Abu as-Su'udAl‑Ma'idah · 5:116–120

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:116–120

5:116Page 127

وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦

And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ "، مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ مِنَ المُضْمَرِ المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أوْ بِمُضْمَرٍ مُسْتَقِلٍّ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ؛ أيِ: اذْكُرْ لِلنّاسِ وقْتَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الآخِرَةِ، تَوْبِيخًا لِلْكَفَرَةِ وتَبْكِيتًا لَهم، بِإقْرارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِالعُبُودِيَّةِ، وأمْرِهِ لَهم بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيغَةُ الماضِي لِما مَرَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ.

﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ الِاتِّخاذُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ فَإلَهَيْنِ ثانِيهِما، وإمّا إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، ولَيْسَ مَدارُ أصْلِ الكَلامِ أنَّ القَوْلَ مُتَيَقَّنٌ، والِاسْتِفْهامَ لِتَعْيِينِ القائِلِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن إيلاءِ الهَمْزَةِ المُبْتَدَأ عَلى الِاسْتِعْمالِ الفاشِي، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ ونَظائِرُهُ، بَلْ عَلى أنَّ المُتَيَقَّنَ هو الِاتِّخاذُ، والِاسْتِفْهامُ لِتَعْيِينِ أنَّهُ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنَيْنِ مِن دُونِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اتِّخاذُهُما بِطَرِيقِ إشْراكِهِما بِهِ سُبْحانَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ إذْ بِهِ يَتَأتّى التَّوْبِيخُ ويَتَسَنّى التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ.

وَمَن تَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ النَّصارى يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ عِيسى ومَرْيَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَخْلُقْها اللَّهُ تَعالى، بَلْ هُما خَلَقاها؛ فَصَحَّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُما في حَقِّ بَعْضِ الأشْياءِ إلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، ولَمْ يَتَّخِذُوهُ تَعالى إلَهًا في حَقِّ ذَلِكَ البَعْضِ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ، وأمّا مَن تَعَمَّقَ فَقالَ: إنَّ عِبادَتَهُ تَعالى مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَلا عِبادَةٍ، فَمَن عَبَدَهُ تَعالى مَعَ عِبادَتِهِما كَأنَّهُ عَبَدَهُما ولَمْ يَعْبُدْهُ تَعالى، فَقَدْ غَفَلَ عَمّا يُجْدِيهِ واشْتَغَلَ بِما لا يَعْنِيهِ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهُ، فَإنَّ تَوْبِيخَهم إنَّما يَحْصُلُ بِما يَعْتَقِدُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِهِ صَرِيحًا، لا بِما يَلْزَمُهُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ القَوْلِ المُسْنَدِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِما مَرَّ مِرارًا.

﴿سُبْحانَكَ﴾ سُبْحانَ: عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ، (p-101)وَفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبْحِ، الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، المُشِيرِ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مُقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ ما لا يَخْفى؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ أقُولَ ذَلِكَ، أوْ مِن أنْ يُقالَ في حَقِّكَ ذَلِكَ.

وَأمّا تَقْدِيرُ: مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ؛ فَلا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّنْزِيهِ ومُبَيِّنٌ لِلْمُنَزَّهِ مِنهُ، و" ما " عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: ما يَسْتَقِيمُ وما يَنْبَغِي لِي أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ.

وَإيثارُ " لَيْسَ " عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ الحَقِّيَّةِ، وإفادَةِ التَّأْكِيدِ بِما في حَيِّزِهِ مِنَ الباءِ، فَإنَّ اسْمَهُ ضَمِيرُهُ العائِدُ إلى " ما " وخَبَرَهُ " بِحَقٍّ "، والجارُّ والمَجْرُورُ فِيما بَيْنَهُما لِلتَّبْيِينِ كَما في: سُقْيًا لَكَ، ونَحْوِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِعَدَمِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعلمه تعالى بِهِ قَطْعًا، فَحَيْثُ انْتَفى علمه تعالى بِهِ انْتَفى صُدُورُهُ عَنْهُ حَتْمًا، ضَرُورَةَ أنَّ عَدَمَ اللّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ المَلْزُومِ.

﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّكَ تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ في نَفْسِي، فَكَيْفَ بِما أُعْلِنُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ بَيانٌ لِلْواقِعِ وإظْهارٌ لِقُصُورِهِ؛ أيْ: ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ مِن مَعْلُوماتِكَ، وقَوْلُهُ: " في نَفْسِكَ " لِلْمُشاكَلَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ: هو الذّاتُ، ونِسْبَةُ المَعْلُوماتِ إلَيْها لِما أنَّها مَرْجِعُ الصِّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِها، فَلَمْ يَكُنْ كَنِسْبَتِها إلى الحَقِيقَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مَنطُوقًا ومَفْهُومًا.

5:117Page 127

مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧

I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهُ، قَدْ أُدْرِجَ فِيهِ عَدَمُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ حُكِمَ بِانْتِفاءِ صُدُورِ جَمِيعِ الأقْوالِ المُغايِرَةِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، فَدَخَلَ فِيهِ انْتِفاءُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، وإنَّما قِيلَ: ما قُلْتُ لَهم نُزُولًا عَلى قَضِيَّةِ حُسْنِ الأدَبِ، ومُراعاةً لِما ورَدَ في الِاسْتِفْهامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ. وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا، لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا عائِدٍ. وقِيلَ: خَبَرٌ مُضْمَرٌ أوْ مَفْعُولُهُ، مِثْلَ: هو، أوْ أعْنِي.

﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقِيبًا أُراعِي أحْوالَهم، وأحْمِلُهم عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ أمْرِكَ، وأمْنَعُهم عَنِ المُخالَفَةِ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ.

﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ما: مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ تُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مُضافٍ إلَيْهِ زَمانٌ، و" دُمْتُ " صِلَتُها؛ أيْ: كُنْتُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مُدَّةَ دَوامِي فِيما بَيْنَهم.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾، فَإنَّ التَّوَفِّيَ: أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ .

﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ لا غَيْرُكَ، فَأنْتَ ضَمِيرُ الفَصْلِ أوْ تَأْكِيدٌ، وقُرِئَ: ( الرَّقِيبُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ " أنْتَ " . والجُمْلَةُ خَبَرٌ لَكانَ، وعَلَيْهِمْ (p-102)مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: أنْتَ كُنْتَ الحافِظَ لِأعْمالِهِمْ والمُراقِبَ، فَمَنَعْتَ مَن أرَدْتَ عِصْمَتَهُ عَنِ المُخالَفَةِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ، والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ، وخَذَلْتَ مَن خَذَلْتَ مِنَ الضّالِّينَ فَقالُوا ما قالُوا.

﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى كانَ هو الشَّهِيدَ عَلى الكُلِّ، حِينَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهِيدٍ، والتَّقْدِيمُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.

5:118Page 127

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ وقَدِ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَكَ.

﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾؛ أيِ: القَوِيُّ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، ومِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ.

﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يُرِيدُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ، وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ، وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ إنَّما هو بِمُقْتَضى الوَعِيدِ، فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيُمْنَعَ التَّرْدِيدُ.

وَقِيلَ: التَّرْدِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْقَتَيْنِ، والمَعْنى: إنْ تُعَذِّبْهم؛ أيْ: مَن كَفَرَ مِنهم، وإنْ تَغْفِرْ لَهم؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم.

5:119Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قالَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُتِمَ بِهِ حِكايَةَ ما حُكِيَ مِمّا يَقَعُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُشِيرَ إلى نَتِيجَتِهِ ومَآلِهِ؛ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَقِيبَ جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُشِيرًا إلى صِدْقِهِ في ضِمْنِ بَيانِ حالِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ هو في زُمْرَتِهِمْ، وصِيغَةُ الماضِي لِما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي حُكِيَ بَعْضُ ما يَقَعُ فِيهِ إجْمالًا وبَعْضُهُ تَفْصِيلًا.

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، والمُرادُ بِالصّادِقِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ: المُسْتَمِرُّونَ في الدّارَيْنِ عَلى الصِّدْقِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْحِيدُ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، والشَّرائِعُ والأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ النّاطِقِينَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ الدّاعِينَ إلى ذَلِكَ، وبِهِ تَحْصُلُ الشَّهادَةُ بِصِدْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ الأُمَمِ المُصَدِّقِينَ لَهُمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، عَقْدًا وعَمَلًا، بِهِ يَتَحَقَّقُ المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ مِن تَرْغِيبِ السّامِعِينَ في الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا كُلِّ مَن صَدَقَ في أيِّ شَيْءٍ كانَ، ضَرُورَةَ أنَّ الجانِيَ المُعْتَرِفَ في الدُّنْيا بِجِنايَتِهِ لا يَنْفَعُهُ يَوْمَئِذٍ اعْتِرافُهُ وصِدْقُهُ.

﴿صِدْقُهُمْ﴾؛ أيْ: صِدْقُهم فِيما ذُكِرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ إذْ هو المُسْتَتْبِعُ لِلنَّفْعِ يَوْمَئِذٍ، واعْتِبارُ اسْتِمْرارِهِ في الدّارَيْنِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ كَما عَرَفْتَ، ولا دَخْلَ لَهُ في اسْتِتْباعِ النَّفْعِ والجَزاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي الَّتِي أطْبَقَ عَلَيْها الجُمْهُورُ، وهي الألْيَقُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.

وَقَدْ قُرِئَ: ( يَوْمَ ) بِالنَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ، فَهَذا حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " أأنْتَ قُلْتَ " ... إلَخْ، وإمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِهَذا، فَهو حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: هَذا الجَوابُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ ... إلَخْ، أوْ إلى السُّؤالِ والجَوابِ مَعًا.

وَقِيلَ: هو خَبَرٌ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مُتَمَكِّنٍ. وقُرِئَ: ( يَوْمٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي ...﴾ الآيَةَ.

﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ النَّفْعِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: (p-103)ما لَهم مِنَ النَّفْعِ ؟ فَقِيلَ: لَهم نَعِيمٌ دائِمٌ وثَوابٌ خالِدٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أفاضَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنّاتِ ما لا قَدْرَ لَها عِنْدَهُ، وهو رِضْوانُهُ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ إذْ لا شَيْءَ أعَزُّ مِنهُ حَتّى يَمْتَدَّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ.

"وَذَلِكَ" إشارَةٌ إلى نَيْلِ رِضْوانِهِ تَعالى، وقِيلَ: إلى نَيْلِ الكُلِّ.

﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِما أنَّ عِظَمَ شَأْنِ الفَوْزِ تابِعٌ لِعِظَمِ شَأْنِ المَطْلُوبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الفَوْزُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنْ لا مَطْلَبَ وراءَ ذَلِكَ أصْلًا.

5:120Page 127

لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ ما زَعَمُوا في حَقِّ المَسِيحِ وأُمِّهِ؛ أيْ: لَهُ تَعالى خاصَّةً مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ، إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وأمْرًا ونَهْيًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، وفي إيثارِ ما عَلى " مِنِ " المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَناوُلِها لِلْكُلِّ مُراعاةٌ لِلْأصْلِ، وإشارَةٌ إلى تَساوِي الفَرِيقَيْنِ في اسْتِحالَةِ الربوبية، حَسَبَ تَساوِيهِما في تَحْقِيقِ المَرْبُوبِيَّةِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِها بِغَيْرِ العُقَلاءِ، تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُصُورِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ، وإهانَةٌ بِهِمْ بِتَغْلِيبِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.

﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ، ﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا» " .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском