Abu as-Su'udMuhammad · 47:21–38

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:21–38

47:21Page 509

طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.

﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: أمْرُهم طاعَةٌ...إلَخْ أوْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهم أوْ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ يَقُولُونَ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أيْ: أمْرُنا ذَلِكَ.

﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أُسْنِدَ العَزْمُ وهو الجِدُّ إلى الأمْرِ وهو لِأصْحابِهِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وعامِلُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ أيْ: خالَفُوا وتَخَلَّفُوا. وقِيلَ: ناقَضُوا. وقِيلَ: كَرِهُوا. وقِيلَ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "إذا حَضَرَنِي طَعامٌ فَلَوْ جِئْتَنِي لَأطْعَمْتُكَ" أيْ: فَلَوْ صَدَقُوهُ تَعالى فِيما قالُوا مِنَ الكَلامِ المُنْبِئِ عَنِ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ بِالجَرْيِ عَلى مُوجِبِهِ.

﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصِّدْقُ.

﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى اشْتِراكِ الكُلِّ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ . وقِيلَ: فَلَوْ صَدَقُوهُ في الإيمانِ وواطَأتْ قُلُوبُهم في ذَلِكَ ألْسِنَتَهم وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

47:22Page 509

فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢

So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ...إلَخْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ أيْ: هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم.

﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ.

﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ تَناحُرًا عَلى المُلْكِ وتَهالُكًا عَلى الدُّنْيا فَإنَّ مَن شاهَدَ أحْوالَكُمُ الدّالَّةَ عَلى الضَّعْفِ في الدِّينِ والحِرْصِ عَلى الدُّنْيا حِينَ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ إحْرازِ كُلِّ خَيْرٍ وصَلاحٍ ودَفْعِ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٍ وأنْتُمْ مَأْمُورُونَ شَأْنُكُمُ الطّاعَةُ والقَوْلُ المَعْرُوفُ يُتَوَقَّعُ مِنكم إذا أُطْلِقَتْ أعِنَّتُكم وصِرْتُمْ آمِرِينَ ما ذَكَرَ مِنَ الإفْسادِ وقَطْعِ الأرْحامِ. وقِيلَ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتِلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وفِيهِ أنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لابُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٍ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُونَهُ مِنَ المَفاسِدِ. وقُرِئَ "وُلِّيتُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ: جُعِلْتُمْ وُلاةً، وقُرِئَ "تُولِّيتُمْ" أيْ: تَوَلّاكم وُلاةُ جَوْرٍ خَرَجْتُمْ مَعَهم وساعَدْتُمُوهم في الإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وقُرِئَ "وَتَقَطَّعُوا" مِنَ التَّقَطُّعِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ فانْتِصابُ "أرْحامَكُمْ" حِينَئِذٍ عَلى نَزْعِ الجارِّ أيْ: في أرْحامِكُمْ، وقُرِئَ "وَتَقْطَعُوا" مِنَ القَطْعِ وإلْحاقُ الضَّمِيرِ بِـ"عَسى" لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأمّا بَنُو (p-99)تَمِيمٍ فَيَقُولُونَ: عَسى أنْ تَفْعَلَ وعَسى أنْ تَفْعَلُوا.

47:23Page 509

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣

Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ذِكْرَ هَناتِهِمْ أوْجَبَ إسْقاطَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ وحِكايَةِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ لِغَيْرِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ لِتَصامِّهِمْ عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ.

﴿وَأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ.

47:24Page 509

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤

Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ أيْ: ألا يُلاحِظُونَهُ ولا يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المُوبِقاتِ.

﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ فَلا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ذِكْرٌ أصْلًا و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِعَدَمِ التَّدَبُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِكَوْنِ قُلُوبِهِمْ مُقْفَلَةً لا تَقْبَلُ التَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وتَنْكِيرُ القُلُوبِ إمّا لِتَهْوِيلِ حالِها وتَفْظِيعِ شَأْنِها بِإيهامِ أمْرِها في القَساوَةِ والجَهالَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى قُلُوبٍ مُنْكَرَةٍ لا يُعْرَفُ حالُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها في القَساوَةِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِها: قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أقْفالٌ مَخْصُوصَةٌ بِها مُناسِبَةٌ لَها غَيْرُ مُجانِسَةٍ لِسائِرِ الأقْفالِ المَعْهُودَةِ، وقُرِئَ "أقْفالُها" و"إقْفالُها" عَلى المَصْدَرِ.

47:25Page 509

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.

﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأفْعالِ والأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ. وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابَيْنِ جَمِيعًا كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ في كِتابِهِمْ وعَرَفُوا أنَّهُ المَنعُوتُ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِإنَّ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ وهو الِاسْتِرْخاءِ. وقِيلَ: مِنَ السَّوْلِ المُخَفَّفِ مِنَ السُّؤالِ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ فَمَعْنى سَوَّلَ لَهُ أمْرًا حِينَئِذٍ أوْقَعَهُ في أُمْنِيَّتِهِ فَإنَّ السُّؤْلَ الأُمْنِيَّةُ، وقُرِئَ "سُوِّلَ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: كَيَدُ الشَّيْطانِ.

﴿وَأمَلِى لَهُمْ﴾ وعَدَ لَهم في الأمانِيِّ والآمالِ. وقِيلَ: أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، وقُرِئَ "وَأمْلَي لَهُمْ" عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ فالمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ يُغْوِيهِمْ وأنا أُنْظِرُهم قالُوا ولِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ "أُمْلى لَهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ: أُمْهِلُوا ومُدَّ في عُمْرِهِمْ.

47:26Page 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦

That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ لا إلى الإمْلاءِ كَما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ ولا إلى التَّسْوِيلِ كَما قِيلَ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُما لَيْسَ مُسَبِّبًا عَنِ القَوْلِ الآتِي، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم.

﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ المَذْكُورِينَ لا لِلْيَهُودِ الكافِرِينَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ في التَّوْراةِ كَما قِيلَ، (p-100)فَإنَّ كُفْرَهم بِهِ لَيْسَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ ولَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ عَنْهم سَواءٌ كانَ المَقُولُ لَهُمُ المُنافِقِينَ أوِ المُشْرِكِينَ عَلى رَأْيِ القائِلِ بَلْ مِن حِينِ بَعَثْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْيَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القرآن عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى حَسَدًا وطَمَعًا في نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ لا لِلْمُشْرِكِينَ كَما قِيلَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ عِبارَةٌ قَطْعًا عَمّا حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهم ويُوادُّونَهم وأرادُوا بِالبَعْضِ الَّذِي أشارُوا إلى عَدَمِ إطاعَتِهِمْ فِيهِ إظْهارَ كُفْرِهِمْ وإعْلانَ أمْرِهِمْ بِالفِعْلِ قَبْلَ قِتالِهِمْ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَأْبَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ مِساسِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ لِما كانَ لَهم في إظْهارِ الإيمانِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ لَهم ما يَقُولُونَ سِرًّا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ أيْ: إخْفاءَهم لِما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ، وقُرِئَ "أسْرارَهُمْ" أيْ: جَمِيعَ أسْرارِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهم هَذا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْإفْشاءِ في الدُّنْيا والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ.

47:27Page 509

فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧

Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها و"كَيْفَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو العامِلُ في الظُّرُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفْعَلُونَ في حَياتِهِمْ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الحِيَلِ فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَكَيْفَ حالُهم أوْ حِيَلُهم إذا تَوَفَّتْهم ...إلَخْ، وقُرِئَ "تَوَفّاهُمْ" عَلى أنَّهُ إمّا ماضٍ أوْ مُضارِعٌ قَدْ حُذِفَ إحْدى تاءَيْهِ.

﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَوَفَّتْهُمْ" أوْ مِن مَفْعُولِهِ وهو تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أهْوالِ الوُجُوهِ وأفْظَعِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا يَضْرِبُ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ.

47:28Page 509

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨

That is because they followed what angered Allāh and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.

﴿ذَلِكَ﴾ التَّوَفِّي الهائِلُ.

﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمُ.

﴿اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ أيْ: ما يَرْضاهُ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ وخَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ بِما صَنَعُوا مِنَ المُعامَلَةِ مَعَ اليَهُودِ.

﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ.

﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي عَمِلُوها حالَ إيمانِهِمْ مِنَ الطّاعاتِ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي لَوْ عَمِلُوها حالَ الإيمانِ لانْتَفَعُوا بِها.

47:29Page 509

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ ٢٩

Or do those in whose hearts is disease think that Allāh would never expose their [feelings of] hatred?

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ فُصِّلَتْ أحْوالُهُمُ الشَّنِيعَةُ وُصِفُوا بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ لِكَوْنِهِ مَدارًا لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ فَـ"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ ولَنْ بِما في حَيِّزِها خَبَرُها والأضْغانُ: جَمْعُ ضِغْنٍ وهو الحِقْدُ أيْ: بَلْ أحَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ حِقْدٌ وعَداوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أحْقادَهم (p-101)وَلَنْ يُبْرِزَها لِرَسُولِهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ فَتَبْقى أُمُورُهم مَسْتُورَةً والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.

47:30Page 510

وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠

And if We willed, We could show them to you, and you would know them by their mark; but you will surely know them by the tone of [their] speech. And Allāh knows your deeds.

﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ إراءَتَهم.

﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ لَعَرَّفْناكَهم بِدَلائِلَ تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ مَعْرِفَةً مُتاخِمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ العِنايَةِ بِالإراءَةِ.

﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي نَسِمُهم بِها. «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم ولَقَدْ كُنّا في بَعْضِ الغَزَواتِ وفِيها تِسْعَةٌ مِنَ المَنافَيْنِ يَشْكُوهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ،» واللّامُ لامُ الجَوابِ كُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ المَعْرِفَةِ عَلى الإراءَةِ وأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ فَلِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ و"لَحْنُ القَوْلِ" نَحْوُهُ وأُسْلُوبُهُ أوْ إمالَتُهُ إلى جِهَةِ تَعْرِيضٍ وتَوْرِيَةٍ ومِنهُ قِيلَ لِلْمُخْطِئِ: لاحِنٌ لِعَدْلِهِ بِالكَلامِ عَنْ سَمْتِ الصَّوابِ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبَ قَصْدِكم وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإيذانٌ بِأنَّ حالَهم بِخِلافِ حالِ المُنافِقِينَ.

47:31Page 510

وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١

And We will surely test you until We make evident those who strive among you [for the cause of Allāh] and the patient, and We will test your affairs.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ.

﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ عِلْمًا فِعْلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ.

﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْ أعْمالِكم فَيَظْهَرُ حُسْنُها وقَبِيحُها، وقُرِئَ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ، وقُرِئَ "نَبْلُو" بِسُكُونِ الواوِ عَلى "وَنَحْنُ نَبْلُو".

47:32Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٣٢

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and opposed the Messenger after guidance had become clear to them - never will they harm Allāh at all, and He will render worthless their deeds.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا﴾ النّاسَ.

﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ وعادَوْهُ.

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ بِما شاهَدُوا نَعْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّوْراةِ وبِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ونَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ وهم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ أوِ المُطْعِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ بِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ.

﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ أوْ لَنْ يَضُرُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمُشاقَّتِهِ شَيْئًا، وقَدْ حُذِفَ المُضافُ لِتَعْظِيمِهِ وتَفْظِيعِ مُشاقَّتِهِ.

﴿وَسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: مَكايِدَهُمُ الَّتِي نَصَبُوها في إبْطالِ دِينِهِ تَعالى ومُشاقَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَصِلُونَ بَها إلى ما كانُوا يَبْغُونَ مِنَ الغَوائِلِ ولا تُثْمِرُ لَهم إلّا القَتْلَ والجَلاءَ عَنْ أوْطانِهِمْ.

47:33Page 510

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and do not invalidate your deeds.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ بِما أبْطَلَ بِهِ هَؤُلاءِ أعْمالَهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعُجْبِ والرِّياءِ والمَنِّ والأذى ونَحْوِها ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إحْباطِ الطّاعاتِ بِالكَبائِرِ.

47:34Page 510

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ ٣٤

Indeed, those who disbelieved and averted [people] from the path of Allāh and then died while they were disbelievers - never will Allāh forgive them.

(p-102)﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهِ لَهُمْ﴾ حُكْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ وإنْ صَحَّ نُزُولُهُ في أصْحابِ القَلِيبِ.

47:35Page 510

فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥

So do not weaken and call for peace while you are superior; and Allāh is with you and will never deprive you of [the reward of] your deeds.

﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا.

﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ أيْ: ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ خَوَرًا فَإنَّ ذَلِكَ إعْطاءُ الدَّنِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقُرِئَ "وَلا تَدَّعُوا" مِنِ ادَّعى القَوْمُ تَداعَوْا نَحْوُ: ارْتَمَوُا الصَّيْدَ وتَرامَوْهُ ومِنهُ تَراءَوُا الهِلالَ، فَإنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ قَدْ يُرادُ بِها صُدُورُ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُمُ الأعْلَيْنَ وكَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ ناصِرَهم مِن أقْوى مُوجِباتِ الِاجْتِنابِ عَمّا يُوهِمُ الذُّلَّ والضَّراعَةَ وكَذا تَوْفِيَتُهُ تَعالى لِأُجُورِ الأعْمالِ حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: ولَنْ يُضَيِّعَها مِن "وَتَرْتَ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا مِن ولَدٍ أوْ أخٍ أوْ حَمِيمٍ" فَأفْرَدْتَهُ عَنْهُ مِنَ الوَتْرِ الَّذِي هو الفَرْدُ، وعُبِّرَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ في مُقابَلَةِ الأعْمالِ بِالوَتْرِ الَّذِي هو إضاعَةُ شَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ مِنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ عَلى قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ إبْرازًا لِغايَةِ اللُّطْفِ بِتَصْوِيرِ الثَّوابِ بِصُورَةِ الحَقِّ المُسْتَحَقِّ وتَنْزِيلِ تَرْكِ الإثابَةِ مَنزِلَةَ إضاعَةِ أعْظَمِ الحُقُوقِ وإتْلافِها وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ .

47:36Page 510

إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦

[This] worldly life is only amusement and diversion. And if you believe and fear Allāh, He will give you your rewards and not ask you for your properties.

﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لا ثَباتَ لَها ولا اعْتِدادَ بِها.

﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: ثَوابَ إيمانِكم وتَقْواكم مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ.

﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ بِحَيْثُ يُخِلُّ أداؤُها بِمَعاشِكم وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنها هو رُبُعُ العُشْرِ تُؤَدُّونَها إلى فُقَرائِكم.

47:37Page 510

إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧

If He should ask you for them and press you, you would withhold, and He would expose your hatred [i.e., unwillingness].

﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيْ: أمْوالَكم.

﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أيْ: يُجْهِدْكم بِطَلَبِ الكُلِّ فَإنَّ الإحْفاءَ والإلْحافَ المُبالَغَةُ وبُلُوغُ الغايَةِ، يُقالُ: أحْفى شارِبَهُ إذا أسْتَأْصَلَهُ.

﴿تَبْخَلُوا﴾ فَلا تُعْطُوا.

﴿وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ: أحْقادَكم وضَمِيرُ "يُخْرِجُ" لِلَّهِ تَعالى ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِنُونِ العَظَمَةِ أوْ لِلْبُخْلِ لِأنَّهُ سَبَبُ الأضْغانِ، وقُرِئَ "يَخْرُجُ" مِنَ الخُرُوجِ بِالياءِ والتّاءِ مُسْنَدٌ إلى الأضْغانِ.

47:38Page 510

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ٣٨

Here you are - those invited to spend in the cause of Allāh - but among you are those who withhold [out of greed]. And whoever withholds only withholds [benefit] from himself; and Allāh is the Free of need, while you are the needy. And if you turn away [i.e., refuse], He will replace you with another people; then they will not be the likes of you.

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ.

(p-103)هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ أوْ صِلَةٌ لِـ"هَؤُلاءِ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ أيْ: ها أنْتُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ، فَفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ وتَحْقِيرٌ مِن شَأْنِهِمْ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَعُمُّ نَفَقَةَ الغَزْوِ والزَّكاةَ وغَيْرَهُما.

﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ﴾ أيْ: ناسٌ يَبْخَلُونَ وهو في حَيِّزِ الدَّلِيلِ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ.

﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِن نَفْعِ الإنْفاقِ وضَرَرِ البُخْلِ عائِدٌ عَلَيْهِ والبُخْلُ يُسْتَعْمَلُ بِـ"عَنْ" و"عَلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإمْساكِ والتَّعَدِّي.

﴿واللَّه الغَنِيّ﴾ دُونَ مَن عَداهُ.

﴿وَأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ فَما يَأْمُرُكم بِهِ لِاحْتِياجِكم إلى ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى.

﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يُخْلِفْ مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ.

﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى بَلْ يَكُونُوا راغِبِينَ فِيهِما. قِيلَ: هُمُ الأنْصارُ. وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: هم أهْلُ فارِسَ لِما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ سُئِلَ عَنِ القَوْمِ وكانَ سُلَيْمانُ إلى جَنْبِهِ فَضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ".» وقِيلَ: العَجَمُ. وقِيلَ: الرُّومُ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « " مَن قَرَأ سُورَةَ مُحَمَّدٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَسْقِيَهُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском