Abu as-Su'udAl‑Ma'idah · 5:12–17

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:12–17

5:12Page 109

۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

And Allāh had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allāh said, "I am with you. If you establish prayer and give zakāh and believe in My messengers and support them and loan Allāh a goodly loan,1 I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِيانَةِ، ونَقْضِ المِيثاقِ، وما أدّى إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ التَّبِعاتِ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُراعاةِ حَقِّ المِيثاقِ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، وتَحْذِيرِهِمْ مِن نَقْضِهِ، أوْ لِتَقْرِيرِ ما ذُكِرَ مِنَ الهَمِّ بِالبَطْشِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، حَسْبَما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ بِبَيانِ أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ لَهم قَدِيمَةٌ تَوارَثُوها مِن أسْلافِهِمْ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَفْخِيمِ المِيثاقِ، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في نَقْضِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حَقِّ الِاسْتِئْنافِ المُسْتَدْعى؛ لِلِانْقِطاعِ عَمّا قَبْلَهُ.

والِالتِفاتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، أوْ لِأنَّ البَعْثَ كانَ بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما سَيَأْتِي. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. والنَّقِيبُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مُشْتَقٌ مِنَ النَّقْبِ، وهو التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَفْتِيشِهِ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ وأسْرارِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُهُ: مِنَ النَّقْبِ، وهو الثَّقْبُ الواسِعُ.

رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اسْتَقَرُّوا بِمِصْرَ بِعَهْدِ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ، أمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالمَسِيرِ إلى أرِيحا أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ لَهم: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا، فاخْرُجُوا إلَيْها وجاهِدُوا مَن فِيها وإنِّي ناصِرُكم، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا أمِينًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ تَوْثِقَةً عَلَيْهِمْ، فاخْتارَ النُّقَباءَ وأخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَكَفَّلَ إلَيْهِمُ النُّقَباءَ وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وقُوَّةً وشَوْكَةً، فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، وقَدْ نَهاهم مُوسى عَنْ ذَلِكَ فَنَكَثُوا المِيثاقَ، إلّا كالِبَ بْنَ يَوْقُنّا نَقِيبَ سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَقِيبَ سِبْطِ إفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قِيلَ: لَمّا تَوَجَّهَ النُّقَباءُ إلى أرْضِهِمْ لِلتَّجَسُّسِ لَقِيَهم عُوجُ بْنُ عُنْقٍ، وكانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا، وقَدْ عاشَ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةٍ، وكانَ عَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ، فَأخَذَهم وجَعَلَهم في الحُزْمَةِ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ وقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها وقالَ: ألا أطْحَنُهم بِرِجْلِي، فَقالَتْ: لا، بَلْ خَلِّي عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، فَفَعَلَ، فَجَعَلُوا يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَهم، وكانَ لا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ رِجالٍ أوْ أرْبَعَةٌ، فَلَمّا خَرَجَ النُّقَباءُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ بِخَبَرِ القَوْمِ ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَكِنِ اكْتُمُوهُ، (p-15)إلّا عَنْ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَيَكُونانِ هُما يَرَيانِ رَأْيَهُما، فَأخَذَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ المِيثاقَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مَعَهم حَبَّةٌ مِن عِنَبِهِمْ، وقَرَّ رَجُلٌ فَنَكَثُوا عَهْدَهم، وجَعَلَ كُلٌّ مِنهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ ويُخْبِرُهم بِما رَأى، إلّا كالِبَ ويُوشَعَ، وكانَ مُعَسْكَرُ مُوسى فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، فَجاءَ عُوجٌ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الجَبَلِ فَقَوَّرَ مِنهُ صَخْرَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِ العَسْكَرِ، ثُمَّ حَمَلَها عَلى رَأْسِهِ لِيُطْبِقَها عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهُدْهُدَ، فَقَوَّرَ مِنَ الصَّخْرَةِ وسَطَها المُحاذِيَ لِرَأْسِهِ، فانْتَقَبَتْ، فَوَقَعَتْ في عُنُقِ عُوجٍ وطَوَّقَتْهُ فَصَرَعَتْهُ، وأقْبَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وطُولُهُ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وكَذا طُولُ العَصا، فَتَرامى في السَّماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ، فَما أصابَ العَصا إلّا كَعْبَهُ وهو مَصْرُوعٌ فَقَتَلَهُ، قالُوا: فَأقْبَلَتْ جَماعَةٌ ومَعَهُمُ الخَناجِرُ حَتّى حَزُّوا رَأْسَهُ.

﴿وَقالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: لِبَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُحْتاجُونَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ مَعَ ما فِيهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ.

﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أيْ: بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، والنُّصْرَةِ لا بِالنُّصْرَةِ فَقَطْ، فَإنَّ تَنْبِيهَهم عَلى علمه تعالى بِكُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وعَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ قدرته ومَلَكُوتِهِ، مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي مَعَكم أسْمَعُ كَلامَكم، وأرى أعْمالَكم، وأعْلَمُ ضَمائِرَكم، فَأُجازِيكم بِذَلِكَ.

هَذا وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالمِيثاقِ: هو المِيثاقُ بِالإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وبِالنُّقَباءِ مُلُوكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَنْقُبُونَ أحْوالَهم، ويَلُونَ أُمُورَهم بِالأمْرِ والنَّهْيِ وإقامَةِ العَدْلِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِهِمْ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، وتَأْخِيرُ الإيمانِ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ كَوْنِهِما مِنَ الفُرُوعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، لِما أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُوبِهِما مَعَ ارْتِكابِهِمْ لِتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: نَصَرْتُمُوهم وقَوَّيْتُمُوهم، وأصْلُهُ: الذَّبُّ، وقِيلَ: التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ والثَّناءُ بِخَيْرٍ. وقُرِئَ: ( وعَزَرْتُمُوهم ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وبِالتَّصَدُّقِ بِالصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وارِدٌ عَلى غَيْرِ صِيغَةِ المَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾، أوْ مَفْعُولٌ ثانِي لَأقْرَضْتُمْ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمالِ المُقْرَضِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللّامِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.

﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الجَوابِ، مُتَأخِّرٌ عَنْهُ في الحُصُولِ أيْضًا؛ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.

﴿فَمَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بِرُسُلِي، أوْ بِشَيْءٍ مِمّا عُدِّدَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ بَيانِ حُكْمِ مَن كَفَرَ عَلى بَيانِ حُكْمِ مَن آمَنَ؛ تَقْوِيَةً لِلتَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ.

﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الشَّرْطُ المُؤَكَّدُ المُعَلَّقُ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلْإيمانِ قَطْعًا.

﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ كَفَرَ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وإنْ كَفَرْتُمْ، عَطْفًا عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ لِإخْراجِ كُفْرِ الكُلِّ عَنْ حَيِّزِ الِاحْتِمالِ، وإسْقاطِ مَن كَفَرَ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، ولَيْسَ المُرادُ إحْداثَ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، بَلْ ما يَعُمُّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، خَلا أنَّهُ قُصِدَ بِإيرادِ ما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ بَيانُ تَرَقِّيهِمْ في مَراتِبِ الكُفْرِ، فَإنَّ الِاتِّصافَ بِشَيْءٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ.

﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: وسَطَ الطَّرِيقِ الواضِحِ ضَلالًا بَيِّنًا، وأخْطَأهُ خَطَأً فاحِشًا، لا عُذْرَ مَعَهُ أصْلًا، بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ إذْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ (p-16)يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ ويُتَوَهَّمَ لَهُ مَعْذِرَةٌ.

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الكَلامِ وتَمْكِينِهِ في النَّفْسِ؛ أيْ: بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ المُؤَكَّدَ، لا بِشَيْءٍ آخَرَ اسْتِقْلالًا أوِ انْضِمامًا.

﴿لَعَنّاهُمْ﴾ طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم مِن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، أوْ أذْلَلْناهم بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُبَيَّنَ بَعْدَ بَيانِ تَحَقُّقٍ نَفْسِ اللَّعْنِ والنَّقْضِ، بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: فَنَقَضُوا مِيثاقَهم فَلَعَنّاهم؛ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ هَيْئَةِ الشَّيْءِ البَسِيطَةِ عَلى هَيْئَتِهِ المُرَكَّبَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُما أمْرٌ جَلِيٌّ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ.

﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ بِحَيْثُ لا تَتَأثَّرُ مِنَ الآياتِ والنَّظَرِ. وقِيلَ: أمْلَيْنا لَهم ولَمْ نُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ حَتّى قَسَتْ، أوْ خَذَلْناهم ومَنَعْناهُمُ الألْطافَ حَتّى صارَتْ كَذَلِكَ. وقُرِئَ: ( قَسِيَّةً ) وهي إمّا مُبالَغَةَ قاسِيَةٍ، وإمّا بِمَعْنى: رَدِيئَةٍ، مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ؛ أيْ: رَدِيءٌ: إذا كانَ مَغْشُوشًا لَهُ يُبْسٌ وخُشُونَةٌ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ إتْباعًا لَها بِالسِّينِ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَرْتَبَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا مَرْتَبَةَ أعْظَمَ مِمّا يُصَحِّحُ الِاجْتِراءَ عَلى تَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ لَعَنّاهم.

﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾؛ أيْ: تَرَكُوا نَصِيبًا وافِرًا.

﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، أوْ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: حَرَّفُوا التَّوْراةَ وزَلَّتْ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: خِيانَةٍ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، كَلاغِيَةٍ وكاذِبَةٍ، أوْ فَعْلَةٍ خائِنَةٍ؛ أيْ: ذاتِ خِيانَةٍ، أوْ طائِفَةٍ خائِنَةٍ، أوْ شَخْصٍ خائِنَةٍ، عَلى أنَّ التّاءَ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ، ومِنهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، خَلا أنَّ مِن عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ؛ أيْ: عَلى خِيانَةٍ، أوْ عَلى فَعْلَةٍ خائِنَةٍ كائِنَةٍ مِنهم صادِرَةٍ عَنْهم، وعَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ تَبْعِيضِيَّةٌ، والمَعْنى: أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهم ولِأسْلافِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَها، أوْ يَكْتُمُونَها، فَلا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم.

﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " مِنهم " عَلى الوُجُوهِ كُلِّها. وقِيلَ: مِن خائِنَةٍ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ. وقِيلَ: مِن خائِنَةٍ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فالمُرادُ بِالقَلِيلِ: الفِعْلُ القَلِيلُ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ كَما مَرَّ؛ أيْ: إلّا فِعْلًا قَلِيلًا كائِنًا مِنهم.

﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾؛ أيْ: إنْ تابُوا وآمَنُوا، أوْ عاهَدُوا والتَزَمُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: مُطْلَقٌ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وحَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَفْوَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ الإحْسانِ.(p-17)

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ بَيانٌ لِقَبائِحِ النَّصارى وجِناياتِهِمْ إثْرَ بَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ وخِياناتِهِمْ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذْنا؛ إذِ التَّقْدِيرُ: وأخَذَنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى، مِيثاقَهم، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِأنَّ ذِكْرَ حالِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مِمّا يُوقِعُ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّ حالَ الأُخْرى ماذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى أيْضًا أخَذْنا مِيثاقَهم. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ صِفَتُهُ، أوْ صِلَتُهُ مَقامَهُ؛ أيْ: ومِنهم قَوْمٌ أخَذْنا مِيثاقَهم، أوْ مَن أخَذْنا مِيثاقَهم. وضَمِيرُ مِيثاقَهم راجِعٌ إلى المَوْصُوفِ المُقَدَّرِ، وأمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَراجِعٌ إلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: أخَذْنا مِن هَؤُلاءِ مِيثاقَ أُولَئِكَ؛ أيْ: مِثْلَ مِيثاقِهِمْ مِنَ الإيمان باللَّهِ والرُّسُلِ، وبِما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ، وإنَّما نَسَبَ تَسْمِيَتَهم نَصارى إلى أنْفُسِهِمْ، دُونَ أنْ يُقالَ: ومِنَ النَّصارى؛ إيذانًا بِأنَّهم في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ، بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّدْقِ، وإنَّما هو تَقَوُّلٌ مَحْضٌ مِنهم، ولَيْسُوا مِن نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، أوْ إظْهارًا لِكَمالِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَإنَّ ادِّعاءَهم لِنُصْرَتِهِ تَعالى يَسْتَدْعِي ثَباتَهم عَلى طاعَتِهِ تَعالى ومُراعاةَ مِيثاقِهِ.

﴿فَنَسُوا﴾ عَقِيبَ أخْذِ المِيثاقِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، ﴿حَظًّا﴾ وافِرًا.

﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في تَضاعِيفِ المِيثاقِ مِنَ الإيمان باللَّهِ تَعالى، وغَيْرِ ذَلِكَ حَسْبَما مَرَّ آنِفًا. وقِيلَ: هو ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ في الإنْجِيلِ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَرَكُوهُ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم، فاخْتَلَفُوا وتَفَرَّقُوا، نَسْطُورِيَّةً، ويَعْقُوبِيَّةً، ومَلِكانِيَّةً، أنْصارًا لِلشَّيْطانِ.

﴿فَأغْرَيْنا﴾؛ أيْ: ألْزَمْنا وألْصَقْنا، مَن غَرّى بِالشَّيْءِ: إذا لَزِمَ ولَصِقَ بِهِ، وأغْراهُ: غَيْرُهُ، ومِنهُ الغِراءُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ إمّا ظَرْفٌ لَأغْرَيْنا، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: أغْرَيْنا.

﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ كائِنَةً بَيْنَهم، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ ظَرْفًا لَهُما؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إمّا غايَةٌ لِلْإغْراءِ، أوْ لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ؛ أيْ: يَتَعادَوْنَ ويَتَباغَضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أهْواؤُهُمُ المُخْتَلِفَةُ، وآراؤُهُمُ الزّائِغَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى التَّفَرُّقِ إلى الفِرَقِ الثَّلاثِ، فَضَمِيرُ " بَيْنَهم " لَهم خاصَّةً. وقِيلَ: لَهم ولِلْيَهُودِ؛ أيْ: أغْرَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ؛ أيْ: يُجازِيهِمْ بِما عَمِلُوهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ، ونِسْيانِ الحَظِّ الوافِرِ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ. و" سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والِالتِفاتُ إلى ذِكْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ والتَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِالصُّنْعِ لِلْإيذانِ بِرُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ، وعَنِ المُجازاةِ بِالتَّنْبِئَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةً ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، واسْتِتْباعِها لِلْعَذابِ، فَيَكُونُ تَرْتِيبُ العَذابِ عَلَيْها في إفادَةِ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ حالِها بِمَنزِلَةِ الإخْبارِ بِها.

5:15Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ الكِتابَ جِنْسٌ شامِلٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إثْرَ بَيانِ أحْوالِهِما مِنَ الخِيانَةِ، وغَيْرِها مِن فُنُونِ القَبائِحِ، ودَعْوَةٌ لَهم إلى الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقرآن، وإيرادُهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِانْطِواءِ كَلامِ المُصَدَّرِ بِهِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكِتابِ، (p-18)وَلِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ، فَإنَّ أهْلِيَّةَ الكِتابِ مِن مُوجِباتِ مُراعاتِهِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وبَيانِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ فَعَلُوا مِنَ الكَتْمِ والتَّحْرِيفِ ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ.

﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِمَوْجُوبِ اتِّباعِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ حالٌ مِن رَسُولِنا، وإيثارُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى غَيْرِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ البَيانِ؛ أيْ: قَدْ جاءَكم رَسُولُنا حالَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَكم عَلى التَّدْرِيجِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ.

﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيِ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةِ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، وبِشارَةِ عِيسى بِأحْمَدَ عَلَيْهِما السَّلامُ في الإنْجِيلِ. وتَأْخِيرُ كَثِيرًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن إظْهارِ عِنايَةٍ بِالمُقَدَّمِ، لِما فِيهِ مِن تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ؛ لِأنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ، لا سِيَّما الإشْعارُ بِكَوْنِهِ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها إذا ورَدَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ " مِمّا " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَثِيرًا، و" ما " مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها، والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ، ومِنَ الكِتابِ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكَتْمِ والإخْفاءِ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِنَ الَّذِي تُخْفُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْتُمْ أهْلُهُ والمُتَمَسِّكُونَ بِهِ.

﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: ولا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تُخْفُونَهُ، إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ داعِيَةٌ دِينِيَّةٌ؛ صِيانَةً لَكم عَنْ زِيادَةِ الِافْتِضاحِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ الإظْهارِ بِالعَفْوِ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى عَدَمِ الإخْفاءِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ داخِلَةٌ في حُكْمِها. وقِيلَ: يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم ولا يُؤاخِذُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّ فائِدَةَ مَجِيءِ الرَّسُولِ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيما ذُكِرَ مِن بَيانِ ما كانُوا يُخْفُونَهُ، بَلْ لَهُ مَنافِعُ لا تُحْصى. و" مِنَ اللَّهِ " مُتَعَلِّقٍ بِجاءَ، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نُورٌ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما يُشْعِرُ بِهِ إضافَةُ الرَّسُولِ مِن مَجِيئِهِ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَجِيءِ مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ، والتَّشْوِيقِ إلى الجائِي، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ تَطْوِيلٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

وَتَنْوِينُ " نُورٌ " لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾: القرآن، لِما فِيهِ مِن كَشْفِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ، وإبانَةِ ما خَفِيَ عَلى النّاسِ مِنَ الحَقِّ، والإعْجازِ البَيِّنِ. والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ المُغايَرَةِ بِالعُنْوانِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ بِالذّاتِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: هو الرَّسُولُ ﷺ، وبِالثّانِي: القرآن.

5:16Page 110

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ بِالذّاتِ، أوْ لِكَوْنِهِما في حُكْمِ الواحِدِ، أوْ أُرِيدَ: يَهْدِي بِما ذُكِرَ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الهِدايَةِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِكِتابٌ، أوِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.

﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾؛ أيْ: رِضاهُ بِالإيمانِ بِهِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ (p-19)مَوْصُوفَةٌ.

﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾؛ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، أوْ سُبُلَ اللَّهِ تَعالى، وهي شَرِيعَتُهُ الَّتِي شَرَعَها لِلنّاسِ. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَهْدِي، والحَقُّ أنَّ انْتِصابَهُ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾، وإنَّما يُعَدّى إلى الثّانِي بِإلى، أوْ بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .

﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِمَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَما أنَّ الإفْرادَ في اتَّبَعَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.

﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: ظُلُماتِ فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الإيمانِ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ أوْ بِإرادَتِهِ.

﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومُؤَدٍّ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ الهِدايَةُ عَيْنُ الهِدايَةِ إلى سُبُلِ السَّلامِ، وإنَّما عُطِفَتْ عَلَيْها تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُ، كَما يُقالُ: الكَرَمُ هو التَّقْوى، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ يَحِلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ. وقِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنهم، لَكِنْ حَيْثُ اعْتَقَدُوا اتِّصافَهُ بِصِفاتِ اللَّهِ الخاصَّةِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْجُودٌ، فَلَزِمَهُمُ القَوْلُ بِأنَّهُ المَسِيحُ لا غَيْرُ. وقِيلَ: لِما زَعَمُوا أنَّ فِيهِ لاهُوتًا، وقالُوا: لا إلَهَ إلّا واحِدٌ، لَزِمَهم أنْ يَكُونَ هو المَسِيحَ، فَنُسِبَ إلَيْهِمْ لازِمُ قَوْلِهِمْ؛ تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ وتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ.

﴿قُلْ﴾؛ أيْ: تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِبُطْلانِ قَوْلِهِمُ الفاسِدِ، وإلْقامًا لَهُمُ الحَجَرَ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَصِيحَةٌ، و" مِنِ " اسْتِفْهامِيَّةٍ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمِلْكُ: الضَّبْطُ والحِفْظُ التّامُّ عَنْ حَزْمٍ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، فَمَن يَمْنَعُ مِن قدرته تعالى وإرادَتِهِ شَيْئًا، وحَقِيقَتُهُ: فَمَن يَسْتَطِيعُ أنْ يُمْسِكَ شَيْئًا مِنها.

﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ومِن حَقِّ مَن يَكُونُ إلَهًا أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ، ولا بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، بَلْ بِشَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ قُدْرَةُ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْجَزَ عَنْ دَفْعِ شَيْءٍ مِنها عِنْدَ تَعَلُّقِها بِهَلاكِهِ، فَلَمّا كانَ عَجْزُهُ بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ، ظَهَرَ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ مِمّا تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ.

والمُرادُ بِالإهْلاكِ: الإماتَةُ والإعْدامُ مُطْلَقًا، لا بِطْرِيقِ السُّخْطِ والغَضَبِ، وإظْهارُ المَسِيحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَسَبُوا إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ بِعَيْنِها داخِلٌ تَحْتِ قَهْرِهِ ومَلَكُوتِهِ تَعالى، ونَفْيُ المالِكِيَّةِ المَذْكُورَةِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، مَعَ تَحَقُّقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِنَفْيِها عَنِ المَسِيحِ فَقَطْ، بِأنْ يُقالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ ... إلَخْ، لِتَحْقِيقِ الحَقِّ بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ سُبْحانَهُ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ في ضِمْنِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ انْتِفاءَ المالِكِيَّةِ المُسْتَلْزِمَ لِاسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ مَتى ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَسِيحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَيَظْهَرُ اسْتِحالَةُ الأُلُوهِيَّةِ قَطْعًا، وتَعْمِيمُ إرادَةِ الإهْلاكِ لِلْكُلِّ مَعَ حُصُولِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّحْقِيقِ بِقَصْرِها عَلَيْهِ، بِأنْ يُقالَ: فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ (p-20)أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وإظْهارِ كَمالِ العَجْزِ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ما أُرِيدَ بِهِ، فَضْلًا عَنْ دَفْعِ ما أُرِيدَ بِغَيْرِهِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المَسِيحَ أُسْوَةٌ لِسائِرِ المَخْلُوقاتِ في كَوْنِهِ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ، كَما أنَّهُ أُسْوَةٌ لَها فِيما ذُكِرَ مِنَ العَجْزِ وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ.

وَتَخْصِيصُ أُمِّهِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في ضِمْنِ مَن في الأرْضِ؛ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ عَجْزِ المَسِيحِ، ولَعَلَّ نَظْمَها في سِلْكِ مَن فَرَضَ إرادَةَ إهْلاكِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ هَلاكِها قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِتَأْكِيدِ التَّبْكِيتِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الكَلامِ يَجْعَلُ حالَها أُنْمُوذَجًا لِحالِ بَقِيَّةِ مَن فَرَضَ إهْلاكَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ، وقَدْ أهْلَكَ أُمَّهُ، فَهَلْ مانَعَهُ أحَدٌ، فَكَذا حالُ مَن عَداها مِنَ المَوْجُودِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: ما بَيْنَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، لا بَيْنَ وجْهِ الأرْضِ ومُقَعَّرِ فَلَكِ القَمَرِ فَقَطْ، فَيَتَناوَلُ ما في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما في أعْماقِ الأرْضِ والبِحارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، تَنْصِيصٌ عَلى كَوْنِ الكُلِّ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ البَعْضِ؛ أيْ: مَن في الأرْضِ كَذَلِكَ؛ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، والتَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِيها إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، لا لِأحَدٍ سِواهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَهو تَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى، إثْرَ بَيانِ انْتِفائِها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ؛ لِبَيانِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ والأُلُوهِيَّةِ عَلى وجْهٍ يُزِيحُ ما اعْتَراهم مِنَ الشُّبْهَةِ في أمْرِ المَسِيحِ لِوِلادَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ؛ أيْ: يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِن أنْواعِ الخَلْقِ والإيجادِ، عَلى أنَّ " ما " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَخْلُقُ أيَّ خَلْقٍ يَشاؤُهُ؛ فَتارَةً يَخْلُقُ مِن غَيْرِ أصْلٍ كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأُخْرى مِن أصْلٍ كَخَلْقِ ما بَيْنَهُما، فَيُنْشِئُ مِن أصْلٍ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ كَخَلْقِ آدَمَ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ، ومِن أصْلٍ يُجانِسُهُ إمّا مِن ذَكَرٍ وحْدَهُ كَخَلْقِ حَوّاءَ، أوْ أُنْثى وحْدَها كَخَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِنهُما كَخَلْقِ سائِرِ النّاسِ، ويَخْلُقُ بِلا تَوَسُّطِ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَخَلْقِ عامَّةِ المَخْلُوقاتِ، وقَدْ يَخْلُقُ بِتَوَسُّطِ مَخْلُوقٍ آخَرَ كَخَلْقِ الطَّيْرِ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزَةً لَهُ، وإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يُنْسَبَ كُلُّهُ إلَيْهِ تَعالى، لا إلى مَن أجْرى ذَلِكَ عَلى يَدِهِ.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّعْلِيلِ وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском