Abu as-Su'udAl‑Hadid · 57:20–29

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:20–29

57:20Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ شَرَحَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي اطْمَأنَّ بِها الفَرِيقُ الثّانِي وأُشِيرَ إلى أنَّها مِن مُحَقَّراتِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَرْكَنُ إلَيْها العُقَلاءُ فَضْلًا عَنِ الِاطْمِئْنانِ بِها وأنَّها مَعَ ذَلِكَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ﴾ أيِ: الحُرّاثَ.

﴿نَباتُهُ﴾ أيِ: النَّباتُ الحاصِلُ بِهِ.

﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أيْ: يَجِفُّ بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ.

﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ بَعْدَ ما رَأيْتَهُ ناضِرًا مُونِقًا، وقُرِئَ "مُصْفارّا" وإنَّما لَمْ يُقَلْ: فَيَصْفَرُّ إيذانًا بِأنَّ اصْفِرارَهُ مُقارِنٌ لِجَفافِهِ وإنَّما المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ كَذَلِكَ.

﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا، ومَحَلُّ الكافِ قِيلَ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَعِبٌ" لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ "لِلْحَياةِ الدُّنْيا" بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ: مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ ...إلَخْ، وبَعْدَ ما بُيِّنِ حَقارَةُ أمْرِ الدُّنْيا تَزْهِيدًا فِيها وتَنْفِيرًا عَنِ العُكُوفِ عَلَيْها أُشِيرَ إلى فَخامَةِ شَأْنِ الآخِرَةِ وعِظَمِ ما فِيها مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ تَرْغِيبًا في تَحْصِيلِ نَعِيمِها المُقِيمِ وتَحْذِيرًا (p-211)مِن عَذابِها الألِيمِ، وقَدْ ذُكِرَ العَذابُ فَقِيلَ: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ الِانْهِماكِ فِيما فُصِّلَ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا.

﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ.

﴿مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ أيْ: لِمَنِ اطْمَأنَّ بِها ولَمْ يَجْعَلْها ذَرِيعَةً إلى الآخِرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ " الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إنْ ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى فَنِعْمَ المَتاعُ ونِعْمَ الوَسِيلَةُ".

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

﴿سابِقُوا﴾ أيْ: سارِعُوا مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ.

﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: إلى مُوجِباتِها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: كَعَرْضِهِما جَمِيعًا وإذا كانَ عَرْضُها كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِطُولِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْضِ: البَسْطَةُ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.

﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِالفِعْلِ وأنَّ الإيمانَ وحْدَهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِها.

﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي وُعِدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ.

﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ عَطاؤُهُ.

﴿يُؤْتِيهِ﴾ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.

﴿مَن يَشاءُ﴾ إيتاءَهُ إيّاهُ مِن غَيْرِ إيجابٍ.

﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ولِذَلِكَ يُؤْتى مَن يَشاءُ مِثْلَ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ.

57:22Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ﴾ كَجَدْبٍ وعاهَةٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ.

﴿وَلا في أنْفُسِكُمْ﴾ كَمَرَضٍ وآفَةٍ.

﴿إلا في كِتابٍ﴾ أيْ: إلّا مَكْتُوبَةٌ مُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ أيْ: نَخْلُقَ الأنْفُسَ أوِ المَصائِبَ أوِ الأرْضَ.

﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: إثْباتَها في كِتابٍ.

﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ فِيهِ عَنِ العُدَّةِ والمُدَّةِ.

57:23Page 540

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -

﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ أيْ: أخْبَرْناكم بِذَلِكَ لِئَلّا تَحْزَنُوا.

﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.

﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أيْ: أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنها فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مُقَدَّرٌ يَفُوتُ ما قُدِّرَ فَواتُهُ ويَأْتِي ما قُدِّرَ إتْيانُهُ لا مَحالَةَ لا يَعْظُمُ جَزَعُهُ عَلى ما فاتَ ولا فَرَحُهُ بِما هو آتٍ، وقُرِئَ "بِما أتاكُمْ" مِنَ الإتْيانِ، وفي القِراءَةِ الأُولى إشْعارٌ بِأنَّ فَواتَ النِّعَمِ يَلْحَقُها إذا خُلِّيَتْ وطِباعَها وأمّا حُصُولُها وبَقاؤُها فَلا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ يُوجِدُها ويُبْقِيها، وقُرِئَ "بِما أُوتِيتُمْ" والمُرادُ بِهِ: نَفْيُ الأسى المانِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والفَرَحِ المُوجِبِ لِلْبَطَرِ والِاخْتِيالِ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فَإنَّ مَن فَرِحَ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَظُمَتْ في نَفْسِهِ اخْتالَ وافْتَخَرَ بِها لا مَحالَةَ، وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِالنَّهْيِ عَنِ الفَرَحِ المَذْكُورِ إيذانٌ بِأنَّهُ أقْبَحُ مِنَ الأسى.(p-212)

57:24Page 540

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلِّ مُخْتالٍ﴾ فَإنَّ المُخْتالَ بِالمالِ يَضِنُّ بِهِ غالِبًا ويَأْمُرُ غَيْرَهُ بِهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: ومَن يُعْرِضْ عَنِ الإنْفاقِ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ إنْفاقِهِ مَحْمُودٌ في ذاتِهِ لا يَضُرُّهُ الإعْراضُ عَنْ شُكْرِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِن نِعَمِهِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإشْعارٌ بِأنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ لِمَصْلَحَةِ المُنْفِقِ، وقُرِئَ "فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ".

57:25Page 541

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ أيِ: المَلائِكَةَ إلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءَ إلى الأُمَمِ وهو الأظْهَرُ.

﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الحُجَجِ والمُعْجِزاتِ.

﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ.

﴿والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ العَدْلُ لِيُقامَ بِهِ السِّياسَةُ ويُدْفَعَ بِهِ العُدْوانُ.

﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ قِيلَ: نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِن حَدِيدٍ: السِّنْدانِ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ والمِطْرَقَةُ والإبْرَةُ، ورُوِيَ ومَعَهُ المَرُّ والمِسْحاتُ، وعَنِ الحَسَن ِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ: خَلَقْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ﴾ وذَلِكَ أنَّ أوامِرَهُ تَعالى وقَضاياهُ وأحْكامَهُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ لِأنَّ آلاتِ الحَرْبِ إنَّما تُتَّخَذُ مِنهُ.

﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ أوْ ما يُعْمَلُ بِالحَدِيدِ آلَتُها، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الحَدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَإنَّهُ حالٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَسْتَعْمِلُوهُ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ مَن يَنْصُرُهُ ورَسُولَهُ بِاسْتِعْمالِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ الأسْلِحَةِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ أنْزَلَهُ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالغَيْبِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَنْصُرُ" أوْ مَفْعُولِهِ أيْ: غائِبًا عَنْهم أوْ غائِبِينَ عَنْهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُمُ الجِهادَ وتَعْرِيضَهم لِلْقِتالِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ في إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ إلى نُصْرَتِهِمْ بَلْ إنَّما هو لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَصِلُوا بِامْتِثال الأمْرِ فِيهِ إلى الثَّوابِ وإلّا فَهو غَنِيٌّ بِقدرته وعِزَّتِهِ عَنْهم في كُلِّ ما يُرِيدُهُ.

57:26Page 541

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦

And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (p-213)تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ ...إلَخْ وتَكْرِيرُ القَسَمِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأمْرِ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْناهُما.

﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ بِأنِ اسْتَنْبَأْناهم وأوْحَيْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ: الخَطُّ بِالقَلَمِ.

﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ.

﴿مُهْتَدٍ﴾ إلى الحَقِّ.

﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والعُدُولُ عَنْ سَنَنِ المُقابِلَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ والإيذانِ بِغَلَبَةِ الضُّلّالِ وكَثْرَتِهِمْ.

57:27Page 541

ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧

Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.

﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أيْ: ثُمَّ أرْسَلْنا بَعْدَهم رُسُلَنا.

﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ حَتّى انْتَهى إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرُ لِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن أُرْسِلا إلَيْهِمْ أوْ مَن عاصَرَهم مِنَ الرُّسُلِ لا لِلذَّرِّيَّةِ فَإنَّ الرُّسُلَ المُقَفّى بِهِمْ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَإنَّهُ أعْجَمِيٌّ لا يَلْزَمُ فِيهِ مُراعاةُ أبْنِيَةِ العَرَبِ.

﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ وقُرِئَ "رَآفَةً" عَلى فَعالَةٍ.

﴿وَرَحْمَةً﴾ أيْ: وفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ والتَّعاطُفِ بَيْنَهم، ونَحْوُهُ في شَأْنِ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ رُحَماءُ بَيْنَهم.

﴿وَرَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ أيْ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ﴿ابْتَدَعُوها﴾ وإمّا بِالعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها و"ابْتَدَعُوها" صِفَةٌ لَها أيْ: وجَعَلْنا في قُلُوبِهِمْ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً مُبْتَدَعَةً مِن عِنْدِهِمْ أيْ: ووَفَّقْناهم لِلتَّراحُمِ بَيْنَهم ولِابْتِداعِ الرَّهْبانِيَّةِ واسْتِحْداثِها وهي المُبالَغَةُ في العِبادَةِ بِالرِّياضَةِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ ومَعْناها: الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرَّهْبانِ وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ مِن رَهِبَ كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ كَأنَّها نِسْبَةٌ إلى الرُّهْبانِ وهو جَمْعُ راهِبٍ كَراكِبٍ ورُكْبانٍ، وسَبَبُ ابْتِداعِهِمْ إيّاها أنَّ الجَبابِرَةَ ظَهَرُوُا عَلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقاتَلُوهم ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقاتَلُوا حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ فَخافُوا أنْ يُفْتَتَنُوا في دِينِهِمْ فاخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ في قُلَلِ الجِبالِ فارِّينَ بِدِينِهِمْ مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لـِ"رَهْبانِيَّةٍ" والنَّفْيُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى أصْلِ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: ما فَرَضْناها نَحْنُ عَلَيْهِمْ رَأْسًا ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَذَمَّهم حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ مِن حَيْثُ أنَّ النَّذْرَ عَهْدٌ مَعَ اللَّهِ لا يَحِلُّ نَكْثُهُ لا سِيَّما إذا قُصِدَ بِهِ رِضاهُ تَعالى وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُتَوَجِّهٌ إلى قَيْدِهِ لا إلى نَفْسِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن أعَمِ العِلَلِ أيْ: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بِأنْ وفَّقْناهم لِابْتِداعِها لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيَبْتَغُوا بِها رِضْوانَ اللَّهِ ويَسْتَحِقُّوا بِها الثَّوابَ ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يُحافِظُوا عَلْيَها ويُراعُوها حَقَّ رِعايَتِها فَما رَعاها كُلُّهم بَلْ بَعْضُهم.

﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ إيمانًا صَحِيحًا وهو الإيمانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ رِعايَةِ رَهْبانِيَّتِهِمْ لا مُجَرَّدَ رِعايَتِها فَإنَّها بَعْدَ البَعْثَةِ لَغْوٌ مَحْضٌ (p-214)وَكُفْرٌ بَحْتٌ وأنّى لَها اسْتِتْباعُ الأجْرِ.

﴿أجْرَهُمْ﴾ أيْ: ما يُخَصُّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ.

﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنْ حَدِّ الِاتِّباعِ وحَمْلُ الفَرِيقَيْنِ عَلى مَن مَضى مِنَ المُراعِينَ لِحُقُوقِ الرَّهْبانِيَّةِ قَبْلَ النَّسْخِ والمُخِلِّينَ إذْ ذاكَ بِالتَّثْلِيثِ والقَوْلِ بِالِاتِّحادِ وقَصْدِ السُّمْعَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُفْرِهِمْ بِهِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ.

57:28Page 541

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨

O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ.

﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ أيْ: بِمُحَمَّد ٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي إطْلاقِهِ إيذانٌ بِأنَّهُ عَلَمٌ فَرْدٌ في الرِّسالَةِ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ.

﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ نَصِيبَيْنِ.

﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ لِإيمانِكم بِالرَّسُولِ وبِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ شَرِيعَتَهم باقِيَةٌ بَعْدَ البَعْثَةِ بَلْ عَلى أنَّها كانَتْ حَقَّةً قَبْلَ النَّسْخِ.

﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ .

﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسْلَفْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

57:29Page 541

لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

[This is] so that the People of the Scripture may know that they are not able [to obtain] anything from the bounty of Allāh1 and that [all] bounty is in the hand2 of Allāh; He gives it to whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ وتُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كَذا وكَذا لِئَلّا يَعْلَمَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أيْ: لِيَعْلَمُوا و"لا" مَزِيدَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قِراءَةُ "لِيَعْلَمَ" و"لِكَيْ يَعْلَمَ" و"لِأنْ يَعْلَمَ" بِإدْغامِ النُّونِ في الياءِ و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولُ "يَعْلَمَ" أيْ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَنالُونَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ مِن فَضْلِهِ مِنَ الكِفْلَيْنِ والنُّورِ والمَغْفِرَةِ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن نَيْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِشَرْطِهِ الَّذِي هو الإيمانُ بِرَسُولِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "أنْ لا يَقْدِرُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أنَّ"، وقِيلَ: هو الخَبَرُ والجارُّ حالٌ لازِمَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالتَّقْوى والإيمانِ لِغَيْرِ أهْلِ الكِتابِ فالمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ واثْبُتُوا عَلى إيمانِكم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤْتِكم ما وعَدَ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِنَ الكِفْلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ ولا يَنْقُصُكم مِن مِثْلِ أجْرِهِمْ لِأنَّكم مِثْلُهم في الإيمانَيْنِ لا تُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُّسُلِهِ، ورُوِيَ أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ افْتَخَرُوا عَلى سائِرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ وادَّعَوُا الفَضْلَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ، وقُرِئَ "لِيَلا" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً لِانْفِتاحِها بَعْدَ كَسْرَةٍ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ كاسْمِ المَرْأةِ وبِكَسْرِ اللّامِ مَعَ سُكُونِ الياءِ، وقُرِئَ "أنْ لا يَقْدِرُوا" هَذا وقَدْ قِيلَ: "لا" غَيْرُ مَزِيدَةٍ وضَمِيرُ "لا يَقْدِرُونَ" لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ (p-215)الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ، والمَعْنى: لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ والمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُوتُوهُ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ عَلى أنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ قدرتهمْ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِهِمْ بِقدرتهمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ...إلَخْ عَطْفًا عَلى "أنْ لا يَعْلَمَ".

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском