Abu as-Su'udQaf · 50:29–45

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:29–45

50:29Page 519

مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩

The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."

﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ ...إلَخْ ويَكُونُ الوَعِيدُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ أيْ: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم هَذا القَوْلَ مُلْتَبِسًا بِالوَعِيدِ مُقْتَرِنًا بِهِ أوْ قَدَّمْتُهُ إلَيْكم مُوعِدًا لَكم بِهِ فَلا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ وعِيدِي والعَفْوُ عَنْ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لِأسْبابٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ (p-132)الكُلِّيِّ وتَبَيَّنَ أنَّ عَدَمَ تَبْدِيلِ القَوْلِ وتَحْقِيقَ مُوجِبِ الوَعِيدِ لَيْسَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ مِنهم بَلِ إنَّما ذَلِكَ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ المُوجِبَةِ لَهُ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا أيْ: وما أنا بِمُعَذِّبٍ لِلْعَبِيدِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا مُفْرِطًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ عَلى أنَّها مُبالَغَةٌ كَمًّا لا كَيْفًا.

50:30Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ﴾ سُؤالٌ وجَوابٌ جِيءَ بِهِما عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها والمَعْنى: أنَّها مَعَ اتِّساعِها وتَباعُدِ أقْطارِها تُطْرَحُ فِيها مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ حَتّى تَمْتَلِئَ أوْ أنَّها مِنَ السَّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها بَعْدُ مَحَلٌّ فارِغٌ أوْ أنَّها لِغَيْظِها عَلى العُصاةِ تَطَلُبُ زِيادَتَهُمْ، وقُرِئَ "يَقُولُ" بِالياءِ والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ كالمَحِيدِ والمَجِيدِ أوْ مَفْعُولٌ كالمَبِيعِ و"يَوْمَ" إمّا مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ" أوْ "أنْذِرْ" أوْ ظَرْفٌ لِنُفِخَ فَتَكُونُ "ذَلِكَ" حِينَئِذٍ إشارَةً إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْرِيرٍ مُضافٍ أوْ لِمُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ المُقالُ.

50:31Page 519

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ النَّفْخِ ومَجِيءِ النُّفُوسِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، وقَدْ مَرَّ سِرُّ تَقْدِيمِ حالِ الكَفَرَةِ عَلَيْهِ وهو عَطْفٌ عَلى "نُفِخَ" أيْ: قُرِّبَتْ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها مِنَ المَوْقِفِ ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ فَيَبْتَهِجُونَ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلَيْها فائِزُونَ بَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإزْلافِ أيْ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها أوْ حالُ كَوْنِها غَيْرَ بَعِيدٍ أيْ: شَيْئًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ الَّذِي يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ أوْ لِتَأْوِيلِ الجَنَّةِ بِالبُسْتانِ.

50:32Page 519

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ والتَّذْكِيرُ لِما أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو المُسَمّى مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ثَوابٍ. وقِيلَ: إلى مَصْدَرِ "أُزْلِفَتْ". وقُرِئَ "يُوعَدُونَ" والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وإمّا مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ أوْ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ أُزْلِفَتْ أيْ: مَقُولًا لَهم أوْ مَقُولًا في حَقِّها هَذا ما تُوعَدُونَ.

﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بَدَلٌ مِنَ المُتَّقِينَ بِإعادَةِ الجارِّ.

﴿حَفِيظٍ﴾ حافِظٍ لِتَوْبَتِهِ مِنَ النَّقْصِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَحْفَظُ ذُنُوبَهُ حَتّى يَرْجِعَ عَنْها ويَسْتَغْفِرَ مِنها. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حُقُوقِها.

50:33Page 519

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

(p-133)﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ أوْ بَدَلٌ مِن مَوْصُوفٍ "أوّابٍ" ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِهِ لِأنَّ مَن لا يُوصَفُ بِهِ ولا يُوصَفُ إلّا بِالَّذِي أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ

50:34Page 519

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

﴿ادْخُلُوها﴾ بِتَأْوِيلِ "يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن، قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "خَشِيَ" أوْ مَفْعُولِهِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ أيْ: خَشْيَةً مُلْتَبِسَةً بِالغَيْبِ حَيْثُ خَشِيَ عِقابَهُ وهو غائِبٌ عَنِ الأعْيُنِ لا يَراهُ أحَدٌ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشارَةِ بِأنَّهم مَعَ خَشْيَتِهِمْ عِقابَهُ راجُونَ رَحْمَتَهُ أوْ بِأنَّ عِلْمَهم بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى يَصُدُّهم عَنْ خَشْيَتِهِ تَعالى وأنَّهم عامِلُونَ بِمُوجِبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ ووَصْفُ القَلْبِ بِالإنابَةِ لِما أنَّ العِبْرَةَ بِرُجُوعِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿بِسَلامٍ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ "ادْخُلُوها" أيْ: مُلْتَبَسِينَ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ وزَوالِ النِّعَمِ أوْ بِسَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الزَّمانِ المُمْتَدِّ الَّذِي وقَعَ في بَعْضٍ مِنهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ.

﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ إذْ لا انْتِهاءَ لَهُ أبَدًا.

50:35Page 519

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ مِن فُنُونِ المَطالِبِ كائِنًا ما كانَ.

﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَشاؤُونَ"، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ مِن صِلَتِهِ.

﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ هو ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ ولا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَشِيئَتِهِمْ مِن مَعالِي الكَراماتِ الَّتِي لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وقِيلَ: إنَّ السَّحابَ تَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَتُمْطِرُهُمُ الحُورَ فَتَقُولُ: نَحْنُ المَزِيدُ الَّذِي قالَ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ .

50:36Page 520

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ.

﴿مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً كَعادٍ وأضْرابِها.

﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ: خَرَقُوا فِيها ودَوَّخُوا وتَصَرَّفُوا في أقْطارِها أوْ جالُوا في أكْنافِ الأرْضِ كُلَّ مَجالٍ حِذارَ المَوْتِ، وأصْلُ التَّنْقِيبِ والنَّقْبِ: التَّنْقِيرُ عَنِ الأمْرِ والبَحْثُ والطَّلَبُ، والفاءُ لِلْدَلالَةِ عَلى أنَّ شِدَّةَ بَطْشِهِمْ أقدرتهمْ عَلى التَّنْقِيبِ. قِيلَ: هي عاطِفَةٌ في المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّ بَطْشُهم فَنَقَّبُوا ...إلَخْ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: هَلْ لَهم مِن مُخَلِّصٍ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ إمّا عَلى إضْمارِ قَوْلٍ هو حالٌ مِن واوِ "نَقَّبُوا" أيْ: فَنَقَّبُوا في البِلادِ قائِلِينَ هَلْ مِن مَحِيصٍ؟ أوْ عَلى إجْراءِ التَّنْقِيبِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّتَبُّعِ والتَّفْتِيشِ مُجْرى القَوْلِ أوْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَحِيصٌ. وقِيلَ: ضَمِيرُ "نَقَّبُوا" لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ: سارُوا في مَسايِرِهِمْ وأسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يُؤَمِّلُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وقُرِئَ "فَنَقِّبُوا" بِكَسْرِ القافِ مِنَ النَّقَبِ وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ أيِ: أكْثَرُوا السَّيْرَ حَتّى نَقِبَتْ أقْدامُهم أوْ أخْفافُ إبِلِهِمْ.

50:37Page 520

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧

Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].

(p-134)﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمْ، وقِيلَ: فِيما ذُكِرَ في السُّورَةِ.

﴿لَذِكْرى﴾ لَتَذْكِرَةً وعِظَةً.

﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ: قَلْبٌ سَلِيمٌ يُدْرِكُ بِهِ كُنْهَ ما يُشاهِدُهُ مِنَ الأُمُورِ ويَتَفَكَّرُ فِيها كَما يَنْبَغِي، فَإنَّ مَن كانَ لَهُ ذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ مَدارَ دَمارِهِمْ هو الكُفْرُ فَيَرْتَدِعُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ مُشاهِدَةِ الآثارِ مِن غَيْرِ تَذْكِيرٍ.

﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيِ: إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما جَرى عَلَيْهِمْ فَإنَّ مَن فَعَلَهُ يَقِفُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ فَيَنْزَجِرُ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَلِمَةُ "أوْ" لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَإنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ لا يُجْدِي بِدُونِ سَلامَةِ القَلْبِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ بِفِطْنَتِهِ لِأنَّ مَن لا يَحْضُرُ ذِهْنُهُ فَكَأنَّهُ غائِبٌ، وتَجْرِيدُ القَلْبِ عَمّا ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن عُرِّيَ قَلْبُهُ عَنْها كَمَن لا قَلْبَ لَهُ أصْلًا.

50:38Page 520

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨

And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ.

﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا﴾ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا يَفِي بِهِ القُوى والقَدْرُ.

﴿مِن لُغُوبٍ﴾ مِن إعْياءٍ ما ولا تَعَبٍ في الجُمْلَةِ وهَذا رَدٌّ عَلى جَهَلَةِ اليَهُودِ في زَعْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ خَلْقَ العالَمِ يَوْمَ الأحَدِ وفَرَغَ مِنهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ واسْتَلْقى عَلى العَرْشِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

50:39Page 520

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩

So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ في شَأْنِ البَعْثِ مِنَ الأباطِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ فَإنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ بِلا فُتُورٍ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم أوْ ما يَقُولُهُ اليَهُودُ مِن مَقالاتِ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ.

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ وعَنْ وُقُوعِ الخُلْفِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِوُقُوعِ البَعْثِ وعَنْ وصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ حامِدًا لَهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها.

﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ هُما وقْتُ الفَجْرِ والعَصْرِ وفَضِيلَتُهُما مَشْهُورَةٌ.

50:40Page 520

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

And [in part] of the night exalt Him and after prostration [i.e., prayer].

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ وسَبِّحْهُ بَعْضَ اللَّيْلِ.

﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأعْقابَ الصَّلَواتِ، جَمْعُ دُبُرٍ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ مِن "أدْبَرَتِ الصَّلاةُ" إذا انْقَضَتْ وتَمَّتْ، ومَعْناهُ: وقْتُ انْقِضاءِ السُّجُودِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَواتُ فالمَرادُ بِما قَبْلَ الطُّلُوعِ صَلاةُ الفَجْرِ، وبِما قَبْلَ الغُرُوبِ الظَّهْرُ والعَصْرُ وبِما مِنَ اللَّيْلِ العِشاءانِ والتَّهَجُّدُ وما يُصَلّى بِأدْبارِ السُّجُودِ النَّوافِلُ بَعْدَ المَكْتُوباتِ.

50:41Page 520

وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٤١

And listen on the Day when the Caller1 will call out from a place that is near -

﴿واسْتَمِعْ﴾ أيْ: لِما يُوحى إلَيْكَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ وتَفْظِيعٌ لِلْمُخَبَّرِ بِهِ.

﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ أيِ: اِسْرافِيلُ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ والشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ القَضاءِ. وقِيلَ: إسْرافِيلُ يَنْفُخُ وجِبْرِيلُ يُنادى بِالحَشْرِ.

﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ بِحَيْثُ يَصِلُ (p-135)نِداؤُهُ إلى الكُلِّ عَلى سَواءٍ. وقِيلَ: مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ. وقِيلَ: مِن مَنابِتِ شُعُورِهِمْ يُسْمَعُ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ ولَعَلَّ ذَلِكَ في الإعادَةِ مِثْلُ كُنْ في البَدْءِ.

50:42Page 520

يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ ٤٢

The Day they will hear the blast [of the Horn] in truth. That is the Day of Emergence [from the graves].

﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ ...إلَخْ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.

﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّيْحَةِ والعامِلُ في الظَّرْفِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ الَّذِي هو البَعْثُ يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ.

50:43Page 520

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ ٤٣

Indeed, it is We who give life and cause death, and to Us is the destination

﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَنا في ذَلِكَ أحَدٌ.

﴿وَإلَيْنا المَصِيرُ﴾ لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا.

50:44Page 520

يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ ٤٤

On the Day the earth breaks away from them [and they emerge] rapidly; that is a gathering easy for Us.

﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن "تَتَشَقَّقُ"، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ و"تُشَقَّقُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ و"تَنْشَقُّ".

﴿سِراعًا﴾ مُسْرِعِينَ.

﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ بَعْثٌ وجَمْعٌ وسَوْقٌ.

﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أيْ: هَيِّنٌ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَخْصِيصِ اليُسْرِ بِهِ تَعالى.

50:45Page 520

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ٤٥

We are most knowing of what they say, and you are not over them a tyrant.1 But remind by the Qur’ān whoever fears My threat.

﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن نَفْيِ البَعْثِ وتَكْذِيبِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.

﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ بِمُتَسَلِّطٍ تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ أوْ تَفْعَلُ بِهِمْ ما تُرِيدُ وإنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ.

﴿فَذَكِّرْ بِالقرآن مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ وأمّا مَن عَداهم فَنَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ ما تُوحِيهِ أقْوالُهم وتَسْتَدْعِيهِ أعْمالُهم مِن ألْوانِ العِقابِ وفُنُونِ العَذابِ. عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثاراتِ المَوْتِ وسَكَراتِهِ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском