Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:106–109
5:106Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دُنْياهم، إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دِينِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، إمّا بِاعْتِبارِ جَرَيانِها بَيْنَهم، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: شارَفَهُ وظَهَرَتْ عَلائِمُهُ، ظَرْفٌ لَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَهْوِينِ أمْرِ المَوْتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، لا ظَرْفٌ لِلْمَوْتِ كَما تُوُهِّمَ، ولا لِحُضُورِهِ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ في الإبْدالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ المُهِمّاتِ المُقَرَّرَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ ويَذْهَلَ عَنْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنانِ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم حِينَئِذٍ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ فاعِلُ شَهادَةِ بَيْنِكم عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما نَزَلَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكُمُ اثْنانِ.
وَقُرِئَ: ( شَهادَةٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ والإعْرابُ كَما سُبِقَ، وقُرِئَ: ( شَهادَةً ) بِالنَّصْبِ (p-89)والتَّنْوِينِ عَلى أنَّ عامِلَها مُضْمَرٌ، هو العامِلُ في اثْنانِ أيْضًا؛ أيْ: لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ.
﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أقارِبِكم؛ لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وأنْصَحُ لَهُ، وأقْرَبُ إلى تَحَرِّي ما هو أصْلَحُ لَهُ. وقِيلَ: مِنَ المُسْلِمِينَ، وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ.
﴿أوْ آخَرانِ﴾ عَطْفٌ عَلى اثْنانِ تابِعٌ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِيَّةِ والفاعِلِيَّةِ؛ أيْ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ، أوْ أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكم آخَرانِ، أوْ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكم آخَرانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ؛ أيْ: كائِنانِ مِن غَيْرِكم؛ أيْ: مِنَ الأجانِبِ. وقِيلَ: مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ لِعِزَّةِ وُجُودِ المُسْلِمِينَ لا سِيَّما في السَّفَرِ، ثُمَّ نُسِخَ. وعَنْ مَكْحُولٍ: أنَّهُ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ .
﴿إنْ أنْتُمْ﴾ مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ ضَرَبْتُمْ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ بِناءً عَلى جَوازِ وُقُوعِ المُبْتَدَأِ بَعْدَ " أنِ " الشَّرْطِيَّةِ، كَجَوازِ وُقُوعِهِ بَعْدَ إذا.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ فِيها، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عِنْدَ الأوَّلِينَ لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا، ومَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ عِنْدَ الباقِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ سافَرْتُمْ فَقارَبَكُمُ الأجَلُ حِينَئِذٍ، وما مَعَكم مِنَ الأقارِبِ، أوْ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَن يَتَوَلّى أمْرَ الشَّهادَةِ، كَما هو الغالِبُ المُعْتادُ في الأسْفارِ، فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ، أوْ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، كَذا قِيلَ، والأنْسَبُ أنْ يُقَدَّرَ عَيْنُ ما سَبَقَ؛ أيْ: فَآخَرانِ عَلى مَعْنى: شَهادَةُ بَيْنِكم شَهادَةُ آخَرَيْنِ، أوْ فَأنْ يَشْهَدَ آخَرانِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ ثَمَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنِ اشْتِراطِ العَدالَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ إنِ ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما؛ أيْ: تَقِفُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما لِلتَّحْلِيفِ.
﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِآخَرانِ، والشَّرْطُ بِجَوابِهِ المَحْذُوفِ اعْتِراضٌ، فائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ اللّائِقَ إشْهادُ الأقارِبِ، أوْ أهْلِ الإسْلامِ، وأمّا إشْهادُ الآخَرِينَ فَعِنْدَ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ إلَيْهِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصاصَ الحَبْسِ بِالآخَرَيْنِ مَعَ شُمُولِهِ لِلْأوَّلَيْنِ أيْضًا، قَطْعًا عَلى أنَّ اعْتِبارَ اتِّصافِهِما بِذَلِكَ يَأْباهُ مَقامُ الأمْرِ بِإشْهادِهِما؛ إذْ مَآلُهُ فَآخَرانِ شَأْنُهُما الحَبْسُ والتَّحْلِيفُ، وإنْ أمْكَنَ إتْمامُ التَّقْرِيبِ بِاعْتِبارِ قَيْدِ الِارْتِيابِ بِهِما، كَما يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ الآتِي.
والمُرادُ بِالصَّلاةِ: صَلاةُ العَصْرِ، وعَدَمُ تَعْيِينِها لِتَعَيُّنِها عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، ووَقْتُ تَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ، ولِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَهُ ويَجْتَنِبُونَ فِيهِ الحَلِفَ الكاذِبَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقْتَئِذٍ حَلَّفَ مَن حَلَفَ، كَما سَيَأْتِي. وقِيلَ: بَعْدَ أيِّ صَلاةٍ كانَتْ؛ لِأنَّها داعِيَةٌ إلى النُّطْقِ بِالصِّدْقِ، وناهِيَةٌ عَنِ الكَذِبِ والزُّورِ، ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ .
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " تَحْبِسُونَهُما " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ الحَبْسِ والإقْسامِ عَلَيْهِ، سِيقَتْ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ بِحالِ الِارْتِيابِ؛ أيْ: إنِ ارْتابَ بِهِما الوارِثُ مِنكم بِخِيانَةٍ، وأخْذِ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، فاحْبِسُوهُما وحَلِّفُوهُما بِاللَّهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ما اجْتَمَعَ فِيهِ قَسَمٌ وشَرْطٌ، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ جَوابِ سابِقِهِما عَنْ جَوابِ الآخَرِ، كَما هو الواقِعُ غالِبًا، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ سَدِّ جَوابِ السّابِقِ مَسَدِّ جَوابِ اللّاحِقِ لِاتِّحادِ مَضْمُونِهِما، كَما (p-90)فِي قَوْلِكَ: واللَّهِ إنْ أتَيْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ. ولا رَيْبَ في اسْتِحالَةِ ذَلِكَ هَهُنا؛ لِأنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ كِلاهُما، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الشَّرْطَ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
والِاجْتِراءُ: هو اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ: أخْذُها بَدَلًا مِنهُ، لا بَذْلُهُ لِتَحْصِيلِها، كَما قِيلَ: وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ في عَقْدِ الشِّراءِ ومَفْهُومِهِ هو الجَلْبُ، دُونَ السَّلْبِ المُعْتَبَرِ في عَقْدِ البَيْعِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بِإزالَةِ ما عِنْدَهُ عَيْنًا كانَ أوْ مَعْنًى، عَلى وجْهِ الرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ والإعْراضِ عَنِ الزّائِلِ، كَما هو المُعْتَبَرُ في المُسْتَعارِ مِنهُ، حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ .
والضَّمِيرُ في " بِهِ " لِلَّهِ، والمَعْنى: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن حُرْمَتِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نَهْتِكَها، ونُزِيلَها بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقَسَمِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ البَتَّةَ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ؛ أيْ: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنها عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نُزِيلَ عَنْهُ وصْفَ الصِّدْقِ ونَصِفَهُ بِالكَذِبِ؛ أيْ: لا نَحْلِفُ كاذِبِينَ كَما ذُكِرَ، وإلّا فَلا سَدادَ لِلْمَعْنى، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ القَسَمُ الصّادِقُ أوِ الكاذِبُ.
أمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الكاذِبُ؛ فَلِأنَّهُ يُفَوِّتُ حِينَئِذٍ ما هو المُعْتَبَرُ في الِاسْتِعارَةِ مِن كَوْنِ الزّائِلِ شَيْئًا مَرْغُوبًا فِيهِ عِنْدَ الحالِفِ، كَحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفِ الصِّحَّةِ والصِّدْقِ في القَسَمِ، ولا رَيْبَ في أنَّ القَسَمَ الكاذِبَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الصّادِقُ؛ فَلِأنَّهُ وإنْ أمْكَنَ أنْ يُتَوَسَّلَ بِاسْتِعْمالِهِ إلى عَرَضِ الدُّنْيا، كالقَسَمِ الكاذِبِ، لَكِنْ لا مَحْذُورَ فِيهِ، وأمّا التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِتَرْكِ اسْتِعْمالِهِ، فَلا إمْكانَ لَهُ هَهُنا حَتّى يَصِحَّ التَّبَرُّؤُ مِنهُ، وإنَّما يُتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِاسْتِعْمالِ القَسَمِ الكاذِبِ، ولَيْسَ اسْتِعْمالُهُ مِن لَوازِمِ تَرْكِ اسْتِعْمالِ الصّادِقِ ضَرُورَةَ جَوازِ تَرْكِهِما مَعًا، حَتّى يُتَصَوَّرَ جَعْلُ ما أُخِذَ بِاسْتِعْمالِهِ مَأْخُوذًا بِتَرْكِ اسْتِعْمالِ الصّادِقِ، كَما في صُورَةِ تَقْدِيرِ المُضافِ، فَإنَّ إزالَةَ وصْفِ الصِّدْقِ عَنِ القَسَمِ مَعَ بَقاءِ المَوْصُوفِ، مُسْتَلْزِمَةٌ لِثُبُوتِ وصْفِ الكَذِبِ لَهُ البَتَّةَ، فَتَأمَّلْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كانَ﴾؛ أيِ: المُقْسَمُ لَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ.
﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: قَرِيبًا مِنّا، تَأْكِيدٌ لِتَبْرُّئِهِمْ مِنَ الحَلِفِ كاذِبًا، ومُبالَغَةٌ في التَّنَزُّهِ عَنْهُ، كَأنَّهُما قالا: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِن حُرْمَةِ اسْمِهِ تَعالى مالًا، ولَوِ انْضَمَّ إلَيْهِ رِعايَةُ جانِبِ الأقْرِباءِ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وصِيانَةُ أنْفُسِهِما وإنْ كانَتْ أهَمَّ مِن رِعايَةِ الأقْرِباءِ، لَكِنَّها لَيْسَتْ ضَمِيمَةً لِلْمالِ، بَلْ هي راجِعَةٌ إلَيْهِ.
وَجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى أُخْرى مِثْلِها، كَما فُصِّلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ﴾ " ... إلَخْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾؛ أيِ: الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِإقامَتِها، مَعْطُوفٌ عَلى " لا نَشْتَرِي بِهِ "، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ القَسَمِ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى شَهادَةٍ، ثُمَّ ابْتَدَأ ( اللَّهِ ) بِالمَدِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ، وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، وبِغَيْرِ مَدٍّ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ.
﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾؛ أيْ: إنْ كَتَمْناها. وقُرِئَ: ( لَمِلاثِمِينَ ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْخالِ النُّونِ فِيها.
5:107Page 125
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."
﴿فَإنْ عُثِرَ﴾؛ أيِ: اطُّلِعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ.
﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ حَسْبَما اعْتَرَفا بِهِ بِقَوْلِهِما: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ؛ أيْ: فَعَلا ما يُوجِبُ إثْمًا مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ، بِأنْ ظَهَرَ (p-91)بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما وقَعَ في سَبَبِ النُّزُولِ حَسْبَما سَيَأْتِي.
﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: رَجُلانِ آخَرانِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾، ولا مَحْظُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ وصْفِهِ الَّذِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ؛ أيْ: يَقُومانِ مَقامَ الَّذِينَ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما، ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما: مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي، بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الحَقِّ، وإبْرازِ كَذِبِهِما فِيما ادَّعَيا مِنِ اسْتِحْقاقِهِما لِما في أيْدِيهِما.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم؛ أيْ: مِن أهْلِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ.
﴿عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ؛ أيِ: الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ أيْ: بِاليَمِينِ كَما سَتَعْرِفُهُ، ومَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ؛ أيِ: اسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِها؛ لِأنَّها حَقُّهُما، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبَيْنِ وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ الأوَّلَيْنِ عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ.
وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو الأظْهَرُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، فالأوْلَيانِ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ، أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " يَقُومانِ "، أوْ مِن " آخَرانِ "، وقَدْ جُوِّزَ ارْتِفاعُهُ بِاسْتَحَقَّ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوَّلَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ.
وَقُرِئَ: ( الأوَّلِينَ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ ... إلَخْ، مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ: التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها. وقُرِئَ: ( الأوَّلِيَّيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: ( الأوَّلانِ ) .
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " يَقُومانِ " .
﴿لَشَهادَتُنا﴾ المُرادُ بِالشَّهادَةِ: اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لَيَمِينُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الاسْتِحْقاقِ، مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها.
﴿أحَقُّ﴾ بِالقَبُولِ.
﴿مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما، مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها، لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ، ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا حَقِّيَّةَ في يَمِينِهِما رَأْسًا، إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِها في الجُمْلَةِ، بِاعْتِبارِ احْتِمالِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما.
﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: ما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ، أوْ ما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما.
﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنّا إنِ اعْتَدَيْنا في يَمِينِنا لَمِنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ؛ بِسَبَبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَمِنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى النَّظْمِ الكَرِيمِ: أنَّ المُحْتَضَرَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ، فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ بِهِما أقْسَما عَلى أنَّهُما ما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ، ولا مِنَ التَّرِكَةِ شَيْئًا بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطُّلِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى كَذِبِهِما بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا تَمَلُّكَهُ مِن جِهَةِ المَيِّتِ، حَلَفَ الوَرَثَةُ وعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ.
وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ تَمِيمَ بْنَ أوْسٍ الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ، ومَعَهُما بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ، وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِذَلِكَ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ فَوَجَدا فِيهِ إناءً مِن فِضَّةٍ وزْنُهُ ثَلَثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فَغَيَّباهُ ودَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِهِ، فَأصابُوا فِيهِ الكِتابَ، فَطَلَبُوا مِنهُما الإناءَ، فَقالا: ما نَدْرِي إنَّما أوْصى إلَيْنا بِشَيْءٍ وأمَرَنا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكم (p-92)فَفَعَلْنا، وما لَنا بِالإناءِ مِن عِلْمٍ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ " يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ... " الآيَةَ، فاسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُما لَمْ يَخْتانا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ ولا كَتَما، فَحَلَفا عَلى ذَلِكَ، فَخَلّى ﷺ سَبِيلَهُما، ثُمَّ إنَّ الإناءَ وُجِدَ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ اشْتَرَيْتُهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَراهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطَلَبُوهُ مِنهُما، فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِن بُدَيْلٍ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا مِن مَتاعِهِ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُما: لا، قالا: ما كانَ لَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: " فَإنْ عُثِرَ ... " الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ، فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَدَفَعَ الإناءَ إلَيْهِما، وفي رِوايَةٍ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ، واعْلَمْ أنَّهُما إنْ كانا وارِثَيْنِ لِبُدَيْلٍ، فَلا نَسْخَ إلّا في وصْفِ اليَمِينِ، فَإنَّ الوارِثَ لا يُحَلَّفُ عَلى البَتّاتِ، وإلّا فَهو مَنسُوخٌ.
5:108Page 125
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
﴿ذَلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ، وارِدٌ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ أيِ: الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾؛ أيْ: أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها الَّذِي تَحَمَّلُوها عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خِيانَةٍ، خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، وهَذِهِ كَما تَرى حِكْمَةُ شَرْعِيَّةِ التَّحْلِيفِ بِالتَّغْلِيظِ المَذْكُورِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِإبْطالِ أيْمانِهِمْ والعَمَلِ بِأيْمانِ الوَرَثَةِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الخِيانَةِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصِدُ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها.
وَقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى " ﴿يَأْتُوا﴾ " عَلى مَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، أوْ إلى أنْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، فَلا يَحْلِفُوا عَلى مُوجَبِ شَهادَتِهِمْ إنْ لَمْ يَأْتُوا بِها عَلى وجْهِها، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم بِنُكُولِهِمْ.
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ: أداءِ الشَّهادَةِ عَلى الصِّدْقِ، والِامْتِناعِ عَنْ أدائِها عَلى الكَذِبِ؛ فَيَأْباهُ المَقامُ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحادِثَةِ أصْلًا، ضَرُورَةَ أنَّ الشّاهِدَ مُضْطَرٌّ فِيها إلى الجَوابِ، فالِامْتِناعُ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإتْيانِ بِالصّادِقَةِ قَطْعًا، فَلَيْسَ هُناكَ أمْرانِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ، حَتّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ أوْ، وإنَّما يَتَأتّى ذَلِكَ في شُهُودٍ لَمْ يُتَّهَمُوا بِخِيانَةٍ عَلى أنَّ إضافَةَ الِامْتِناعِ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ إلى خَوْفِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، ونِسْبَةَ الإتْيانِ بِالصّادِقَةِ إلى غَيْرِهِ مَعَ أنَّ ما يَقْتَضِي أحَدَهُما يَقْتَضِي الآخَرَ لا مَحالَةَ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ؛ فَتَأمَّلْ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الحُكْمُ.
﴿واسْمَعُوا﴾ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ كائِنًا ما كانَ سَمْعَ طاعَةٍ وقَبُولٍ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ؛ أيْ: فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ فاسِقِينَ، واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم.(p-93)
5:109Page 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَفْعُولِ " اتَّقُوا " لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، فَإنَّ مَدارَ البَدَلِيَّةِ لَيْسَ مُلابَسَةَ الظَّرْفِيَّةِ والمَظْرُوفِيَّةِ ونَحْوِها فَقَطْ، بَلْ هو تَعَلُّقٌ ما مُصَحِّحٌ لِانْتِقالِ الذِّهْنِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ إلى البَدَلِ بِوَجْهٍ إجْمالِيٍّ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى خالِقَ الأشْياءِ كافَّةً، مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ خاصَّةً، كافٍ في البابِ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى يَتَبادَرُ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المُتَّقى أيُّ شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، وأيُّ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ.
وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِاشْتِمالُ؛ أيْ: اتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ انْتِصابُهُ مِنهُ بِطَرِيقِ الظَّرْفِيَّةِ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " اتَّقُوا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ أيْ: واحْذَرُوا، أوِ اذْكُرُوا يَوْمَ ... إلَخْ؛ فَإنَّ تَذْكِيرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ مِمّا يُضْطَرُّهم إلى تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَلَقِّي أمْرِهِ بِسَمْعِ الإجابَةِ والطّاعَةِ.
وَقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لا يَهْدِي﴾ "؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ كَما يَهْدِي إلَيْهِ المُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْمَعُوا﴾ " بِحَذْفِ مُضافٍ؛ أيِ: اسْمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى ضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ، لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والدَّواهِي العامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ... إلَخْ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِاخْتِصاصِ الجَمْعِ بِهِمْ دُونَ الأُمَمِ، كَيْفَ لا و ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ بَلْ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ، والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ؛ بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهم، ولِإظْهارِ سُقُوطِ مَنزِلَتِهِمْ وعَدَمِ لِياقَتِهِمْ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ جَمْعِ الرُّسُلِ، كَيْفَ لا وهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُجْمَعُونَ عَلى وجْهِ الإجْلالِ، وأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ بِالأغْلالِ.
﴿فَيَقُولُ﴾ لَهم مُشِيرًا إلى خُرُوجِهِمْ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ، كَما يَنْبَغِي حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَخْصِيصُ السُّؤالِ بِجَوابِ الأُمَمِ إعْرابًا واضِحًا إلّا لِصَدْرِ الخِطابِ، بِأنْ يُقالَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ رِسالاتِي ؟
وَ" ماذا " في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ، فَهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ مِن جِهَةِ أُمَمِكم، إجابَةَ قَبُولٍ، أوْ إجابَةَ رَدٍّ.
وَقِيلَ: عِبارَةٌ عَنِ الجَوابِ، فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَنْهُ؛ أيْ: بِأيِّ جَوابٍ أُجِبْتُمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفي تَوْجِيهِ السُّؤالِ عَمّا صَدَرَ عَنْهم، وهم شُهُودٌ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَسُؤالِ المَوْءُودَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الوائِدِ، والعُدُولِ عَنْ إسْنادِ الجَوابِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُقالَ: ماذا أجابُوا مِنَ الأنْباءِ، عَنْ كَمالِ تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، وشِدَّةِ الغَيْظِ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هُنالِكَ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ ونَظائِرِهِما، وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى علمه تعالى، وإحاطَتِهِ بِما اعْتَراهم مِن جِهَتِهِمْ مِن مُقاساةِ الأهْوالِ، ومُعاناةِ الهُمُومِ والأوْجالِ، وعَرْضًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ بَيانِهِ لِكَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ؛ أيْ: فَتَعْلَمُ ما أجابُوا وأظْهَرُوا لَنا، وما لَمْ نَعْلَمْهُ مِمّا أضْمَرُوهُ في قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ إظْهارٌ لِلشَّكاةِ، ورَدٌّ لِلْأمْرِ إلى علمه تعالى بِما لَقُوا مِن قِبَلِهِمْ مِنَ (p-94)الخُطُوبِ، وكابَدُوا مِنَ الكُرُوبِ، والتِجاءٌ إلى رَبِّهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهم.
وَقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ، ورُدَّ ذَلِكَ بِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهم.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُرادَهم حِينَئِذٍ أنَّ بَعْضَهم كانُوا في زَمانِهِمْ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ صارُوا كَفَرَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّهم يَفْزَعُونَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ويَذْهَلُونَ عَنِ الجَوابِ، ثُمَّ يُجِيبُونَ بَعْدَ ما ثابَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، ولا يُلائِمُهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ: المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ فَضِيحَتِهِمْ. وقُرِئَ: ( عَلّامَ الغُيُوبِ ) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، أوْ الِاخْتِصاصِ بِالمَدْحِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " أنْتَ "؛ أيْ: إنَّكَ أنْتَ المَنعُوتُ بِنُعُوتِ كَمالِكَ المَعْرُوفُ بِذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences