Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:36–41
5:36Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ السّابِقَةِ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في المُسارَعَةِ إلى تَحْصِيلِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ انْقِضاءِ أوانِهِ، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَوَسُّلِ الكَفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأقْوى الوَسائِلِ إلى النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، فَضْلًا عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ.
﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ إلَخْ، لا لِجَمِيعِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ.
﴿ما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: مِن أصْنافِ أمْوالِها وذَخائِرِها، وسائِرِ مَنافِعِها قاطِبَةً، وهو اسْمُ أنَّ، و" لَهم " خَبَرُها، ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِلا خِلافٍ، خَلا أنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى الخَبَرِ لِاشْتِمالِ صِلَتِها عَلى المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَدِ اخْتُصَّتْ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يُؤَوَّلُ بِالِاسْمِ بِالوُقُوعِ بَعْدَ " لَوْ " . ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ قِيلَ: يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا؛ أيْ: لَوْ ثابِتٌ كَوْنُ ما في الأرْضِ لَهم، وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا؛ أيْ: لَوْ كَوْنُ ما في الأرْضِ لَهم ثابِتٌ. وعِنْدَ المُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، والكُوفِيِّينَ رَفْعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والفِعْلُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ لَوْ؛ أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْوُصُولِ، أوْ حالٌ مِنهُ، ﴿وَمِثْلَهُ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَهُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِفَرْضِ كَيْنُونَتِهِما لَهم بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ لا بِطَرِيقِ التَّعاقُبِ، تَحْقِيقًا لِكَمالِ فَظاعَةِ الأمْرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ إشْعارٍ بِكَوْنِهِما شَيْئًا واحِدًا، وتَمْهِيدًا لِإفْرادِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ أنْ، أعْنِي: الِاسْتِقْرارَ المُقَدَّرَ في " لَهم "، وبِالخَبَرِ المُقَدَّرِ عِنْدَ مَن يَرى تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا، وبِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ " لَوْ " عَلى رَأْيِ المُبَرِّدِ ومَن نَحا نَحْوَهُ. ولا رَيْبَ في أنَّ مَدارَ الِافْتِداءِ بِما ذُكِرَ هو كَوْنُهُ لَهم لا ثُبُوتُ كَوْنِهِ لَهم، وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، والباءُ في " بِهِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِالِافْتِداءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ ومِثْلَهُ مَعًا، وتَوْحِيدُهُ إمّا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِإجْرائِهِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ: كَأنَّ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: وهو راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والعائِدُ إلى المَعْطُوفِ، أعْنِي: " مِثْلَهُ " مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ الخَبَرُ مِن قَيّارٌ في قَوْلِهِ:
فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: وقَيّارٌ أيْضًا غَرِيبٌ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ومِثْلَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ ناصِبُهُ الفِعْلُ المُقَدَّرُ بَعْدَ لَوْ، تَفْرِيعًا عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ ومَن رَأى رَأْيَهُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنْ يُؤَدِّيَ إلى كَوْنِ الرّافِعِ لِلْفاعِلِ غَيْرَ النّاصِبِ لِلْمَفْعُولِ مَعَهُ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى اعْتِبارِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في الأرْضِ، ومِثْلَهُ في الكَيْنُونَةِ لَهم لا في ثُبُوتِ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ وتَحْقِيقِها، ولا مَساغَ لِجَعْلِ ناصِبِهِ الِاسْتِقْرارَ المُقَدَّرَ في لَهم، لِما أنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ نَصَّ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وحَرْفِ الجَرِّ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِقْرارِ لا يَعْمَلانِ في المَفْعُولِ مَعَهُ، وأنَّ قَوْلَهُ: هَذا لَكَ وأباكَ، قَبِيحٌ، وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ في الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِداءِ أيْضًا؛ أيْ: لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ ثابِتٌ لَهم لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ الواقِعِ يَوْمَئِذٍ.
﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ ذَلِكَ، وهو جَوابُ لَوْ، وتَرْتِيبُهُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ لَهم لِأجْلِ افْتِدائِهِمْ بِهِ، مِن غَيْرِ (p-34)ذِكْرِ الِافْتِداءِ بِأنْ يُقالَ: وافْتَدَوْا بِهِ، مَعَ أنَّ الرَّدَّ والقَبُولَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا عَلى مَبادِيهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ غَنِيٌّ عَنِ الذِّكْرِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى الفَرْضِ قدرتهمْ عَلى ما ذُكِرَ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ الرَّدِّ، وتَخْيِيلُ أنَّهُ وقَعَ قَبْلَ الِافْتِداءِ عَلى مِنهاجِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَأتى بِهِ فَرَآهُ فَلَمّا ... إلَخْ. وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾، مِن غَيْرِ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِنَّ ورُؤْيَتُهُنَّ لَهُ، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ بِحالِها خَبَرُ " إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " .
والمُرادُ: تَمْثِيلُ لُزُومِ العَذابِ لَهم، واسْتِحالَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُحَقَّقَةِ والمَفْرُوضَةِ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ لِلْكافِرِ: " «أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهو كَلِمَةُ الشَّهادَةِ» " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِعَدَمِ قَبُولِ فِدْيَتِهِمْ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، وبَيانِ هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ. قِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَطْفًا عَلى خَبَرِ إنَّ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " إنَّ الَّذِينَ "، فَلا مَحَلَّ لَهُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
5:37Page 114
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في أثْناءِ مُكابَدَةِ العَذابِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم ؟ أوْ ماذا يَصْنَعُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ ... إلَخْ. وقَدْ بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ أنَّ عَذابَهم عَذابُ النّارِ، قِيلَ: إنَّهم يَقْصِدُونَ ذَلِكَ ويَطْلُبُونَ المَخْرَجَ، فَيَلْفَحُهم لَهَبُ النّارِ ويَرْفَعُهم إلى فَوْقُ، فَهُناكَ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ . وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنها لِقُوَّةِ النّارِ وزِيادَةِ رَفْعِها إيّاهم. وقِيلَ: يَتَمَنَّوْنَهُ ويُرِيدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ يُرِيدُونَ، أوِ اعْتِراضٌ، وأيًّا ما كانَ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِما الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةُ أيْضًا بِمَعُونَتِهِ دَوامَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( أنْ يَخْرُجُوا ) عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ.
﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا مِن عَدَمِ تَناهِي مُدَّتِهِ بَعْدَ بَيانِ شِدَّتِهِ.
5:38Page 114
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨
[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ السَّرِقَةِ الصُّغْرى بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ الكُبْرى، وقَدْ عَرَفْتَ اقْتِضاءَ الحالِ لِإيرادِ ما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ المَقالِ، ولَمّا كانَتِ السَّرِقَةُ مَعْهُودَةً مِنَ النِّساءِ كالرِّجالِ، صَرَّحَ بِالسّارِقَةِ أيْضًا، مَعَ أنَّ المَعْهُودَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ إدْراجُ النِّساءِ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الرِّجالِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالبَيانِ، والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ وفِيما فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ؛ أيْ: حُكْمُهُما، وعِنْدَ المُبَرِّدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: الَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِتَأْوِيلٍ وإضْمارٍ، والسَّرِقَةُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ خُفْيَةً، وإنَّما تُوجِبُ القَطْعَ إذا كانَ الأخْذُ مِن حِرْزٍ، (p-35)والمَأْخُوذُ يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ فَما فَوْقَها مَعَ شُرُوطٍ فُصِّلَتْ في مَوْقِعِها.
والمُرادُ بِأيْدِيَهُما: أيْمانُهُما، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم )؛ ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ. واليَدُ: اسْمٌ لِتَمامِ الجارِحَةِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ» .
﴿جَزاءً﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فاقْطَعُوا لِلْجَزاءِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ فاقْطَعُوا؛ أيْ: فَجازُوهُما جَزاءً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَسَبا﴾ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِجَزاءً، وعَلى الثّانِي بِاقْطَعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِسَبَبِ كَسْبِهِما، أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: ما كَسَباهُ مِنَ السَّرِقَةِ الَّتِي تُباشَرُ بِالأيْدِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَكالا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن جَزاءً؛ لِأنَّهُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ. وقِيلَ: القَطْعُ مُعَلَّلٌ بِالنَّكالِ، وقِيلَ: وهو مَنصُوبٌ بِجَزاءً عَلى طَرِيقَةِ الأحْوالِ المُتَداخِلَةِ، فَإنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ، والجَزاءُ عِلَّةٌ لِلْقَطْعِ، كَما إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا لَهُ: إحْسانًا إلَيْهِ، فَإنَّ الضَّرْبَ مُعَلَّلٌ بِالتَّأْدِيبِ، والتَّأْدِيبُ مُعَلَّلٌ بِالإحْسانِ. وقَدْ أجازُوا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أنْ يَكُونَ بَغْيًا مَفْعُولًا لَهُ ناصِبُهُ أنْ يَكْفُرُوا، ثُمَّ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " أنْ يُنَزِّلُ اللَّهُ " مَفْعُولٌ لَهُ ناصِبُهُ بَغْيًا، عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ عَلَّةٌ لِلْبَغْيِ، والبَغْيَ عِلَّةٌ لِلْكُفْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنَكالًا؛ أيْ: نَكالًا كائِنًا مِنهُ تَعالى.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يُمْضِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، مِن غَيْرِ نِدٍّ يُنازِعُهُ ولا ضِدٍّ يُمانِعُهُ.
﴿حَكِيمٌ﴾ في شَرائِعِهِ، لا يَحْكُمُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، ولِذَلِكَ شَرَعَ هَذِهِ الشَّرائِعَ المُنْطَوِيَةَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَصالِحِ.
5:39Page 114
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَمَن تابَ﴾؛ أيْ: مِنَ السُّرّاقِ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الَّذِي هو سَرِقَتُهُ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُتَصَوَّرُ قَبْلَهُ؛ لِبَيانِ عِظَمِ نِعْمَتِهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ عِظَمِ جِنايَتِهِ.
﴿وَأصْلَحَ﴾؛ أيْ: أمْرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنْ تَبِعاتِ ما باشَرَهُ، والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ إلَيْها.
﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ، وأمّا القَطْعُ فَلا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ، وتُسْقِطُهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَأْيِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
5:40Page 114
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.
وَكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَدارُ أحْكامِ مَلَكُوتِهِما، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و" مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ " مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنَّ، وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ تَعْلَمْ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. وقِيلَ: لِكُلِّ أحَدٍ صالِحٍ لِلْخِطابِ، والِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ لِتَقْرِيرِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ: الِاسْتِشْهادُ بِذَلِكَ عَلى قدرته تعالى، (p-36)عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما، وفِيما فِيهِما إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ.
﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ.
﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن غَيْرِ نِدٍّ يُساهِمُهُ ولا ضِدٍّ يُزاحِمُهُ، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ عَلى المَغْفِرَةِ لِمُراعاةِ ما بَيْنَ سَبَبَيْهِما مِنَ التَّرْتِيبِ. والجُمْلَةُ إمّا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ سُبْحانَهُ، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ مِرارًا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.
5:41Page 114
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١
O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خُوطِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِما يُوجِبُ عَدَمَ الحُزْنِ. والمُسارَعَةُ في الشَّيْءِ: الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ورَغْبَةٍ، وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةٍ " إلى " الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ إلَخْ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في الكُفْرِ لا يَبْرَحُونَهُ، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ بِالمُسارَعَةِ عَنْ بَعْضِ فُنُونِهِ وأحْكامِهِ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَإظْهارِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإبْرازِ آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الخَيْرِ، مُسارِعُونَ في أنْواعِهِ وأفْرادِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى مَدارِ الحُزْنِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنْ أنْ يُحْزِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّأثُّرِ مِن ذَلِكَ، والمُبالاةِ بِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَلْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبِّبِ، ويُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، يُرِيدُ: نَهْيَ مُخاطَبِهِ عَنِ الحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقُرِئَ: ( لا يُحْزِنْكَ ) مِن أحْزَنَهُ، مَنقُولًا مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّاءِ. وقُرِئَ: ( يُسْرِعُونَ ) يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ؛ أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا؛ أيْ: لا تَحْزَنْ ولا تُبالِ بِتَهافُتِهِمْ في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ يُسارِعُونَ. وقِيلَ: مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ ... إلَخْ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ " قالُوا " . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " قالُوا " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مِنَ الَّذِينَ قالُوا " ... إلَخْ، وبِهِ يَتِمُّ بَيانُ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ بِتَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: المُنافِقِينَ واليَهُودِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوْ إلى المُسارِعِينَ، وأمّا رُجُوعُهُ إلى الَّذِينَ هادُوا فَمُخِلٌّ بِعُمُومِ (p-37)الوَعِيدِ الآتِي ومَبادِيهِ لِلْكُلِّ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وكَذا جُعِلَ قَوْلُهُ: " ومِنَ الَّذِينَ " ... إلَخْ، خَبَرًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " سَمّاعُونَ " صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ومِنهم قَوْمٌ سَمّاعُونَ إلَخْ؛ لِأدائِهِ إلى اخْتِصاصِ ما عُدِّدَ مِنَ القَبائِحِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الغَوائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِهِمْ؛ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ، واللّامُ إمّا لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وإمّا لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، وإمّا لامُ " كَيْ " والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هم مُبالِغُونَ في سَماعِ الكَذِبِ، أوْ في قَبُولِ ما يَفْتَرِيهِ أحْبارُهم مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، أوْ سَمّاعُونَ أخْبارَكم وأحادِيثَكم لِيَكْذِبُوا عَلَيْكم بِأنْ يَمْسَخُوها بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ، والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، أوْ أخْبارَ النّاسِ وأقاوِيلَهُمُ الدّائِرَةَ فِيما بَيْنَهم، لِيَكْذِبُوا فِيها بِأنْ يُرْجِفُوا بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وانْكِسارِ سَراياهم، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُضِرُّ بِهِمْ.
وَأيّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهم سَمّاعِينَ لِلْكَذِبِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وابْتِناءَ أُمُورِهِمْ عَلى ما لا أصْلَ لَهُ مِنَ الأباطِيلِ والأراجِيفِ، مِمّا يَقْتَضِي عَدَمَ المُبالاةِ بِهِمْ وتَرْكَ الِاعْتِدادِ بِما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ لِلْقَطْعِ بِظُهُورِ بُطْلانِ أكاذِيبِهِمْ، واخْتِلالِ ما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأفاعِيلِ الفاسِدَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الخِزْيِ والعَذابِ كَما سَيَأْتِي، وقُرِئَ: ( سَمّاعِينَ لِلْكَذِبِ ) بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ المُقَدَّرِ، مُقَرِّرٌ لِلْأوَّلِ ومُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالكَذِبِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، واللّامُ مِثْلُ ما في " سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ " في الرُّجُوعِ إلى مَعْنى مِن؛ أيْ: قَبِلَ مِنهُ حَمْدَهُ، والمَعْنى: مُبالِغُونَ في قَبُولِ كَلامِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وأمّا كَوْنُها لامَ التَّعْلِيلِ بِمَعْنى: سَمّاعُونَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ وجَّهُوهم عُيُونًا، لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كَوْنُها مُتَعَلِّقَةً بِالكَذِبِ عَلى أنَّ " سَمّاعُونَ " الثّانِيَ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ، بِمَعْنى: سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ، فَلا يَكادُ يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أصْلًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ؛ أيْ: لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ، وتَجافَوْا عَنْكَ تَكَبُّرًا وإفْراطًا في البَغْضاءِ. قِيلَ: هم يَهُودُ خَيْبَرَ، والسَّمّاعُونَ: بَنُو قُرَيْظَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ وُصِفُوا أوَّلًا بِمُغايَرَتِهِمْ لِلسَّمّاعِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِمْ وأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ. ثُمَّ بِعَدَمِ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ في الضَّلالِ، ثُمَّ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ بَيانًا لِإفْراطِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ، والِاجْتِراءِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينًا لِلْكَذِبِ الَّذِي سَمِعَهُ السَّمّاعُونَ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ بَعْدَ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها؛ إمّا لَفْظًا بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ شَنائِعَهم. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٌ إلى القَوْمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ في الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ يُحَرِّفُونَ، وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِها صِفَةً لِسَمّاعُونَ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، فِيما لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَيْفَ لا وأنَّ مَقُولَ القَوْلِ ناطِقٌ بِأنَّ قائِلَهُ مِمَّنْ لا يَحْضُرُ مَجْلِسَ الرَّسُولِ ﷺ، والمُخاطَبُ بِهِ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ السَّمّاعُونَ المُتَرَدِّدُونَ إلَيْهِ ﷺ لِمَن لا يَحُومُ حَوْلَهُ قَطْعًا، وادِّعاءُ قَوْلِ السَّمّاعِينَ لِأعْقابِهِمُ المُخالِطِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ المُحَرِّفِينَ والقائِلِينَ هُمُ القَوْمُ الآخَرُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ لِأتْباعِهِمُ السَّمّاعِينَ لَهم عِنْدَ إلْقائِهِمْ إلَيْهِمْ أقاوِيلَهُمُ الباطِلَةَ مُشِيرِينَ إلى كَلامِهِمُ الباطِلِ.
﴿إنْ أُوتِيتُمْ﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
﴿هَذا فَخُذُوهُ﴾ واعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ فَإنَّهُ الحَقُّ.
﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بَلْ أُوتِيتُمْ غَيْرَهُ. (p-38)
﴿فاحْذَرُوا﴾؛ أيْ: فاحْذَرُوا قَبُولَهُ وإيّاكم وإيّاهُ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالحَذَرِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ إيتاءِ المُحَرَّفِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ ما لاك يَخْفى. رُوِيَ «أنَّ شَرِيفًا مِن خَيْبَرَ زَنى بِشَرِيفَةٍ وهُما مُحْصَنانِ، وحَدُّهُما الرَّجْمُ في التَّوْراةِ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوا، وأرْسَلُوا الزّانِيَيْنِ مَعَهم فَأمَرَهم بِالرَّجْمِ، فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ ابْنَ صُورِيا، ووَصَفَهُ لَهُ، فَقالَ ﷺ: " هَلْ تَعْرِفُونَ شابًّا أبْيَضَ أعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا " ؟ قالُوا: نَعَمْ، وهو أعْلَمُ يَهُودِيٍّ عَلى وجْهِ الأرْضِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ في التَّوْراةِ، قالَ: " فَأرْسَلُوا إلَيْهِ "، فَفَعَلُوا فَأتاهم، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " أنْتَ ابْنُ صُورِيا " ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ ﷺ: " وأنْتَ أعْلَمُ اليَهُودِ " ؟ قالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ. قالَ لَهم: " أتَرْضَوْنَ بِهِ حَكَمًا " ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ وأنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْراةَ فِيها حَلالُهُ وحَرامُهُ، هَلْ تَجِدُونَ في كِتابِكُمُ الرَّجْمَ عَلى مَن أُحْصِنَ " ؟ قالَ: نَعَمْ، والَّذِي ذَكَّرْتَنِي بِهِ لَوْلا خَشِيتُ أنْ يَحْرِقَنِي التَّوْراةَ إنْ كَذَبْتُ، أوْ غَيَّرْتُ ما اعْتَرَفْتُ لَكَ، ولَكِنْ كَيْفَ هي في كِتابِكَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ ﷺ: " إذا شَهِدَ أرْبَعَةُ رَهْطٍ عُدُولٍ أنَّهُ أدْخَلَ فِيها كَما يُدْخَلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ، وجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ " . قالَ ابْنُ صُورِيا: والَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَكَذا أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مُوسى. فَوَثَبَ عَلَيْهِ سِفْلَةُ اليَهُودِ، فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، ثُمَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ كانَ يَعْرِفُها مِن أعْلامِهِ، فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، النَّبِيُّ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ المُرْسَلُونَ. وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ» .
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾؛ أيْ: ضَلالَتَهُ، أوْ فَضِيحَتَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَذْكُورُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنْ ذِكْرِهِ.
﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ.
﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ في دَفْعِها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ انْفِكاكِهِمْ عَنِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ أبَدًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَسادِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن رِجْسِ الكُفْرِ وخَبَثِ الضَّلالَةِ، لِانْهِماكِهِمْ فِيهِما، وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِما، وإعْراضِهِمْ عَنْ صَرْفِ اخْتِيارِهِمْ إلى تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهم بِالمُسارَعَةِ في الكُفْرِ أوَّلًا، وشَرْحُ فَنُونِ ضَلالاتِهِمْ آخِرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ إرادَتِهِ تَعالى لِفِتْنَتِهِمْ مَنُوطَةً بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وقُبْحِ صَنِيعِهِمُ المُوجِبِ لَها لا واقِعَةً مِنهُ تَعالى ابْتِداءً.
﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أمّا المُنافِقُونَ فَخِزْيُهم فَضِيحَتُهم، وهَتْكُ سُتْرَتِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وأمّا خِزْيُ اليَهُودِ فالذُّلُّ والجِزْيَةُ، والِافْتِضاحُ بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ التَّوْراةِ. وتَنْكِيرُ " خِزْيٌ " لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و" لَهم " خَبَرُهُ، و" في الدُّنْيا " مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: مِنَ الخِزْيِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو الخُلُودُ في النّارِ، وضَمِيرُ " لَهم " في الجُمْلَتَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ جَمِيعًا، لا اليَهُودِ خاصَّةً كَما قِيلَ، وتَكْرِيرُ " لَهم " مَعَ اتِّحادِ المَرْجِعِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، والجُمْلَتانِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ أفْعالِهِمْ، وأحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم مِنَ العُقُوبَةِ ؟ فَقِيلَ: لَهم في الدُّنْيا، الآيَةَ.(p-39)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences