Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
(p-203)سُورَةُ الحَدِيدِ
مَكِّيَّةٌ وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى اعْتِقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا ذَهَبَ وأبْعَدَ فِيهِما، وحَيْثُ أُسْنِدَ هَهُنا إلى غَيْرِ العُقَلاءِ أيْضًا فَإنَّ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ يَعُمُّ جَمِيعَ ما فِيهِما سَواءً كانَ مُسْتَقِرًّا فِيهِما أوْ جُزْءًا مِنهُما كَما مَرَّ في آيَةِ الكُرْسِيِّ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى عامٌّ مَجازِيٌّ شامِلٌ لِما نَطَقَ بِهِ لِسانُ المَقالِ كَتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ ولِسانُ الحالِ كَتَسْبِيحِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ يَدُلُّ بِإمْكانِهِ وحُدُوثِهِ عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ الوُجُودِ المُتَّصِفِ بِالكَمالِ المُنَزَّهِ عَنِ النُّقْصانِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ واللّامُ إمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في نَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: فَعَلَ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى وخالِصًا لِوَجْهِهِ ومَجِيئُهُ في بَعْضِ الفَواتِحِ ماضِيًا وفي البَعْضِ مُضارِعًا لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقَّ مَن شَأْنُهُ التَّسْبِيحُ الِاخْتِيارِيُّ أنْ يُسَبِّحَهُ تَعالى في جَمِيعِ أوْقاتِهِ كَما عَلَيْهِ المَلَأُ الأعْلى حَيْثُ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ القادِرُ الغالِبُ الَّذِي لا يُمانِعُهُ ولا يُنازِعُهُ شَيْءٌ.
﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:
57:2Page 537
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيِ: التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ فِيهِما وفِيما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ مِن حَيْثُ الإيجادُ والإعْدامُ وسائِرُ التَّصَرُّفاتِ مِمّا نَعْلَمُهُ وما لا نَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ "لَهُ" لَيْسَ كَما يَنْبَغِي.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ.
﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ.
57:3Page 537
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ السّابِقُ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ لِما أنَّهُ مُبْدِئُها ومُبْدِعُها.
﴿والآخِرُ﴾ الباقِي بَعْدَ فَنائِها حَقِيقَةً أوْ نَظَرًا إلى ذاتِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُبْقِيها فَإنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ عِلَّتِها فَهي فانِيَةٌ.
﴿والظّاهِرُ﴾ وُجُودًا لِكَثْرَةِ (p-204)دَلائِلِهِ الواضِحَةِ.
﴿والباطِنُ﴾ حَقِيقَةً فَلا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ، والواوُ الأُولى والأخِيرَةُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المُكْتَنِفَيْنِ بِهِما والوُسْطى لِلْجَمْعِ بَيْنَ المَجْمُوعِينَ فَهو مُتَّصِفٌ بِاسْتِمْرارِ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ والظُّهُورِ والخَفاءِ.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الظّاهِرِ والخَفِيِّ.
57:4Page 538
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ أحْكامِ مُلْكِهِما وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مُرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ سَبَأٍ.
﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِهِمْ وتَصْوِيرٌ لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنْهُ أيْنَما دارُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمْ فَتَأْخِيرُهُ عَنِ الخَلْقِ لِما أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَدُورُ عَلَيْهِ الجَزاءُ مِنَ العِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
57:5Page 538
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: إلَيْهِ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا تَرْجِعُ جَمِيعُ الأُمُورِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن رَجَعَ رَجْعًا، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مَن رَجَعَ رُجُوعًا.
57:6Page 538
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ.
﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِمَكْنُوناتِها اللّازِمَةِ لَها بَيانٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِما يُضْمِرُونَهُ مِن نِيّاتِهِمْ بَعْدَ بَيانِ إحاطَتِهِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يُظْهِرُونَها.
57:7Page 538
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أيْ: جَعَلَكم خُلَفاءَ في التَّصَرُّفِ فِيهِ مِن غَيْرِ أنْ تَمْلِكُوهُ حَقِيقَةً عَبَّرَ عَمّا بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ والأرْزاقِ بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَرْغِيبًا لَهم في الإنْفاقِ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ يَصْرِفُها إلى ما عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصارِفِ هانَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم فِيما كانَ بِأيْدِيهِمْ بِتَوْرِيثِهِ إيّاكم فاعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ حَيْثُ انْتَقَلَ مِنهم إلَيْكم وسَيَنْتَقِلُ مِنكم إلى مَن بَعْدَكم فَلا تَبْخَلُوا بِهِ.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفْيِهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما لا يَخْفى حَيْثُ (p-205)جَعَلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ وأُعِيدَ ذِكْرُ الإيمانِ والإنْفاقِ وكُرِّرَ الإسْنادُ وفُخِّمَ الأجْرُ بِالتَّنْكِيرِ ووُصِفَ بِالكَبِيرِ.
57:8Page 538
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ بِإنْكارٍ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ ما في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ "لا تُؤْمِنُونَ" حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَكُمْ" والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم غَيْرَ مُؤْمِنِينَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ لا إلى السَّبَبِ والمُسَبَّبِ جَمِيعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ كَما تَكُونُ تارَةً لِإنْكارِ الواقِعِ كَما في "أتَضْرِبُ أباكَ" وأُخْرى لِإنْكارِ الوُقُوعِ كَما في "أأضْرِبُ أبِي" كَذَلِكَ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَكُونُ لِإنْكارِ سَبَبِ الواقِعِ ونَفْيِهِ فَقَطْ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مُحَقَّقًا فَإنَّ كُلًّا مِن عَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الرَّجاءِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ قَدْ أُنْكِرَ ونُفِيَ سَبَبُهُ وقَدْ تَكُونُ لِإنْكارِ سَبَبَ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ فَيَسْرِيانِ إلى المُسَبَّبِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ﴾ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَفْرُوضًا قَطْعًا فَإنَّ عَدَمَ العِبادَةِ أمْرٌ مَفْرُوضٌ حَتْمًا قَدْ أُنْكِرَ ونُفِيَ سَبَبُهُ فانْتَفى نَفْسُهُ أيْضًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تُؤْمِنُونَ" مُفِيدَةٌ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمَهُ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ما يُوجِبُهُ أيْ: وأيُّ عُذْرٍ في تَرْكِ الإيمانِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم إلَيْهِ ويُنَبِّهُكم عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يَدْعُوكُمْ" أيْ: وقَدْ أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَكم بِالإيمانِ مِن قَبْلُ وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ والتَّمْكِينِ مِنَ النَّظَرِ، وقُرِئَ "وَقَدْ أُخِذَ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِرَفْعِ "مِيثاقَكُمْ".
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ المُوجِبُ ما فَإنَّ هَذا مُوجِبٌ لا مُوجِبَ وراءَهُ.
57:9Page 538
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ﴾ حَسَبَما يَعِنُّ لَكم مِنَ المَصالِحِ.
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى أوِ العَبْدُ بِها.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ.
﴿وَإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ يَهْدِيكم إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وتَنْزِيلِ الآياتِ بَعْدَ نَصْبِ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ.
57:10Page 538
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَرْكِ (p-206)
الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ تَوْبِيخِهِمْ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ أيْضًا عُذْرٌ مِنَ الأعْذارِ وحَذْفُ المَفْعُولِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي بُيِّنَ حالُهُ فِيما سَبَقَ وتَعْيِينُ المُنْفَقِ فِيهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ لَكم في أنْ لا تُنْفِقُوا فِيما هو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو في الحَقِيقَةِ وإنَّما أنْتُمْ خُلَفاؤُهُ في صَرْفِهِ إلى ما عَيَّنَهُ مِنَ المَصارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تُنْفِقُوا" ومَفْعُولِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ فَإنَّ تَرْكَ الإنْفاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ قَبِيحٌ مُنْكَرٌ ومَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ الإنْفاقَ أشُدُّ في القُبْحِ وأدْخَلُ في الإنْكارِ فَإنَّ بَيانَ بَقاءِ جَمِيعَ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ الأمْوالِ بِالآخِرَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى مِن أصْحابِها أحَدٌ أقْوى في إيجابِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن بَيانِ أنَّها لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ وهم خُلَفاؤُهُ في التَّصَرُّفِ فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: وما لَكم في تَرْكِ إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ والحالُ أنَّهُ لا يَبْقى لَكم مِنها شَيْءٌ بَلْ يَبْقى كُلُّها لِلَّهِ تَعالى، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ حَسَبَ تَفاوُتِ أحْوالِهِمْ في الإنْفاقِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا عَلى الإطْلاقِ حَثًّا لَهم عَلى تَحَرِّي الأفْضَلِ، وعَطْفُ القِتالِ عَلى الإنْفاقِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن أهَمِّ مَوادِّ الإنْفاقِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مِن أفْضَلِ العِباداتِ وأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ الإنْفاقِ أصْلًا وقَسِيمُ مَن أنْفَقَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ قَبْلَ الفَتْحِ بِغَيْرِ "مِن" والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن أنْفَقَ والجَمْعُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِذَيْنِكَ النَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ.
﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ وأرْفَعُ مَنزِلَةً.
﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإنْفاقِ والقِتالِ قَبْلَ عِزَّةِ الإسْلامِ وقُوَّةِ أهْلِهِ عِنْدَ كَمالِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهْبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ﴾ وهَؤُلاءِ فَعَلُوا ما فَعَلُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدِّينِ ودُخُولِ النّاسِ فِيهِ أفْواجًا وقِلَّةِ الحاجَةِ إلى الإنْفاقِ والقِتالِ.
﴿وَكُلا﴾ أيْ: وكُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لا الأوَّلِينَ فَقَطْ، وقُرِئَ "وَكُلٌّ" بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ: وكُلٌّ وعْدَهُ اللَّهُ تَعالى.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بِظَواهِرِهِ وبَواطِنِهِ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ، وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ أوَّلُ مَن آمَنَ وأوَّلُ مَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ وخاصَمَ الكَفّارَ حَتّى ضُرِبَ ضَرْبًا أشْرَفَ بِهِ عَلى الهَلاكِ.
57:11Page 538
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ نَدَبٌ بَلِيغٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ والتَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ وبَيانِ دَرَجاتِ المُنْفِقِينَ أيْ: مَن ذا الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِهِ تَعالى رَجاءَ أنْ يُعَوِّضَهُ فَإنَّهُ كَمَن يُقْرِضُهُ، وحُسْنُ الإنْفاقِ بِالإخْلاصِ فِيهِ وتَحَرِّي أكْرَمِ المالِ وأفْضَلِ الجِهاتِ.
﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ بِالنُّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ لَهُ؟ أيْ: فَيُعْطِيَهُ أجْرَهُ أضْعافًا.
﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ: (p-207)وَذَلِكَ الأجْرُ المَضْمُومُ إلَيْهِ الأضْعافُ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ وإنْ لَمْ يُضاعَفْ فَكَيْفَ وقَدْ ضُوعِفَ أضْعافًا كَثِيرَةً، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يُقْرِضُ" أوْ حَمْلًا عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهو يُضاعِفُهُ، وقُرِئَ "يُضْعِفَهُ" بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ.
57:12Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اذْكُرْ" تَفْخِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "تَرى"، قِيلَ: نُورُهُمُ الضِّياءُ الَّذِي يُرى ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ وقِيلَ: هو هُداهم وبِأيْمانِهِمْ كُتُبُهم أيْ: يَسْعى إيمانُهم وعَمَلُهُمُ الصّالِحُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وفي أيْمانِهِمْ كُتُبُ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: هو القرآن، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤْتَوْنَ نُورَهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ فَمِنهم مَن يُؤْتى نُورَهُ كالنَّخْلَةِ ومِنهم مَن يُؤْتى كالرَّجُلِ القائِمِ وأدْناهم نُورًا مَن نُورُهُ عَلى إبْهامِ رِجْلِهِ يَنْطَفِئُ تارَةً ويَلْمَعُ أُخْرى، قالَ الحَسَن ُ: يَسْتَضِيئُونَ بِهِ عَلى الصِّراطِ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَكُونُ لَهم دَلِيلًا إلى الجَنَّةِ.
﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ هو حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: بُشْراكم أيْ: ما تُبَشَّرُونَ بِهِ جَنّاتٌ أوْ بُشْراكم دُخُولُ الجَنَّةِ.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النُّورِ والبُشْرى بِالجَنّاتِ المُخَلَّدَةِ.
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ، وقُرِئَ "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ".
57:13Page 539
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمَ تَرى".
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ أيِ: انْتَظَرُونا، يَقُولُونَ ذَلِكَ لِما أنَّ المُؤْمِنِينَ يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبَرْقِ الخاطِفِ عَلى رِكابٍ تَزُفُّ بِهِمْ وهَؤُلاءِ مُشاةٌ أوِ انْظُرُوا إلَيْنا فَإنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِالنُّورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيِهِمْ، وقُرِئَ "أنْظِرُونا" مِنَ النَّظِرَةِ وهي الإمْهالُ جَعَلَ اتِّئادَهم في المُضِيِّ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ أيْ: نَسْتَضِيءُ مِنهُ وأصْلُهُ اتِّخاذُ القَبَسِ.
﴿قِيلَ﴾ طَرْدًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ.
﴿ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ أيْ: إلى المَوْقِفِ.
﴿فالتَمِسُوا نُورًا﴾ فَإنَّهُ مِن ثَمَّ يُقْتَبَسُ أوْ إلى الدُّنْيا فالتَمِسُوا النُّورَ بِتَحْصِيلِ مَبادِيِهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ أوِ ارْجِعُوا خائِبِينَ خاسِئِينَ فالتَمِسُوا نُورًا آخَرَ وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا نُورَ وراءَهم وإنَّما قالُوهُ تَخْيِيبًا لَهم أوْ أرادُوا بِالنُّورِ ما وراءَهم مِنَ الظُّلْمَةِ الكَثِيفَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿بِسُورٍ﴾ أيْ: حائِطٌ، والباءُ زائِدَةٌ.
﴿لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ أيْ: باطِنُ السُّورِ أوِ البابِ وهو الجانِبُ الَّذِي يَلِي الجَنَّةَ.
﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ﴾ وهو الطَّرَفُ الَّذِي يَلِي النّارَ.
﴿مِن قِبَلِهِ﴾ مِن جِهَتِهِ.
﴿العَذابُ﴾ وقُرِئَ "فَضَرَبَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
57:14Page 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
(p-208)﴿يُنادُونَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُونَ بَعْدَ ضَرْبِ السُّورِ ومُشاهَدَةِ العَذابِ؟ فَقِيلَ: يُنادُونَهم.
﴿ألَمْ نَكُنْ﴾ في الدُّنْيا.
﴿مَعَكُمْ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ مُوافَقَتَهم لَهم في الظّاهِرِ.
﴿قالُوا بَلى﴾ كُنْتُمْ مَعَنا بِحَسَبِ الظّاهِرِ ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ مَحَنْتُمُوها بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمُوها.
﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ.
﴿وارْتَبْتُمْ﴾ في أمْرِ الدِّينِ.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ الفارِغَةُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطَّمَعُ في انْتِكاسِ أمْرِ الإسْلامِ.
﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المَوْتُ.
﴿وَغَرَّكم بِاللَّهِ﴾ الكَرِيمِ.
﴿الغَرُورُ﴾ أيْ: غَرَّكُمُ الشَّيْطانُ بِأنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ لا يُعَذِّبُكُمْ، وقُرِئَ "الغُرُورُ" بِالضَّمِّ.
57:15Page 539
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ فِداءٌ، وقُرِئَ "تُؤْخَذُ" بِالتّاءِ.
﴿وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ظاهِرًا وباطِنًا.
﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ لا تَبْرَحُونَها أبَدًا.
﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: أوْلى بِكم وحَقِيقَتُهُ مَكانُكُمُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هو أوْلى بِكم كَما يُقالُ: هو مِئْنَةُ الكَرَمِ أيْ: مَكانٌ لِقَوْلِ القائِلِ إنَّهُ لَكَرِيمٌ أوْ مَكانُكم عَنْ قَرِيبٍ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ أوْ ناصِرُكم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] أوْ مُتَوَلِّيكم تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ مُوجِباتِها.
﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: النّارُ.
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ عَلَيْهِمْ تَثاقُلَهم في أُمُورِ الدِّينِ ورَخاوَةِ عَقْدِهِمْ فِيها واسْتِبْطاءٌ لِانْتِدابِهِمْ لِما نُدِبُوا إلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ فَلَمّا هاجَرُوا أصابُوا الرِّزْقَ والنِّعْمَةَ وفَتَرُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما كانَ بَيْنَ إسْلامِنا وبَيْنَ أنْ عُوتِبْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا أرْبَعُ سِنِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ اسْتَبْطَأ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ فَعاتَبَهم عَلى رَأْسِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن نُزُولِ القرآن أيْ: ألَمْ يَجِئْ وقْتُ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِهِ تَعالى وتَطْمَئِنُّ بِهِ ويُسارِعُوا إلى طاعَتِهِ بِالِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِن غَيْرِ تَوانٍ ولا فُتُورٍ مِن " أنى الأمْرُ" إذا جاءَ إناهُ أيْ: وقَتْهُ، وقُرِئَ "ألَمْ يَئِنْ" مَن آنَ يَئِينُ بِمَعْنى: أنى، وقُرِئَ "ألَمّا يَأنِ" وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَنفِيَّ مُتَوَقَّعٌ ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ: القرآن وهو عَطْفٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ فَإنْ كانَ هو المُرادَ بِهِ أيْضًا فالعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما أنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ وإلّا فالعَطْفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ ومَعْنى الخُشُوعِ لَهُ الِانْقِيادُ التّامُّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيِهِ والعُكُوفُ عَلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَبَقَ وما لَحِقَ مِنَ الإنْفاقِ في (p-209)سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ "نَزَّلَ" مِنَ التَّنْزِيلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و"أُنْزِلَ".
﴿وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَخْشَعَ"، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِلِاعْتِناءِ بِالتَّحْذِيرِ، وقِيلَ: هو نَهْيٌ عَنْ مُماثَلَةِ أهْلِ الكِتابِ في قَسْوَةِ القُلُوبِ بَعْدَ أنْ وُبِّخُوا وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ وإذا سَمِعُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ خَشَعُوا لِلَّهِ ورَقَّتْ قُلُوبُهم.
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ أيِ: الأجْلُ، وقُرِئَ "الأمَدُّ" بِتَشْدِيدِ الدّالِ أيِ: الوَقْتُ الأطْوَلُ وغَلَبَهُمُ الجَفاءُ وزالَتْ عَنْهُمُ الرَّوْعَةُ الَّتِي كانَتْ تَأْتِيهِمْ مِنَ الكِتابَيْنِ.
﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً.
﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنْ حُدُودِ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في كِتابِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.
57:17Page 539
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧
Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ تَمْثِيلٌ لِإحْياءِ القُلُوبِ القاسِيَةِ بِالذِّكْرِ والتِّلاوَةِ بِإحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ بِالغَيْثِ لِلتَّرْغِيبِ في الخُشُوعِ والتَّحْذِيرِ عَنِ القَساوَةِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ.
﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ كَيْ تَعْقِلُوا ما فِيها وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتَفُوزُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.
57:18Page 539
إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨
Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.
﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ أيْ: المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الصّادِ مِنَ التَّصْدِيقِ أيْ: الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
﴿وَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما في المُصَدِّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ فَإنَّهُ في حُكْمِ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا أوْ صَدَقُوا عَلى القِراءَتَيْنِ وعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ وهو المُصَدِّقاتِ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: أنَّ النّاسَ الَّذِينَ تَصَدَّقُوا وتَصَدَّقْنَ وأقْرَضُوا فَهو عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وقِيلَ: إنَّ المُصَدِّقاتِ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى المُصَدِّقَيْنِ بَلْ هو مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المُصَدِّقِينَ عَلى العُمُومِ تَغْلِيبًا وأخُصُّ المُصَدِّقاتِ مِن بَيْنِهِمْ كَما تَقُولُ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ولا سِيَّما العُلَماءُ مِنهم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم كَذا" لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ التَّخْصِيصِ مَزِيدُ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِمُضاعَفَةِ الأجْرِ كَما في المِثالِ المَذْكُورِ بَلْ زِيادَةُ احْتِياجِهِنَّ إلى التَّصَدُّقِ الدّاعِيَةُ إلى الِاعْتِناءِ بِحَثِّهِنَّ عَلى التَّصَدُّقِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: « "يا مَعْشَرَ النِّساءِ تَصَدَّقْنَ فَإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ"،» وقِيلَ: هو صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى المُصَدِّقِينَ كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ أقْرَضُوا القَرْصَ الحَسَن َ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَدُّقِ مِنِ الطَّيِّبِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ وخُلُوصِ النِّيَّةِ عَلى المُسْتَحِقِّ لِلصَّدَقَةِ.
﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى ما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: إلى مَصْدَرِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ثَوابُ التَّصَدُّقِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ: يُضاعِفُ اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يُضَعَّفْ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وفَتْحِها.
﴿وَلَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ.
57:19Page 540
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩
And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ (p-210)كافَّةً، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِمْ في خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ مِرارًا، وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ﴾ مُبْتَدَأٌ ثالِثٌ خَبَرُهُ ﴿الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ﴾ وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلثّانِي وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ أوْ "هُمْ" ضَمِيرُ الفَصْلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ" والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: أُولَئِكَ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِمَنزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ المَشْهُورِينَ بِعُلُوِّ الرُّتْبَةِ ورِفْعَةِ المَحَلِّ وهُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى التَّصْدِيقِ واسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوْ هُمُ المُبالِغُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ آمَنُوا وصَدَّقُوا جَمِيعَ أخْبارِهِ تَعالى ورُسُلِهِ والقائِمُونَ بِالشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ ولَهم بِالإيمانِ أوْ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ بَيانٌ لِثَمَراتِ ما وُصِفُوا بِهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ أوِ الخَبَرُ هو الجارُّ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والضَّمِيرُ الأوَّلُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْمَوْصُولِ والأخِيرانِ لِلصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ أيْ: مِثْلُ أجْرِهِمْ ونُورِهِمُ المَعْرُوفَيْنِ بِغايَةِ الكَمالِ وعِزَّةَ المَنالِ، وقَدْ حَذَفَ أداةَ التَّشْبِيهِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ المُماثِلَةِ وبُلُوغِها حَدَّ الِاتِّحادِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ قِيلَ: هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بَيْنَ ما لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مِنَ الأجْرِ والنُّورِ وبَيْنَ تَمامِ ما لِلْأوَّلِ مِنَ الأصْلِ والأضْعافِ وبَيْنَ ما لِلْأخِيرَيْنِ مِنَ الأصْلِ بِدُونِ الأضْعافِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَرْجِعُ الكُلِّ واحِدٌ والمَعْنى: لَهُمُ الأجْرُ والنُّورُ المَوْعُودانِ لَهم أجْرُهم ...إلَخْ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ.
﴿أصْحابُ الجحيم﴾ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها أبَدًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences