Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:70–78
5:70Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمُ المُنادِيَةِ بِاسْتِبْعادِ الإيمانِ مِنهم؛ أيْ: بِاللَّهِ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَهم بِالتَّوْحِيدِ، وسائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ.
﴿وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وأُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ؛ لِيُقَرِّرُوهم عَلى مُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ، ويُطْلِعُوهم عَلى ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ في دِينِهِمْ، ويَتَعَهَّدُوهم بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأخْذِ المِيثاقِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ فَقِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِما لا تُحِبُّهُ أنْفُسُهُمُ المُنْهَمِكَةُ في الغِنى والفَسادِ مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ والشَّرائِعِ، عَصَوْهُ وعادَوْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنِ اسْتِفْسارِ كَيْفِيَّةِ ما أظْهَرُوهُ مِن آثارِ المُخالَفَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ المَضارِّ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم لَمْ يَكْتَفُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، بَلْ قَتَلُوهم أيْضًا، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها الهائِلَةِ لِلتَّعْجِيبِ مِنها، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ، ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ الكَرِيمَةِ.
وَتَقْدِيمُ " فَرِيقًا " في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِ لا لِلْقَصْرِ، هَذا وأمّا (p-64)جَعْلُ الشَّرْطِيَّةِ صِفَةً لِرُسُلًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ أصْلًا، ضَرُورَةَ أنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ إذا جُعِلَتْ صِفَةً، أوْ صِلَةً، يُنْسَخُ ما فِيها مِنَ الحُكْمِ، وتُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْصُوفِ تَتِمَّةً لَهُ في إثْباتِ أمْرٍ آخَرَ لَهُ.
وَلِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ قَبْلَ جَعْلِهِ وصْفًا لَهُ، ومِن هَهُنا قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما سِيقَ لَهُ النَّظْمُ إنَّما هو بَيانُ أنَّهم جَعَلُوا كُلَّ مَن جاءَهم مِن رُسُلِ اللَّهِ تَعالى عُرْضَةً لِلْقَتْلِ، أوِ التَّكْذِيبِ حَسْبَما يُفِيدُهُ، جَعْلُها اسْتِئْنافًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ لَبَيانِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مَوْصُوفِينَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم كَذَلِكَ، كَما هو مُقْتَضى جَعْلِها صِفَةً.
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أيْ: حَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما أتَوْا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، والخُطَّةِ الشَّنْعاءِ، بَلاءٌ وعَذابٌ.
وَقُرِئَ: ( لا تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِن ( أنَّ )، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ، وأصْلُهُ: أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ الحُسْبانِ بِها، وهي لِلتَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَمالِ قُوَّتِهِ، وأنَّ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
﴿فَعَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " حَسِبُوا "، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ، وعَمُوا عَنِ الدِّينِ بَعْدَ ما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ الظّاهِرَةِ، وبَيَّنُوا لَهم مَناهِجَهُ الواضِحَةَ.
﴿وَصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا، وهَذا إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الأُولى مِن مَرَّتَيْ إفْسادِ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ خالَفُوا أحْكامَ التَّوْراةِ، ورَكِبُوا المَحارِمَ، وقَتَلُوا شَعْياءَ. وقِيلَ: حَبَسُوا أرْمِياءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، لا إلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما قِيلَ، فَإنَّها وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً ناشِئَةً عَنْ كَمالِ العَمى والصَّمَمِ، لَكِنَّها في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما حُكِيَ عَنْهم مِمّا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأعْصارٍ.
﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَ تابُوا، ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ بَعْدَ ما كانُوا بِبابِلَ دَهْرًا طَوِيلًا تَحْتَ قَهْرِ بُخْتَ نَصَّرَ، أسارى في غايَةِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، فَوَجَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلِكًا عَظِيمًا مَن مُلُوكِ فارِسَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَعْمُرَهُ، ونَجّى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ مَن أسْرِ بُخْتَ نَصَّرَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ، ورَدَّهم إلى وطَنِهِمْ، وتَراجَعَ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ فَعَمَرُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَكَثُرُوا وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ ابْنُ إسْفَنْدَيارَ المُلْكَ مِن جِدِّهِ كَسْتاسَفْ، ألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في قَلْبِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتَ نَصَّرَ، فَقامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ، فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ .
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المُرادَ: قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، ولَمْ يُسْنِدِ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى والصَّمَمِ؛ تَجافِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِن مَرَّتَيْ إفْسادِهِمْ، وهو اجْتِراؤُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُهم قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا إلى طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ كَما قِيلَ، لِما عَرَفْتَ سِرَّهُ، فَإنَّ فُنُونَ (p-65)الجِناياتِ الصّادِرَةِ عَنْهم لا تَكادُ تَتَناهى، خَلا أنَّ انْحِصارَ ما حُكِيَ عَنْهم هَهُنا في المَرَّتَيْنِ، وتَرَتُّبَهُ عَلى حِكايَةِ ما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، يَقْضِي بِأنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.
وَقُرِئَ: ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالضَّمِّ عَلى تَقْدِيرِ عَماهُمُ اللَّهُ وصَمَّهم؛ أيْ: رَماهم وضَرَبَهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما يُقالُ: نَزَكْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّيْزَكِ، ورَكَبْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهم.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها الفَظِيعَةِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُشِيرَ بِهِ إلى بُطْلانِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ، ووُقُوعِ العَذابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، إشارَةً إجْمالِيَّةً اكْتُفِيَ بِها تَعْوِيلًا عَلى ما فُصِّلَ نَوْعَ تَفْصِيلٍ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْنى: حَسِبُوا أنْ لا يُصِيبَهم عَذابٌ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الجِناياتِ العَظِيمَةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِأشَدِّ العُقُوباتِ، واللَّهُ بَصِيرٌ بِتَفاصِيلِها، فَكَيْفَ لا يُؤاخِذُهم بِها ؟ ومِن أيْنَ لَهم ذَلِكَ الحُسْبانُ الباطِلُ ؟
وَلَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في المَرَّةِ الأُولى، حَيْثُ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ، عامِلَ لُهَراسْبْ عَلى بابِلَ. وقِيلَ: جالُوتَ الجَزَرِيِّ. وقِيلَ: سَنْجارِيبَ مِن أهْلِ نِينَوى. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، فاسْتَوْلى عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَتَلَ مِن أهْلِهِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِهِ، فَبَقُوا هُناكَ عَلى أقْصى ما يَكُونُ مِنَ الذُّلِّ والنَّكَدِ إلى أنْ أحْدَثُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى ما حُكِيَ عَنْهم مِن حُسْنِ الحالِ، ثُمَّ عادُوا إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِنَ الإفْسادِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الفُرْسَ، فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ خَيْدَرُودَ، وقِيلَ: خَيْدَرُوسَ؛ فَفَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ.
قِيلَ: دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ، فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم، فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: ما صَدَقُونِي؛ فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم، ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعالى مِنكم، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم؛ فَهَدَأ.
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ قَبائِحِ النَّصارى، وإبْطالِ أقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ قَبائِحِ اليَهُودِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا. قِيلَ: هُمُ المَلِكانِيَّةُ والمارِ يَعْقُوبِيَّةُ مِنهم. وقِيلَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ خاصَّةً. قالُوا: ومَعْنى هَذا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وَقالَ المَسِيحُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " قالُوا "، بِتَقْدِيرِ قَدْ مُفِيدَةٌ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْمَسِيحِ، وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَمّا أصَرُّوا عَلَيْهِ بِما أوْعَدَهم بِهِ؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ.
وَقَدْ قالَ المَسِيحُ مُخاطِبًا لَهم: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَإنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مَثَلُكم، فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم، ﴿إنَّهُ﴾؛ أيِ: الشَّأْنُ.
﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا في عِبادَتِهِ، أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِن صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ فَلَنْ يَدْخُلَها أبَدًا، كَما لا يَصِلُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلى (p-66)المُحَرَّمِ، فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
﴿وَمَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها هي المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ.
﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾؛ أيْ: ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، إمّا بِطْرِيقِ المُغالَبَةِ، أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ، والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِالظّالِمِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مِن، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضْعُهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ، وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَعْنى: أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، فِيما تَقَوَّلُوا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُساعِدْهم عَلَيْهِ ولَمْ يَنْصُرْ قَوْلَهم، ورَدَّهُ وأنْكَرَهُ، وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ بِذَلِكَ ورافِعِينَ مِن مِقْدارِهِ، أوْ مِن قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى: لا يَنْصُرُكم أحَدٌ فِيما تَقُولُونَ ولا يُساعِدُكم عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحالَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَعْقُولِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ التَّعْبِيرَ عَمّا حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ بِصَرِيحِ الرَّدِّ والإنْكارِ، والوَعِيدِ بِحِرْمانِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ مُساعَدَتِهِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ نُصْرَتِهِ لَهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ، تَصْوِيرٌ لِلْقَوِيِّ بِصُورَةِ الضَّعِيفِ، وتَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ مِن مَقامِ تَهْوِيلِهِ، بَلْ رُبَّما يُوهِمُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَوَهُّمِ المُساعَدَةِ والنُّصْرَةِ، لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ ... إلَخْ. إلّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وكَذا الحالُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن تَمامِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ زَجْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَنْ قَوْلِهِمُ الفاسِدِ بِما ذَكَرَهُ مِن عَدَمِ النّاصِرِ، والمُساعِدِ بَعْدَ زَجْرِهِ إيّاهم بِما مَرَّ مِنَ الرَّدِّ الأكِيدِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الإفادَةِ والتَّأْثِيرِ، ولا سَبِيلَ هَهُنا إلّا الِاعْتِذارُ بِالتَّهَكُّمِ.
5:73Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهم، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "، ورابِعُ أرْبَعَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا، لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدَهُ بِأنْ يُقالَ: ثالِثٌ ثَلاثَةً ورابِعٌ أرْبَعَةً، وإنَّما يَنْصِبُهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ، كَما في قَوْلِكَ: عاشِرٌ تِسْعَةً - وتاسِعٌ ثَمانِيَةً.
قِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعِيسى، ومَرْيَمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ إلَهٌ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "؛ أيْ: أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ.
وَهُوَ المُتَبادِرُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، إلّا إلَهٌ مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشِّرْكَةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.
وَقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ: الذّاتَ، وقِيلَ: (p-67)الوُجُودَ، وبِالثّانِي: العِلْمَ، وبِالثّالِثِ: الحَياةَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ ": إلّا إلَهٌ واحِدٌ بِالذّاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ الشَّنِيعِ ولَمْ يُوَحِّدُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٍّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا لِيَمَسَّنَّهم، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ " هُمُ " المَوْصُولِ، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.
فَمِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمْ﴾ بَيانِيَّةٌ، أوْ لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ. وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُنَحّى عَلَيْهِ بِالقَلْعِ مِن نَصِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، كُفْرٌ جَدِيدٌ وغُلُوٌّ زائِدٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الكُفْرِ.
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: نَوْعٌ شَدِيدُ الألَمِ مِنَ العَذابِ.
5:74Page 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا يَنْتَهُونَ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأقاوِيلِ الباطِلَةِ، فَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِاتِّحادِ والحُلُولِ، فَمَدارُ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَدَمُ الِانْتِهاءِ وعَدَمُ التَّوْبَةِ مَعًا، أوْ أيَسْمَعُونَ هَذِهِ الشَّهاداتِ المُكَرَّرَةَ والتَّشْدِيداتِ المُقَرَّرَةَ، فَلا يَتُوبُونَ عَقِيبَ ذَلِكَ، فَمَدارُهُما عَدَمُ التَّوْبَةِ عَقِيبَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُها مِن سَماعِ تِلْكَ القَوارِعِ الهائِلَةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ " يَسْتَغْفِرُونَهُ "، مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وعَدَمِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهم عِنْدَ اسْتِغْفارِهِمْ ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ.
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَيانِ حَقِيقَةِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالِ أُمِّهِ، بِالإشارَةِ أوَّلًا إلى أشْرَفِ ما لَهُما مِن نُعُوتِ الكَمالِ، الَّتِي بِها صارا مِن زُمْرَةِ أكْمَلِ أفْرادِ الجِنْسِ، وآخِرًا إلى الوَصْفِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما وبَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَوانِ، اسْتِنْزالُهم بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَنْ رُتْبَةِ الإصْرارِ عَلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، وإرْشادًا لَهم إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَكادُ يَتَخَطّاها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ خُلُوَّ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِخُلُوِّهِ المُقْتَضِي لِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّتِهِ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِهِ، خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعْضٍ مِنَ الآياتِ، كَما خَصَّ كُلًّا مِنهم بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، فَإنْ أحْيى المَوْتى عَلى يَدِهِ، فَقَدَ أحْيى العَصا في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجُعِلَتْ حَيَّةً تَسْعى، وهو أعْجَبُ مِنهُ، وإنَّ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَقَدْ خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، وهو أغْرَبُ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما مُوسى وعِيسى مَظاهِرُ لِشُئُونِهِ وأفْعالِهِ.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أيْ: وما أُمُّهُ أيْضًا كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ أوِ التَّصْدِيقَ، ويُبالِغْنَ في الِاتِّصافِ بِهِ، فَما رُتْبَتُهُما (p-68)إلّا رُتْبَةُ بَشَرَيْنِ، أحَدُهُما نَبِيٌّ والآخَرُ صَحابِيٌّ؛ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَصِفُوهُما بِما لا يُوصَفُ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وخَواصُّهم ؟
﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ في الِاحْتِياجِ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، بَلْ مِن أفْرادِ الحَيَوانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الربوبية، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ حالِهِما بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ. وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِنُبَيِّنُ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ مُعَلَّقَةٌ لِانْظُرْ؛ أيْ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ الباهِرَةَ، المُنادِيَةَ بِبُطْلانِ ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، نِداءً يَكادُ يَسْمَعُهُ صُمُّ الجِبالِ.
﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِها والتَّأمُّلِ فِيها، والكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ بالِغٌ لِأقاصِي الغاياتِ القاصِيَةِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ، وإعْراضَهم عَنْها مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ، وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها أعْجَبُ وأبْدَعُ.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْزامِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَعْجِيبِهِ مِن أحْوالِهِمْ.
﴿أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيثارُهُ عَلى كَلِمَةِ " مَن "، لِتَحْقِيقِ ما هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ رَأْسًا، بِبَيانِ انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ الأشْياءِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِهِ تَعالى إيّاهُ، لَكِنَّهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ، ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ.
وَتَقْدِيمُ الضَّرَرِ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ، ولِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ التَّأْثِيرِ دَفْعُ الشَّرِّ، ثُمَّ جَلْبُ الخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " أتَعْبُدُونَ "، مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومُقَرِّرٌ لِلْإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والرّابِطُ هو الواوُ؛ أيْ: أتُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ضَرِّكم ونَفْعِكم، والحالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والعَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ، وبِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَضارُّكم ومَنافِعُكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
5:77Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ إبْطالِ مَسْلَكِ كُلٍّ مِنهُما، لِلْمُبالَغَةِ في زَجْرِهِمْ عَمّا سَلَكُوهُ مِنَ المَسْلَكِ الباطِلِ، وإرْشادِهِمْ إلى الأُمَمِ المُنْئاةِ.
﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ، وهو نَهْيٌ لِلنَّصارى عَنْ رَفْعِ عِيسى عَنْ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ إلى ما تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ مِنَ العَظِيمَةِ، ولِلْيَهُودِ عَنْ وضْعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ إلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ. وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالنَّصارى، كَما في سُورَةِ النِّساءِ، فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِتَذْكِيرِ أنَّ (p-69)الإنْجِيلَ أيْضًا يَنْهاهم عَنِ الغُلُوِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ؛ أيْ: غُلُوًّا باطِلًا، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ؛ أيْ: لا تَغْلُوا مُجاوِزِينَ الحَقَّ، أوْ مِن دِينِكم؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم حالَ كَوْنِهِ باطِلًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ: عَلى المُنْقَطِعِ.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ هم أسْلافُهم وأئِمَّتُهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أوْ مِنَ النَّصارى عَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ في شَرِيعَتِهِمْ.
﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: قَوْمًا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم في الزَّيْغِ والضَّلالِ، أوْ إضْلالًا كَثِيرًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
﴿وَضَلُّوا﴾ عِنْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَوْضِيحِ مَحَجَّةِ الحَقِّ وتَبْيِينِ مَناهِجِ الإسْلامِ.
﴿عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ: إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ، والثّانِي: إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ.
5:78Page 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.
﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن فاعِلِ كَفَرُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلُعِنَ؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، دَعا عَلَيْهِمْ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً. وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اللَّعْنِ المَذْكُورِ، وإيثارُهُ عَلى الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ، وامْتِيازِهِ عَنْ نَظائِرِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَتِهِ، وبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشَّناعَةِ والهَوْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَمّا نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ سَبَبٍ وقَعَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ اللَّعْنُ الهائِلُ الفَظِيعُ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمُ المُسْتَمِرِّ، كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences