Abu as-Su'udAl‑An'am · 6:99–108

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:99–108

6:99Page 140

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٩٩

And it is He who sends down rain from the sky, and We produce thereby the growth of all things. We produce from it greenery from which We produce grains arranged in layers. And from the palm trees - of its emerging fruit are clusters hanging low. And [We produce] gardens of grapevines and olives and pomegranates, similar yet varied. Look at [each of] its fruit when it yields and [at] its ripening. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ تَعالى، مُنَبِّئَةٍ عَنْ كَمالِ قدرته تعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ أيْ: أنْزَلَ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن سَمْتِ السَّماءِ ماءً خاصًّا، هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا.

﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ.

﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن شَأْنِها النُّمُوُّ مِن أصْنافِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، وأنْواعِهِما المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ، والخَواصِّ والآثارِ، اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الإخْراجِ، وقَدْ بُدِئَ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ، يُقالُ: شَيْءٌ أخْضَرُ وخَضِرٌ، كَأعْوَرَ وعَوِرٍ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرًا، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ؛ أيْ: نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ.

﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ هو السُّنْبُلُ المُنْتَظِمُ لِلْحُبُوبِ المُتَراكِبَةِ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وقُرِئَ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " مِنَ النَّخْلِ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ العامِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهِ ...﴾ إلَخْ.

والطَّلْعُ: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ، كَأنَّهُ نَعْلانِ مُطْبَقانِ والحَمْلُ بَيْنَهُما مَنضُودٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِنْوانٌ﴾ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أخْرَجْنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ومُخْرَجَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ.

وَمَن قَرَأ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) كانَ قِنْوانٌ عِنْدَهُ مَعْطُوفًا عَلى حَبٌّ. وقِيلَ: المَعْنى: وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ ومِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، وهو جَمْعُ قِنْوٍ، وهو عُنْقُودُ النَّخْلَةِ، كَصِنْوٍ وصِنْوانٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ، كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ، وبِفَتْحِها أيْضًا عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعْلانٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ.

﴿دانِيَةٌ﴾ سَهْلَةُ المُجْتَنى قَرِيبَةٌ مِنَ القاطِفِ؛ فَإنَّها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً يَنالُها القاعِدُ، تَأْتِي بِالثَّمَرِ لا يُنْتَظَرُ الطُّولُ، أوْ مُلْتَفَّةٌ مُتَقارِبَةٌ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِها لِدَلالَتِها عَلى مُقابَلَتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، ولِزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها.

﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "؛ أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وقُرِئَ: ( جَنّاتٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ أيْ: ولَكم (p-167)أوْ ثَمَّةَ جَنّاتٌ.

وَقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ أوْ مُخْرَجَةٌ مِنَ النَّخْلِ قِنْوانٌ، وجَنّاتٌ مِن نَباتٍ وأعْنابٍ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هَهُنا مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ، كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، لِما أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ.

﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى نَباتَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، كَما يُكْتَفى بِخَبَرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ خَبَرِ المَعْطُوفِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، وتَقْدِيرُهُ: والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، والرُّمّانَ كَذَلِكَ.

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ، ويَكُونُ المَحْذُوفُ حالَ الأوَّلِ، والمَعْنى: بَعْضُهُ مُتَشابِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ، والمِقْدارِ، واللَّوْنِ، والطَّعْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، وحِكْمَةِ مُنْشِئِها ومُبْدِعِها.

﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾؛ أيِ: انْظُرُوا إلَيْهِ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ، إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وقُرِئَ: ( إلى ثُمُرِهِ ) .

﴿وَيَنْعِهِ﴾؛ أيْ: وإلى حالِ نُضْجِهِ كَيْفَ يَصِيرُ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ بِهِ، ويَكُونُ شَيْئًا جامِعًا لِمَنافِعَ جَمَّةٍ، واليَنْعُ في الأصْلِ: مَصْدَرٌ يَنَعَتِ الثَّمَرُ: إذا أدْرَكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقُرِئَ: ( يانِعِهِ ) .

﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ.

﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لَآياتٍ عَظِيمَةً أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ، وانْتِقالَها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ، يَحارُ في فَهْمِهِ الألباب، لا يَكادُ يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ، ولا يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ ضِدٌّ يُناوِيهِ، أوْ نِدٌّ يُقاوِيهِ.

6:100Page 140

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠

But they have attributed to Allāh partners - the jinn, while He has created them - and have fabricated for Him sons and daughters without knowledge. Exalted is He and high above what they describe.

وَلِذَلِكَ عُقِّبَ بِتَوْبِيخِ مَن أشْرِكَ بِهِ والرَّدِّ عَلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾؛ أيْ: جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ ما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ الجَلِيلَةِ شُرَكاءَ.

﴿الجِنَّ﴾؛ أيِ: المَلائِكَةَ، حَيْثُ عَبَدُوهم وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وسُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ، أوِ الشَّياطِينَ حَيْثُ أطاعُوهم كَما أطاعُوا اللَّهَ تَعالى، أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ، أوْ قالُوا: اللَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وكُلِّ نافِعٍ، والشَّيْطانُ خالِقُ الشَّرِّ وكُلِّ ضارٍّ، كَما هو رَأْيُ الثِّنْوِيَّةِ.

وَمَفْعُولا " جَعَلُوا " قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ "، قُدِّمَ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ، لِاسْتِعْظامِ أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَرِيكَ ما، كائِنًا ما كانَ، ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ.

وَقِيلَ: هُما لِلَّهِ شُرَكاءَ، والجِنَّ بَدَلٌ مِن شُرَكاءَ مُفَسِّرٌ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وأبُو إسْحاقَ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ جَوابًا عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، نَشَأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ "، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن جَعَلُوهُ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الجِنَّ؛ أيْ: جَعَلُوا الجِنَّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ويَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ: ( الجِنُّ ) بِالرَّفْعِ، عَلى تَقْدِيرِهِمُ الجِنُّ في جَوابِ مَن قالَ: مَنِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ قُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلتَّبْيِينِ. (p-168)

﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلُوا، بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِن كَمالِ القَباحَةِ والبُطْلانِ، بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها؛ أيْ: وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ تَعالى خالِقُهم خاصَّةً.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشُّرَكاءِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى، وقُرِئَ: ( خَلْقَهم ) عَطْفًا عَلى الجِنِّ؛ أيْ: وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، أوْ عَلى شُرَكاءَ؛ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلاقَهُمُ الإفْكَ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى.

﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾؛ أيِ: افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ، يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ، واخْتَلَقَهُ، وخَرَقَهُ، واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى، وقُرِئَ: ( خَرَّقُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وقُرِئَ: ( وحَرَّفُوا لَهُ )؛ أيْ: زَوَّرُوا.

﴿بَنِينَ وبَناتٍ﴾ فَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أيْ: بِحَقِيقَةِ ما قالُوهُ مِن خَطَأٍ أوْ صَوابٍ، بَلْ رَمْيًا بِقَوْلٍ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ، أوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِمَرْتَبَةِ ما قالُوهُ، وأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والبُطْلانِ بِحَيْثُ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَقُوا، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لَهُ؛ أيْ: خَرَقُوا مُلْتَبِسِينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ خَرْقًا كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

﴿سُبْحانَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، وسُبْحانَهُ: عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا؛ أيِ: اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمَ بِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ، إذا أبْعَدَ فِيهِما وأمْعَنَ، ومِنهُ: فَرَسٌ سَبُوحٌ؛ أيْ: واسِعُ الجَرْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ؛ أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا، تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ السَّبْحِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مُقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ.

وَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ؛ لِأنَّهُ سُمِعَ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ كَما ذُكِرَ في القامُوسِ، أُرِيدَ بِهِ: التَّنَزُّهُ التّامُّ والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إسْنادُ التَّنَزُّهِ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ؛ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا لائِقًا بِهِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَتَعالى﴾ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَحالَةَ.

وَلِما في السُّبْحانِ والتَّعالِي مِن مَعْنى التَّباعُدِ، قِيلَ: ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: تَباعَدَ عَمّا يَصِفُونَهُ مِن أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.

6:101Page 140

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعُهُما ومُخْتَرِعُهُما بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ البَدِيعَ كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ كالصَّرِيخِ بِمَعْنى المُصْرِخِ، وقَدْ جاءَ بَدَعَهُ كَمَنَعَهُ بِمَعْنى: أنْشَأهُ، كابْتَدَعَهُ عَلى ما ذُكِرَ في القامُوسِ وغَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ: السَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ في قَوْلِهِ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

وَقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، لِلتَّخْفِيفِ بَعْدَ نَصْبِهِ تَشْبِيهًا لَها بِاسْمِ الفاعِلِ، كَما هو المَشْهُورُ؛ أيْ: بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ مِن بَدَعَ، إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، وشَكْلٍ فائِقٍ، وحُسْنٍ رائِقٍ، أوْ إلى الظَّرْفِ كَما في قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ الغَدْرُ بِمَعْنى: أنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما. والأوَّلُ هو الوَجْهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِقُطْرَيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِلا مادَّةِ فاعِلٍ عَلى الإطْلاقِ، مُنَزَّهٍ عَنْ الِانْفِعالِ بِالمَرَّةِ، والوالِدُ عُنْصُرُ الوَلَدِ مُنْفَعِلٌ (p-169)بِانْتِقالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.

وَقُرِئَ: ( بَدِيعَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " سُبْحانَهُ " عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُهُ، وارْتِفاعُهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فاعِلُ " تَعالى "، وإظْهارُهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِهِ.

أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، مَسُوقَةٌ كَما قَبْلَها لِبَيانِ اسْتِحالَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى، وتَقْرِيرِ تَنَزُّهِهِ عَنْهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِحالَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى صاحِبَةٌ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ وُجُودِ الوَلَدِ بِلا والِدَةٍ، وإنْ أمْكَنَ وُجُودُهُ بِلا والِدٍ، وانْتِفاءُ الأوَّلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ لِأحَدٍ، فَمِن ضَرُورَتِهِ انْتِفاءُ الثّانِي؛ أيْ: مِن أيْنَ ؟ أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ كَما زَعَمُوا، والحالُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا صاحِبَةٌ يَكُونُ الوَلَدُ مِنها.

وَقُرِئَ: ( لَمْ يَكُنْ ) بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُهُ تَعالى، والخَبَرُ هو الظَّرْفُ، وصاحِبَةٌ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وصاحِبَةٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْكَوْنِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، لِصَلاحِيَةِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، لا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُفَسَّرُ إلّا بِجُمْلَةٍ صَرِيحَةٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أُخْرى سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحالَةِ، أوْ حالٌ أُخْرى مُقَرِّرَةٌ لَها؛ أيْ: أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ والحالُ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ انْتَظَمَهُ التَّكْوِينُ، والإيجادُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمَّوْهُ ولَدًا لَهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِخالِقِهِ.

﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ كائِنًا ما كانَ، مَخْلُوقًا أوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَرْكُ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ.

﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ أزَلًا وأبَدًا حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا كانَ وما سَيَكُونُ، مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والأحْوالِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ مِنَ المُحالاتِ الَّتِي ما زَعَمُوهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلَيْها بِغَيْرِ عِلْمٍ.

6:102Page 141

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢

That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظْمَةِ، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ؛ أيْ: ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، مالِكُ أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ومِمّا سَيَكُونُ فَلا تَكْرارَ؛ إذِ المُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ لِما كانَ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي.

وَقِيلَ: الخَبَرُ هو الأوَّلُ والبَواقِي أبْدالٌ، وقِيلَ: الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والبَواقِي أخْبارٌ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ لِكُلٍّ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: يُجْعَلُ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ (p-170)المُتَقَدِّمَةِ؛ أيْ: هو مَعَ ما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، مُتَوَلِّي أُمُورِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي أنْتُمْ مِن جُمْلَتِها، فَكِلُوا أُمُورَكم إلَيْهِ، وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى نَجاحِ مَآرِبِكُمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

6:103Page 141

لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣

Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ البَصَرُ: حاسَّةُ النَّظَرِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحِلُّها، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ والإحاطَةِ بِهِ؛ أيْ: لا تَصِلُ إلَيْهِ الأبْصارُ ولا تُحِيطُ بِهِ، كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ.

وَقالَ عَطاءٌ: كَلَّتْ أبْصارُ المَخْلُوقِينَ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ، فَلا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِمُنْكِرِي الرُّؤْيَةِ عَلى الإطْلاقِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ في الدُّنْيا وهو يُرى في الآخِرَةِ.

﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾؛ أيْ: يُحِيطُ بِها عِلْمُهُ، إذْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ؛ أيْ: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ، وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَفادًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ، لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.

6:104Page 141

قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ . والبَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي النُّورُ الَّذِي بِهِ تَسْتَبْصِرُ النَّفْسُ، كَما أنَّ البَصَرَ: نُورٌ بِهِ تُبْصِرُ العَيْنُ، والمُرادُ بِها: الآيَةُ الوارِدَةُ هَهُنا، أوْ جَمِيعُ الآياتِ المُنْتَظِمَةِ لَها انْتِظامًا أوَّلِيًّا.

وَ" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، سَواءً تَعَلَّقَتْ بِجاءَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَصائِرَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ؛ أيْ: أيٌّ قَدْ جاءَكم مِن جِهَةِ مالِكِكم ومُبَلِّغِكم إلى كَمالِكُمُ اللّائِقِ بِكم مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ والصَّوابِ ما هو كالبَصائِرِ لِلْقُلُوبِ، أوْ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ كائِنَةٌ مِن رَبِّكم.

﴿فَمَن أبْصَرَ﴾؛ أيِ: الحَقَّ بِتِلْكَ البَصائِرِ وآمَنَ بِهِ.

﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ، أوْ فَإبْصارُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْعَهُ مَخْصُوصٌ بِها.

﴿وَمَن عَمِيَ﴾؛ أيْ: ومَن لَمْ يُبْصِرِ الحَقَّ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهُ بِتِلْكَ البَصائِرِ ظُهُورًا بَيِّنًا وضَلَّ عَنْهُ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَمى تَقْبِيحًا لَهُ وتَنْفِيرًا عَنْهُ.

﴿فَعَلَيْها﴾؛ أيْ: فَعَلَيْها عَمِيَ، أوْ فَعَماهُ عَلَيْها، أوْ وبالُ عَماهُ.

﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ، واللَّهُ هو الَّذِي يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها.

6:105Page 141

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥

And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.

﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ، الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ، لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ.

واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُصَرِّفُ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ، لِنُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ولِيَقُولُوا ... إلَخْ.

وَقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ، وتَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا هم ما يَقُولُونَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهَذا أمْرٌ مَعْناهُ: الوَعِيدُ، والتَّهْدِيدُ، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ.

وَمَعْنى دَرَسْتَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وقُرِئَ: ( دارَسْتَ )؛ أيْ: دارَسْتَ العُلَماءَ، ودَرَسْتَ؛ أيْ: قَدَّمْتَ (p-171)هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ودَرُسَتْ بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةٌ في دَرَسَتْ؛ أيِ: اشْتَدَّ دُرُوسُها، ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ، ودارَسَتْ، وفَسَّرُوها بِدارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ، وجازَ الإضْمارُ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ.

وَقَدْ جُوِّزَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الآياتِ، وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها؛ أيْ: دارَسَ أهْلُ الآياتِ وحَمَلَتُها مُحَمَّدًا ﷺ، وهم أهْلُ الكِتابِ. ودَرَسَ؛ أيْ: دَرَسَ مُحَمَّدٌ، ودارِساتٌ؛ أيْ: هي دارِساتٌ؛ أيْ: قَدِيماتٌ، أوْ ذاتُ دَرْسٍ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَقُولُوا، واللّامُ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ غايَةُ التَّصْرِيفِ، والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، أوْ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: ولِنَفْعَلَ التَّبْيِينَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّبْيِينِ، وتَخْصِيصُهُ بِهِمْ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ. ووَصْفُهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ الأوَّلِينَ، وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.

6:106Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ لَمّا حُكِيَ عَنِ المُشْرِكِينَ قَدْحُهم في تَصْرِيفِ الآياتِ، عُقِّبَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ﷺ بِالثَّباتِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وبِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ وبِأباطِيلِهِمْ؛ أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ ما أُوحِي إلَيْكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي عُمْدَتُها التَّوْحِيدُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ما لا يَخْفى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ مُؤَكِّدٌ لِإيجابِ اتِّباعِ الوَحْيِ لا سِيَّما في أمْرِ التَّوْحِيدِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَبِّكَ؛ أيْ: مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ.

﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ لا تَحْتَفِلْ بِهِمْ وبِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا، ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَ الإعْراضَ عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهم.

6:107Page 141

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَدَمَ إشْراكِهِمْ حَسْبَما هو القاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ مِن وُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ.

﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ مَعَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ، لِعَدَمِ صَرْفِ اخْتِيارِهِ الجُزْئِيِّ نَحْوَ الإيمانِ، وإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإعْراضِ.

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ: رَقِيبًا مُهَيْمِنًا مِن قِبَلِنا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم.

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مِن جِهَتِهِمْ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ وتُدَبِّرُ مَصالِحَهم، و" عَلَيْهِمْ " في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: لا تَشْتُمُوهم مِن حَيْثُ عِبادَتُهم لِآلِهَتِهِمْ، كَأنَّ تَقُولُوا: تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ، مَثَلًا.

﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ بِأنْ يَقُولُوا لَكم مِثْلَ قَوْلِكم لَهم.

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أيْ: بِجَهالَةٍ بِاللَّهِ تَعالى، وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ (p-172)بِهِ، وقُرِئَ: ( عُدُوًّا )، يُقالُ: عَدا يَعْدُو، وعُدُوًّا، وعِداءً، وعُدْوانًا.

رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا، أوْ لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ. وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَسْتَتْبِعَ سَبُّهم سَبَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها، فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ.

﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ.

﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ، ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ: أُمَمَ الكَفَرَةِ؛ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهم، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى لَهم.

﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ، ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾؛ أيْ: رُجُوعُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.

﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم، وهو وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ، وفِيهِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ أبِيَّةٍ، وهي أنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ في هَذِهِ النَّشْأةِ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ، فَإنَّما يَظْهَرُ بِصُورَةٍ مُسْتَعارَةٍ مُخالِفَةٍ لِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بِها يَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، فَإنَّ المَعاصِيَ سُمُومٌ قاتِلَةٌ قَدْ بَرَزَتْ في الدُّنْيا بِصُورَةٍ ما، تَسْتَحْسِنُها نُفُوسُ العُصاةِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.

وَكَذا الطّاعاتُ، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها أحْسَنَ الأحاسِنِ، قَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَهم بِصُورَةٍ مَكْرُوهَةٍ؛ لِذَلِكَ قالَ ﷺ: " «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» "؛ فَأعْمالُ الكَفَرَةِ قَدْ بَرَزَتْ لَهم في النَّشْأةِ بِصُورَةٍ مُزَيَّنَةٍ يَسْتَحْسِنُها الغُواةُ، ويَسْتَحِبُّها الطُّغاةُ، وسَتَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَتِها الحَقِيقِيَّةِ المُنْكَرَةِ الهائِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أنَّ أعْمالَهم ماذا، فَعُبِّرَ عَنْ إظْهارِها بِصُوَرِها الحَقِيقِيَّةِ بِالإخْبارِ بِها، لِما إنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِحَقِيقَتِها كَما هي؛ فَلْيُتَدَبَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском