Abu as-Su'udAl‑Ma'idah · 5:18–27

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:18–27

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ، وبَيانٌ لِبُطْلانِها بَعْدَ ذِكْرِ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِهِما وبَيانِ بُطْلانِهِ؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ عُزَيْرٍ، وقالَتِ النَّصارى: نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ المَسِيحِ، كَما قِيلَ لِأشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ، وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: الخُبَيْبِيُّونَ، وكَما يَقُولُ أقارِبُ المُلُوكِ عِنْدَ المُفاخَرَةِ: نَحْنُ المُلُوكُ. وقالَ ابْنُ (p-21)عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ إلى دِينِ الإسْلامِ، وخَوَّفَهم بِعِقابِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: كَيْفَ تُخَوِّفُنا بِهِ ونَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ» . وقِيلَ: إنَّ النَّصارى يَتْلُونَ في الإنْجِيلِ: أنَّ المَسِيحَ قالَ لَهم إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكم. وقِيلَ: أرادُوا: أنَّ اللَّهَ تَعالى كالأبِ لَنا في الحُنُوِّ والعَطْفِ، ونَحْنُ كالأبْناءِ لَهُ في القُرْبِ والمَنزِلَةِ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ لَهم فَضْلًا ومَزِيَّةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الخَلْقِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿قُلْ﴾ إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا.

﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ، فَلِأيِّ شَيْءٍ يُعَذِّبُكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والمَسْخِ، وقَدْ عَرَفْتُمْ بِأنَّهُ تَعالى سَيُعَذِّبُكم في الآخِرَةِ بِالنّارِ أيّامًا بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ لَما صَدَرَ عَنْكم ما صَدَرَ، ولَما وقَعَ عَلَيْكم ما وقَعَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: لَسْتُمْ كَذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ .

﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَكم عَلَيْهِمْ.

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن أُولَئِكَ المَخْلُوقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ تَعالى وبِرُسُلِهِ.

﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وبِرُسُلِهِ مِثْلَكم.

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ لا يَنْتَمِي إلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنها، إلّا بِالمُلُوكِيَّةِ، والعُبُودِيَّةِ، والمَقْهُورِيَّةِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وإثابَةً وتَعْذِيبًا، فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ ما زَعَمُوا.

﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ في الآخِرَةِ خاصَّةً، لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، فَيُجازِي كُلاًّ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَدْعِيهِ عَمَلُهُ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ، ولا عاطِفٍ يَلْوِيهِ.

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ ولُطْفٌ في الدَّعْوَةِ.

﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ حالٌ مِن " رَسُولِنا " وإيثارُهُ عَلى " مُبَيِّنًا " لِما مَرَّ فِيما سَبَقَ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ الدِّينِيَّةَ المَقْرُونَةَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ومِن جُمْلَتِها ما بَيَّنَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن بُطْلانِ أقاوِيلِكُمُ الشَّنْعاءِ، وما سَيَأْتِي مِن أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ أنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ إنَّما هو لِبَيانِها، أوْ يَفْعَلُ لَكُمُ البَيانَ ويَبْذُلُهُ لَكم في كُلِّ ما تَحْتاجُونَ فِيهِ إلى البَيانِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وأمّا تَقْدِيرُ مِثْلِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾، كَما قِيلَ: فَمَعَ كَوْنِهِ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . فَإنَّ فُتُورَ الإرْسالِ وانْقِطاعَ الوَحْيِ، إنَّما يَحُوجُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لا إلى بَيانِ ما كَتَمُوهُ، وعَلى فَتْرَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾؛ أيْ: جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورِ الإرْسالِ، وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ، ومَزِيدِ احْتِياجٍ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ يُبَيِّنُ، أوْ مِن ضَمِيرِ لَكم؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ما ذُكِرَ حالَ كَوْنِهِ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ حالَ كَوْنِكم عَلَيْها أحْوَجَ ما كُنْتُمْ إلى البَيانِ. ومِنَ الرُّسُلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِفَتْرَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٍ مِنَ الرُّسُلِ مُبْتَدَأةٍ مِن جِهَتِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِالبَيانِ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا: مُعْتَذِرِينَ عَنْ تَفْرِيطِكم في مُراعاةِ أحْكامِ الدِّينِ.

﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ (p-22)وَقَدِ انْطَمَسَتْ آثارُ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ وانْقَطَعَتْ أخْبارُها. وزِيادَةُ مِن في الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَجِيءِ، وتَنْكِيرُ بَشِيرٍ ونَذِيرٍ لِلتَّقْلِيلِ، وهَذا كَما تَرى يَقْتَضِي أنَّ المُقَدَّرَ، أوِ المَنوِيَّ فِيما سَبَقَ، هو الشَّرائِعُ والأحْكامُ، لا كَيْفَما كانَتْ، بَلْ مَشْفُوعَةً بِما ذَكَرَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِهِ. وتَنْوِينُ بَشِيرٍ ونَذِيرٍ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ أيُّ بَشِيرٍ، ونَذِيرٌ أيُّ نَذِيرٍ.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإرْسالِ تَتْرى، كَما فَعَلَهُ بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، حَيْثُ كانَ بَيْنَهُما ألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ سَنَةٍ وألْفُ نَبِيٍّ، وعَلى الإرْسالِ بَعْدَ الفَتْرَةِ كَما فَعَلَهُ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، أوْ خَمْسُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وسِتُّونَ سَنَةً، أوْ خَمْسُمِائَةٍ وسِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأرْبَعَةُ أنْبِياءَ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ، ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ.

وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو الأنْسَبُ بِما في تَنْوِينِ فَتْرَةٍ مِنَ التَّفْخِيمِ اللّائِقِ بِمَقامِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِمْ عِنْدَ كَمالِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ؛ بِسَبَبِ مُضِيِّ دَهْرٍ طَوِيلٍ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ، لِيَهُشُّوا إلَيْهِ ويَعُدُّوهُ أعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفَتْحَ بابٍ إلى الرَّحْمَةِ، وتَلْزَمُهُمُ الحُجَّةُ فَلا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ مِن بَيْنِهِمْ مِن غَفْلَتِهِمْ.

5:20Page 111

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٠

And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allāh upon you when He appointed among you prophets and made you possessors1 and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما فَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهم، وتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ نَقْضِهِمْ لَهُ وتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ، مِن حَيْثُ إنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي وُصِفَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَيانِها، ومِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى انْتِفاءِ فَتْرَةِ الرُّسُلِ فِيما بَيْنَهم. و" إذْ " نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، لِيُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ ما صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الجِناياتِ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ ناصِحًا لَهم، ومُسْتَمِيلًا لَهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ.

﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما وقَعَ فِيهِ تَفْصِيلًا، فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَ ما وقَعَ فِيهِ حاضِرًا بِتَفاصِيلِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عِيانًا. و" عَلَيْكم " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إذا جُعِلَتْ مَصْدَرًا، وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها إذا جُعِلَتِ اسْمًا؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكم، وكَذا " إذْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى كائِنَةً عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ فِيما بَيْنَكم مِن أقْرِبائِكم أنْبِياءَ، ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وأُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ، حَيْثُ لَمْ يُبْعَثْ مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ما بُعِثَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ.

﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَعَلَ فِيكم داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: جَعَلَ فِيكم أوْ مِنكم مُلُوكًا كَثِيرَةً، فَإنَّهُ قَدْ تَكاثَرَ فِيهِمُ المُلُوكُ تَكاثُرَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُذِفَ الظَّرْفُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ، أوْ جَعْلِ الكُلِّ في مَقامِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ مُلُوكًا، لِما أنَّ أقارِبَ المُلُوكِ يَقُولُونَ (p-23)عِنْدَ المُفاخَرَةِ: نَحْنُ المُلُوكُ، وإنَّما لَمْ يُسْلَكْ ذَلِكَ المَسْلَكُ فِيما قَبْلَهُ، لِما أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مِن عِظَمِ الخَطَرِ، وعِزَّةِ المَطْلَبِ، وصُعُوبَةِ المَنالِ، لَيْسَ بِحَيْثُ يَلِيقُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ولَوْ مَجازًا مَن لَيْسَ مِمَّنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ.

وَقِيلَ: كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَسَمّى إنْقاذَهم مُلْكًا. وقِيلَ: المَلِكُ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ بَيْتٌ وخَدَمٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ.

﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإغْراقِ العَدُوِّ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، والمُرادُ بِالعالَمِينَ: الأُمَمُ الخالِيَةُ إلى زَمانِهِمْ، وقِيلَ: مِن عالَمِي زَمانِهِمْ.

5:21Page 111

يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ٢١

O my people, enter the blessed land [i.e., Palestine] which Allāh has assigned to you and do not turn back [from fighting in Allāh's cause] and [thus] become losers."

﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ كَرَّرَ النِّداءَ بِالإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الأمْرِ، ومُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، والأرْضُ: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هي الشَّأْمُ.

﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكم إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى لَهم بَعْدَما عَصَوْا: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ عَلى الِارْتِدادِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ الكَتْبِ بِالمُجاهَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ. فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ تَرْتَدُّوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، قِيلَ: لَمّا سَمِعُوا أحْوالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: يا لَيْتَنا مِتْنا بِمِصْرَ، تَعالَوْا نَجْعَلْ لَنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: " فَتَنْقَلِبُوا " إمّا مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَرْتَدُّوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ. والخُسْرانُ: خُسْرانُ الدِّينِ والدُّنْيا، لا سِيَّما دُخُولُ ما كُتِبَ لَهم.

5:22Page 111

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

They said, "O Moses, indeed within it is a people of tyrannical strength, and indeed, we will never enter it until they leave it; but if they leave it, then we will enter."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافُ مَبْنًى نَشَأ مِن مَساقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بِمُقابَلَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْيِهِ، فَقِيلَ: قالُوا غَيْرَ مُمْتَثِلِينَ بِذَلِكَ.

﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا يَتَأتّى مُنازَعَتُهم، ولا يَتَسَنّى مُناصَبَتُهم. والجَبّارُ: العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ، ويَقْسِرُهم كائِنًا مَن كانَ عَلى ما يُرِيدُهُ كائِنًا ما كانَ، فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ؛ أيْ: أجْبَرَهُ عَلَيْهِ.

﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِنا، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها.

﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها.

﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ حِينَئِذٍ أتَوْا بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مَفْهُومًا مِمّا سَبَقَ مِن تَوْقِيتِ عَدَمِ الدُّخُولِ بِخُرُوجِهِمْ مِنها؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ امْتِناعَهم مِن دُخُولِها لَيْسَ إلّا لِمَكانِهِمْ فِيها، وأتَوْا في الجَزاءِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى تَقَرُّرِ (p-24)الدُّخُولِ وثَباتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لا مَحالَةَ، وإظْهارًا لِكَمالِ الرَّغْبَةِ فِيهِ وفي الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.

5:23Page 111

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٣

Said two men from those who feared [to disobey] upon whom Allāh had bestowed favor, "Enter upon them through the gate, for when you have entered it, you will be predominant.1 And upon Allāh rely, if you should be believers."

﴿قالَ رَجُلانِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلِ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، أوْ خالَفَهُمُ البَعْضُ، فَقِيلَ: قالَ رَجُلانِ.

﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾؛ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَ العَدُوِّ، ويَتَّقُونَهُ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن عَداهُما لا يَخافُونَهُ تَعالى، بَلْ يَخافُونَ العَدُوَّ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ العَدُوَّ؛ أيْ: مِنهم في النَّسَبِ لا في الخَوْفِ، وهُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يَوْقُنّا مِنَ النُّقَباءِ. وقِيلَ: هُما رَجُلانِ مِنَ الجَبابِرَةِ أسْلَما وسارا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فالواوُ حِينَئِذٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجَبابِرَةِ، وإلَيْهِمْ يَعُودُ العائِدُ المَحْذُوفُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ. ويُعَضِّدُهُ قُرّاءَةُ مَن قَرَأ: ( يُخافُونَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيِ: المَخُوفِينَ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا مِنَ الإخافَةِ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يُخَوَّفُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّذْكِيرِ، أوْ يُخَوِّفُهُمُ الوَعِيدُ.

﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ ورَبْطِ الجَأْشِ، والوُقُوفِ عَلى شُئُونِهِ تَعالى، والثِّقَةِ بِوَعْدِهِ أوْ بِالإيمانِ، وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرَجُلانِ، أوِ اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَخافُونَ، أوْ مِن رَجُلانِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ؛ أيْ: قالا مُخاطِبِينَ لَهم ومُشَجِّعِينَ.

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾؛ أيْ: بابَ بَلَدِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو دُخُولُ البابِ وهم في بَلَدِهِمْ؛ أيْ: باغِتُوهم وضاغِطُوهم في المَضِيقِ، وامْنَعُوهم مِنَ البُرُوزِ إلى الصَّحْراءِ؛ لِئَلّا يَجِدُوا لِلْحَرْبِ مَجالًا.

﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: بَلَدَهم وهم فِيهِ.

﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القِتالِ، فَإنّا قَدْ رَأيْناهم وشاهَدْنا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً، فَلا تَخْشَوْهم واهْجُمُوا عَلَيْهِمْ في المَضايِقِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ فِيها عَلى الكَرِّ والفَرِّ. وقِيلَ: إنَّما حَكَما بِالغَلَبَةِ لَمّا عَلِماها مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، أوْ لِما عَلِما مَن سُنَّتِهِ تَعالى في نُصْرَةِ رُسُلِهِ، وما عَهِدا مِن صُنْعِهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَهْرِ أعْدائِهِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِتَعْلِيقِ الغَلَبَةِ بِالدُّخُولِ.

﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً، ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ بَعْدَ تَرْتِيبِ الأسْبابِ، ولا تَعْتَمِدُوا عَلَيْها، فَإنَّها بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ القَدِيرِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنِينَ بِهِ تَعالى مُصَدِّقِينَ لِوَعْدِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ حَتْمًا.

5:24Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ؛ أيْ: قالُوا غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما وبِمَقالَتِهِما مُخاطِبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ إظْهارًا لِإصْرارِهِمْ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وتَصْرِيحًا بِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ أيْ: أرْضَ الجَبابِرَةِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ بابِهِمْ وهم في بَلَدِهِمْ.

﴿أبَدًا﴾؛ أيْ: دَهْرًا طَوِيلًا، ﴿ما دامُوا فِيها﴾؛ أيْ: في أرْضِهِمْ، وهو بَدَلٌ مِن " أبَدًا " بَدَلَ البَعْضِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ.

﴿فاذْهَبْ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاذْهَبْ. (p-25)

﴿أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾؛ أيْ: فَقاتِلاهم، إنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً واسْتِهْزاءً بِهِ سُبْحانَهُ وبِرَسُولِهِ، وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقَصَدُوا ذَهابَهُما حَقِيقَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ غايَةُ جَهْلِهِمْ وقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: أرادُو: إرادَتَهُما وقَصْدَهُما، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، كَأنَّهم قالُوا: فَأرِيدا قِتالَهم واقْصُداهم. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فاذْهَبْ أنْتَ ورِبُّكَ يُعِينُكَ ولا يُساعِدُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَقاتِلا﴾ " ولَمْ يَذْكُرُوا هارُونَ ولا الرَّجُلَيْنِ، كَأنَّهم لَمْ يَجْزِمُوا بِذَهابِهِمْ، أوْ لَمْ يَعْبَأُوا بِقِتالِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ، وأرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ.

5:25Page 112

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقَةِ البَثِّ والحُزْنِ، والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ.

﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ عَطْفٌ عَلى نَفْسِي. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في إنِّي عَلى مَعْنى: إنّى لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ لِلْفَصْلِ.

﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾ يُرِيدُ: نَفْسَهُ وأخاهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ، أوِ الدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ.

﴿وَبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، المُصِرِّينَ عَلى عِصْيانِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقِيلَ: بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.

5:26Page 112

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

﴿قالَ فَإنَّها﴾؛ أيِ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ.

﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تَحْرِيمَ مَنعٍ لا تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها؛ لِأنَّ كِتابَتَها لَهم كانَتْ مَشْرُوطَةً بِالإيمانِ والجِهادِ، وحَيْثُ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حُرِمُوا ذَلِكَ وانْقَلَبُوا خاسِرِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إنْ جُعِلَ ظَرْفًا لِمُحَرَّمَةٍ يَكُونُ التَّحْرِيمُ مُوَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فالمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم في هَذِهِ المُدَّةِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرِيحا، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا، وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النَّواشِيُّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، فالمُوَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمُها عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ المُتاخِمَةِ لِلِاتِّحادِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ في البَرِّيَّةِ، اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَتِيهُونَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُوَقَّتًا والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. قِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانَ طُولَ البَرِّيَّةِ تِسْعُونَ فَرْسَخًا، وقَدْ تاهُوا في سِتَّةِ فَراسِخَ، أوْ تِسْعَةِ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: في سِتَّةِ فَراسِخَ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. رُوِيَ أنَّهم كانُوا كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ جادِّينَ حَتّى إذا أمْسَوْا إذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا، وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهم، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، ولا تَطُولُ شُعُورُهم، وإذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفُرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، وهَذِهِ الإنْعاماتُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم مُعاقَبُونَ، لِما أنَّ عِقابَهم كانَ بِطَرِيقِ العَرْكِ والتَّأْدِيبِ. قِيلَ: كانَ مُوسى وهارُونُ مَعَهم، ولَكِنْ (p-26)كانَ ذَلِكَ لَهُما رُوحًا وسَلامَةً، كالنّارِ لِإبْراهِيمَ ومَلائِكَةِ العَذابِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، وماتَ مُوسى بَعْدَهُ فِيهِ بِسَنَةٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحا بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما قَبِلَ دَعْوَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ، بَعِيدٌ أنْ يُنَجِّيَ بَعْضَ المَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أوْ ذَرارِيهِمْ، ويُقَدِّرَ وفاتَهُما في مَحِلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُما لَمْ يَكُونا مَعَهم في التِّيهِ، وهو الأنْسَبُ بِتَفْسِيرِ الفَرْقِ بِالمُباعَدَةِ، ومَن قالَ: بِأنَّهُما كانا مَعَهم فِيهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الفَرْقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ فَرِيقٍ.

﴿فَلا تَأْسَ﴾ فَلا تَحْزَنْ، ﴿عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدِمَ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لا تَنْدَمْ وتَحْزَنْ فَإنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ لِفِسْقِهِمْ.

5:27Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَعَلِّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ " ... إلَخْ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَمْهِيدٌ، لِما سَيَأْتِي مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ ما كُتِبَ، وجاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِما جاءَتْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ.

﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هُما قابِيلُ وهابِيلُ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِقَرِينَةِ آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلًّا مِنهُما تَوْءَمَةَ الآخَرِ، وكانَتْ تَوْءَمَةُ قابِيلَ أجْمَلَ، واسْمُها أفَلِيما، فَحَسَدَ عَلَيْها أخاهُ وسَخِطَ، وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَفَعَلا، فَنَزَلَتْ نارٌ عَلى قُرْبانِ هابِيلَ فَأكَلَتْهُ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِقُرْبانِ قابِيلَ، فازْدادَ قابِيلُ حَسَدًا وسُخْطًا، وفَعَلَ ما فَعَلَ.

﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ، أوْ حالًا مِن فاعِلِ اتْلُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا أنْتَ، أوْ نَبِّأْهُما بِالحَقِّ والصِّدْقِ حَسْبَما تَقَرَّرَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ.

﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ مَنصُوبٌ بِالنَّبَأِ ظَرْفٌ لَهُ؛ أيْ: اتْلُ قِصَّتَهُما ونَبِّأْهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبِّأْهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ " إذْ " لا يُضافُ إلَيْها غَيْرُ الزَّمانِ، كَوَقْتِئِذٍ وحِينَئِذٍ. والقُرْبانُ: اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نُسُكٍ، أوْ صَدَقَةٍ كالحُلْوانِ - اسْمٌ لِما يُحْلى -؛ أيْ: يُعْطى، وتَوْحِيدُهُ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إذْ قَرَّبَ كُلٌّ مِنهُما قُرْبانًا.

﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ هو هابِيلُ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا، فَنَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ.

﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ هو قابِيلَ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ ما عِنْدَهُ مِنَ القَمْحِ، فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ النّارُ أصْلًا.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مَن لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ ؟ فَقِيلَ: قالَ لِأخِيهِ؛ لِتَضاعُفِ سَخَطِهِ وحَسَدِهِ لَمّا ظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾؛ أيْ: واللَّهِ لِأقْتُلَنَّكَ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِالمُخَفَّفَةِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ؛ أيْ: قالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ لَمّا رَأى أنَّ حَسَدَهُ لِقَبُولِ قُرْبانِهِ، وعَدَمِ قَبُولِ قُرْبانِ نَفْسِهِ.

﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾؛ أيِ: القُرْبانَ.

﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾ لا مِن غَيْرِهِمْ، وإنَّما تَقَبَّلَ قُرْبانِي ورَدَّ قُرْبانَكَ، لِما فِينا مِنَ التَّقْوى وعَدَمِهِ؛ أيْ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لا مِن (p-27)قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، خَلا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، بَلْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْرِيضِ؛ حَذَرًا مِن تَهْيِيجِ غَضَبِهِ وحَمْلًا لَهُ عَلى التَّقْوى والإقْلاعِ عَمّا نَواهُ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском