Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Mujadila 58:18–22
58:18Page 544
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨
On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قِيلَ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " لَهم عَذابٌ مُّهِينٌ " .
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ.
﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدُّنْيا.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿أنَّهُمْ﴾ بِتِلْكَ الأيْمانِ الفاجِرَةِ.
﴿عَلى شَيْءٍ﴾ مِن جَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ كَما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويَسْتَجِرُّونَ بِها فَوائِدَ دُنْيَوِيَّةً.
﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ المُبالِغُونَ في الكَذِبِ إلى غايَةٍ لا مَطْمَحَ وراءَها حَيْثُ تَجاسَرُوا عَلى الكَذِبِ بَيْنَ يَدِي عَلّامِ الغُيُوبِ وزَعَمُوا أنَّ أيْمانَهُمُ الفاجِرَةَ تُرَوِّجُ الكَذِبَ لَدَيْهِ كَما تُرَوِّجُهُ عِنْدَ الغافِلِينَ.
58:19Page 544
ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩
Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.
(p-223)﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ أيِ: اسْتَوْلى عَلَيْهِمْ مِن حُذْتُ الإبِلَ إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها وهو مِمّا جاءَ عَلى الأصْلِ كاسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ أيْ: مَلَكَهم.
﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ بِحَيْثُ لَمَّ يَذْكُرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ حِزْبُ الشَّيْطانِ وجُنُودُهُ وأتْباعُهُ.
﴿ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِالخُسْرانِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ حَيْثُ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النَّعِيمَ المُقِيمَ وأخَذُوا بَدَلَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ وإظْهارِ المُضافَيْنِ مَعًا في مَوْقِعِ الإضْمارِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِن فُنُونِ التَّأْكِيدِ ما لا يَخْفى.
58:20Page 544
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠
Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن خُسْرانِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ مُوادَّةَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مُحادَّةٌ لَهُما والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّوَلِّي والمُوادَّةِ.
﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ أيْ: في جُمْلَةِ مِن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِأنَّ ذِلَّةَ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ عَلى مِقْدارِ عِزَّةِ الآخَرِ وحَيْثُ كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُحادُّهُ كَذَلِكَ.
58:21Page 544
كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١
Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ في الأذَلِّينَ أيْ: قَضى وثَبَتَ في اللَّوْحِ وحَيْثُ جَرى ذَلِكَ مَجْرى القَسَمِ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ فَقِيلَ: ﴿لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أيْ: بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وما يَجْرِي مَجْراهُ أوْ بِأحَدِهِما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ وقُرِئَ "وَرُسُلِي" بِفَتْحِ الياءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نَصْرِ أنْبِيائِهِ.
﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُغَلَبُ عَلَيْهِ في مُرادِهِ.
58:22Page 545
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ و"تَجِدُ" إمّا مُتَّعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مَفْعُولُهُ الثّانِي أوْ إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لَهُ أيْ: قَوْمًا جامِعِينَ بَيْنَ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبَيْنَ مُوادَّةٍ أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والمُرادُ (p-224)بِنَفْيِ الوِجْدانِ: نَفْيُ المُوادَّةِ عَلى مَعْنى: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ وإنْ جَدَّ في طَلَبِهِ كُلُّ أحَدٍ.
﴿وَلَوْ كانُوا﴾ أيْ: مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"، كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿آباءَهُمْ﴾ آباءُ المُوادِّينَ.
﴿أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمان باللَّهِ تَعالى أنْ يَهْجُرَ الجَمِيعَ بِالمَرَّةِ والكَلامُ في "لَوْ" قَدْ مَرَّ عَلى التَّفْصِيلِ مِرارًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُوادُّونَهم وإنْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمْ وأمَسَّ رَحِمًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ: أثْبَتَهُ فِيها وفِيهِ قَطْعًا ولا شَيْءَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ يَثْبُتُ فِيهِ.
﴿وَأيَّدَهُمْ﴾ أيْ: قَوّاهم.
﴿بِرُوحٍ مِنهُ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو نُورُ القَلْبِ أوِ القرآن أوِ النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإيمانِ لِحَياةِ القُلُوبِ بِهِ فَـ"مِن" تَجْرِيدِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾ ...إلَخْ بَيانٌ لِآثارِ رَحْمَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ألْطافِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْ: ويُدْخِلُهم في الآخِرَةِ.
﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أبَدَ الآبِدِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بَيانٌ لِابْتِهاجِهِمْ بِما أُوتُوهُ عاجِلًا وآجِلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ تَشْرِيفٌ لَهم بِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالفَوْزِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ والفَوْزِ بِسَعادَةِ النَّشْأتَيْنِ والكَلامُ في تَحْلِيَةِ الجُمْلَةِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ كَما مَرَّ في مِثْلِها.
عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادَلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences