Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الفتح
Al-Fath
The Victory · Medinan · 29 ayahs
48:1Page 511
إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١
Indeed, We have given you, [O Muḥammad], a clear conquest1
سُورَةُ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ ونَزَلَتْ في مَرْجِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ
﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ فَتْحُ البَلَدِ عِبارَةٌ عَنِ الظَّفَرِ بِهِ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا بِحِرابٍ أوْ بِدُونِهِ فَإنَّهُ ما لَمْ يُظْفَرْ بِهِ مُنْغَلِقٌ مَأْخُوذٌ مِن فَتْحِ بابِ الدّارِ وإسْنادُهُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِاسْتِنادِ أفْعالِ العِبادِ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا، والمُرادُ بِهِ: فَتْحُ مَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بُشِّرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى سَنَنِ سائِرِ الأخْبارِ الرَّبّانِيَّةِ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ تَأْكِيدًا لِلتَّبْشِيرِ كَما أنَّ تَصْدِيرَ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَخامَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِ المُخْبِرِ جَلَّ جَلالُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: هو ما أُتِيحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن فَتْحِ خَيْبَرَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِرابٌ شَدِيدٌ بَلْ تَرامٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِسِهامٍ وحِجارَةٍ لَكِنْ لَمّا كانَ الظُّهُورُ لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ سَألَهُمُ المُشْرِكُونَ الصُّلْحَ كانَ فَتْحًا بِلا رَيْبٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَمَوُا المُشْرِكِينَ حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهم. وعَنِ الكَلْبِيِّ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ حَتّى سَألُوا الصُّلْحَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ (p-104)بَلَغَهُ أنَّ رَجُلًا قالَ: ما هَذا بِفَتْحٍ لَقَدْ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا قالَ: بَلْ هو أعْظَمُ الفُتُوحِ، وقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويَرْغَبُوا إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ رَأوْا مِنكم ما يَكْرَهُونَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ نَزَلَتْ بِالحُدَيْبِيَةِ وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الغَزْوَةِ ما لَمْ يُصِبْ في غَزْوَةٍ حَيْثُ أصابَ أنْ بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ وغُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ فَفَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وكانَ في فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ هي أنَّهُ نُزِحَ ماؤُها حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ فَتَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَجَّهُ فِيها فَدَرَّتْ بِالماءِ حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ مَن كانَ مَعَهُ وشِبَعَ. وقِيلَ: فَجاشَ الماءُ حَتّى امْتَلَأتْ ولَمْ يَنْفَدْ ماؤُها بَعْدُ. وقِيلَ: هو جَمِيعُ ما فَتَحَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الفُتُوحِ. وقِيلَ: هو ما فَتَحَ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ ولا فَتْحَ أبْيَنُ مِنهُ وأعْظَمُ وهو رَأْسُ الفُتُوحِ كافَّةً؛ إذْ لا فَتْحَ مِن فُتُوحِ الإسْلامِ إلّا وهو شُعْبَةٌ مِن شُعَبِهِ وفَرْعٌ مِن فُرُوعِهِ. وقِيلَ: الفَتْحُ بِمَعْنى: القَضاءِ ومِنهُ انْفِتاحُهُ لِلْحُكُومَةِ، والمَعْنى: قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تُدْخِلَها مِن قابِلٍ وهو المُرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأيًّا ما كانَ؛ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ.
﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
48:2Page 511
لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢
That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ غايَةٌ لِلْفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى سَعْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ تَعالى مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى.
﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى وتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا بِالنَّظَرِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ.
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وضَمِّ المُلْكِ إلى النُّبُوَّةِ وغَيْرِهِما مِمّا أفاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ مَراسِمِ الرِّياسَةِ وأصْلُ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ.
48:3Page 511
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣
And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ النَّصْرِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَأْكِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أيْ: نَصْرًا فِيهِ عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ أوْ قَوِيًّا مَنِيعًا عَلى وصْفِ المَصْدَرِ بِوَصْفِ صاحِبِهِ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَزِيزًا صاحِبُهُ.
48:4Page 511
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤
It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ (p-105)بَيانٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِي الفَتْحِ مِنَ الثَّباتِ والطُّمَأْنِينَةِ أيِ: أنْزَلَها.
﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ.
﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ أيْ: يَقِينًا مُنْضَمًّا إلى يَقِينِهِمْ أوِ أنْزَلَ فِيها السُّكُونَ إلى ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الشَّرائِعِ لِيَزْدادُوا إيمانًا بِها مَقْرُونًا مَعَ إيمانِهِمْ بِالوَحْدانِيَّةِ واليَوْمِ الآخِرِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ أوْ أنْزَلَ فِيها الوَقارَ والعَظَمَةَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ لِيَزْدادُوا بِاعْتِقادِ ذَلِكَ إيمانًا إلى إيمانِهِمْ.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ يُسَلَّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ تارَةً ويُوقِعُ بَيْنَهُما السِّلْمَ أُخْرى حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ.
﴿حَكِيمًا﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ.
48:5Page 511
لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥
[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ جُنُودِ السَّمَواتِ والأرْضِ لَهُ تَعالى مِن مَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ أيْ: دَبَّرَ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ.
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: يُغَطِّيها ولا يُظْهِرُها، وتَقْدِيمُ الإدْخالِ في الذِّكْرِ عَلى التَّكْفِيرِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ عَلى العَكْسِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما هو المَطْلَبُ الأعْلى.
﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ.
﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ، و"عِنْدَ اللَّهِ" حالٌ مِن "فَوْزًا" لِأنَّهُ صِفَتُهُ في الأصْلِ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ صارَ حالًا أيْ: كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ أيْ: في علمه تعالى وقَضائِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
48:6Page 511
وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦
And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.
﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُدْخِلُ" وفي تَقْدِيمِ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحَقُّ مِنهم بِالعَذابِ.
﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيْ: ظَنَّ الأمْرِ السُّوءِ وهو أنْ لا يَنْصُرَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ: ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ "دائِرَةُ السُّوءِ" بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ مِن ساءَ كالكُرْهِ والكَرْهِ خَلا أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وأمّا المَضْمُومُ فَجارٍ مَجْرى الشَّرِّ.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما اسْتَحَقُّوهُ في الآخِرَةِ عَلى ما اسْتَوْجَبُوهُ في الدُّنْيا، والواوُ في الأخِيرَيْنِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما الفاءُ المُفِيدَةُ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الوَعِيدِ وأصالَتِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اسْتِتْباعِ بَعْضِها لِبَعْضٍ.
﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.
48:7Page 511
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧
And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
(p-106)﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ إعادَةٌ لِما سَبَقَ، قالُوا: فائِدَتُها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى جُنُودَ الرَّحْمَةِ وجُنُودَ العَذابِ وأنَّ المُرادَ هَهُنا: جُنُودُ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.
48:8Page 511
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨
Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ أيْ: عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .
﴿وَمُبَشِّرًا﴾ عَلى الطّاعَةِ.
﴿وَنَذِيرًا﴾ عَلى المَعْصِيَةِ.
48:9Page 511
لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩
That you [people] may believe in Allāh and His Messenger and honor him and respect him [i.e., the Prophet (ﷺ)] and exalt Him [i.e., Allāh] morning and afternoon.
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأُمَّتِهِ.
﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ وتُقَوُّوهُ بِتَقْوِيَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ.
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وتُعَظِّمُوهُ.
﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ وتُنَزِّهُوهُ أوْ تُصَلُّوا لَهُ مِنَ السُّبْحَةِ.
﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقُرِئَ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، وقُرِئَ "وَتُعْزِرُوهُ" بِضَمِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الزّايِ المَكْسُورَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِ الزّايِ وكَسْرِها "وَتُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ "وَتُوقِرُوهُ" مَن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ.
48:10Page 512
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠
Indeed, those who pledge allegiance to you, [O Muḥammad] - they are actually pledging allegiance to Allāh. The hand1 of Allāh is over their hands.2 So he who breaks his word only breaks it to the detriment of himself. And he who fulfills that which he has promised Allāh - He will give him a great reward.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ﴾ أيْ: عَلى قِتالِ قُرَيْش تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ خَبِّرانِ يَعْنِي: أنَّ مُبايَعَتَكَ هي مُبايَعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْثِيقُ العَهْدِ بِمُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ والمَعْنى: أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعِ الرَّسُولِ كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ وقُرِئَ "إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ" أيْ: لِأجْلِهِ ولِوَجْهِهِ.
﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَمَن نَقَضَ عَهْدَهُ فَإنَّما يُعَوِّدُ ضَرَرُ نَكْثِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ.
﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ بِضَمِ الهاءِ فَإنَّهُ أبْقى بَعْدَ حَذْفِ الواوِ تَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى تَفْخِيمِ لامِ الجَلالَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها أيْ: ومَن وفّى بِعَهْدِهِ.
﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجَنَّةُ، وقُرِئَ بِما عَهِدَ وقُرِئَ "فَسَنُؤْتِيِهِ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
48:11Page 512
سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١
Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.
﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ هم أعْرابُ غِفارِ ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وأسْلَمَ والدِّيلِ تُخْلِفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَنْفَرَ مِن (p-107)
حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ وأهْلِ البَوادِي لِيُخْرِجُوا مَعَهُ عِنْدَ إرادَتِهِ المُسَيَّرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا حَذِرًا مِن قُرَيْش أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الحَرْبَ وتَثاقَلُوا عَنِ الخُرُوجِ، وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهم سَيَعْتَلُونَ ويَقُولُونَ ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ ولَمْ يَكُنْ لَنا مَن يُخَلِّفُنا فِيهِمْ ويَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ ويَحْمِيهِمِ مِنَ الضَّياعِ، وقُرِئَ "شَغَّلَتْنا" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.
﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ اللَّهُ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلَّفْنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاخْتِيارٍ بَلْ عَنِ اضْطِرارٍ.
﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ بَدَلٌ مَن "سَيَقُولُ" أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ في الِاعْتِذارِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لَهم عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ إلَيْكَ بِأباطِيلِهِمْ.
﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: فَمَن يُقَدِّرُ لِأجْلِكم مِن مَشِيئَتِهِ اللَّهُ تَعالى وقَضائِهِ عَلى شَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ.
﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ أيْ: ما يُضِرُّكم مِن هَلاكِ الأهْلِ والمالِ وضَياعِهِما حَتّى تَتَخَلَّفُوا عَنِ الخُرُوجِ لِحِفْظِهِما ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُما، وقُرِئَ "ضُرًّا" بِالضَّمِّ.
﴿أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ أيْ: ومَن يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ إنْ أرادَ بِكم ما يَنْفَعُكم مِن حِفْظِ أمْوالِكم وأهْلِيكم فَأيُّ حاجَةٍ إلى التَّخَلُّفِ لِأجْلِ القِيامِ بِحِفْظِهِما، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ورَدٌّ لَهم بِمُوجِبِ ظاهِرِ مَقالَتِهِمُ الكاذِبَةِ وتَعْمِيمُ الضُّرِّ والنَّفْعِ لِما يُتَوَقَّعُ عَلى تَقْدِيرِ الخُرُوجِ مِنَ القَتْلِ والهَزِيمَةِ والظَّفَرِ والغَنِيمَةِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَإنَّهُ إضْرابٌ عَمّا قالُوا وبَيانٌ لِكَذِبِهِ بَعْدَ بَيانِ فَسادِهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ بَلْ كانَ اللَّهُ خَبِيرًا بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَخَلُّفُكم وما هو مِن مَبادِيهِ.
48:12Page 512
بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢
But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ...إلَخْ بَدَلٌ مِن ﴿كانَ اللَّهُ﴾ ...إلَخْ مُفَسِّرٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ أيْ: بَلْ ظَنَنْتُمْ.
﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ بِأنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالمَرَّةِ فَخَشِيتُمْ إنْ كُنْتُمْ مَعَهم أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَخَلَّفْتُمْ لا لِما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعاذِيرِ الباطِلَةِ، والأهْلُونَ جَمْعُ أهْلٍ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أهَلاتٍ كَأرَضاتٍ عَلى تَقْدِيرِهِ تاءَ التَّأْنِيثِ، وأمّا الأهالِي فاسْمُ جَمْعٍ كاللَّيالِي، وقُرِئَ "إلى أهْلِهِمْ".
﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكُمْ﴾ وقَبِلْتُمُوهُ واشْتَغَلْتُمْ بِشَأْنِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُبالِينَ بِهِمْ، وقُرِئَ "زَيَّنَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أوِ إلى الشَّيْطانِ.
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ المُرادُ بِهِ: إمّا الظَّنُّ الأوَّلُ والتَّكْرِيرُ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِ بِالسُّوءِ أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الظَّنُّ بِعَدَمِ صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ الجازِمَ بِصِحَّتِها لا يَحُومُ حَوْلَ فِكْرِهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ: هالِكِينَ عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَوْجِبِينَ لِسُخْطِهِ وعِقابِهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بائِرٍ كَعائِذٍ وعُوذٍ أوْ فاسِدِينَ في أنْفُسِكم وقُلُوبِكم ونِيّاتِكم خَيْرٌ فِيكم. وقِيلَ: البُورُ مِن بارَ كالهُلْكِ مِن هَلَكَ بِناءً ومَعْنًى لِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثُ.
48:13Page 512
وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣
And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.
(p-108)﴿وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ مُقَرِّرٌ لِبَوارِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ أيْ: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِما كَدَأْبِ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ.
﴿فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ أيْ: لَهم وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الكافِرُونَ إيذانًا بِأنَّ مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمان باللَّهِ وبِرَسُولِهِ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ، وتَنْكِيرُ "سَعِيرًا" لِلتَّهْوِيلِ أوْ لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ.
48:14Page 512
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وما فِيهِما يَتَصَرَّفُ في الكُلِّ كَيْفَ يَشاءُ.
﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ.
﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما وُجُودًا وعَدَمًا وفِيهِ حَسْمٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ مَغْفِرَتَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ وبِرَسُولِهِ، وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا.
48:15Page 512
سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥
Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2
﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: المَذْكُورُونَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطٌ لِما بَعْدَهُ أيْ: سَيَقُولُونَ عِنْدَ انْطِلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَحُوزُوها حَسْبَما وعَدَكم إيّاها وخَصَّكم بِها عِوَضًا مِمّا فاتَكم مِن غَنائِمِ مَكَّةَ.
﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها.
﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ سِتٍّ وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً فَخَصَّها بِهِمْ حَسْبَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ "كَلِمَ اللَّهِ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ. وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ: ما ذُكِرَ مِن وعْدِهِ تَعالى غَنائِمَ خَيْبَرَ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً لا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.
﴿قُلْ﴾ إقْناطًا لَهم.
﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ أيْ: لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ.
﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ النَّهْيُ حُكْمَ اللَّهِ بَلْ تَحْسُدُونَنا أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وقُرِئَ "تَحْسِدُونَنا" بِكَسْرِ السِّينِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَ.
﴿إلا قَلِيلا﴾ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فِطْنَتُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ مِنَ الجَهْلِ (p-109)المُفْرِطِ وسُوءِ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ.
48:16Page 513
قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦
Say to those who remained behind of the bedouins, "You will be called to [face] a people of great military might; you may fight them, or they will submit.1 So if you obey, Allāh will give you a good reward; but if you turn away as you turned away before, He will punish you with a painful punishment."
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ.
﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم بَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ أوْ غَيْرُهم مِمَّنِ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوِ المُشْرِكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةُ أبَدًا أوِ الإسْلامُ لا غَيْرُ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ "أوْ يُسْلِمُوا" وأمّا مَن عَداهم فَيَنْتَهِي قِتالُهم بِالجِزْيَةِ كَما يَنْتَهِي بِالإسْلامِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذْ لَمْ تَتَّفِقْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِغَيْرِهِ إلّا إذا صَحَّ أنَّهم ثَقِيفٌ وهَوازِنُ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ فَيُخَصُّ دَوامُ نَفْيِ الِاتِّباعِ بِما في غَزْوَةِ خَيْبَرَ كَما قالَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ. وقِيلَ: هم فارِسُ والرُّومُ ومَعْنى يُسْلِمُونَ: يَنْقادُونَ فَإنَّ الرُّومَ نَصارى وفارِسَ مَجُوسٌ يُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ.
﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ.
﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ.
﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم.
48:17Page 513
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧
There is not upon the blind any guilt or upon the lame any guilt or upon the ill any guilt [for remaining behind]. And whoever obeys Allāh and His Messenger - He will admit him to gardens beneath which rivers flow; but whoever turns away - He will punish him with a painful punishment.
﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِنَ العُذْرِ والعاهَةِ، فَإنَّ التَّكَلُّفَ يَدُورُ عَلى الِاسْتِطاعَةِ وفى نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ وتَوْسِيعٌ لِدائِرَةِ الرُّخْصَةِ.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وقُرِئَ "نُدْخِلْهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ: عَنِ الطّاعَةِ.
﴿يُعَذِّبْهُ﴾ وقُرِئَ بِالنُّونِ.
﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ.
48:18Page 513
۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨
Certainly was Allāh pleased with the believers when they pledged allegiance to you, [O Muḥammad], under the tree, and He knew what was in their hearts, so He sent down tranquility upon them and rewarded them with an imminent conquest1
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرَ شَأْنُ مُبايَعَتِهِمْ وبِهَذِهِ الآيَةِ سُمِّيَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ مَنصُوبٌ بِـ"رَضِيَ" وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها و"تَحْتَ الشَّجَرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعْثَ خِراشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ فَهَمُّوا بِهِ فَمَنَعُهُ الأحابِيشُ فَرَجَعَ فَبَعَثَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأخْبَرَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ وإنَّما جاءَ زائِرًا لِهَذا البَيْتِ مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ فَوَقَّرُوهُ وقالُوا: إنْ شِئْتَ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فافْعَلْ فَقالَ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واحْتَبَسَ عِنْدَهم. فَأُرْجِفَ بِأنَّهم قَتَلُوهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ ودَعا النّاسَ إلى البَيْعَةِ فَبايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانَتْ (p-110)سَمُرَةً. وقِيلَ: سِدْرَةً عَلى أنْ يُقاتِلُوا قُرَيْشًا ولا يَفِرُّوا. ورُوِيَ عَلى المَوْتِ دُونَهُ وأنْ لا يَفِرُّوا. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ وخَمْسَةً وعِشْرِينَ، وقِيلَ: ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفًا وثَلَثَمِائَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُبايِعُونَكَ" - لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ - لا عَلى "رَضِيَ" فَإنَّ رِضاهُ تَعالى عَنْهم مُتَرَتِّبٌ عَلى علمه تعالى بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ عِنْدَ مُبايَعَتِهِمْ لَهُ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَضِيَ" أيْ: فَأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ بِالرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: بِالصُّلْحِ.
﴿وَأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فَتْحُ خَيْبَرَ عَقِبَ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقُرِئَ "وَآتاهُمْ".
48:19Page 513
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩
And much war booty which they will take. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ أيْ: مَغانِمَ خَيْبَرَ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ وطَلْحَةَ ونافِعٍ لِتَشْرِيفِهِمْ في مَقامِ الِامْتِنانِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالِبًا.
﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ وقَضاياهُ.
48:20Page 513
وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠
Allāh has promised you much booty that you will take [in the future] and has hastened for you this [victory] and withheld the hands of people from you - that it may be a sign for the believers and [that] He may guide you to a straight path.
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ هي ما يُفِيؤُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
﴿تَأْخُذُونَها﴾ في أوْقاتِها المُقَدَّرَةِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها.
﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ أيْ: غَنائِمَ خَيْبَرَ.
﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أيِ: أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ حَيْثُ جاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا، وقِيلَ: أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أمارَةً يَعْرِفُونَ بِها صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعْدَهُ إيّاهم عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ما ذُكِرَ مِنَ المَغانِمِ وفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: ولِتَكُونَ آيَةً لَهم فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ التَّعْجِيلِ والكَفِّ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ عِلَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مِن أحَدِ الفِعْلَيْنِ أيْ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ أوْ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ لِتَغْتَنِمُوها ولِتَكُونَ ...إلَخْ فالواوُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ وعَلى الثّانِيَةِ عاطِفَةٌ.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ بِتِلْكَ الآيَةِ.
﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences