Abu as-Su'udAl‑Ma'idah · 5:92–96

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:92–96

5:92Page 123

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢

And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عَطْفٌ عَلى اجْتَنِبُوهُ؛ أيْ: أطِيعُوهُما في جَمِيعِ ما أمَرا بِهِ ونَهَيا عَنْهُ.

﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مُخالَفَتَهُما في ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُخالَفَةُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ، دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وعَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُخالَفَتِهِما.

﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ أيَّ خُرُوجٍ، وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، وانْتَهَتِ الأعْذارُ، وانْقَطَعَتِ العِلَلُ، وما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا العِقابُ، وفِيهِ مِن عِظَمِ التَّهْدِيدِ وشِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا بِتَوَلِّيكُمُ الرَّسُولَ؛ لِأنَّهُ ما كُلِّفَ إلّا البَلاغَ المُبِينَ بِالآياتِ وقَدْ فَعَلَ، وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ أعْرَضْتُمْ عَمّا كُلِّفْتُمُوهُ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُمُ ادِّعاءُ أنَّهم بِتَوَلِّيهِمْ يَضُرُّونَهُ ﷺ، حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَهُ، وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.

5:93Page 123

لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ وحَرَجٌ.

﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: تَناوَلُوا أكْلًا، أوْ شُرْبًا، فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في الشُّرْبِ أيْضًا مُسْتَفِيضٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ .

قِيلَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، قالَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم في الجَنَّةِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ ؟ (p-77)

وَفِي رِوايَةٍ أُخْرى؛ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا، وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القِمارَ ؟ فَنَزَلَتْ.

وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " ما " في " ما طَعِمُوا " عِبارَةً عَنِ المُباحاتِ خاصَّةً، وإلّا لَزِمَ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءِ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَلى عُمُومِها، مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها، والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ، إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ، بَلْ في بَعْضِهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ، بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تُقَيَّدُ إباحَةُ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، كَما هو اللّازِمُ مِنَ الأوَّلِ.

﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوْا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ.

﴿وَآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ؛ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ، أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ.

﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ.

﴿وَأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ الجَمِيلَةَ المُنْتَظِمَةَ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَرّاتِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها، بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكَرُّرِ بالِغًا ما بَلَغَ، والمَعْنى: أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ ومُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، بِحَيْثُ كُلَّما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ، ثَمَّ وثَمَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طَعْمِهِ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ لا دَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ، وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزٍ إذا شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها، ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ، وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ، حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ؛ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ما لَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ، فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ فِيما سَيَأْتِي بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ " إذا ما "، لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ؛ لِإثْباتِ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ في ضِمْنِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَتِهِ تَعالى، مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ، وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرِ في حَياتِهِمْ، لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ، ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ.

هَذا وقَدْ قِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ، اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ بَدَلَ الإيمانِ، إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يُتَّقى؛ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ، والشُّبُهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ.

وَقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونَظائِرِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: اتِّقاءُ الكُفْرِ، وبِالثّانِي: (p-78)اتِّقاءُ الكَبائِرِ، وبِالثّالِثِ: اتِّقاءُ الصَّغائِرِ. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ بِالمَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ.

﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أبْلَغَ تَقْرِيرٍ.

5:94Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤

O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيُعامِلَّنَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَتَعَرَّفَ أحْوالَكم.

﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: مِن صَيْدِ البَرِّ مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ، ماعَدا المُسْتَثْنَياتِ مِنَ الفَواسِقِ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ، نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ، كانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، بِحَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ.

وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ فَهَمُّوا بِأخْذِها، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ وقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.

فالتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ في " ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ " إنَّما هو لِتَحْقِيقِ أنَّ ما وقَعَ مِن عَدَمِ تَوَحُّشِ الصَّيْدِ عَنْهم لَيْسَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ، لا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ، كَما لَوْ كانَ النُّزُولُ قَبْلَ الِابْتِلاءِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ الهائِلَةِ الَّتِي تَزِلُّ فِيها أقْدامُ الرّاسِخِينَ، كالِابْتِلاءِ بِقَتْلِ الأنْفُسِ وإتْلافِ الأمْوالِ، وإنَّما هو مِن قَبِيلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَثَبَّتْ في مِثْلِ هَذا، كَيْفَ يَتَثَبَّتُ عِنْدَ شَدائِدِ المِحَنِ، فَـ " ﴿مِنَ﴾ " في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ " بَيانِيَّةٌ قَطْعًا؛ أيْ: بِشَيْءٍ حَقِيرٍ هو الصَّيْدُ، وجَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً يَقْتَضِي اعْتِبارَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ الصَّيْدِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظائِمِ البَلايا، فَيَعْرى الكَلامُ عَنِ التَّنْبِيهِ المَذْكُورِ.

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ، وهو غائِبٌ مُتَرَقِّبٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، كَذَلِكَ لِضَعْفِ إيمانِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى اللّازِمِ لَهُ؛ إيذانًا بِمَدارِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، فَإنَّهُ أدْخَلُ في حَمْلِهِمْ عَلى الخَوْفِ.

وَقِيلَ: المَعْنى: لِيَتَعَلَّقَ علمه تعالى بِمَن يَخافُهُ بِالفِعْلِ، فَإنَّ علمه تعالى بِأنَّهُ سَيَخافُهُ، وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ قَبْلَ خَوْفِهِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأنَّهُ خائِفٌ بِالفِعْلِ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَزاءِ، إنَّما يَكُونُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الخَوْفِ بِالفِعْلِ.

وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ. وقُرِئَ: ( لِيُعْلِمَ ) مِنَ الإعْلامِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبادَهُ ... إلَخْ، والعِلْمُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما وقَعَ ابْتِلاءٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ الحِكْمَةِ، لا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، أوِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُهم؛ إذِ النَّهْيُ والتَّحْرِيمُ لَيْسَ أمْرًا حادِثًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ، ولا بَعْدَ الِابْتِلاءِ كَما اخْتارَهُ آخَرُونَ؛ لِأنَّ نَفْسَ الِابْتِلاءِ لا يَصْلُحُ مَدارًا لِتَشْدِيدِ العَذابِ، بَلْ رُبَّما يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِتَخْفِيفِهِ، وإنَّما المُوجِبُ لِلتَّشْدِيدِ بَيانُ كَوْنِهِ ابْتِلاءً؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ صَرِيحَةٌ، وعَدَمُ مُبالاةٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وخُرُوجٌ عَنْ طاعَتِهِ، وانْخِلاعٌ عَنْ خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ أيْ: فَمَن تَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بَعْدَ ما بَيَّنّا أنَّ ما وقَعَ مِن كَثْرَةِ الصَّيْدِ، وعَدَمِ تَوَحُّشِهِ مِنهُمُ ابْتِلاءٌ مُؤَدٍّ إلى تَمْيِيزِ المُطِيعِ مِنَ العاصِي. (p-79)

﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما ذَكَرَ مِن أنَّهُ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ، ولِأنَّ مَن لا يَمْلِكُ زِمامَ نَفْسِهِ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في أمْثالِ هَذِهِ البَلايا الهَيِّنَةِ، لا يَكادُ يُراعِيهِ في عَظائِمِ المَداحِضِ، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ: عَذابُ الدّارَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ جَلْدًا ويُنْزَعُ ثِيابُهُ.

5:95Page 123

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يُتَدارَكُ بِهِ الِاعْتِداءُ مِنَ الأحْكامِ إثْرَ بَيانِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ العَذابِ.

والتَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا لا سِيَّما مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ "؛ لِتَأْكِيدِ الحُرْمَةِ وتَرْتِيبِ ما يَعْقُبُهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في " ﴿الصَّيْدَ﴾ " لِلْعَهْدِ حَسْبَما سَلَفَ، وحُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ وإنْ كانَ في الحِلِّ، وفي حُكْمِهِ مَن في الحَرَمِ وإنْ كانَ حَلالًا، كَرُدُحٍ جَمْعُ رَداحٍ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ " لا تَقْتُلُوا "؛ أيْ: لا تَقْتُلُوهُ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ.

﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾؛ أيِ: الصَّيْدَ المَعْهُودَ، وذِكْرُ القَتْلِ في المَوْضِعَيْنِ دُونَ الذَّبْحِ، لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في حُكْمِ المَيْتَةِ.

﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " قَتَلَهُ "؛ أيْ: كائِنًا مِنكم.

﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، عالِمًا بِحُرْمَةِ قَتْلِ ما يَقْتُلُهُ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّعَمُّدِ، مَعَ أنَّ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ يَسْتَوِي فِيها العَمْدُ والخَطَأُ، لِما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَعَمِّدِ، كَما مَرَّ مِن قِصَّةِ أبِي اليَسَرِ، ولِأنَّ الأصْلَ فِعْلُ المُتَعَمِّدِ، والخَطَأُ لاحِقٌ بِهِ لِلتَّغْلِيظِ.

وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ الكِتابُ بِالعَمْدِ ووَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالخَطَأِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا أرى في الخَطَأِ شَيْئًا أخْذًا بِاشْتِراطِ التَّعَمُّدِ في الآيَةِ، وهو قَوْلُ داوُدَ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ: أنَّ المُرادَ بِالتَّعَمُّدِ: هو تَعَمُّدُ القَتْلِ مَعَ نِسْيانِ الإحْرامِ، أمّا إذا قَتَلَهُ عَمْدًا وهو ذاكِرٌ لِإحْرامِهِ؛ فَلا حُكْمَ عَلَيْهِ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ كَفّارَةٌ.

﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ بِرَفْعِهِما؛ أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الثّانِي عَلى إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ، وقُرِئَ: ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ.

والمُرادُ بِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِثْلُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ يُقَوَّمُ يَوْمَ الصَّيْدِ حَيْثُ صِيدَ، أوْ في أقْرَبِ الأماكِنِ إلَيْهِ، فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ هَدْيٍ، يُخَيَّرُ الجانِي بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها ما قِيمَتُهُ قِيمَةُ الصَّيْدِ فَيُهْدِيَهُ إلى الحَرَمِ، وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، فَإنْ فَضَلَ ما لا يَبْلُغُ طَعامَ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ بِهِ، أوْ صامَ عَنْهُ يَوْمًا كامِلًا؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في الشَّرْعِ صَوْمُ ما دُونَهُ.

فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ التَّخْيِيرِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَزى بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.

وَعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ومَن يَرى رَأْيَهُما: هو المِثْلُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ مِثْلَ المَقْتُولِ مُقَيَّدًا بِالنَّعَمِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ (p-80)المِثْلَ بِالقِيمَةِ فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ.

وَعَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّهم أوْجَبُوا في النَّعامَةِ بَدَنَةً، وفي الظَّبْيِ شاةً، وفي حِمارِ الوَحْشِ بَقَرَةً، وفي الأرْنَبِ عَناقًا. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «الضَّبُعُ صَيْدٌ وفِيهِ شاةٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ» " . ولَنا أنَّ النَّصَّ أوْجَبَ المِثْلَ، والمِثْلُ المُطْلَقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجْماعِ الأُمَّةِ والمَعْقُولِ، يُرادُ بِهِ: إمّا المِثْلُ صُورَةً ومَعْنًى، وإمّا المِثْلُ صُورَةً بِلا مَعْنًى؛ فَلا اعْتِبارَ لَهُ في الشَّرْعِ أصْلًا، وإذا لَمْ يُمْكِنْ إرادَةُ الأوَّلِ إجْماعًا تَعَيَّنَتْ إرادَةُ الثّانِي، لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا في الشَّرْعِ كَما في حُقُوقِ العِبادِ، ألّا يُرى أنَّ المُماثَلَةَ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ والظُّهُورِ لَمْ يَعْتَبِرْها الشَّرْعُ، ولَمْ يَجْعَلِ الحَيَوانَ عِنْدَ الإتْلافِ مَضْمُونًا بِفَرْدٍ آخَرَ مِن نَوْعِهِ مُماثِلٍ لَهُ في عامَّةِ الأوْصافِ، بَلْ مَضْمُونًا بِقِيمَتِهِ، مَعَ أنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في أمْثالِهِ إنَّما هو المِثْلُ، قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، فَحَيْثُ لَمْ تُعْتَبَرْ تِلْكَ المُماثَلَةُ القَوِيَّةُ مَعَ تَيَسُّرِ مَعْرِفَتِها وسُهُولَةِ مُراعاتِها، فَلِئَلّا تُعْتَبَرَ ما بَيْنَ أفْرادِ أنْواعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ المُماثَلَةِ الضَّعِيفَةِ الخَفِيَّةِ، مَعَ صُعُوبَةِ مَأْخَذِها وتَعَسُّرِ المُحافَظَةِ عَلَيْها أوْلى وأحْرى، ولِأنَّ القِيمَةَ قَدْ أُرِيدَتْ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرادًا؛ إذْ لا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ في مَواقِعِ الإثْباتِ.

والمُرادُ بِالمَرْوِيِّ: إيجابُ النَّظِيرِ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ لا بِاعْتِبارِ العَيْنِ، ثُمَّ المُوجِبُ الأصْلِيُّ لِلْجِنايَةِ والجَزاءِ المُماثِلِ لِلْمَقْتُولِ، إنَّما هو قِيمَتُهُ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنْ يَعْمِدَ الجانِي إلَيْها فَيَصْرِفَها إلى المَصارِفِ ابْتِداءً، بَلْ بِاعْتِبارِ أنْ يَجْعَلَها مِعْيارًا فَيُقَدِّرَ بِها إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ، فَيُقِيمَها مُقامَها، فَقَوْلُهُ تَعالى: " مِثْلُ ما قَتَلَ " وصْفٌ لازِمٌ لِلْجَزاءِ غَيْرُ مُفارِقٍ عَنْهُ بِحالٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ " فَوَصْفٌ لَهُ مُعْتَبَرٌ في ثانِي الحالِ، بِناءً عَلى وصْفِهِ الأوَّلِ الَّذِي هو المِعْيارُ لَهُ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الطَّعامِ والصِّيامِ، فَحَقُّهُما أنْ يُعْطَفا عَلى الوَصْفِ المُفارِقِ لا عَلى الوَصْفِ اللّازِمِ، فَضْلًا عَنِ العَطْفِ عَلى المَوْصُوفِ، كَما سَيَأْتِي بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

وَمِمّا يُرْشِدُكَ إلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ: هو القِيمَةُ، قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِمِثْلِ ما قَتَلَ.

﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: حَكَمانِ عادِلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَكِنْ لا؛ لِأنَّ التَّقْوِيمَ هو الَّذِي يَحْتاجُ إلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ مِنَ العُدُولِ، دُونَ الأشْياءِ المُشاهَدَةِ الَّتِي يَسْتَوِي في مَعْرِفَتِها كُلُّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا أرادُوا بِما بِهِ المُماثَلَةُ، بَلْ لِأنَّ ما جَعَلُوهُ مَدارَ المُماثَلَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ وبَيْنَ النَّعَمِ مِن ضَرْبِ مُشاكَلَةٍ، ومُضاهاةٍ في بَعْضِ الأوْصافِ والهَيْئاتِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّبايُنِ بَيْنَهُما في بَقِيَّةِ الأحْوالِ، مِمّا لا يَهْتَدِي إلَيْهِ مِن أساطِينِ أئِمَّةِ الِاجْتِهادِ، وصَنادِيدِ أهْلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، إلّا المُؤَيَّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، ألا يُرى أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أوْجَبَ في قَتْلِ الحَمامَةِ شاةً؛ بِناءً عَلى ما أثْبَتَ بَيْنَهُما مِنَ المُماثَلَةِ، مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما يَعُبُّ ويُهَدِّرُ، مَعَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُما مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ كَما بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَكَيْفَ يُفَوَّضُ مَعْرِفَةُ أمْثالِ هَذِهِ الدَّقائِقِ العَوِيصَةِ إلى رَأْيِ عَدْلَيْنِ مِن آحادِ النّاسِ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا المَعْنى إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأنْواعِ لا بِالأشْخاصِ، فَبَعْدَ ما عُيِّنَ بِمُقابَلَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الصَّيْدِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ النَّعَمِ يَتِمُّ الحُكْمُ، ولا يَبْقى عِنْدَ وُقُوعِ خُصُوصِيّاتِ الحَوادِثِ حاجَةٌ إلى حُكْمٍ أصْلًا.

وَقُرِئَ: ( يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ ) عَلى إرادَةِ جِنْسِ العادِلِ دُونَ الوَحْدَةِ. وقِيلَ: بَلْ عَلى إرادَةِ الإمامِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِجَزاءٌ، أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " بِهِ "، أوْ " مِن جَزاءٌ " لِما ذُكِرَ مِن تَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بَدَلٌ مِن " ﴿مِثْلُ﴾ " فِيمَن نَصَبَهُ، أوْ " مِن مَحَلِّهِ " فِيمَن جَرَّهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: يَهْدِيهِ هَدْيًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِجَزاءٌ.

﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ.

﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ " مِنَ النَّعَمِ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ (p-81)مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَزاءٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٌ عِنْدَ مَن لا يُخَصِّصُهُ بِالمَعارِفِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي طَعامُ مَساكِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ عَطْفٌ عَلى " طَعامُ " ... إلَخْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِلْمَقْتُولِ هو مِنَ النَّعَمِ، أوْ طَعامُ مَساكِينَ، أوْ صِيامُ أيّامٍ بِعَدَدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ المُماثَلَةُ وصْفًا لازِمًا لِلْجَزاءِ يُقَدَّرُ بِهِ الهَدْيُ، والطَّعامُ، والصِّيامُ، أمّا الأوَّلانِ فَبِلا واسِطَةٍ، وأمّا الثّالِثُ فَبِواسِطَةِ الثّانِي، فَيَخْتارُ الجانِي كُلاًّ مِنها بَدَلًا مِنَ الآخَرَيْنِ.

هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " أوْ كَفّارَةٌ " عَطْفٌ عَلى جَزاءٌ، فَلا يَبْقى حِينَئِذٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يُقَدَّرُ بِهِ الطَّعامُ والصِّيامُ، والِالتِجاءُ إلى القِياسِ عَلى الهَدْيِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، هَذا عَلى قِراءَةِ ( جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ وعَلى سائِرِ القِراءاتِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى: " أوْ كَفّارَةٌ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ هو مِنَ النَّعَمِ. وقُرِئَ: ( أوْ كَفّارَةُ طَعامُ مَساكِينَ ) بِالإضافَةِ لِتَبْيِينِ نَوْعِ الكَفّارَةِ.

وَقُرِئَ: ( طَعامُ مِسْكِينٍ ) عَلى أنَّ التَّبْيِينَ يَحْصُلُ بِالواحِدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ. وقُرِئَ: ( أوْ عِدْلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ: ما عادَلَهُ، مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كالصَّوْمِ والإطْعامِ، وعِدْلَهُ: ما عُدِلَ بِهِ في المِقْدارِ، كَأنَّ المَفْتُوحَ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ، والمَكْسُورَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطَّعامِ، وصِيامًا تَمْيِيزٌ لِلْعَدْلِ، والخِيارُ في ذَلِكَ لِلْجانِي عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَحِمَهُما اللَّهُ، ولِلْحَكَمَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ لِيَذُوقَ ... إلَخْ. وقِيلَ: بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: شَرَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ؛ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، والوَبالُ في الأصْلِ: المَكْرُوهُ، والضَّرَرُ الَّذِي يُنالُ في العاقِبَةِ مِن عَمَلِ سُوءٍ لِثِقَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾، ومِنهُ: الطَّعامُ الوَبِيلُ: وهو الَّذِي لا تَسْتَمْرِئُهُ المَعِدَةُ.

﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مَن قَتَلَ الصَّيْدَ مُحْرِمًا قَبْلَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: عَمّا سَلَفَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَهم، وكانَ الصَّيْدُ فِيها مُحَرَّمًا.

﴿وَمَن عادَ﴾ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ وهو مُحْرِمٌ.

﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾؛ أيْ: فَذَلِكَ لا يَخافُ ... إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ أيْ: فَأنا أُمَتِّعُهُ. والمُرادُ بِالِانْتِقامِ: التَّعْذِيبُ في الآخِرَةِ، وأمّا الكَفّارَةُ؛ فَعَنْ عَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ: أنَّها واجِبَةٌ عَلى العائِدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وشُرَيْحٍ: أنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ تَعَلُّقًا بِالظّاهِرِ.

﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ.

﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ شَدِيدٌ، فَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ.

5:96Page 124

أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُحْرِمِينَ.

﴿صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: ما يُصادُ في المِياهِ كُلِّها، بَحْرًا كانَ، أوْ نَهْرًا، أوْ غَدِيرًا، وهو ما لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ.

﴿وَطَعامُهُ﴾؛ أيْ: وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكُمُ التَّعَرُّضُ لِجَمِيعِ ما يُصادُ في المِياهِ والِانْتِفاعُ بِهِ، وأكْلُ ما يُؤْكَلُ مِنهُ، وهو السَّمَكُ عِنْدَنا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى جَمِيعُ ما يُصادُ فِيهِ، عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ وأنْ تَطْعَمُوهُ، وقُرِئَ: (p-82)( وطَعْمَهُ ) . وقِيلَ: صَيْدُ البَحْرِ: ما صِيدَ فِيهِ، وطَعامُهُ: ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ.

﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ، كَما أنَّ " نافِلَةً " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ حالٌ مُخْتَصَّةٌ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا.

﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا. وقِيلَ: مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى أُحِلَّ لَكم، فَإنَّهُ في قُوَّةِ مَتَّعَكم بِهِ تَمْتِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( صَيْدُ البَرِّ ) وهو ما يُفْرِخُ فِيهِ، وإنْ كانَ يَعِيشُ في الماءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كَطَيْرِ الماءِ.

﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ أيْ: مُحْرِمِينَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مَن دامَ يَدامُ، وظاهِرُهُ يُوجِبُ حُرْمَةَ ما صادَهُ الحَلالُ عَلى المُحْرِمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أكْلُ ما صادَهُ الحَلالُ، وإنْ صادَهُ لِأجْلِهِ إذا لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وكَذا ما ذَبَحَهُ قَبْلَ إحْرامِهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُحْرِمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحُرِّمَ عَلَيْكم ما صِدْتُمْ في البَرِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ مَصِيدُ غَيْرِهِمْ، وعِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ: لا يُباحُ ما صِيدَ لَهُ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ، أوْ في جَمِيعِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.

﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ الخَلاصُ مِن أخْذِهِ تَعالى بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском