Abu as-Su'udQaf · 50:1–28

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

ق

Qaf

The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs

50:1Page 518

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١

Qāf.1 By the honored Qur’ān...2

سُورَةُ ق مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وأرْبَعُونَ

﴿ق والقرآن المَجِيدِ﴾ أيْ: ذِي المَجْدِ والشَّرَفِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ أوْ لِأنَّهُ كَلامُ المُجِيدِ أوْ لِأنَّ مَن عَلِمَ مَعانِيَهُ وعَمِلَ بِما فِيهِ مُجِّدَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ النّاسِ والكَلامُ فِيهِ كالذَّيِّ فُصِّلَ في مَطْلَعِ سُورَةِ ص.

50:2Page 518

بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢

But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِأنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِ المَلَكِ أوْ مِن جِلْدَتِهِمْ إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: والقرآن المَجِيدِ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النّاسَ حَسَبَما ورَدَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ جَعَلُوا كُلًّا مِنَ المُنْذِرِ والمُنْذَرِ بِهِ عُرْضَةً لِلنَّكِيرِ والتَّعْجِيبِ مَعَ كَوْنِهِما أوْفَقَ شَيْءٍ لِقَضِيَّةِ العُقُولِ وأقْرَبَهُ إلى التَّلَقِّي بِالقَبُولِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ والقرآن المَجِيدِ إنَّكَ لَمُنْذِرٌ ثُمَّ قِيلَ بَعْدَهُ إنَّهم شَكُّوا فِيهِ ثُمَّ أُضْرِبَ عَنْهُ. وقِيلَ: بَلْ عَجِبُوا أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِالشَّكِّ والرَّدِّ بَلْ جَزَمُوا بِالخِلافِ حَتّى جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ. وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَمّا يُفْهَمُ مِن وصْفِ القرآن بِالمَجِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ سَبَبُ امْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمان بالقرآن أنَّهُ لا مَجْدَ لَهُ ولَكِنْ لِجَهْلِهِمْ.

﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِتَعْجِيبِهِمْ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِغايَةِ الإنْكارِ مَعَ زِيادَةِ تَفْصِيلٍ لِمَحَلِّ التَّعَجُّبِ و"هَذا" إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا بِالقرآن وإضْمارُهم أوَّلًا لِلْإشْعارِ بِتَعَيُّنِهِمْ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمِ وإظْهارُهم ثانِيًا لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ بِمُوجِبِهِ أوْ عَطْفٌ لِتَعَجُّبِهِمْ مِنَ البَعْثَةِ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الإنْكارِيَّةِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إمّا لِسَبْقِ اتِّصافِهِمْ بِما يُوجِبُ كُفْرَهم وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعَجُّبَهم مِنَ البَعْثِ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِقْصارِهِمْ لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِقدرته تعالى عَلى ما هو أشَقُّ مِنهُ في قِياسِ العَقْلِ مِن مَصْنُوعاتِهِ البَدِيعَةِ أشْنَعُ مِنَ الأوَّلِ وأعْرَقُ في كَوْنِهِ كُفْرًا.

50:3Page 518

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣

When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."

﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْجِيبِ وتَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ (p-126)والعامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لِغايَةِ شُهْرَتِهِ مَعَ دَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أيِ: أحِينَ نَمُوتُ ونَصِيرُ تُرابًا نَرْجِعُ كَما يَنْطِقُ بِهِ النَّذِيرُ والمُنْذِرُ بِهِ مَعَ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَنا وبَيْنَ الحَياةِ حِينَئِذٍ، وقُرِئَ "إذا مُتْنا" عَلى لَفْظِ الخَبَرِ أوْ عَلى حَذْفِ أداةِ الإنْكارِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَحَلِّ النِّزاعِ.

﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ الأوْهامِ أوِ العادَةِ أوِ الإمْكانِ، وقِيلَ: الرَّجْعُ بِمَعْنى المَرْجُوعِ الَّذِي هو الجَوابُ فَناصِبُ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ ما يُنْبِئُ عَنْهُ المُنْذِرُ مِنَ البَعْثِ.

50:4Page 518

قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤

We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.

﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ رَدٌّ لِاسْتِبْعادِهِمْ وإزاحَةٌ لَهُ فَإنَّ مَن عَمَّ عِلْمُهُ ولَطُفَ حَتّى انْتَهى إلى حَيْثُ عَلِمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِن أجْسادِ المَوْتى وتَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ وعِظامِهِمْ كَيْفَ يُسْتَبْعَدُ رَجْعُهُ إيّاهُمُ أحْياءً كَما كانُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ«كُلُّ ابْنِ آدِمَ يَبْلى إلّا عَجَبَ الذَّنَبِ.» وقِيلَ: ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم ما يَمُوتُ فَيُدْفَنُ في الأرْضِ مِنهم.

﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ حافِظٌ لِتَفاصِيلِ الأشْياءِ كُلِّها أوْ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغَيُّرِ، والمُرادُ: إمّا تَمْثِيلُ علمه تعالى بِكُلِّيّاتِ الأشْياءِ وجُزْئِيّاتِها بِعِلْمٍ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ مُحِيطٌ يَتَلَقّى مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ تَأْكِيدٌ لِعلمه تعالى بِها بِثُبُوتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ.

50:5Page 518

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥

But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى بَيانِ ما هو أشْنَعُ مِنهُ وأفْظَعُ وهو تَكْذِيبُهم لِلنُّبُوَّةِ الثّابِتَةِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.

﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وقُرِئَ "لِما جاءَهُمْ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّوْقِيتِ أيْ: وقْتَ مَجِيئِهِ إيّاهُمْ، وقِيلَ: الحَقُّ القرآن أوِ الإخْبارُ بِالبَعْثِ.

﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُضْطَرِبٍ لا قَرارَ لَهُ، مِن مَرَجَ الخاتَمُ في أُصْبُعِهِ حَيْثُ يَقُولُونَ تارَةً: إنَّهُ شاعِرٌ وتارَةً ساحِرٌ وأُخْرى كاهِنٌ.

50:6Page 518

أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦

Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?

﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيِ: أغْفُلُوا أوِ أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا.

﴿إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها كُلَّ وقْتٍ.

﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أيْ: رَفَعْناها بِغَيْرِ عَمَدٍ.

﴿وَزَيَّنّاها﴾ بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ المُرَتَّبَةِ عَلى نِظامٍ بَدِيعٍ.

﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ مِن فُتُوقٍ لِمَلاسَتِها وسَلامَتِها مِن كُلِّ عَيْبٍ وخَلَلٍ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.

50:7Page 518

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧

And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,

﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها.

﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ، مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِهَذا الوَصْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّ إلْقاءَها بِإرْساءِ الأرْضِ بِها.

﴿وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ.

﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ.

50:8Page 518

تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨

Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].

﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ عِلَّتانِ لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعْنًى وإنِ انْتَصَبَتا بِالفِعْلِ الأخِيرِ أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا تَبْصِيرًا وتَذْكِيرًا.

﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى رَبِّهِ مُتَفَكِّرٍ في بَدائِعِ صَنائِعِهِ.

(p-127)وَقَوْلُهُ تَعالى:

50:9Page 518

وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩

And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest

﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: كَثِيرَ المَنافِعِ، شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ إنْباتِ ما ذُكِرَ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى "أنْبَتْنا" وما بَيْنَهُما عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ومُنَبِّهٌ عَلى ما بَعْدَهُ.

﴿فَأنْبَتْنا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ.

﴿جَنّاتٍ﴾ كَثِيرَةً أيِ: أشْجارًا ذَواتِ ثِمارٍ.

﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيْ: حَبَّ الزَّرْعِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُحْصَدَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ وأمْثالِهِما، وتَخْصِيصُ إنْباتِ حَبِّهِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ.

50:10Page 518

وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠

And lofty palm trees having fruit arranged in layers -

﴿والنَّخْلَ﴾ عَطْفٌ عَلى "جَنّاتٍ" وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الجَنّاتِ لِبَيانِ فَضْلِها عَلى سائِرِ الأشْجارِ وتَوْسِيطُ الحَبِّ بَيْنَهُما لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِها وامْتِيازِها عَنِ البَقِيَّةِ مَعَ ما فِيها مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ.

﴿باسِقاتٍ﴾ أيْ: طُوالًا أوْ حَوامِلَ مِن أبْسَقَتِ الشّاةُ إذا حَمَلَتْ فَيَكُونُ مِن بابِ أفْعَلَ فَهو فاعِلٌ، وقُرِئَ "باصِقاتٍ" لِأجْلِ القافِ.

﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أيْ: مَنضُودٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، والمُرادُ: تَراكُمُ الطَّلْعِ أوْ كَثْرَةٌ ما فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ "النَّخْلِ كَباسِقاتٍ" بِطَرِيقِ التَّرادُفِ أوْ مِن ضَمِيرِها في "باسِقاتٍ" عَلى التَّداخُلِ أوِ الحالُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ و"طَلْعٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

50:11Page 518

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: لِنَرْزُقَهم عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ وفي تَعْلِيلِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ تَعْلِيلِ "أنْبَتْنا" الأوَّلِ بِالتَّبْصِرَةِ والتَّذْكِيرُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ انْتِفاعُهُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ التَّذَكُّرُ والِاسْتِبْصارُ أهَمُّ وأقْدَمُ مِن تَمَتُّعِهِ بِهِ مِن حَيْثُ الرِّزْقُ، وقِيلَ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ مِن مَعْنى "أنْبَتْنا" لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ.

﴿وَأحْيَيْنا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ.

﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرْضًا جَدْبَةً لا نَماءَ فِيها أصْلًا بِأنْ جَعَلْناها بِحَيْثُ رَبَتَ وأنْبَتَتْ أنْواعَ النَّباتِ والأزْهارِ فَصارَتْ تَهْتَزُّ بِها بَعْدَما كانَتْ جامِدَةً هامِدَةً، وتَذْكِيرُ "مَيْتًا" لِأنَّ البَلْدَةَ بِمَعْنى البَلَدِ والمَكانِ.

﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ جُمْلَةٌ قُدِّمَ فِيها الخَبَرُ لِلْقَصْدِ إلى القَصْرِ و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الحَياةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الأحْياءِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ رُتْبَتِها أيْ: مِثْلُ تِلْكَ الحَياةِ البَدِيعَةِ حَياتُكم بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لا شَيْءَ مُخالِفٌ لَها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بِالإحْياءِ وعَنْ حَياةِ المَوْتى بِالخُرُوجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ البَعْثِ وتَحْقِيقٌ لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ إخْراجِ النَّباتِ وإحْياءِ المَوْتى لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ وتَقْرِيبِهِ إلى أفْهامِ النّاسِ.

50:12Page 518

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢

The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ حَقِّيَةِ البَعْثِ بِبَيانِ كافَّةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلْيَها وتَعْذِيبِ مُنْكِرِيها.

﴿وَأصْحابُ الرَّسِّ﴾ قِيلَ: هم مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: وقِيلَ كَما مَرَّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عَلى التَّفْصِيلِ.

﴿وَثَمُودُ﴾ .

50:13Page 518

وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣

And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot

﴿وَعادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أيْ: هو وقَوْمُهُ لِيُلائِمَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. (p-128)﴿وَإخْوانُ لُوطٍ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن أصْهارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

50:14Page 518

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.

﴿وَأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ هم مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ أهْلِ مَدِينَ.

﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ سَبَقَ شَرْحُ حالِهِمْ في سُورَةِ الدُّخانِ.

﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أيْ: فِيما أُرْسِلُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ قاطِبَةً أيْ: كُلُّ قَوْمٍ مِنَ الأقْوامِ المَذْكُورِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم أوْ كَذَّبَ جَمِيعُهم جَمِيعَ الرُّسُلِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ الكُلِّ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كَذَّبَ جَمْعَ الرُّسُلِ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإنْذارِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ فَتَكْذِيبُ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ رِسالَةِ تُبَّعٍ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها -وَهُوَ الأظْهَرُ- فَمَعْنى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ الرُّسُلَ تَكْذِيبُهم بِمَن قَبْلَهم مِنَ الرُّسُلِ المُجْمِعِينِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وإلى ذَلِكَ كانَ يَدْعُوهم تُبَّعٌ.

﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ: فَوَجَبَ وحَلَّ عَلَيْهِمْ وعِيدِي وهي كَلِمَةُ العَذابِ وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لَهم.

50:15Page 518

أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥

Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.

﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِصِحَّةِ البَعْثِ الَّذِي حُكِيَتْ أحْوالُ المُنْكِرِينَ لَهُ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، والعَيُّ بِالأمْرِ: العَجْزُ عَنْهُ، يُقالُ: عَيَّ بِالأمْرِ وعَيِيَ بِهِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ عَمَلِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ العَيُّ مِنَ القَصْدِ والمُباشَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أقَصَدْنا الخَلْقَ الأوَّلَ فَعَجَزْنا عَنْهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ عَجْزُنا عَنِ الإعادَةِ.

﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِقُدْرَتِنا عَلى خَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في خَلْطٍ وشُبْهَةٍ في خَلْقٍ مُسْتَأْنَفٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ العادَةِ وتَنْكِيرُ "خَلْقٍ" لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والإشْعارِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ العاداتِ والإيذانِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُبْحَثَ عَنْهُ ويُهْتَمَّ بِمَعْرِفَتِهِ.

50:16Page 519

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦

And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أيْ: ما تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ وهو يَخْطُرُ بِالبالِ، والوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ ومِنهُ وسْواسُ الحُلِيِّ، والضَّمِيرُ لِما إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً والباءُ كَما في صَوَّتَ بِكَذا أوْ لِلْإنْسانِ وإنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ أعْلَمُ بِحالِهِ مِمَّنْ كانَ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ عَبَّرَ عَنْ قُرْبِ العِلْمِ بِقُرْبِ الذّاتِ تَجَوُّزًا لِأنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ وحَبْلُ الوَرِيدِ مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ والحَبَلُ العِرْقُ وإضافَتُهُ بَيانِيَّةٌ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ مُكْتَنِفانِ بِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ ورِيدًا لِأنَّ الرُّوحَ تَرِدُهُ.

50:17Page 519

إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧

When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.

﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ مَنصُوبٌ بَما في أقْرَبُ مِن مَعْنى الفِعْلِ والمَعْنى: أنَّهُ لَطِيفٌ يَتَوَصَّلُ عِلْمُهُ إلى ما لا شَيْءَ أخْفى مِنهُ وهو أقْرَبُ مِنَ الإنْسانِ مِن كُلِّ قَرِيبٍ حِينَ يَتَلَقّى ويَتَلَقَّنُ الحَفِيظانِ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ اسْتِحْفاظِها لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما يَخْفى عَلَيْهِما وإنَّما ذَلِكَ لِما كَتَبَتِهِما وحِفْظِهِما لِأعْمالِ العَبْدِ وعَرْضِ صَحائِفِهِما يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ وعِلْمِ العَبْدِ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ (p-129)بِإحاطَتِهِ تَعالى بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ خَبَرًا مِن زِيادَةِ لُطْفٍ لَهُ في الكَفِّ عَنِ السَّيِّئاتِ والرَّغْبَةِ في الحَسَناتِ. وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "إنَّ مَقْعَدَ مَلَكَيْكَ عَلى ثَنِيَّتَيْكَ ولِسانُكَ قَلَمُهُما ورِيقُكَ مِدادُهُما وأنْتَ تَجْرِي فِيما لا يَعْنِيكَ لا تَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ولا مِنهُما"،» وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَلَقِّي المَلَكَيْنِ بَيانًا لِلْقُرْبِ عَلى مَعْنى إنّا أقْرَبُ إلَيْهِ مُطَّلِعُونَ عَلى أعْمالِهِ لِأنَّ حَفَظَتَنا وكَتَبَتَنا مُوَكَّلُونَ بِهِ.

﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أيْ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ أيْ: مُقاعِدٌ كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ لَفْظًا ومَعْنًى فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي

وَقِيلَ: يُطْلَقُ الفَعِيلُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدَّدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .

50:18Page 519

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ ما يَرْمِي بِهِ مِن فِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقُرِئَ "ما يُلْفَظُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُهُ فَإنْ كانَ خَيْرًا فَهو صاحِبُ اليَمِينِ بِعَيْنِهِ وإلّا فَهو صاحِبُ الشِّمالِ ووَجْهُ تَغْيِيرِ العُنْوانِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ والإفْرادُ مَعَ وُقُوفِهِما مَعًا عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما رَقِيبٌ لِما فُوِّضَ إلَيْهِ لا لِما فُوِّضَ إلى صاحِبِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِكِتابَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، ومَن لَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ تَوَهَّمَ أنَّ مَعْناهُ: رَقِيبانِ عَتِيدانِ، وتَخْصِيصُ القَوْلِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ الحُكْمِ في الفِعْلِ بِدَلالَةِ النَّصِّ واخْتُلِفَ فِيما يَكْتُبانِهِ فَقِيلَ: يَكْتُبانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ. وقِيلَ: إنَّما يَكْتُبانِ ما فِيهِ مِن أجْرٍ أوْ وِزْرٍ -وَهُوَ الأظْهَرُ- كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ الرَّجُلِ وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِهِ وكاتِبُ الحَسَناتِ أمِيرٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها مَلَكُ اليَمِينِ عَشْرًا وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ".»

50:19Page 519

وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩

And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.

﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ بَعْدَما ذُكِرَ اسْتِبْعادُهم لِلْبَعْثِ والجَزاءِ وأُزِيحَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ قدرته تعالى وعِلْمِهِ وبَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ مَحْفُوظَةٌ مَكْتُوبَةً عَلَيْهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما يُلاقُونَهُ لا مَحالَةَ مِنَ المَوْتِ والبَعْثِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ وُقُوعِ كُلٍّ مِنها بِصِيغَةِ الماضِي إيذانًا بِتَحْقِيقِها وغايَةِ اقْتِرابِها وسَكْرَةُ المَوْتِ شِدَّتُهُ الذّاهِبَةُ بِالعَقْلِ، والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: "جاءَ الرَّسُولُ بِالخَبَرِ" والمَعْنى: أحْضَرَهُ سَكْرَةَ المَوْتِ حَقِيقَةَ الأمْرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ ورُسُلُهُ أوْ حَقِيقَةَ الأمْرِ وجَلِيَّةَ الحالِ مِن سَعادَةِ المَيِّتِ وشَقاوَتِهِ. وقِيلَ: الحَقُّ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لا مَحالَةَ مِنَ المَوْتِ أوِ الجَزاءِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ لَهُ، وإمّا لِلْمُلابَسَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ أيْ: بِحَقِيقَةِ الأمْرِ أوْ بِالحِكْمَةِ والغايَةِ الجَمِيلَةِ، وقُرِئَ "سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ" والمَعْنى: أنَّها السَّكْرَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلى الإنْسانِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ وأنَّها لِشِدَّتِها تُوجِبُ زُهُوقَ الرُّوحِ أوْ تَسْتَعْقِبُهُ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ. وقِيلَ: سَكْرَةُ الحَقِّ: سَكْرَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلتَّهْوِيلِ، (p-130)وَقُرِئَ "سَكَراتُ المَوْتِ".

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَوْتُ.

﴿ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ: تَمِيلُ وتَنْفِرُ عَنْهُ، والخِطابُ لِلْإنْسانِ فَإنَّ النَّفْرَةَ عَنْهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ طَبْعًا.

50:20Page 519

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.

﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: وقْتُ ذَلِكَ النَّفْخِ عَلى حَذْفِ المُضافِ.

﴿يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيْ: يَوْمُ إنْجازِ الوَعِيدِ الواقِعِ في الدُّنْيا أيْ: يَوْمُ وُقُوعِ الوَعِيدِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ المَوْعُودِ. وقِيلَ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الزَّمانِ المَفْهُومِ مِن نُفِخَ فَإنَّ الفِعْلَ كَما يَدُلُّ عَلى الحَدَثِ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ، وتَخْصِيصُ الوَعِيدِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ يَوْمُ الوَعْدِ أيْضًا لِتَهْوِيلِهِ ولِذَلِكَ بُدِئَ بِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ.

50:21Page 519

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١

And every soul will come, with it a driver and a witness.1

﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ.

﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ السَّوْقِ والشَّهادَةِ حَسَبَ اخْتِلافِ النُّفُوسِ عَمَلًا أيْ: مَعَها مَلَكانِ، أحَدُهُما يَسُوقُها إلى المَحْشَرِ والآخِرُ يَشْهَدُ بِعَمَلِها أوْ مَلَكٌ جامِعٌ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَعَها مَلَكٌ يَسُوقُها ويَشْهَدُ عَلَيْها. وقِيلَ: السّائِقُ كاتِبُ السَّيِّئاتِ والشَّهِيدُ كاتِبُ الحَسَناتِ. وقِيلَ: السّائِقُ نَفْسُهُ أوْ قَرِينُهُ والشَّهِيدُ جَوارِحُهُ أوِ أعْمالُهُ، ومَحَلُّ "مَعَها" النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن "كُلُّ" لِإضافَتِهِ إلى ما هو في حُكْمِ المَعْرِفَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ النُّفُوسِ، أوِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِـ"نَفْسٍ" أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِـ"كُلُّ".

50:22Page 519

لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢

[It will be said], "You were certainly in unmindfulness of this, and We have removed from you your cover,1 so your sight, this Day, is sharp."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ مَحْكِيٌّ بِإضْمارِ قَوْلٍ هو إمّا صِفَةٌ أُخْرى لِـ"نَفْسٍ" أوْ حالٌ أُخْرى مِنها أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِها؟ فَقِيلَ: يُقالُ: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ ...إلَخْ وخِطابُ الكُلِّ بِذَلِكَ لِما أنَّهُ ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ غَفْلَةٌ ما مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكافِرِ، وقُرِئَ "كُنْتِ" بِكَسْرِ التّاءِ عَلى اعْتِبارِ تَأْنِيثِ النَّفْسِ والتَّذْكِيرُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ كَما في قَوْلِ جَبَلَةَ بْنِ حُرَيْثٍ:

؎ يا نَفْسُ إنَّكَ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورًا ∗∗∗ فاذْكُرْ فَهَلْ يَنْفَعُكَ اليَوْمَ تَذْكِيرُ

﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الغِطاءُ: الحِجابُ المُغَطِّي لِأُمُورِ المَعادِ وهو الغَفْلَةُ والِانْهِماكُ في المَحْسُوساتِ، والإلْفُ بِها وقَصْرُ النَّظَرِ عَلَيْها.

﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ نافِذٌ لِزَوالِ المانِعِ لِلْإبْصارِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ.

50:23Page 519

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣

And his companion, [the angel], will say, "This [record] is what is with me, prepared."

﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ مُشِيرًا إلَيْهِ.

﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ: هَذا ما عِنْدِي وفي مِلْكَتِي عَتِيدٌ لِجَهَنَّمَ قَدْ هَيَّأْتُهُ لَها بِإغْوائِي وإضْلالِي. وقِيلَ: قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مُشِيرًا إلى ما مَعَهُ مِن كِتابِ عَمَلِهِ هَذا مَكْتُوبٌ عِنْدِي عَتِيدٌ مُهَيَّأٌ لِلْعَرْضِ و"ما" إنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَعَتِيدٌ صِفَتُها وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَهي بَدَلٌ مِنها أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

50:24Page 519

أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤

[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,

﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ أوْ لِلْمَلَكَيْنِ مِن خَزَنَةِ النّارِ (p-131)أوْ لِواحِدٍ عَلى تَنْزِيلِ تَثْنِيَةِ الفاعِلِ تَثْنِيَةَ الفِعْلِ وتَكْرِيرِهِ كَقَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَإنْ تَزْجُرانِي يا ابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا

أوْ عَلى أنَّ الألِفَ بَدَلٌ مِن نُونِ التَّأْكِيدِ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ألْقِيَنْ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

﴿عَنِيدٍ﴾ مُعانِدٌ لِلْحَقِّ.

50:25Page 519

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥

Preventer of good, aggressor, and doubter,

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ كَثِيرُ المَنعِ لِلْمالِ عَنْ حُقُوقِهِ المَفْرُوضَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ: الإسْلامُ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ لَمّا مَنَعَ بَنِي أخِيهِ مِنهُ.

﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالِمٌ مُتَخَطٍّ لِلْحَقِّ.

﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في اللَّهِ وفي دِينِهِ.

50:26Page 519

ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦

Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ خَبَرُهُ.

﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن "كُلِّ كُفّارٍ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقِياهُ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ "فَألْقِياهُ".

50:27Page 519

۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧

His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."

﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ المُقَيَّضُ لَهُ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ اسْتِئْنافَ الجُمَلِ الواقِعَةِ في حِكايَةِ المُقاوَلَةِ لِما أنَّهُ جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ سابِقَةِ كَلامٍ اعْتَذَرَ بِهِ الكافِرُ كَأنَّهُ قالَ: هو أطْغانِي فَأجابَ قَرِينُهُ بِتَكْذِيبِهِ، وإسْنادُ الطُّغْيانِ إلَيْهِ بِخِلافِ الجُمْلَةِ الأُولى فَإنَّها واجِبَةُ العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ مَفْهُومَيْها في الحُصُولِ أعْنِي مَجِيءَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ المَلَكَيْنِ وقَوْلُ قَرِينِهِ.

﴿وَلَكِنْ كانَ﴾ هو بِالذّاتِ.

﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ مِنَ الحَقِّ فَأعَنْتُهُ عَلَيْهِ بِالإغْواءِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ قَسْرٍ وإلْجاءٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ .

50:28Page 519

قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨

[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أيْ: في مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ إذْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ.

﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في دارِ الكَسْبِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلا تَطْمَعُوا في الخَلاصِ عَنْهُ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَلُّلِ بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ والجُمْلَةُ حالٌ فِيها تَعْلِيلٌ لِلنَّهِيِ عَلى مَعْنى: لا تَخْتَصِمُوا وقَدْ صَحَّ عِنْدَكم أنِّي قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ فاتَّبَعُوهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ فَلا وجْهَ لِلِاخْتِصامِ في هَذا الوَقْتِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدَّمْتُ واقِعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском