَعْضِ الخَواصِّ البَدِيعَةِ بِأنْ خَلَقْناهُ بِوَجْهٍ بَدِيعٍ وقَدْ خَلَقْنا آدَمَ بِوَجْهٍ أبْدَعَ مِنهُ، فَأيْنَ هو مِن رُتْبَةِ الربوبية ومِن أيْنَ يُتَوَهَّمُ صِحَّةُ مَذْهَبِ عَبَدَتِهِ حَتّى يَفْتَخِرَ عَبَدَةُ المَلائِكَةِ بِكَوْنِهِمْ أهْدى مِنهم أوْ يَعْتَذِرُوا بِأنَّ حالَهم أشَفُّ أوْ أخَفُّ مِن حالِهِمْ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ فَهو لِرَدِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ في افْتِرائِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّ عِيسى - في الحَقِيقَةِ وفِيما أُوحِيَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ إلّا أنُّهُ عَبْدٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ كَما ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَرْضى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْبُودِيَّتَهُ أوْ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ الرِّضا بِمَعْبُودِيَّةِ نَفْسِهِ؟
43:60Page 493
وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠
And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ ...إلَخْ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَثَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أبْدَعِ مِن ذَلِكَ وأبْرَعَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى سُقُوطِ المَلائِكَةِ أيْضًا مِن دَرَجَةِ المَعْبُودِيَّةِ أيْ: قُدْرَتُنا بِحَيْثُ لَوْ نَشاءُ.
﴿لَجَعَلْنا﴾ أيْ: لَخَلَقْنا بِطَرِيقِ التَّوالُدِ.
﴿مِنكُمْ﴾ وأنْتُمُ رِجالٌ لَيْسَ مِن شَأْنِكُمُ الوِلادَةُ.
﴿مَلائِكَةً﴾ كَما خَلَقْناهم بِطَرِيقِ الإبْداعِ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ مُسْتَقِرِّينَ فِيها كَما جَعَلْناهم مُسْتَقِرِّينَ في السَّماءِ.
﴿يَخْلُفُونَ﴾ أيْ: يَخْلُفُونَكم مِثْلَ أوْلادِكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ويُباشِرُونَ الأفاعِيلَ المَنُوطَةَ بِمُباشَرَتِكم مَعَ أنَّ شَأْنَهُمُ التَّسْبِيحُ والتَّقْدِيسُ في السَّماءِ، فَمَن شَأْنُهم بِهَذِهِ المَثابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ اسْتِحْقاقُهم لِلْمَعْبُودِيَّةِ أوِ انْتِسابُهم إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا.
43:61Page 494
وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.
﴿وَإنَّهُ﴾ وإنَّ عِيسى.
﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ: إنَّهُ بِنُزُولِهِ شَرْطٌ مِن أشْراطِها وتَسْمِيَتُهُ "عِلْمًا" لِحُصُولِهِ بِهِ (p-53)أوْ بِحُدُوثِهِ بِغَيْرِ أبٍ أوْ بِإحْيِائِهِ المَوْتى دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يُنْكِرُهُ الكَفَرَةُ مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ في السّاعَةِ، وقُرِئَ "لَعَلَمٌ" أيْ: عَلامَةٌ، وقُرِئَ "لِلْعِلْمِ"، وقُرِئَ لَذِكْرٌ عَلى تَسْمِيَةِ ما يُذْكَرُ بِهِ ذِكْرًا كَتَسْمِيَةِ ما يُعْلَمُ بِهِ عِلْمًا، وفي الحَدِيثِ « "أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ عَلى ثَنْيَةٍ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها أفَيْفٌ وعَلَيْهِ نَصَرَتانِ وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وبِها يَقْتُلُ الدَّجّالَ فَيَأتِي بَيْتَ المَقْدِسِ والنّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّد ٍ ﷺ ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسَرُ الصَّلِيبَ ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ".» وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ لِما أنَّ فِيهِ الإعْلامَ بِالسّاعَةِ.
﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ فَلا تَشُكُنَّ في وُقُوعِها.
﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ: واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي. وقِيلَ: هو قَوْلُ الرَّسُولِ مَأْمُورًا مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿هَذا﴾ أيِ: الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ أوِ القرآن عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في "إنَّهُ" لَهُ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ مُوصِلٌ إلى الحَقِّ.
43:62Page 494
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢
And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.
﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ عَنِ اتِّباعِي.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ العَداوَةِ حَيْثُ أخْرَجَ أباكم مِنَ الجَنَّةِ وعَرَّضَكم لِلْبَلِيَّةِ.
43:63Page 494
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣
And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.
﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ أوْ بِآياتِ الإنْجِيلِ أوْ بِالشَّرائِعِ الواضِحاتِ.
﴿قالَ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: الإنْجِيلُ أوِ الشَّرِيعَةُ.
﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَجِيءُ بِالحِكْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ لِأُعَلِّمَكم إيّاها ولِأُبَيِّنَ لَكم.
﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيا فَلَيْسَ بَيانُهُ مِن وظائِفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: « "أنْتُمُ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ".» ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِي.
﴿وَأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ عَنْهُ تَعالى.
43:64Page 494
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."
﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ بَيانٌ لِما أمَرَهم بِالطّاعَةِ فِيهِ وهو اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ.
﴿هَذا﴾ أيِ: التَّوْحِيدُ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ.
﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ، وهو إمّا مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِمَقالَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
43:65Page 494
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥
But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ الفِرَقُ المُتَحَزِّبَةُ.
﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ المُخْتَلِفِينَ.
﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
43:66Page 494
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦
Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُ النّاسُ.
﴿إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: إلّا إتْيانَ السّاعَةِ.
﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً لَكِنْ لا عِنْدَ كَوْنِهِمْ مُتَرَقِّبِينَ لَها بَلْ غافِلِينَ عَنْها مُشْتَغِلِينَ بِأُمُورِ الدُّنْيا مُنْكِرِينَ لَها وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
43:67Page 494
ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧
Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous
(p-54)﴿الأخِلاءُ﴾ المُتَحابُّونَ في الدُّنْيا عَلى الإطْلاقِ أوْ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ.
﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لِانْقِطاعِ ما بَيْنَهم عَنْ عَلائِقِ الخُلَّةِ والتَّحابِّ لِظُهُورِ كَوْنِها أسْبابًا لِلْعَذابِ.
﴿إلا المُتَّقِينَ﴾ فَإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنْيا لَمّا كانَتْ في اللَّهِ تَبْقى عَلى حالِها بَلْ تَزْدادُ بِمُشاهَدَةِ كُلٍّ مِنهم آثارَ خُلَّتِهِمْ مِنَ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى الأوَّلِ مُتَّصِلٌ وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ.
43:68Page 494
يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨
[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,
﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حِكايَةٌ لِما يُنادى بِهِ المُتَّقُونَ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ يَوْمَئِذٍ تَشْرِيفًا لَهم وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ.
43:69Page 494
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩
[You] who believed in Our verses and were Muslims.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ صِفَةٌ لِلْمُنادى أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ.
﴿وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ وُجُوهَهم لَنا جاعِلِينَ أنْفُسَهم سالِمَةً لِطاعَتِنا، وهو حالٌ مِن واوِ "آمَنُوا"، عَنْ مُقاتِلٍ إذا بَعَثَ اللَّهُ النّاسَ فَزِعَ كُلُّ أحَدٍ فَيُنادِي مُنادٍ يا عِبادِي فَيَرْفَعُ الخَلائِقُ رُؤُوسَهم عَلى الرَّجاءِ ثُمَّ يَتْبَعُها الَّذِينَ آمَنُوا الآيَةَ فَيُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُؤُوسَهم.
43:70Page 494
ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠
Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ نِساؤُكُمُ المُؤْمِناتُ.
﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حَبارُهُ أيْ: أثَرُهُ عَلى وُجُوهِكم أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ الحَبَرَةِ وهو حُسْنُ الهَيْئَةِ أوْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا بَلِيغًا، و"الحَبْرَةُ": المُبالَغَةُ فِيما وُصِفَ بِجَمِيلٍ.
43:71Page 494
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١
Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.
﴿بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ كَذَلِكَ، والصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ، قِيلَ: هي كالقَصْعَةِ، وقِيلَ: أعْظَمُ القِصاعِ الجَفْنَةُ ثُمَّ القَصْعَةُ ثُمَّ المَكِيلَةُ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.
﴿وَفِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ.
﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِن فُنُونِ المَلاذِّ، وقُرِئَ "ما تَشْتَهِي".
﴿وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ: تَسْتَلِذُّهُ وتَقَرُّ بِمُشاهَدَتِهِ، وقُرِئَ "وَتُلِذُّهُ".
﴿وَأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ إتْمامٌ لِلنِّعْمَةِ وإكْمالٌ لِلسُّرُورِ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ لَهُ زَوالٌ بِالآخِرَةِ مُقارِنٌ لِخَوْفِهِ لا مَحالَةَ والِالتِفاتُ لِلتَّشْرِيفِ.
43:72Page 494
وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢
And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.
﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ وقُرِئَ "وُرِّثْتُمُوها".
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، شَبَّهَ جَزاءَ العَمَلِ بِالمِيراثِ لِأنَّهُ يَخْلُفُهُ العامِلُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: تِلْكَ الجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ والمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ خَبَرُهُ. وقِيلَ: هو صِفَةُ الجَنَّةِ كالوَجْهِ الأوَّلِ، والخَبَرُ ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِمَحْذُوفٍ لا بِـ"أُورِثْتُمُوها" كَما في الأوَّلَيْنِ.
43:73Page 494
لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣
For you therein is much fruit1 from which you will eat.
﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأصْنافِ (p-55)لا بِحَسَبِ الأفْرادِ فَقَطْ.
﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: بَعْضَها تَأْكُلُونَ في كُلِّ نَوْبَةٍ وأمّا الباقِي فَعَلى الأشْجارِ عَلى الدَّوامِ لا تَرى فِيها شَجَرَةً خَلَتْ عَنْ ثَمَرِها لَحْظَةً فَهي مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا مُوقَرَةٌ بِها. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "لا يَنْزِعُ رَجُلٌ في الجَنَّةِ مِن ثَمَرِها إلّا نَبَتَ مِثْلاها مَكانَها".»
43:74Page 495
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤
Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإجْرامِ وهُمُ الكُفّارُ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهم في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِينَ بِالآياتِ.
﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ خَبَرُ "إنَّ" أوْ "خالِدُونَ" هو الخَبَرُ و"فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
43:75Page 495
لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥
It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ العَذابُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا والتَّرْكِيبُ لِلضَّعْفِ.
﴿وَهم فِيهِ﴾ أيْ: في العَذابِ، وقُرِئَ "فِيها" أيْ: في النّارِ.
﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ.
43:76Page 495
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦
And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ.
﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ لِتَعْرِيضِهِمْ أنْفُسَهم لِلْعَذابِ الخالِدِ.
43:77Page 495
وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧
And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."
﴿وَنادَوْا﴾ خازِنَ النّارِ.
﴿يا مالِكُ﴾ وقُرِئَ "يا مالُ" عَلى التَّرْخِيمِ بِالضَّمِّ والكَسْرِ ولَعَلَّهُ رَمْزٌ إلى ضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ تَأْدِيَةِ اللَّفْظِ بِتَمامِهِ.
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا حَتّى نَسْتَرِيحَ، مِن قَضى عَلَيْهِ: إذا أماتَهُ والمَعْنى: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْنا، وهَذا لا يُنافِي ما ذُكِرَ مِن إبْلاسِهِمْ لِأنَّهُ جُؤارٌ وتَمَنٍّ لِلْمَوْتِ لِفَرْطِ الشِّدَّةِ.
﴿قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ أيْ: في العَذابِ أبَدًا لا خَلاصَ لَكم مِنهُ بِمَوْتٍ ولا بِغَيْرِهِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لا يُجِيبُهم إلّا بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: بَعْدَ مِائَةٍ. وقِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً.
43:78Page 495
لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨
We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنِزالِ الكُتُبِ، وهو خِطابُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِجَوابِ مالِكٍ ومُبَيِّنٌ لِسَبَبِ مُكْثِهِمْ. وقِيلَ في "قالَ" ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ﴾ أيِّ حَقٍّ كانَ.
﴿كارِهُونَ﴾ لا يَقْبَلُونَهُ ويَنْفِرُونَ عَنْهُ، أمّا الحَقُّ المَعْهُودُ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ أوِ القرآن فَكُلُّهم كارِهُونَ لَهُ مُشْمَئِزُّونَ مِنهُ.
43:79Page 495
أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩
Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].
﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلى المُشْرِكِينَ ما فَعَلُوا مِنَ الكَيْدِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ النّارِ إلى حِكايَةِ جِنايَةِ هَؤُلاءِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ فَإنْ أُرِيدَ بِالإبْرامِ الإحْكامُ حَقِيقَةً فَهي لِإنْكارِ الوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ وإنْ أُرِيدَ الإحْكامُ صُورَةً فَهي لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، أيْ: أأبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟
﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا حَقِيقَةً لا هم أوْ فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ حَقِيقَةً كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم صُورَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وكانُوا يَتَناجَوْنَ في أنْدِيَتِهِمْ ويَتَشاوَرُونَ في أُمُورِهِ (p-56)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
43:80Page 495
أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠
Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.
﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾ أيْ: بَلْ أيَحْسَبُونَ.
﴿أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم في مَكانٍ خالٍ.
﴿نَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ التَّناجِي.
﴿بَلى﴾ نَحْنُ نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما.
﴿وَرُسُلُنا﴾ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ويُلازِمُونَهم أيْنَما كانُوا.
﴿لَدَيْهِمْ﴾ عِنْدَهم.
﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَهُما أوْ يَكْتُبُونَ كُلَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ مِن سِرِّهِمْ ونَجْواهُمْ، والجُمْلَةُ إمّا عَطْفٌ عَلى ما يُتَرْجِمُ عَنْهُ "بَلى" أوْ حالٌ أيْ: نَسْمَعُها والحالُ أنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ.
43:81Page 495
قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١
Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1
﴿قُلْ﴾ أيْ: لِلْكَفَرَةِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ مُخالَفَتَكَ لَهم بِعَدَمِ عِبادَتِكَ لِما يَعْبُدُونَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَتْ لِبُغْضِكَ وعَداوَتِكَ لَهم أوْ لِمَعْبُودِيهِمْ بَلْ إنَّما هو لِجَزْمِكَ بِاسْتِحالَةِ ما نَسَبُوا إلَيْهِمْ وبَنَوْا عَلَيْها عِبادَتَهم مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اللَّهِ تَعالى.
﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ: لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ النّاسِ بِشُؤُونِهِ تَعالى وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وبِما لا يَجُوزُ وأوْلاهم بِمُراعاةِ حُقُوقِهِ ومِن مَواجِبِ تَعْظِيمِ الوالِدِ تَعْظِيمُ ولَدِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ وأقْواها وعَلى كَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى قُوَّةِ يَقِينٍ وثَباتِ قَدَمٍ في بابِ التَّوْحِيدِ ما لا يَخْفى، مَعَ ما فِيهِ مِنِ اسْتِنْزالِ الكَفَرَةِ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ إيرادُ إنْ مَكانَ "لَوْ" المُنْبِئَةُ عَنِ امْتِناعِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ. وقِيلَ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ المُوَحِّدِينَ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ أيِ: المُسْتَنْكِفِينَ مِنهُ أوْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ مَن عَبِدَ يَعْبَدُ إذا اشْتَدَّ أنَفُهُ. وقِيلَ: "إنْ" نافِيَةٌ أيْ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأناْ أوَّلُ مَن قالَ بِذَلِكَ، وقُرِئَ "وُلْدٌ".
43:82Page 495
سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢
Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.
﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَهُ بِهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وفي إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى أعْظَمِ الأجْرامِ وأقْواها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وما فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ حَيْثُ كانَتْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها جُزْءٌ مِنهُ سُبْحانَهُ؟، وفي تَكْرِيرِ اسْمِ الرَّبِّ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ العَرْشِ.
43:83Page 495
فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣
So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذا البُرْهانَ الجَلِيَّ.
﴿يَخُوضُوا﴾ في أباطِيلِهِمْ.
﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ لَيْسَتْ إلّا مِن بابِ الجَهْلِ واللَّعِبِ، والجَزْمُ في الفِعْلِ لِجَوابِ الأمْرِ.
﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ يَعْلَمُونَ ما فَعَلُوا وما يُفْعَلُ بِهِمْ.
43:84Page 495
وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤
And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.
﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ الظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِالمَعْنى الوَصْفِيِّ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ مِن مَعْنى المَعْبُودِيَّةِ بِالحَقِّ بِناءً عَلى اخْتِصاصِهِ (p-57)بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُعْبَدَ فِيهِما، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقُرِئَ "وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ اللَّهُ وفي الأرْضِ اللَّهُ" والرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ قَدْ حُذِفَ لِطُولِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ والعَطْفِ عَلَيْهِ، ولا مَساغَ لِكَوْنِ الجارِّ خَبَرًا مُقَدَّمًا و"إلَهٌ" مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ لِلُزُومِ عَراءِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ عَنِ العائِدِ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ و"إلَهٌ" خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِلصِّلَةِ وأنَّ كَوْنَهُ في السَّماءِ عَلى سَبِيلِ الإلَهِيَّةِ لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْرارِ، وفِيهِ نَفْيُ الآلِهَةِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وتَخْصِيصٌ لِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ بِهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلَهُ.
43:85Page 495
وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥
And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.
﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ إمّا عَلى الدَّوامِ كالهَواءِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ كالطَّيْرِ.
﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيِ: العِلْمُ بِالسّاعَةِ الَّتِي فِيها تَقُومُ القِيامَةُ.
﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، والِالتِفاتُ لِلتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، وقُرِئَ "تُحْشَرُونَ" بِالتّاءِ.
43:86Page 495
وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦
And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2
﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: يَدْعُونَهُمْ، وقُرِئَ بِالتّاءِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا.
﴿مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ كَما يَزْعُمُونَ.
﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ بِما يَشْهَدُونَ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وإيقانٍ وإخْلاصٍ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ لَفْظِها والِاسْتِثْناءُ إمّا مُتَّصِلٌ والمَوْصُولُ عامٌّ لِكُلِّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِالأصْنامِ.
43:87Page 495
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧
And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ أيْ: سَألَتَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِتَعَذُّرِ الإنْكارِ لِغايَةِ بُطْلانِهِ.
﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِكَوْنِ الكُلِّ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى.
43:88Page 495
وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."
﴿وَقِيلِهِ﴾ بِالجَرِّ إمّا عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى السّاعَةِ أيْ: عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يا رَبِّ﴾ ...إلَخْ فَإنَّ القَوْلَ والقِيلَ والقالَ كُلُّها مُصادِرُ أوْ عَلى أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوابُهُ وفي الإقْسامِ بِهِ مِن رَفْعِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَفْخِيمِ دُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ تَعالى ما لا يَخْفى. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ بِالعَطْفِ عَلى سِرَّهم أوْ عَلى مَحَلِّ السّاعَةِ أوْ بِإضْمارِ فِعْلِهِ أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى عِلْمُ السّاعَةِ.
43:89Page 495
فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٨٩
So turn aside from them and say, "Peace."1 But they are going to know.
﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ دَعْوَتِهِمْ واقْنَطْ عَنْ إيمانِهِمْ.
﴿وَقُلْ سَلامٌ﴾ أيْ: أمْرِي تَسَلُّمٌ مِنكم ومُتارَكَةٌ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ حالَهُمُ البَتَّةَ وإنْ تَأخَّرَ ذَلِكَ وهو وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقُرِئَ "تَعْلَمُونَ" عَلى أنَّهُ داخِلٌ (p-58)فِي حَيِّزٍ قُلْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الزُّخْرُفِ كانَ مِمَّنْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ"..»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences