Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:4–11
5:4Page 107
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤
They ask you, [O Muḥammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals1 which you train as Allāh has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allāh upon it, and fear Allāh." Indeed, Allāh is swift in account.
﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ المُحَلَّلاتِ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها عَلى وجْهِ الإجْمالِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنْها عِنْدَ بَيانِ أضْدادِها، ولِتَضَمُّنِ السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، فَـ " ماذا " مُبْتَدَأٌ، و" أُحِلَّ لَهم " خَبَرُهُ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِما أنَّ يَسْألُونَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، فَإنَّهُ كَما يُعْتَبَرُ حالُ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ، يُعْتَبَرُ حالُ الحاكِي، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ.
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾؛ أيْ: ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .
﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عَطْفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ عَلى أنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمُوهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ عَلى أنَّ (p-8)" ما " شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ: فَكُلُوا. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنَها مُبْتَدَأً عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً أيْضًا، والخَبَرُ كُلُوا، وإنَّما دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. ومِنَ الجَوارِحِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، والجَوارِحُ: الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ غالِبًا.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلِّمِينَ لَها الصَّيْدَ، والمُكَلِّبُ: مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُضْرِيها بِالصَّيْدِ، مُشْتَقٌ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأنَّ التَّأْدِيبَ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ حِينَ أرادَ سَفَرَ الشّامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ "»، فَأكَلَهُ الأسَدُ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ عَلَّمْتُمْ، وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ لِما أنَّ الِاسْمَ المُكَلَّبَ لا يَقَعُ إلّا عَلى التَّحْرِيمِ في عِلْمِهِ. وقُرِئَ: ( مُكْلِبِينَ ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِنهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ مُكَلِّبِينَ، أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِهِ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ، أوْ مِمّا عَرَّفَكم أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وانْزِجارِهِ بِزَجْرِهِ، وانْصِرافِهِ بِدُعائِهِ، وإمْساكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ أكْلِهِ مِنهُ.
﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قَدْ مَرَّ فِيما سَبَقَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ " ما " شَرْطِيَّةً جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ خَبَرٌ لَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عَطْفًا عَلى الطَّيِّباتِ، فَهي جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى بَيانِ حِلِّ صَيْدِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو المَعْطُوفُ، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الإحْلالُ حَقِيقَةً، ومُشِيرَةٌ إلى نَتِيجَةِ التَّعْلِيمِ وأثَرِهِ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، فالفاءُ فِيها كَما في قَوْلِهِ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.
وَ" مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ البَعْضَ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ، كالجُلُودِ، والعِظامِ، والرِّيشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. و" مِمّا " مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ حُذِفَ عائِدُها، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٍ بِأمْسَكْنَ؛ أيْ: فَكُلُوا بَعْضَ ما أمْسَكْنَهُ عَلَيْكم، وهو الَّذِي لَمْ يَأْكُلْنَ مِنهُ. وأمّا ما أكَلْنَ مِنهُ فَهو مِمّا أمْسَكْنَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: " وإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ، إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ "»، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ. وقالَ بَعْضُهم: لا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الأكْلِ في سِباعِ الطَّيْرِ، لِما أنَّ تَأْدِيبَها إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مُتَعَذِّرٌ. وقالَ آخَرُونَ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلْمانَ، وسَعْدِ ابْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أنَّهُ إذا أكَلَ الكَلْبُ ثُلُثَيْهِ وبَقِيَ ثُلُثُهُ، وقَدْ ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ.
﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ " لِما عَلَّمْتُمْ "؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ، أوْ لِما أمْسَكْنَهُ؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في شَأْنِ مُحَرَّماتِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ أيْ: سَرِيعُ إتْيانِ حِسابِهِ، أوْ سَرِيعُ تَمامِهِ، إذا شَرَعَ فِيهِ يَتِمُّ في أقْرَبِ ما يَكُونُ مِنَ الزَّمانِ. والمَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: أنَّهُ يُؤاخِذُكم سَرِيعًا في كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ.
5:5Page 107
ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥
This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation,1 desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
(p-9)﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ وقْتٌ واحِدٌ، وإنَّما كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِاخْتِلافِ الأحْداثِ الواقِعَةِ فِيهِ حَسُنَ تَكْرِيرُهُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما مَرَّ.
﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والمُرادُ بِطَعامِهِمْ: ما يَتَناوَلُ ذَبائِحَهم وغَيْرَها.
﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: حَلالٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ، وهو قَوْلُ عامَّةِ التّابِعِينَ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأصْحابُهُ. وحُكْمُ الصّابِئِينَ حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَهُ، وقالَ صاحِباهُ: هُما صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصِنْفٌ لا يَقْرَءُونَ كِتابًا ويَعْبُدُونَ النُّجُومَ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ ﴾ .
﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم، ولَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. /0 ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ رُفِعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم أيْضًا، والمُرادُ بِهِنَّ: الحَرائِرُ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ لِلْبَعْثِ عَلى ما هو الأوْلى لا لِنَفْيِ ما عَداهُنَّ، فَإنَّ نِكاحَ الإماءِ المُسْلِماتِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفاقِ، وكَذا نِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ مِنهُنَّ، وأمّا الإماءُ الكِتابِيّاتُ فَهُنَّ كالمُسْلِماتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: هُنَّ أيْضًا حِلٌّ لَكم، وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا تَحِلُّ الحِرْبِيّاتُ.
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها، والحَثِّ عَلى الأوْلى. وقِيلَ: المُرادُ بِإيتائِها: التِزامُها. و" إذا " ظَرْفِيَّةٌ عامِلُها حَلَّ المَحْذُوفُ. وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها؛ أيْ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حَلَلْنَ لَكم.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْتُمُوهُنَّ؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ . وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ مُحْصِنِينَ. وقِيلَ: صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ؛ أيْ: غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾؛ أيْ: ولا مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ: الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو إمّا مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى " مُسافِحِينَ "، وزِيدَتْ " لا " لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن غَيْرَ، أوْ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى " غَيْرَ مُسافِحِينَ " بِاعْتِبارِ أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: ومَن يُنْكِرْ شَرائِعَ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بُيِّنَ هَهُنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، ويَمْتَنِعْ عَنْ قَبُولِها.
﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الصّالِحُ الَّذِي عَمِلَ قَبْلَ ذَلِكَ.
﴿وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ مِنَ الخاسِرِينَ، خَبَرُهُ " وفي "، مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الكَوْنِ المُطْلَقِ. وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ أيْ: خاسِرَةٌ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِالخاسِرِينَ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقِيلَ: يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ:
رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا تَمَعْدَدا ... كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا(p-10)
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهم.
﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْها مَجازًا لِلْإيجازِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ الصَّلاةَ حَقُّهُ أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرادَتِها، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ لازِمَيْها عَلى لازِمِها الآخَرِ. وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، لِما أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ قَطْعًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ يَوْمَ الفَتْحِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ "»، يَعْنِي: بَيانًا لِلْجَوازِ. وحَمْلُ الأمْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُحْدِثِ عَلى النَّدْبِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، فالوَجْهُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِالمُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلالَةِ الحالِ، واشْتِراطُ الحَدَثِ في التَّيَمُّمِ الَّذِي هو بَدَلُهُ، وما نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والخُلَفاءِ مِن أنَّهم كانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ أصْلًا، كَيْفَ لا وما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ: " «مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» " صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم بِطَرِيقِ النَّدْبِ، وما قِيلَ: كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «المائِدَةُ مِن آخِرِ القرآن نُزُولًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» " .
﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أيْ: أمِرُّوا عَلَيْها الماءَ، ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ، خِلافًا لِمالِكٍ.
﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: " إلى " بِمَعْنى مَعَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ . وقِيلَ: هي إنَّما تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ مُطْلَقًا، وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ، أوْ خُرُوجُها مِنهُ، فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ، وإنَّما هو أمْرٌ يَدُورُ عَلى الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ، كَما في: حَفِظْتُ القرآن مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾؛ فَإنَّ الدُّخُولَ في الأوَّلِ والخُرُوجَ في الثّانِي مُتَيَقَّنٌ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ الدَّلِيلِ، وحَيْثُ لَمَّ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لِلْمَرافِقِ، حُكِمَ بِدُخُولِها فِيها احْتِياطًا. وقِيلَ: " إلى " مِن حَيْثُ إفادَتُها لِلْغايَةِ تَقْتَضِي خُرُوجَها، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ هَهُنا عَنْ ذِي الغايَةِ، وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا.
﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: مَسَحْتُ المِندِيلَ، ومَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكم، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ كَما يَقْتَضِيهِ ما لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُءُوسَكم، فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ " .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في القَدْرِ الواجِبِ، فَأوْجَبَ الشّافِعِيُّ أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أخْذًا بِاليَقِينِ، وأبُو حَنِيفَةَ بِبَيانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وقَدَّرَها (p-11)بِرُبُعِ الرَّأْسِ، ومالِكٌ مَسَحَ الكُلَّ أخْذًا بِالِاحْتِياطِ.
﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى وُجُوهِكم، ويُؤَيِّدُهُ السُّنَّةُ الشّائِعَةُ، وعَمَلُ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، والتَّحْدِيدُ إذِ المَسْحُ لَمْ يُعْهَدْ مَحْدُودًا. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ، ونَظِيرُهُ في القرآن كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، ونَظائِرِهِ. ولِلنُّحاةِ في ذَلِكَ بابٌ مُفْرَدٌ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِدَ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها، ويَغْسِلَها غَسْلًا قَرِيبًا مِنَ المَسْحِ، وفي الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخَواتِهِ إيماءٌ إلى أفْضَلِيَّةِ التَّرْتِيبِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: وأرْجُلُكم مَغْسُولَةٌ.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾؛ أيْ: فاغْتَسِلُوا، وقُرِئَ: ( فاطْهُرُوا )؛ أيْ: فَطَهِّرُوا أبْدانَكم. وفي تَعْلِيقِ الأمْرِ بِالطَّهارَةِ الكُبْرى بِالحَدَثِ الأكْبَرِ إشارَةٌ إلى اشْتِراطِ الأمْرِ بِالطَّهارَةِ الصُّغْرى بِالحَدَثِ الأصْغَرِ.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ مَرَضًا يُخافُ بِهِ الهَلاكُ، أوِ ازْدِيادُهُ بِاسْتِعْمالِ الماءِ.
﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ.
﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِامْسَحُوا. وقُرِئَ: ( فَأُمُّوا صَعِيدًا )، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُشْبَعًا في سُورَةِ النِّساءِ، فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في أنْواعِ الطَّهارَةِ.
﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ما يُرِيدُ بِالأمْرِ بِالطَّهارَةِ لِلصَّلاةِ، أوْ بِالأمْرِ بِالتَّيَمُّمِ.
﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ مِن ضِيقٍ في الِامْتِثالِ بِهِ.
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾ ما يُرِيدُ بِذَلِكَ ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُنَظِّفَكم، أوْ لِيُطَهِّرَكم عَنِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الوُضُوءَ مُكَفِّرٌ لَها، أوْ لِيُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكُمُ التَّطَهُّرُ بِالماءِ، فَمَفْعُولُ يُرِيدُ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ. والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ في بابِ الطَّهارَةِ، حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ، إذا أعْوَزَكُمُ التَّطَهُّرُ بِالماءِ.
﴿وَلِيُتِمَّ﴾ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ومَكْفَرَةٌ لِذُنُوبِكم.
﴿نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ. ومِن لَطائِفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلُّها مُثَنًّى، طَهارَتانِ: أصْلٌ وبَدَلٌ، والأصْلُ اثْنانِ: مُسْتَوْعِبٌ وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ، وبِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسْلٌ ومَسْحٌ، وبِاعْتِبارِ المَحِلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ وسَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.
5:7Page 108
وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ، وتُرَغِّبَكم في شُكْرِهِ.
﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾؛ أيْ: عَهْدَهُ المُؤَكَّدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ظَرْفٌ لِواثَقَكم بِهِ، أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " بِهِ "، أوْ مِن مِيثاقِهِ؛ أيْ: كائِنًا وقْتَ قَوْلِكم: سَمِعْنا وأطَعْنا، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ، تَأْكِيدُ وُجُوبِ مُراعاتِهِ بِتَذَكُّرِ قَبُولِهِمْ والتِزامِهِمْ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْهِ، وهو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في حالِ العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرِهِ. وقِيلَ: هو المِيثاقُ الواقِعُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وفي بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مَعَ صُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِ المَرْجِعِ إلَيْهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ (p-12)الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في نِسْيانِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: بِخَفِيّاتِها، المُلابِسَةِ لَها مُلابَسَةً تامَّةً مُصَحِّحَةً لِإطْلاقِ الصّاحِبِ عَلَيْها، فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَما ظَنُّكم بِجَلِيّاتِ الأعْمالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ وتَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
5:8Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨
O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ.
﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ مُقِيمِينَ لِأوامِرِهِ، مُمْتَثِلِينَ بِها، مُعَظِّمِينَ لَها، مُراعِينَ لِحُقُوقِها.
﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ.
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم، ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أيْ: شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم.
﴿عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ فَلا تَشْهَدُوا في حُقُوقِهِمْ بِالعَدْلِ، أوْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثْلَةٍ، وقَذْفٍ، وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ، ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾؛ أيِ: العَدْلُ.
﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ وُجُوبُ العَدْلِ في حَقِّ الكُفّارِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَما ظَنُّكَ بِوُجُوبِهِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى إثْرَ ما بَيَّنَ أنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لَهُ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، كَما قِيلَ: إنَّ الأوَّلَ نَزَلَ في المُشْرِكِينَ، وهَذا في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ، والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ، وحَيْثُ كانَ مَضْمُونُها مُنْبِئًا عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، عَقَّبَ بِالوَعْدِ لِمَن يُحافِظُ عَلى طاعَتِهِ تَعالى، وبِالوَعِيدِ لِمَن يُخِلُّ بِها.
5:9Page 108
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩
Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.
فَقِيلَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَدْلُ والتَّقْوى.
﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ، اسْتِغْناءً عَنْهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لَهُ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ.
5:10Page 109
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠
But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُلِيَتْ مِنَ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِالأمْرِ والعَدْلِ والتَّقْوى.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الآياتِ.
﴿أصْحابُ الجحيم﴾ مُلابِسُوها مُلابَسَةً مُؤَبَّدَةً، مِنَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ القرآنيَّةِ شَفْعُ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ، والجَمْعُ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ إيفاءً لِحَقِّ الدَّعْوى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ.(p-13)
5:11Page 109
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِنَ الشَّرائِرِ إثْرَ تَذْكِيرِ نِعْمَةِ إيصالِ الخَيْرِ الَّذِي هو نِعْمَةُ الإسْلامِ، وما يَتْبَعُها مِنَ المِيثاقِ، وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ عَلى الأوَّلِ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، وعَلى الثّانِي لِما تَعَلَّقَ بِهِ عَلَيْكم، ولا سَبِيلَ إلى كَوْنِهِ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، لِتَنافِي زَمانَيْهِما؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكم، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكم في وقْتِ هَمِّهِمْ.
﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ: إذا بَطَشَ بِهِ، وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ: إذا شَتَمَهُ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ رُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِمْ، حَمْلًا لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِاعْتِدادِ بِنِعْمَةِ دَفْعِهِ، كَما أنَّ تَقْدِيمَ " لَكم " في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ لِلْمُبادَرَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَخْلُوقِ مِن مَنافِعِهِمْ تَعْجِيلًا لِلْمَسَرَّةِ.
﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " هم "، وهو النِّعْمَةُ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها وذِكْرًا لَهم؛ لِلْإيذانِ بِوُقُوعِها عِنْدَ مَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْها، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ المُفِيدِ لِتَمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِها، وإظْهارُ أيْدِيهِمْ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ أيْ: مَنَعَ أيْدِيَهم أنْ تُمَدَّ إلَيْكم عَقِيبَ هَمِّهِمْ بِذَلِكَ، لا أنَّهُ كَفَّها عَنْكم بَعْدَما مَدُّوها إلَيْكم، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها لَمْ تَكُنْ مَشُوبَةً بِضَرَرِ الخَوْفِ، والِانْزِعاجِ الَّذِي قَلَّما يَعْرى عَنْهُ الكَفُّ بَعْدَ المَدِّ ما لا يَخْفى مَكانُهُ، وذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِعُسْفانَ في غَزْوَةِ ذِي أنْمارٍ، وهي غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وهي السّابِعَةُ مِن مَغازِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمَ المُشْرِكُونَ ألّا كانُوا قَدْ أكَبُّوا عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: إنَّ لَهم بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، يَعْنُونَ: صَلاةَ العَصْرِ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْها، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ.
وَقِيلَ: هو ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى بَنِي قُرَيْظَةَ، ومَعَهُ الشَّيْخانِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، يَسْتَقْرِضُهم لِدِيَةِ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ خَطَأً يَحْسَبُهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُعْطِيَكَ ما سَألْتَ، فَأجْلَسُوهُ في صُفَّةٍ وهَمُّوا بِالفَتْكِ بِهِ، وعَمَدَ عَمْرُو ابْنُ جِحاشٍ إلى رَحًا عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى يَدَهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ» .
وَقِيلَ: هو ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا، وتَفَرَّقَ أصْحابُهُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِها، فَعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَأخَذَهُ وسَلَّهُ، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ ﷺ: اللَّهُ تَعالى، فَأسْقَطَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ الرَّسُولُ ﷺ، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ: لا أحَدَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ» اللَّهِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى اذْكُرُوا؛ أيِ: اتَّقُوهُ في رِعايَةِ حُقُوقِ نِعْمَتِهِ ولا تُخِلُّوا بِشُكْرِها، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا واشْتِراكًا.
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيهِمْ في إيصالِ كُلِّ خَيْرٍ ودَفْعِ كُلِّ شَرٍّ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ أمْرِ الغائِبِ، وإسْنادُها إلى المُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى (p-14)المُخاطَبِينَ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما وُصِفُوا بِهِ عِنْدَ الخِطابِ مِن وصْفِ الإيمانِ داعٍ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ والتَّقْوى، وازِعٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِما. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences