Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:48–53
5:48Page 116
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨
And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.
﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيِ: الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقِيَّ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِحِيازَتِهِ جَمِيعَ الأوْصافِ الكَمالِيَّةِ لِجِنْسِ الكِتابِ السَّماوِيِّ، وتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِهِ، وهو القرآن الكَرِيمُ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُؤَكِّدَةً مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ " أنْزَلْنا "، وقِيلَ: مِنَ الكافِ في " إلَيْكَ " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، إمّا مِن حَيْثُ أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتْ فِيهِ، أوْ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ في القَصَصِ والمَواعِيدِ، والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ، والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ. وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَهُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ المُتَغَيِّرَةِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأعْصارِ، فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافِقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن تِلْكَ الأحْكامِ حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ، مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الشَّرِيعَةِ، ولَيْسَ في المُتَقَدِّمِ دَلالَةٌ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِهِ المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَهُ النّاسِخُ المُتَأخِّرُ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقائِها وزَوالِها، بَلْ نَقُولُ: هو ناطِقٌ بِزَوالِها لِما أنَّ النُّطْقَ بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها نُطْقٌ بِنَسْخِها وزَوالِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ بَيانٌ لِما، واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ إذِ المُرادُ: هو الكِتابُ السَّماوِيُّ، وهو (p-45)بِهَذا العُنْوانِ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِن مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ. وعَنْ هَذا قالُوا: اللّامُ لِلْعَهْدِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَنْتَهِي إلى خُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ الَّتِي هي أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القرآن.
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ المَحْفُوظَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ؛ لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها، وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ بِبَيانِ انْتِهاءِ مَشْرُوعِيَّتِها المُسْتَفادَةِ مِن تِلْكَ الكُتُبِ، وانْقِضاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها، ولا رَيْبَ في أنَّ تَمْيِيزَ أحْكامِها الباقِيَةِ عَلى المَشْرُوعِيَّةِ أبَدًا عَمّا انْتَهى وقْتُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وخَرَجَ عَنْها مِن أحْكامِ كَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
وَقُرِئَ: ( ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ ) عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ . والحافِظُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أوِ الحُفّاظُ في الأعْصارِ والأمْصارِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ شَأْنِ القرآن العَظِيمِ حَقًّا، مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأُمَمِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ مِن مُوجَباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ؛ أيْ: إذا كانَ القرآن كَما ذُكِرَ، فاحْكم بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ عِنْدَ تَحاكُمِهِمْ إلَيْكَ.
﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما أنْزَلَهُ إلَيْكَ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الباقِيَةِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وتَقْدِيمُ " بَيْنَهم " لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَعْمِيمِ الحُكْمِ لَهم، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، والِالتِفاتُ بِإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ.
﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، و" عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ" لا تَتَّبِعْ " عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العُدُولِ ونَحْوِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَعْدِلْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا أهْواءَهم. وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلًا عَمّا جاءَكَ، وفِيهِ أنَّ ما وقَعَ حالًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا عامًّا، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ؛ لِلْإيماءِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن مَجِيءِ الحَقِّ إلى ما يُوجِبُ كَمالَ الِاجْتِنابِ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ، لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن مُعاصِرِيهِ ﷺ عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، بِبَيانِ أنَّهُ هو الَّذِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الكِتابَيْنِ، وإنَّما الَّذِينَ كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِما مَن مَضى قَبْلَ نَسْخِهِما مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. والخِطابُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ لِلنّاسِ كافَّةً، لَكِنْ لا لِلْمَوْجُودِينَ خاصَّةً، بَلْ لِلْماضِينَ أيْضًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ" جَعَلْنا " المُتَعَدِّي لِواحِدٍ، وهو إخْبارٌ بِجَعَلَ ماضٍ لا إنْشاءٌ، وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ. و" مِنكم " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما عَوَّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ كُلٍّ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ جَعَلْنا بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ﴾ ... إلَخْ، والمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ كائِنَةٍ مِنكم أيُّها الأُمَمُ الباقِيَةُ والخالِيَةُ جَعَلْنا؛ أيْ: عَيَّنّا ووَضَعْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا خاصَّيْنِ بِتِلْكَ الأُمَّةِ، لا تَكادُ أُمَّةٌ تَتَخَطّى شِرْعَتَها الَّتِي عُيِّنَتْ لَها، فالأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ شِرْعَتُهُمُ التَّوْراةُ، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى إلى مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ شِرْعَتُهُمُ الإنْجِيلُ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ فَشِرْعَتُكُمُ القرآن لَيْسَ إلّا، فَآمِنُوا بِهِ واعْمَلُوا بِما فِيهِ. والشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ: هي الطَّرِيقَةُ إلى الماءِ، شُبِّهَ بِها الدِّينُ لِكَوْنِهِ سَبِيلًا مَوْصُولًا إلى ما هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الفانِيَةِ. والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ في الدِّينِ، مِن نَهَجَ الأمْرُ: إذا وضَحَ. (p-46)
وَقُرِئَ: ( شَرْعَةً ) بِفَتْحِ الشِّينِ، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا، والتَّحْقِيقُ أنّا مُتَعَبَّدُونَ بِأحْكامِها الباقِيَةِ، مِن حَيْثُ إنَّها أحْكامُ شِرْعَتِنا لا مِن حَيْثُ إنَّها شِرْعَةٌ لِلْأوَّلِينَ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ، مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، ولا نَسْخٍ، ولا تَحْوِيلٍ. ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَكم ... إلَخْ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ.
﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ؛ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ أيْ: لِأنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً، بَلْ شاءَ ما عَلَيْهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ الجارِيَةُ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ، لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم.
﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ المُناسِبَةِ لِأعْصارِها وقُرُونِها، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها، مُعْتَقِدِينَ أنَّ اخْتِلافَها بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ الحِكَمِ البالِغَةِ، والمَصالِحِ النّافِعَةِ لَكم في مَعاشِكم ومَعادِكم ؟ أوْ تَزِيغُونَ عَنِ الحَقِّ وتَتَّبِعُونَ الهَوى، وتَسْتَبْدِلُونَ المَضَرَّةَ بِالجَدْوى، وتَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى ؟ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِابْتِلاءِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ انْطِواءِ الِاخْتِلافِ عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُهم مَعاشًا ومَعادًا.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾؛ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ، فَسارِعُوا إلى ما هو خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ المُنْدَرِجَةِ في القرآن الكَرِيمِ، وابْتَدِرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ، وإحْرازًا لِسابِقَةِ الفَضْلِ والتَّقَدُّمِ، فَفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ في الإذْعانِ لِلْحَقِّ، وتَشْدِيدِ التَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، والعامِلُ فِيهِ إمّا المَصْدَرُ المُنْحَلُّ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، وفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ، أوْ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، وإمّا الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في الجارِّ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: فَيَفْعَلُ بِكم مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ، فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ إزالَةِ الِاخْتِلافِ الَّتِي هي وظِيفَةُ الإخْبارِ.
5:49Page 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.
﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " الكِتابِ "؛ أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ بِما فِيهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ إنْزالِهِ تَعالى إيّاهُ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أوْ عَلى الحَقِّ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم.
وَحِكايَةُ إنْزالِ الأمْرِ بِهَذا الحُكْمِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ الصَّرِيحِ بِذَلِكَ، تَأْكِيدٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِهِ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ هم؛ أيْ: احْذَرْ فِتْنَتَهم، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: (p-47)احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ما أنْزَلَ اللَّهُ لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ.
رُوِيَ «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ فَلَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَذَهَبُوا إلَيْهِ ﷺ وقالُوا: يا أبا القاسِمِ؛ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهم، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؛ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ» .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأرادُوا غَيْرَهُ.
﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِذَنْبِ تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ إيذانًا بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، هَذا مَعَ كَمالِ عَظَمَةِ واحِدٍ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎ أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ بِهِ: نَفْسَهُ؛ أيْ: نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ.
﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ خارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
5:50Page 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِهِ ﷺ وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبُ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ: إمّا المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، فَيَكُونُ تَعْيِيرًا لِلْيَهُودِ بِأنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ وعِلْمٍ يَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي هي هَوًى وجَهْلٌ، لا يَصْدُرُ عَنْ كِتابٍ ولا يَرْجِعُ إلى وحْيِ، وإمّا أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وحُكْمُهم ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، حَيْثُ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في خُصُومَةِ قَتْلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، طَلَبُوا إلَيْهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ ﷺ: " القَتْلى سَواءٌ» "، فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَبْغُونَ " خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، حَذَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾، وقَدِ اسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ. وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ إمّا بِالِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: قُلْ لَهم: أفَحُكْمَ ... إلَخْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ؛ أيْ: أفَحُكّامًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِهِ تَعالى أوْ مُساوٍ لَهُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ .
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أيْ: عِنْدَهم، واللّامُ كَما في هَيْتَ لَكَ؛ أيْ: هَذا الِاسْتِفْهامُ لَهم، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ بِأنْظارِهِمْ، فَيَعْلَمُونَ يَقِينًا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها.
5:51Page 117
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١
O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ كافَّةَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخْلِصِينَ وغَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ سَبَبُ وُرُودِهِ بَعْضًا مِنهم كَما سَيَأْتِي. (p-48)
وَوَصْفُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لِحَمْلِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِانْزِجارِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ تَذْكِيرَ اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ صِفاتِ الفَرِيقَيْنِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنْ مُوالاتِهِما؛ أيْ: لا يَتَّخِذْ أحَدٌ مِنكم أحَدًا مِنهم ولِيًّا، بِمَعْنى: لا تُصافُوهم ولا تُعاشِرُوهم مُصافاةَ الأحْبابِ ومُعاشَرَتَهم، لا بِمَعْنى: لا تَجْعَلُوهم أوْلِياءَ لَكم حَقِيقَةً، فَإنَّهُ أمْرٌ مُمْتَنِعٌ في نَفْسِهِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ.
﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾؛ أيْ: بَعْضُ كُلِّ فَرِيقٍ مِن ذَيْنِكَ الفَرِيقَيْنِ أوْلِياءُ بَعْضٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ الفَرِيقِ، لا مِنَ الفَرِيقِ الآخَرِ، وإنَّما أُوثِرَ الإجْمالُ في البَيانِ؛ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ المُرادِ لِوُضُوحِ انْتِفاءِ المُوالاةِ بَيْنَ فَرِيقَيِ اليَهُودِ والنَّصارى رَأْسًا. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ؛ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ مُتَّفِقُونَ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ومِن ضَرُورَتِهِ إجْماعُ الكُلِّ عَلى مُضادَّتِكم ومُضارَّتِكم، بِحَيْثُ يَسُومُونَكُمُ السُّوءَ ويَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَكم وبَيْنَهم مُوالاةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ حُكْمٌ مُسْتَنْتَجٌ مِنهُ، فَإنَّ انْحِصارَ المُوالاةِ فِيما بَيْنَهم يَسْتَدْعِي كَوْنَ مَن يُوالِيهِمْ مِنهم ضَرُورَةَ أنَّ الِاتِّحادَ في الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ المُوالاةِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ يُوالِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِكَوْنِ مَن يُوالِيهِمْ مِنهم، وفِيهِ زَجْرٌ شَدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ إظْهارِ صُورَةِ المُوالاةِ لَهم، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُوالاةً في الحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَن يَتَوَلّاهم مِنهم؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، بَلْ يُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم، فَيَقَعُونَ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم ظُلْمٌ، لِما أنَّهُ تَعْرِيضٌ لِأنْفُسِهِمْ لِلْعَذابِ الخالِدِ، ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
5:52Page 117
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢
So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوَلِّيهِمْ وإشْعارٌ بِسَبَبِهِ، وبِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى عَدَمِ الهِدايَةِ، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وإمّا لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أهْلِيَّةٌ لَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لِلتَّشْنِيعِ؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ بَلْ يَذَرُهم وشَأْنَهم فَتَراهم ... إلَخْ. وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ المَوْصُولِ؛ لِيُشارَ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ مَرَضِ النِّفاقِ، ورَخاوَةِ العَقْدِ في الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ؛ أيْ: تَراهم مُسارِعِينَ في مُوالاتِهِمْ، وإنَّما قِيلَ: " فِيهِمْ "، مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةِ " إلى " لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ .
وَقُرِئَ: ( فَيُرِي ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: لِمَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ. وقِيلَ: الفاعِلُ هو المَوْصُولُ والمَفْعُولُ هو الجُمْلَةُ عَلى حَذْفِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ؛ أيْ: ويَرى القَوْمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ؛ فَلَمّا حُذِفَتْ أنْ (p-49)انْقَلَبَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
والمُرادُ بِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأضْرابُهُ الَّذِينَ كانُوا يُسارِعُونَ في مُوادَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ، وكانُوا يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَأْمَنُونَ أنْ تُصِيبَهم صُرُوفُ الزَّمانِ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ " يُسارِعُونَ "، والدّائِرَةُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها؛ أيْ: تَدُورُ عَلَيْنا دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الدَّهْرِ، ودَوْلَةٌ مِن دُوَلِهِ بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ وتَكُونَ الدَّوْلَةُ لِلْكُفّارِ. وقِيلَ: نَخْشى أنْ يُصِيبَنا مَكْرُوهٌ مِن مَكارِهِ الدَّهْرِ، كالجَدْبِ والقَحْطِ، فَلا يُعْطُونا المِيرَةَ والقَرْضَ.
رُوِيَ أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرًا عَدَدُهم، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن ولايَتِهِمْ، وأُوالِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ وهم يَهُودُ بَنِي قَيْنُقاعَ، ولَعَلَّهُ يُظْهِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ يُرِيدُ بِالدَّوائِرِ المَعْنى الأخِيرَ، ويُضْمِرُ في نَفْسِهِ المَعْنى الأوَّلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ رَدٌّ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى لِعِلَلِهِمُ الباطِلَةِ، وقَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وتَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ، فَإنَّ " عَسى " مِنهُ سُبْحانَهُ وعْدٌ مَحْتُومٌ، لِما أنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أطْعَمَ لا مَحالَةَ، فَما ظَنُّكَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ. و" أنْ " يَأْتِيَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ " عَسى "، وهو رَأْيُ الأخْفَشِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وهو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ عَنِ الجُثَّةِ بِالحَدَثِ، كَما في قَوْلِكَ: عَسى زَيْدٌ أنْ يَقُومَ. والمُرادُ بِالفَتْحِ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ مِن خَيْبَرَ وفَدَكَ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ ﷺ عَلى مَن خالَفَهُ وإعْزازِ الدِّينِ.
﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ بِقَطْعِ شَأْفَةِ اليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ.
﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ المُتَعَلِّلُونَ بِما ذُكِرَ، وهو عَطْفٌ عَلى " يَأْتِي " داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ خَبَرِ عَسى، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اسْمِها، فَإنَّ فاءَ السَّبَبِيَّةِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّها تَجْعَلُ الجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةً واحِدَةً.
﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ وهو ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، والشَّكِّ في أمْرِهِ ﷺ، وتَعْلِيقُ النَّدامَةِ بِهِ، لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفْرِ، لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَدامَتِهِمْ عَلَيْها بِأصْلِها وسَبَبِها.
5:53Page 117
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣
And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ. وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ. وقُرِئَ: ( ويَقُولَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى " يُصْبِحُوا " . وقِيلَ: عَلى " يَأْتِيَ " بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا. والأوَّلُ أوْجَهُ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ظُهُورِ نَدامَةِ المُنافِقِينَ، لا عِنْدَ إتْيانِ الفَتْحِ فَقَطْ، والمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ، مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهم، ويَرْجُونَ دَوْلَتَهم، ويُظْهِرُونَ لَهم غايَةَ المَحَبَّةِ، وعَدَمَ المُفارَقَةِ عَنْهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِمْ بِوُقُوعِ ضِدِّ ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ تَعْجِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن حالِهِمْ وتَعْرِيضًا بِهِمْ. (p-50)
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، كَما قالُوا فِيما حُكِيَ عَنْهم: ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: إنْكارُ ما فَعَلُوهُ واسْتِبْعادُهُ وتَخْطِئَتُهم في ذَلِكَ، أوْ يَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ أيْضًا: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا لِلْكَفَرَةِ إنَّهم لَمَعَكم؛ فالخِطابُ في " مَعَكم " لِلْيَهُودِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى الثّانِي مِن جِهَةِ المُقْسِمِينَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّها تَفْسِيرٌ وحِكايَةٌ لِمَعْنى أقْسَمُوا، لَكِنْ لا بِألْفاظِهِمْ، وإلّا لَقِيلَ: إنّا مَعَكم. وجَهْدُ الأيْمانِ: أغْلَظُها، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ يَجْهَدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مُقامَهُ، ولا يُبالى بِتَعْرِيفِهِ لَفْظًا؛ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِنَكِرَةٍ؛ أيْ: مُجْتَهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: أقْسَمُوا إقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ لِبَيانِ مَآلِ ما صَنَعُوهُ مِنِ ادِّعاءِ الوِلايَةِ، والإقْسامِ عَلى المَعِيَّةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. وإمّا خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . أوْ هو الخَبَرُ، والمَوْصُولُ مَعَ ما في حَيِّزِ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، فالِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم، والمَعْنى: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في شَأْنِ مُوالاتِكم، وسَعَوْا في ذَلِكَ سَعْيًا بَلِيغًا، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَكم دَوْلَةٌ فَيَنْتَفِعُوا بِما صَنَعُوا مِنَ المَساعِي، وتَحَمَّلُوا مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى.
وَقِيلَ: قالَهُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مُخاطِبًا لِبَعْضٍ؛ تَعَجُّبًا مِن سُوءِ حالِ المُنافِقِينَ، واغْتِباطًا بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْإخْلاصِ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا لَكم بِإغْلاظِ الأيْمانِ أنَّهم أوْلِياؤُكم، ومُعاضِدُوكم عَلى الكُفّارِ، بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأْيِ أعْيُنِ النّاسِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ أظْهَرَ المُنافِقُونَ حِينَئِذٍ خِلافَ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ، ويُقْسِمُونَ عَلَيْهِ مِن وِلايَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاضَدَتِهِمْ عَلى الكُفّارِ، فَظَهَرَ كَذِبُهم وافْتَضَحُوا بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وبَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأْيِ أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، ولا رَيْبَ في أنَّهم يَوْمَئِذٍ أشَدُّ ادِّعاءً، وأكْثَرُ إقْسامًا مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُظْهِرُوا خِلافَ ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُمُ النَّدامَةُ عَلى ما صَنَعُوا، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلامَةً ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وكَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ؛ فَإنَّهم يَدَّعُونَ أنْ لَيْسَتْ نَدامَتُهم إلّا عَلى ما أظْهَرُوهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ خَشْيَةَ إصابَةِ الدّائِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences