Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:28–35
5:28Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
ثُمَّ صَرَّحَ بِتَقْواهُ عَلى وجْهٍ يَسْتَدْعِي سُكُونَ غَيْظِهِ لَوْ كانَ لَهُ عَقْلٌ وازِعٌ، حَيْثُ قالَ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ حَيْثُ صَدَّرَ الشَّرْطَيْةَ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِ، ولَمْ يُجْعَلْ جَوابُ القَسَمِ السّادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُوافِقَةً لِما في الشَّرْطِ، بَلِ اسْمِيَّةٌ مُصَدَّرَةٌ بِما الحِجازِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ بَراءَتِهِ عَنْ بَسْطِ اليَدِ بِبَيانِ اسْتِمْرارِهِ عَلى نَفْيِ البَسْطِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تَدُلُّ بِمَعُونَتِهِ عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ بَعْدَ اعْتِبارِ النَّفْيِ لا قَبْلَهُ، حَتّى يَرِدَ النَّفْيُ عَلى المُقَيَّدِ بِالدَّوامِ فَيَرْفَعَ قَيْدَهُ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ باشَرْتَ قَتْلِي حَسْبَما أوْعَدْتَنِي بِهِ، وتَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنكَ، ما أنا بِفاعِلٍ مِثْلَهُ لَكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مِن إرْشادِ قابِيلَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أخافُهُ تَعالى إنْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ أنْ يُعاقِبَنِي، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِنِّي لِدَفْعِ عَداوَتِكَ عَنِّي، فَما ظَنُّكَ بِحالِكَ وأنْتَ البادِي العادِي. وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْخَوْفِ.
قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلدَّفْعِ لَمْ يَكُنْ مُباحًا حِينَئِذٍ. وقِيلَ: تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» "، ويَأْباهُ التَّعْلِيلُ بِخَوْفِهِ تَعالى، إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ تَرْكَ الأوْلى عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ المَعْصِيَةِ في اسْتِتْباعِ الغائِلَةِ مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ.
5:29Page 112
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِامْتِناعِهِ عَنِ المُعارَضَةِ عَلى أنَّهُ غَرَضٌ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، كَما أنَّ الأوَّلَ باعِثٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ كُلٍّ مِنهُما في العِلِّيَّةِ، والمَعْنى: إنِّي أُرِيدُ بِاسْتِسْلامِي لَكَ وامْتِناعِي عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ، وبِإثْمِكَ بِبَسْطِ يَدِكَ إلَيَّ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «المُسْتَّبّانِ ما قالا، فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ» "؛ أيْ: عَلى البادِئِ عَيْنُ إثْمِ سَبِّهِ، ومِثْلُ سَبِّ صاحِبِهِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ. وقِيلَ: مَعْنى بِإثْمِي: إثْمِ قَتْلِي، ومَعْنى بِإثْمِكَ: الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ. وكِلاهُما نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِالذّاتِ إنَّما هو عَدَمُ مُلابَسَتِهِ لِلْإثْمِ لا مُلابَسَةُ أخِيهِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإثْمِ: عُقُوبَتُهُ، ولا رَيْبَ في جَوازِ إرادَةِ عُقُوبَةِ العاصِي مِمَّنْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ أصْلًا ويَأْباهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى رُجُوعِهِ بِالإثْمَيْنِ، لا عَلى ابْتِلائِهِ بِعُقُوبَتِهِما.
وَحَمْلُ العُقُوبَةِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها (p-28)العُقُوبَةُ النّارِيَّةُ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ كَوْنَهُ مِن أصْحابِ النّارِ تَمامُ العُقُوبَةِ وكَمالُها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ولَقَدْ سَلَكَ في صَرْفِهِ عَمّا نَواهُ مِنَ الشَّرِّ كُلَّ مَسْلَكٍ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، بِالتَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، فَما أُورَثَهُ ذَلِكَ إلّا الإصْرارَ عَلى الغَيِّ والِانْهِماكَ في الفَسادِ.
5:30Page 112
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾؛ أيْ: وسَّعَتْهُ وسَهَّلَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ: إذا اتَّسَعَ. وتَرْتِيبُ التَّطْوِيعِ عَلى ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ هابِيلَ مَعَ تَحَقُّقِهِ قَبْلَها أيْضًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: " لَأقْتُلَنَّكَ "، لِما أنَّ بَقاءَ الفِعْلِ بَعْدَ تَقَرُّرِ ما يُزِيلُهُ مِنَ الدَّواعِي القَوِيَّةِ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ أمْرٌ حادِثٌ وصُنْعٌ جَدِيدٌ، كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّطْوِيعِ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ، بِناءً عَلى تَرَدُّدِهِ في قدرته عَلى القَتْلِ، لِما أنَّهُ كانَ أقْوى مِنهُ، وإنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلى اسْتِسْلامِ هابِيلَ وعَدَمِ مُعارَضَتِهِ لَهُ، والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ. وقُرِئَ: ( فَطاوَعَتْ ) عَلى أنَّهُ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ، كَأنَّهُ دَعّى نَفْسَهُ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ، فَطاوَعَتْهُ ولَمْ تَمْتَنِعْ، و" لَهُ " لِزِيادَةِ الرَّبْطِ، كَقَوْلِكَ: حَفِظْتُ لِزَيْدٍ ما لَهُ.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَتَمَثَّلَ إبْلِيسُ وأخَذَ طائِرًا، ووَضَعَ رَأْسَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَها بِحَجَرٍ آخَرَ فَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَرَضَخَ رَأْسَ هابِيلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وهو مُسْتَسْلِمٌ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: اغْتالَهُ وهو نائِمٌ، وكانَ لِهابِيلَ يَوْمَ قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً، واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، وقِيلَ: في جَبَلٍ بُودٍ. ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ السِّباعَ، فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: سَنَةً، حَتّى أرْوَحَ وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ والسِّباعُ تَنْظُرُ مَتى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلَهُ.
﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا.
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ حُفْرَةً فَألْقاهُ فِيها، والمُسْتَكِنُّ في يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِلْغُرابِ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعَثَ حَتْمًا، وعَلى الثّانِي بِيَبْحَثُ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُها بِبَعَثَ أيْضًا. و" كَيْفَ " حالٌ مِن ضَمِيرِ يُوارِي، والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُرِيَ، والمُرادُ بِسَوْأةِ أخِيهِ: جَسَدُهُ المَيْتُ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ حالِ الغُرابِ ؟
فَقِيلَ: قالَ: "يا ويْلَتى" هي كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا ويْلَتِي احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، والوَيْلُ والوَيْلَةُ: الهَلَكَةُ.
﴿أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ أكُونَ.
﴿مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ تَعَجُّبٌ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِ إلى ما اهْتَدى إلَيْهِ الغُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَأُوارِيَ﴾ " بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى أنْ أكُونَ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي.
﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾؛ أيْ: عَلى قَتْلِهِ لِما كابَدَ فِيهِ مِنَ التَّحَيُّرِ في أمْرِهِ، وحَمْلِهِ عَلى رَقَبَتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ: (p-29)ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا. قالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لا يَضْحَكُ. وقِيلَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ فَقالَ لَهُ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُها ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَها أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ فَعَبَدَها، وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ.
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ شُرُوعٌ فِيما هو المَقْصُودُ مِن تِلاوَةِ النَّبَأِ مِن بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ شَأْنِ القَتْلِ، وإفْراطِ قُبْحِهِ المَفْهُومَيْنِ مِمّا ذُكِرَ في تَضاعِيفَ القِصَّةِ مِنِ اسْتِعْظامِ هابِيلَ لَهُ، وكَمالِ اجْتِنابِهِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ واسْتِسْلامِهِ لِأنْ يُقْتَلَ؛ خَوْفًا مِن عِقابِهِ وبَيانِ اسْتِتْباعِهِ لِتَحَمُّلِ القاتِلِ لِإثْمِ المَقْتُولِ، ومِن كَوْنِ قابِيلَ بِمُباشَرَتِهِ مِن جُمْلَةِ الخاسِرِينَ دِينَهم ودُنْياهم، ومِن نَدامَتِهِ عَلى فِعْلِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُتُوِّ، وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، وقَساوَةِ القَلْبِ. والأجْلُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، أجَلَ شَرًّا: إذا جَناهُ، اسْتُعْمِلَ في تَعْلِيلِ الجِناياتِ، كَما في قَوْلِهِمْ: مِن جَرّاكَ فَعَلْتُهُ؛ أيْ: مِن أنْ جَرَرْتَهُ وجَنَيْتَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ واسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعْلِيلٍ. وقُرِئَ: ( مِن إجْلِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ. وقُرِئَ: ( مِنَ اجْلِ ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ فَتْحَتِها عَلى النُّونِ.
وَ" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: مِن ذَلِكَ ابْتِداءُ الكَتْبِ، ومِنهُ نَشَأ لا مِن شَيْءٍ آخَرَ؛ أيْ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ وبَيَّنّا.
﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾ واحِدَةً مِنَ النُّفُوسِ، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ.
﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: فَسادٍ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِها، وهو عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرِ عَلى مَعْنى نَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ مَعًا، كَما في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ تَيَمُّمٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، لا نَفْيِ أحَدِهِما كَما في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، أوْ ثَوْبٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ. ومَدارُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اعْتِبارُ وُرُودِ النَّفْيِ عَلى ما يُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ أوْ مِنَ التَّرْدِيدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُنْبِئِ عَنِ التَّخْيِيرِ والإباحَةِ، واعْتِبارُ العَكْسِ ومَناطُ الِاعْتِبارَيْنِ اخْتِلافُ حالِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرِ مِنَ الأمْرَيْنِ، بِحَسَبِ اشْتِراطِ نَقِيضِ الحُكْمِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما، واشْتِراطِهِ بِتَحَقُّقِهِما مَعًا؛ فَفي الأوَّلِ يَرِدُ النَّفْيُ عَلى التَّرْدِيدِ الواقِعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَبْلَ وُرُودِهِ، فَيُفِيدُ نَفْيَهُما مَعًا. وفي الثّانِي يَرِدُ التَّرْدِيدُ عَلى النَّفْيِ، فَيُفِيدُ نَفْيَ أحَدِهِما حَتْمًا؛ إذْ لَيْسَ قَبْلَ وُرُودِ النَّفْيِ تَرْدِيدٌ حَتّى يُتَصَوَّرَ عَكْسُهُ. وتَوْضِيحُهُ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ شُرِطَ بِتَحَقُّقِ أحَدِ شَيْئَيْنِ مَثَلًا، فَنَقِيضُهُ مَشْرُوطٌ بِانْتِفائِهِما مَعًا، وكُلَّ حُكْمٍ شُرِطَ بِتَحَقُّقِهِما مَعًا، فَنَقِيضُهُ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ أحَدِهِما ضَرُورَةَ أنَّ نَقِيضَ كُلِّ شَيْءٍ مَشْرُوطٌ بِنَقِيضِ شَرْطِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ نَقِيضَ الإيجابِ الجُزْئِيِّ كَما في الحُكْمِ الأوَّلِ هو السَّلْبُ الكُلِّيُّ، ونَقِيضَ الإيجابِ الكُلِّيِّ كَما في الحُكْمِ الثّانِي هو رَفْعُهُ المُسْتَلْزِمُ لِلسَّلْبِ الجُزْئِيِّ؛ فَثَبَتَ اشْتِراطُ نَقِيضِ الأوَّلِ بِانْتِفائِهِما مَعًا، واشْتِراطُ نَقِيضِ الثّانِي بِانْتِفاءِ أحَدِهِما. ولَمّا كانَ الحُكْمُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِوُضُوءٍ أوْ تَيَمُّمٍ صَحَّتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما مُبْهَمًا، كانَ نَقِيضُهُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ (p-30)تَيَمُّمٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِنَقِيضِ الشَّرْطِ المَذْكُورِ البَتَّةَ، وهو انْتِفاؤُهُما مَعًا، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن غَيْرِ عَلى التَّرْدِيدِ الواقِعِ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ بِكَلِمَةِ أوْ فانْتَفى تَحَقُّقُهُما مَعًا ضَرُورَةَ عُمُومِ النَّفْيِ الوارِدِ عَلى المُبْهَمِ.
وَعَلى هَذا يَدُورُ ما قالُوا: إنَّهُ إذا قِيلَ: جالِسِ العُلَماءَ أوِ الزُّهّادَ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ " لا " النّاهِيَةُ، امْتَنَعَ فِعْلُ الجَمِيعِ، نَحْوَ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾؛ إذِ المَعْنى: لا تَفْعَلْ أحَدَهُما، فَأيُّهُما فَعَلَهُ فَهو أحَدُهُما. وأمّا قَوْلُكَ: مَن صَلّى بِوُضُوءٍ أوْ ثَوْبٍ صَحَّتْ صَلاتُهُ، فَحَيْثُ كانَ الحُكْمُ فِيهِ مَشْرُوطًا بِتَحَقُّقِ كِلا الأمْرَيْنِ، كانَ نَقِيضُهُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ ثَوْبٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِنَقِيضِ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وهو انْتِفاءُ أحَدِهِما، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ التَّرْدِيدِ عَلى النَّفْيِ، فَأفادَ نَفْيَ أحَدِهِما. ولا يَخْفى أنَّ إباحَةَ القَتْلِ مَشْرُوطَةٌ بِأحَدِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اشْتِراطُ حُرْمَتِهِ بِانْتِفائِهِما مَعًا، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ النَّفْيِ عَلى التَّرْدِيدِ لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ أحَدِهِما.
﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ فَمَن قالَ في تَفْسِيرِهِ: أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنْ تَوْفِيَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ حَقَّهُ. و" ما " في " كَأنَّما " كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِوُقُوعِ الفِعْلِ بَعْدَها. و" جَمِيعًا " حالٌ مِنَ النّاسِ أوْ تَأْكِيدٌ، ومَناطُ التَّشْبِيهِ اشْتِراكُ الفِعْلَيْنِ في هَتْكِ حُرْمَةِ الدِّماءِ، والِاسْتِعْصاءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَجْسِيرِ النّاسِ عَلى القَتْلِ، وفي اسْتِتْباعِ القَوَدِ واسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ العَظِيمِ.
﴿وَمَن أحْياها﴾؛ أيْ: تَسَبَّبَ لِبَقاءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِعَدَمِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ، إمّا بِنَهْيِ قاتِلِها عَنْ قَتْلِها، أوِ اسْتِنْقاذِها مِن سائِرِ أسْبابِ الهَلَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ وجْهُ التَّشْبِيهِ ظاهِرٌ، والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ أمْرِ القَتْلِ، وتَفْخِيمُ شَأْنِ الإحْياءِ بِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةٍ لائِقَةٍ بِهِ في إيجابِ الرَّهْبَةِ والرَّغْبَةِ؛ ولِذَلِكَ صَدَرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ شُهْرَتِهِ ونَباهَتِهِ، وتَبادُرِهِ إلى الأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ الضَّمِيرِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما بَعْدَهُ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا.
﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى كَتَبْنا أُكِّدَتْ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِها، وإنَّما لَمْ يُقَلْ: ولَقَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ ... إلَخْ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِوُصُولِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِيهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا حَسْبَما أرْسَلْناهم بِالآياتِ الواضِحَةِ النّاطِقَةِ بِتَقْرِيرِ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِهِ وتَأْيِيدًا لِتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الكَتْبِ، وتَأْكِيدِ الأمْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى، وتَجْدِيدِ العَهْدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيماءِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في عِظَمِ الشَّأْنِ. و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ والِاسْتِبْعادِ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾، وكَذا الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَقْدَحُ فِيهِ تَوَسُّطِ اللّامِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما؛ لِأنَّها لامُ الِابْتِداءِ، وحَقُّها الدُّخُولُ عَلى المُبْتَدَإ، وإنَّما دُخُولُها عَلى الخَبَرِ لِمَكانِ إنَّ، فَهي في حَيِّزِها الأصْلِيِّ حُكْمًا، والإسْرافُ في كُلِّ أمْرٍ التَّباعُدُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ مَعَ عَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ؛ أيْ: مُسْرِفُونَ في القَتْلِ غَيْرُ مُبالِينَ بِهِ، ولَمّا كانَ إسْرافُهم في أمْرِ القَتْلِ مُسْتَلْزِمًا؛ لِتَفْرِيطِهِمْ في شَأْنِ الإحْياءِ وجُودًا وذِكْرًا، وكانَ هو أقْبَحَ الأمْرَيْنِ وأفْظَعَهُما، اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ في مَقامِ التَّشْنِيعِ.(p-31)
5:33Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حُكْمِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَتْلِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفَسادِ بِأخْذِ المالِ ونَظائِرِهِ، وتَعْيِينِ مُوجَبِهِ العاجِلِ والآجِلِ، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِ القَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأُدْرِجَ فِيهِ بَيانُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِنَ الفَسادِ المُبِيحِ لِلْقَتْلِ، قِيلَ: أيْ: يُحارِبُونَ رَسُولَهُ. وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما رِفْعَةِ مَحِلِّهِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ومُحارَبَةُ أهْلِ شَرِيعَتِهِ، وسالِكِي طَرِيقَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةٌ لَهُ ﷺ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ مَن يُحارِبُهم، ولَوْ بَعْدَ أعْصارٍ بِطَرِيقِ العِبارَةِ دُونَ الدَّلالَةِ والقِياسِ؛ لِأنَّ وُرُودَ النَّصِّ لَيْسَ بِطَرِيقِ خِطابِ المُشافَهَةِ حَتّى يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِالمُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ، فَيُحْتاجَ في تَعْمِيمِهِ لِغَيْرِهِمْ إلى دَلِيلٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: جَعَلَ مُحارَبَةَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةً لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ تَعْظِيمًا لَهم، والمَعْنى: يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُما. وأصْلُ الحَرْبِ: السَّلْبُ، والمُرادُ هَهُنا: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقِيلَ: المُكابَرَةُ بِطَرِيقِ اللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَتْ في مِصْرٍ.
﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى يُحارِبُونَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسادًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ يَسْعَوْنَ؛ أيْ: مُفْسِدِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: لِلْفَسادِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِيَسْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى مُفْسِدُونَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن أفْسَدَ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ.
قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وكانَ وادَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن أتاهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهو آمِنٌ لا يُهاجُ، ومَن مَرَّ بِهِلالٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو آمِنٌ لا يُهاجُ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ بِناسٍ مِن قَوْمِ هِلالٍ، ولَمْ يَكُنْ هِلالٌ يَوْمَئِذٍ شاهِدًا، فَقَطَعُوا عَلَيْهِمْ وقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ وقِصَّتُهم مَشْهُورَةٌ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وقَطَعُوا السَّبِيلَ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
وَلَمّا كانَتِ المُحارَبَةُ والفَسادُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ ووُجُوهٍ شَتّى، مِنَ القَتْلِ بِدُونِ أخْذِ المالِ، ومِنَ القَتْلِ مَعَ أخْذِهِ، وأخْذِهِ بِدُونِ القَتْلِ، ومِنَ الإخافَةِ بِدُونِ قَتْلٍ وأخْذٍ، شُرِعَتْ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ عُقُوبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ، فَقِيلَ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾؛ أيْ: حَدًّا مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ، ولَوْ عَفا الأوْلِياءُ لا يُلْتَفَتُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ القَتْلُ بِآلَةٍ جارِحَةٍ أوْ لا.
﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾؛ أيْ: مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ والأخْذِ، بِأنْ يُصَلَّبُوا أحْياءً وتُبْعَجَ بُطُونُهم بِرُمْحٍ إلى أنْ يَمُوتُوا، وفي ظاهِرِ الرِّوايَةِ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ اكْتَفى بِذَلِكَ، وإنْ شاءَ قَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وقَتَّلَهم وصَلَّبَهم، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما.
﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى، إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ مِن مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ، وكانَ المِقْدارُ بِحَيْثُ لَوْ قُسِّمَ عَلَيْهِمْ أصابَ كُلًّا مِنهم عَشَرَةُ دَراهِمَ، أوْ ما يُساوِيها قِيمَتُهُ، أمّا قَطْعُ أيْدِيهِمْ فَلِأخْذِ المالِ، وأمّا قَطْعُ أرْجُلِهِمْ فَلِإخافَةِ الطَّرِيقِ بِتَفْوِيتِ أمْنِهِ.
﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا غَيْرَ الإخافَةِ والسَّعْيِ لِلْفَسادِ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ عِنْدَنا: هو الحَبْسُ، (p-32)فَإنَّهُ نَفْيٌ عَنْ وجْهِ الأرْضِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ أهْلِها، ويُعَزَّرُونَ أيْضًا لِمُباشَرَتِهِمْ مُنْكَرَ الإخافَةِ وإزالَةِ الأمْنِ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّفْيُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لا يَزالُ يُطْلَبُ وهو هارِبٌ فَزَعًا. وقِيلَ: هو النَّفْيُ عَنْ بَلَدِهِ فَقَطْ، وكانُوا يَنْفُونَهم إلى دَهْلَكَ وهو بَلَدٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصُعَ وهو بَلَدٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ والأجْزِيَةِ، قِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى المُبْتَدَإ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِخِزْيٌ، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِخِزْيٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِذَلِكَ. وقِيلَ: خِزْيٌ خَبَرٌ لِذَلِكَ، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن خِزْيٌ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا. وفي الدُّنْيا إمّا صِفَةٌ لِخِزْيٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى ما مَرَّ. والخِزْيُ: الذُّلُّ والفَضِيحَةُ.
﴿وَلَهم في الآخِرَةِ﴾ غَيْرُ هَذا ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِغايَةِ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿لَهُمْ﴾ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وعَذابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وفي الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن عَذابٌ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا في الآخِرَةِ.
5:34Page 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أمّا ما هو مِن حُقُوقِ الأوْلِياءِ مِنَ القَصاصِ ونَحْوِهِ فَإلَيْهِمْ ذَلِكَ، إنْ شاءُوا عَفَوْا وإنْ أحَبُّوا اسْتَوْفَوْا، وإنَّما يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُ اسْتِيفائِهِ لا جَوازُهُ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ الحَرْثَ بْنَ بَدْرٍ جاءَهُ تائِبًا بَعْدَما كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ ودَرَأ عَنْهُ العُقُوبَةَ.
5:35Page 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لَمّا ذُكِرَ عِظَمُ شَأْنِ القَتْلِ والفَسادِ وبُيِّنَ حُكْمُهُما، وأُشِيرَ في تَضاعِيفَ ذَلِكَ إلى مَغْفِرَتِهِ تَعالى لِمَن تابَ مِن جِنايَتِهِ، أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِأنْ يَتَّقُوهُ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، بِتَرْكِ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، وبِفِعْلِ الطّاعاتِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها السَّعْيُ في إحْياءِ النُّفُوسِ، ودَفْعِ الفَسادِ، والمُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿وابْتَغُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا لِأنْفُسِكم، ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ.
﴿الوَسِيلَةَ﴾ هي فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى: ما يُتَوَسَّلُ بِهِ ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسَّلَ إلى كَذا؛ أيْ: تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ. و" إلَيْهِ " مُتَعَلِّقٌ بِها، قُدِّمَ عَلَيْها لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ حَتّى لا تَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، ولَعَلَّ المُرادَ بِها: الِاتِّقاءُ المَأْمُورُ بِهِ، فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَرِيعَةٌ لِنَيْلِ كُلِّ خَيْرٍ، ومَنجاةٌ مِن كُلِّ ضَيْرٍ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى البَيانِ والتَّأْكِيدِ، أوْ مُطْلَقُ الوَسِيلَةِ وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأُولى أمْرٌ بِتَرْكِ المَعاصِي، والثّانِيَةُ أمْرٌ بِفِعْلِ الطّاعاتِ.
وَحَيْثُ كانَ في كُلٍّ مِن تَرْكِ المَعاصِي المُشْتَهاةِ لِلنَّفْسِ، وفِعْلِ الطّاعاتِ المَكْرُوهَةِ لَها كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، عُقِّبَ الأمْرُ بِهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ البارِزَةِ والكامِنَةِ، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِنَيْلِ مَرْضاتِهِ والفَوْزِ بِكَراماتِهِ.(p-33)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences