Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:48–60
51:48Page 522
وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨
And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.
﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ مَهَّدْناها وبَسَطْناها لِيَسْتَقِرُّوا عَلَيْها.
﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ.
51:49Page 522
وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩
And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.
﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأجْناسِ.
﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: نَوْعَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى مُتَقابِلِينَ السَّماءَ والأرْضَ واللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والبَرَّ والبَحْرَ ونَحْوَ ذَلِكَ.
﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْ تَتَذَكَّرُوا فَتَعْرِفُوا أنَّهُ خالِقُ الكُلِّ ورازِقُهُ وأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الجَمِيعِ فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ.
51:50Page 522
فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠
So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ مُقَدَّرٌ لِقَوْلٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، والفاءُ إمّا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما حُكِيَ مِن آثارِ غَضَبِهِ المُوجِبَةِ لِلْفِرارِ مِنها ومِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْفِرارِ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهُمْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاهْرُبُوا إلى اللَّهِ الَّذِي هَذِهِ شُؤُونِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ كَيْ تَنْجُوا مِن عِقابِهِ وتَفُوزُوا بِثَوابِهِ، وإمّا لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم فَتَذَكَّرُوا فَفَرُّوا إلى اللَّهِ ...إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالفِرارِ إلَيْهِ تَعالى أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْذِرًا مِنهُ تَعالى مُوجِبٌ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْمُرَهم بِالفِرارِ إلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَثِلُوا بِهِ أيْ: إنِّي لَكم مِنَ جِهَتِهِ تَعالى مُنْذِرٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مُنْذِرًا أوْ مُظْهِرٌ لِما يَجِبُ إظْهارُهُ مِنَ العَذابِ المُنْذَرِ بِهِ، وفي أمْرِهِ تَعالى لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَأْمُرَهم بِالهَرَبِ إلَيْهِ تَعالى مِن عِقابِهِ وتَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنْذِرُهم مِن جِهَتِهِ تَعالى لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَهْرُوبِ وفَوْزِهِمْ بِالمَطْلُوبِ.
51:51Page 522
وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١
And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ نَهْيٌ مُوجِبٌ لِلْفِرارِ مِن سَبَبِ العِقابِ بَعْدَ الأمْرِ بِالفِرارِ مِن نَفْسِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ الجَعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فَإنَّ تَعَلُّقَ كَلِمَةِ "مِن" بِالإنْذارِ مَعَ كَوْنِ صِلَتِهِ الباءَ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإفْرارِ يُقالُ: فَرَّ مِنهُ أيْ: هَرَبَ وأفَرَّهُ غَيْرُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وفِرُّوا مِن أنْ تَجْعَلُوا مَعَهُ تَعالى اعْتِقادًا أوْ قَوْلًا إلَهًا آخَرَ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالفِرارِ مِنَ العِقابِ إلَيْهِ تَعالى لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ كَما قِيلَ بَلْ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبَبِهِ وإيجابِ الفِرارِ.
51:52Page 523
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢
Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."
﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ مِثْلُ ما ذَكَرَ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ ساحِرًا أوْ مَجْنُونًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ...إلَخْ تَفْسِيرٌ لَهُ أيْ: ما أتاهم.
﴿مِن رَسُولٍ﴾ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
﴿إلا قالُوا﴾ في حَقَّهُ.
﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ولا سَبِيلَ إلى انْتِصابِ الكافِ بِأتى لِامْتِناعِ عَمَلِ ما بَعْدَ (p-144)"ما" النّافِيَةِ فِيما قَبْلَها.
51:53Page 523
أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣
Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.
﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وإجْماعِهِمْ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّفَوُّهِ بِها أيْ: أوْصى بِهَذا القَوْلِ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ مَدارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الشَّرِّ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ وإثْباتٌ لِكَوْنِهِ أمْرًا أقْبَحَ مِنَ التَّواصِي وأشْنَعَ مِنهُ مِنَ الطُّغْيانِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ الدّالِّ عَلى أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الكَلِمَةِ الشَّنِيعَةِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِمُقْتَضى جِبِلَّتِهِ الخَبِيثَةِ لا بِمُوجِبِ وصِيَّةِ مَن قَبْلَهم بِذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقْتَضى طِباعِهِمْ.
51:54Page 523
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤
So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فَأعْرِضْ عَنْ جِدالِهِمْ فَقَدْ كَرَرْتَ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ فَأبَوْا إلّا الإباءَ.
﴿فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ عَلى التَّوَلِّي بَعْدَ ما بَذَلْتَ المَجْهُودَ وجاوَزْتَ في الإبْلاغِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.
51:55Page 523
وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥
And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.
﴿وَذَكِّرْ﴾ أيْ: أفْعِلِ التَّذْكِيرَ والمَوْعِظَةَ ولا تَدَعْهُما بِالمَرَّةِ أوْ فَذَكِّرْهُمْ، وقَدْ حُذِفَ الضَّمِيرُ لِظُهُورِ الأمْرِ.
﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهم أوِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالفِعْلِ فَإنَّها تَزِيدُهم بَصِيرَةً وقُوَّةً في اليَقِينِ.
51:56Page 523
وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦
And I did not create the jinn and mankind except to worship Me.
﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ تَعْلِيلِهِ فَإنَّ كَوْنَ خَلْقِهِمْ مُغَيًّا بِعِبادَتِهِ تَعالى مِمّا يَدْعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَذْكِيرِهِمْ ويُوجِبُ عَلَيْهِمُ التَّذَكُّرَ والِاتِّعاظَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ خَلْقِ الجَنِّ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِهِ عَلى خَلْقِ الإنْسِ في الوُجُودِ ومَعْنى خَلْقِهِمْ لِعِبادَتِهِ تَعالى: خَلْقُهم مُسْتَعِدِّينَ لَها ومُتَمَكِّنِينَ مِنها أتَمَّ اسْتِعْدادٍ وأكْمَلَ تَمَكُّنٍ مَعَ كَوْنِها مَطْلُوبَةً مِنهم بِتَنْزِيلِ تَرَتُّبِ الغايَةِ عَلى ما هي ثَمَرَةٌ لَهُ مَنزِلَةَ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى ما هو غَرَضٌ لَهُ فَإنَّ اسْتِتْباعَ أفْعالِهِ تَعالى لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ قَطْعًا. كَيْفَ لا؟ وهي رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى وتَفَضُّلٌ عَلى عِبادِهِ وإنَّما الَّذِي لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْلِيلُها بِالغَرَضِ بِمَعْنى الباعِثِ عَلى الفِعْلِ بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِإفْضائِهِ إلى اسْتِكْمالِهِ بِفِعْلِهِ وهو الكامِلُ بِالفِعْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وأمّا بِمَعْنى نِهايَةٍ كَمالِيَّةٍ يُفْضِي إلَيْها فِعْلُ الفاعِلِ الحَقِّ فَغَيْرُ مَنفِيٍّ مِن أفْعالِهِ تَعالى بَلْ كُلُّها جارِيَةٌ عَلى المِنهاجِ وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَدُورُ وصْفُهُ تَعالى بِالحِكْمَةِ ويَكْفِي في تَحَقُّقِ مَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى ما يَقُولُهُ الفُقَهاءُ ويَتَعارَفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ هَذا المِقْدارُ وبِهِ يَتَحَقَّقُ مَدْلُولُ اللّامِ، وأمّا إرادَةُ الفاعِلِ لَها فَلَيْسَتْ مِن مُقْتَضَياتِ اللّامِ حَتّى يَلْزَمَ مِن عَدَمِ صُدُورِ العِبادَةِ عَنِ البَعْضِ تَخَلُّفُ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ فَإنْ تَعَوَّقَ البَعْضُ عَنِ الوُصُولِ إلى الغايَةِ مَعَ تَعاضُدِ المَبادِئِ وتَآخُذِ المُقَدِّماتِ المُوصِلَةِ إلَيْها لا يَمْنَعُ كَوْنَها غايَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ ونَظائِرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا لِيُؤْمَرُوا بِعِبادَتِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾، وقِيلَ: المُرادُ: سُعَداءُ الجِنْسَيْنِ كَما أنَّ المُرادَ (p-145)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾:أشْقِياؤُهُما، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ مِنَ المُؤْمِنِينَ"، وقالَ مُجاهِدٌ: -واخْتارَهُ البَغَوِيُّ- مَعْناهُ: إلّا لِيَعْرِفُوهُ ومَدارُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِيما يَحِيكُهُ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ "كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ" ولَعَلَّ السِّرَّ في التَّعْبِيرِ عَنِ المَعْرِفَةِ بِالعِبادَةِ عَلى طَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ هي المَعْرِفَةُ الحاصِلَةُ بِعِبادَتِهِ تَعالى ما يَحْصُلُ بِغَيْرِها كَمَعْرِفَةِ الفَلاسِفَةِ.
51:57Page 523
مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧
I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.
﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ شَأْنِهِ تَعالى مَعَ عِبادِهِ مُتَعالِيًا عَنْ أنْ يَكُونَ كَشَأْنِ السّادَةِ مَعَ عَبِيدِهِمْ حَيْثُ يَمْلِكُونَهم لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ في تَحْصِيلِ مَعايِشِهِمْ وتَهْيِئَةِ أرْزاقِهِمْ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ أصْرِفَهم في تَحْصِيلِ رِزْقِي ولا رِزْقِهِمْ بَلْ أتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ وبِما يُصْلِحُهم ويُعَيِّشُهم مِن عِنْدِي فَلْيَشْتَغِلُوا بِما خُلِقُوا لَهُ مِن عِبادَتِي.
51:58Page 523
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨
Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.
﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ الَّذِي يَرْزُقُ كُلَّ ما يَفْتَقِرُ إلى الرِّزْقِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وقُرِئَ "إنِّي أنا الرَّزّاقُ".
﴿ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلرَّزّاقِ أوْ لِـ"ذُو" أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْقُوَّةِ عَلى تَأْوِيلِ الِاقْتِدارِ أوِ الأيْدِ.
51:59Page 523
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩
And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.
﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِتَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ وضَعُوا مَكانَ التَّصْدِيقِ تَكْذِيبًا وهم أهْلُ مَكَّةَ.
﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ: نَصِيبًا وافِرًا مِنَ العَذابِ.
﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ مِثْلَ أنْصِباءِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن مُقاسَمَةِ السُّقاةِ الماءَ بِالذُّنُوبِ وهو الدَّلْوُ العَظِيمُ المَمْلُوءُ.
﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ: لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ في المَجِيءِ بِهِ، يُقالُ: اسْتَعْجَلَهُ أيْ: حَثَّهُ عَلى العَجَلَةِ وأمَرَهُ بِها، ويُقالُ: اسْتَعْجَلَهُ أيْ: طَلَبَ وُقُوعَهُ بِالعَجَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: " مَتى هَذا الوَعْد إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ " .
51:60Page 523
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠
And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا كَما أنَّ الفاءَ الأُولى لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْجالِ عَلى ذَلِكَ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: يُوعَدُونَهُ مِن يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: يَوْمَ القِيامَةِ وهو الأنْسَبُ بِما في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الآتِيَةِ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ والذّارِياتِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدٍ كُلِّ رِيحٍ سَهَبَتْ وجَرَتْ في الدُّنْيا".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences