Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:139–150
6:139Page 146
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩
And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وَقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ.
﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ بِهِ: أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.
﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ حَلالٌ لَهم خاصَّةً، والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً، أوْ بِحَذْفِ المُضادِّ؛ أيْ: ذُو خالِصَةٍ، أوْ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ.
والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾؛ أيْ: جِنْسِ أزْواجِنا، وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وفِيهِ كَما تَرى حَمْلٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى خِلافِ المَعْهُودِ، الَّذِي هو الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا وعَلى المَعْنى ثانِيًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ...﴾ إلَخْ ونَظائِرِهِ.
وَإمّا العَكْسُ، فَقَدَ (p-191)قالُوا: إنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في القرآن، وهَذا الحُكْمُ مِنهم إنْ وُلِدَ ذَلِكَ حَيًّا، وهو الظّاهِرُ المُعْتادُ.
﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾؛ أيْ: إنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً.
﴿فَهُمْ﴾؛ أيِ: الذُّكُورُ والإناثُ.
﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَيْتَةِ: ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى، فَغُلِّبَ الأوَّلُ عَلى الثّانِي.
﴿شُرَكاءُ﴾ يَأْكُلُونَ مِنهُ جَمِيعًا، وقُرِئَ: ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والخَبَرُ لِذُكُورِنا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الظَّرْفِ، لا مِنَ الَّذِي في ذُكُورِنا، ولا مِنَ الذُّكُورِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ، ولا عَلى صاحِبِهِ المَجْرُورِ، وقُرِئَ: ( خالِصُهُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما "، أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ.
﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾؛ أيْ: جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ .
﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ بِالجَزاءِ، فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ.
6:140Page 146
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠
They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وهم رَبِيعَةُ، ومُضَرُ، وأضْرابُهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ؛ مَخافَةَ السَّبْيِ والفَقْرِ؛ أيْ: خَسِرُوا دَيْنَهم ودُنْياهم.
﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَتَلُوا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ؛ أيْ: لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ، أوْ نَصْبٌ عَلى الحالِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( سُفَهاءَ )، أوْ مَصْدَرٌ.
﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ، والسَّوائِبِ، ونَحْوِهِما.
﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ نَصْبٌ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهِمْ وطُغْيانِهِمْ.
﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ.
﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ، وإنَّ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ، أوْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ لِسُوءِ سِيرَتِهِمْ؛ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ، وعَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى ضَلُّوا.
6:141Page 146
۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ؛ أيْ: هو الَّذِي أنْشَأهُنَّ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكُرُومِ: المَرْفُوعاتُ عَلى ما يَحْمِلُها.
﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهُنَّ المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ: ما غَرَسَهُ النّاسُ وعَرَّشُوهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما نَبَتَ في البَوادِي والجِبالِ.
﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ؛ أيْ: أنْشَأهُما.
﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ وقُرِئَ: ( أُكْلُهُ ) بِسُكُونِ الكافِ؛ أيْ: ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ، والضَّمِيرُ إمّا لِلنَّخْلِ والزَّرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أوْ لِلزَّرْعِ والباقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ أُكُلُ ذَلِكَ، أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، و" مُخْتَلِفًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ إذْ لَيْسَ كَذَلِكَ وقْتَ الإنْشاءِ.
﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾؛ أيْ: أنْشَأهُما.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: يَتَشابَهُ بَعْضُ (p-192)أفْرادِهِما في اللَّوْنِ والهَيْئَةِ، أوِ الطَّعْمِ، ولا يَتَشابَهُ بَعْضُها.
﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾؛ أيْ: مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ.
﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يُدْرِكْ ولَمْ يَيْنَعْ بَعْدُ. وقِيلَ: فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أُرِيدَ بِهِ: ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ، لا الزَّكاةُ المُقَدَّرَةُ، فَإنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ.
وَقِيلَ: الزَّكاةُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتّى لا يُؤَخَّرَ عَنْ وقْتِ الأداءِ، ولِيُعْلَمَ أنَّ الوُجُوبَ بِالإدْراكِ لا بِالتَّصْفِيَةِ، وقُرِئَ: ( يَوْمَ حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾؛ أيْ: في التَّصَدُّقِ، كَما رُوِيَ عَنْ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ صَرَمَ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ، فَفَرَّقَ ثَمَرَها كُلَّها ولَمْ يُدْخِلْ مِنهُ شَيْئًا إلى مَنزِلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ...﴾ الآيَةَ.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِي إسْرافَهم.
6:142Page 146
وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢
And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.
﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ، وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وهو عَطْفٌ عَلى مَفْعُولِ أنْشَأ، و" مِن " مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ الأثْقالُ وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يُفْرَشُ المَصْنُوعُ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ. وقِيلَ: الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ، والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ، كَأنَّها فُرُشٌ مَفْرُوشٌ عَلَيْها.
﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " ما " عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، و" مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى؛ أيْ: حَلالَهُ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إنْشاءَها لِأجْلِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ، المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.
6:143Page 147
ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣
[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."
﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ الزَّوْجُ: ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ ويَحْصُلُ مِنهُما النَّسْلُ، والمُرادُ بِها: الأنْواعُ الأرْبَعَةُ، وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ تَمْهِيدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ الإنْكارِ المُتَعَلِّقِ بِتَحْرِيمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وبِما في بَطْنِها، وهو بَدَلٌ مِن حَمُولَةً وفَرْشًا، مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِكُلُوا، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ ... " الآيَةَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما.
أوْ حالًا مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةً أوْ مُتَعَدِّدَةً، يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ، ثُمَّ بِتَفْصِيلِها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأُولى إلى الإبِلِ والبَقَرِ، وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ، ثُمَّ تَفْصِيلِ كُلٍّ مِنَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى، كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ثُمَّ تَبْكِيتِهِمْ بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ، بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً.
وَ" ﴿اثْنَيْنِ﴾ " في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ " مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، وهو العامِلُ في مِن؛ أيْ: أنْشَأ مِنَ الضَّأْنِ زَوْجَيْنِ: الكَبْشَ والنَّعْجَةَ. (p-193)
وَقُرِئَ: ( اثْنانِ ) عَلى الِابْتِداءِ، والضَّأْنُ: اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ، وجَمْعُهُ: ضَئِينٌ كَأمِيرٍ، أوْ جَمْعُ ضائِنٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى مِثْلِهِ شَرِيكٌ لَهُ في حُكْمِهِ؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ المَعْزِ زَوْجَيْنِ: التَّيْسَ والعَنْزَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ، وهو جَمْعُ ماعِزٍ، كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وحارِسٍ وحَرْسٍ، وقُرِئَ: ( ومِنَ المِعْزى ) .
وَهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرِ أصْلِها في الإجْمالِ، لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ، وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها.
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إثْرَ تَفْصِيلِ أنْواعِ الأنْعامِ الَّتِي أنْشَأها؛ أيْ: قُلْ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ.
﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ، وهُما الكَبْشُ والتَّيْسُ.
﴿حَرَّمَ﴾؛ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما تَزْعُمُونَ أنَّهُ هو المُحَرِّمُ.
﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ هُما النَّعْجَةُ والعَنْزُ، ونَصْبُ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ، وهو مُؤَخَّرٌ عَنْهُما بِحَسَبِ المَعْنى، وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما صُورَةً.
وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أيْ: أمْ ما حَمَلَتْ إناثُ النَّوْعَيْنِ حَرَّمَ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ...﴾ إلَخْ، تَكْرِيرٌ لِلْإلْزامِ وتَثْنِيَةٌ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ؛ أيْ: أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِتابِ، أوْ أخْبارِ الأنْبِياءِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ، أوْ نَبِّئُونِي تَنْبِئَةً مُلْتَبِسَةً بِعِلْمٍ صادِرَةً عَنْهُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
6:144Page 147
وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤
And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ "؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ، هُما الجَمَلُ والنّاقَةُ.
﴿وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرٌ وأُنْثى.
﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا.
﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنهُما.
﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ، وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن مَوادِّ افْتِرائِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً، وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى، مُسْنِدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وَإنَّما عُقِّبَ تَفْصِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِن نَوْعَيِ الصِّغارِ ونَوْعَيِ الكِبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ، بِالِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ مَعَ حُصُولِ التَّبْكِيتِ بِإيرادِ الأمْرِ عَقِيبَ تَفْصِيلِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، بِأنْ يُقالَ: قُلْ: آلذُّكُورَ حَرَّمَ، أوِ الإناثَ، أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ، لِما في التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّبْكِيتِ والإلْزامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ "، وأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ: الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ومَعْنى بَلْ: الإضْرابُ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ (p-194)آخَرَ؛ أيْ: بَلْ كُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ.
﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾؛ أيْ: حِينَ وصّاكم بِهَذا التَّحْرِيمِ؛ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ، فَلا طَرِيقَ لَكم حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُكم إلى مَعْرِفَةِ أمْثالِ ذَلِكَ، إلّا المُشاهَدَةُ والسَّماعُ، وفِيهِ مِن تَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ، والمُرادُ: كُبَراؤُهم والمُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ، أوْ عُمَرُ بْنُ لُحَيِّ بْنِ قُمَعَةَ، وهو المُؤَسِّسُ لِهَذا الشَّرِّ، أوِ الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِن فَرِيقٍ افْتَرَوْا ... إلَخْ.
وَلا يَقْدَحُ في أظْلَمِيَّةِ الكُلِّ كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُخْتَرِعِينَ لَهُ، وبَعْضِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ، وإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ المَنفِيُّ صَرِيحًا الأظْلَمِيَّةَ دُونَ المُساواةِ، كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ افْتَرى؛ أيِ: افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ مِنهُ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِعَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ، مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِعَدَمِ صُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى؛ إيذانًا بِخُرُوجِهِمْ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ، فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى مَعَ احْتِمالِ الصُّدُورِ عَنْهُ، إذا كانَ أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ، فَما ظَنُّكَ بِمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يُضِلُّ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِمْ إلَيْهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ كائِنًا مَن كانَ إلى ما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، وإذا كانَ هَذا حالُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ في الجُمْلَةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن هو في أقْصى غاياتِهِ.
6:145Page 147
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥
Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."
﴿قُلْ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ لا أصْلَ لَهُ قَطْعًا، بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ الحِلِّ والحُرْمَةِ هو الوَحْيُ، وأنَّهُ ﷺ قَدْ تَتَبَّعَ جَمِيعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وتَفَحَّصَ عَنِ المُحَرَّماتِ، فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ ما فُصِّلَ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في بَيانِ انْحِصارِها في ذَلِكَ. ومُحَرَّمًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمُوها.
﴿عَلى طاعِمٍ﴾؛ أيْ: أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: " مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ.
﴿مَيْتَةً﴾ وقُرِئَ: ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وقُرِئَ: ( مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى أنْ مَعَ ما في حَيِّزِهِ؛ أيْ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ، أوْ دَمًا مَسْفُوحًا؛ أيْ: مَصْبُوبًا، كالدِّماءِ الَّتِي في العُرُوقِ لا كالطِّحالِ والكَبِدِ.
﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ﴾؛ أيِ: الخِنْزِيرَ.
﴿رِجْسٌ﴾؛ أيْ: لَحْمُهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاساتِ، أوْ خَبِيثٌ.
﴿أوْ فِسْقًا﴾ عَطْفٌ عَلى " لَحْمَ خِنْزِيرٍ "، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِحُرْمَتِهِ.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ؛ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ الأصْنامِ، وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ، وهو عَطْفٌ عَلى يَكُونَ، والمُسْتَكِنُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في يَكُونَ.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: (p-195)أصابَهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى أكْلِ المَيْتَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُضْطَرَّةِ.
﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في ذَلِكَ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ.
﴿وَلا عادٍ﴾ قَدْرَ الضَّرُورَةِ.
﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ، ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها، بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ هو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ، فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ المَيْتَةِ مِن يَدِ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ، فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ، بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ.
وَأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا، فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يُسَدُّ بِهِ الرَّمَقُ حَرامٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ، لَكِنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ.
والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ في تِلْكَ الغايَةِ غَيْرَهُ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ في شَيْءٍ آخَرَ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَسْخِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، ولا عَلى حِلِّ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُها إلّا مَعَ الِاسْتِصْحابِ.
6:146Page 147
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦
And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.
﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما لَهُ أُصْبَعٌ مِنَ الإبِلِ، والسِّباعِ، والطُّيُورِ، وقِيلَ: كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ، وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا.
والمُسَبَّبُ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ، حَيْثُ كانَ بَعْضُ ذَواتِ الظُّفُرِ حَلالًا لَهم، فَلَمّا ظَلَمُوا عَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّها، وهَذا تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ، فِيما فُصِلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما، حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا.
﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما، فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ، والشُّحُومُ الثُّرُوبُ، وشُحُومُ الكُلى، والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ.
﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الشُّحُومِ، ومُخْرَجٌ لِما عَلَقَ مِنَ الشَّحْمِ بِظُهُورِهِما عَنْ حُكْمِ التَّحْرِيمِ.
﴿أوِ الحَوايا﴾ عَطْفٌ عَلى ظُهُورِهِما؛ أيْ: ما حَمَلَتْهُ الحَوايا، وهي جَمْعُ حاوِيَةٍ أوْ حاوِياءَ، كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ، كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ.
﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما حَمَلَتْ، وهو شَحْمُ الألْيَةِ، واخْتِلاطُهُ بِالعَظْمِ: اتِّصالُهُ بِعُجْبِ الذَّنَبِ، وقِيلَ: هو كُلُّ شَحْمٍ مُتَّصِلٍ بِالعَظْمِ مِنَ الأضْلاعِ وغَيْرِها.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ والتَّحْرِيمِ، فَهو عَلى الأوَّلِ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ، وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمَ.
﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ، عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلُّ لَهم، وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ.
فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الخَبَرُ، ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بُهِتُوا، ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ (p-196)يُخْرِجُوا التَّوْراةَ، وكَيْفَ وقَدْ بُيِّنَ فِيها جَمِيعُ ما يَحْذَرُونَ أوْضَحَ بَيانٍ.
6:147Page 148
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧
So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا، ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُنْوانِ الإشْراكِ، وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: إنْ كَذَّبَتْكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنِ ادِّعاءِ قِدَمِ التَّحْرِيمِ،﴿فَقُلْ﴾ لَهم.
﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي، ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها.
﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا.
وَعَلى الثّانِي: فَإنْ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، فَقُلْ لَهم: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم، فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ، فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.
وَقِيلَ: ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ، وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأُقِيمَ مُقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ ... " إلَخْ؛ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ، مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.
6:148Page 148
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨
Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ، وإخْبارُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، كَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾؛ أيْ: لَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ مَشِيئَةَ ارْتِضاءٍ لَما فَعَلْنا الإشْراكَ نَحْنُ.
﴿وَلا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أرادُوا بِهِ: أنَّ ما فَعَلُوهُ حَقٌّ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، لا الِاعْتِذارَ مِنِ ارْتِكابِ هَذِهِ القَبائِحِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها مِنهم، حَتّى يَنْتَهِضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ في أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ، ولَمْ يُحَرِّمْ ما حَرَّمُوهُ، كَذَّبَ مُتَقَدِّمُوهُمُ الرُّسُلَ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيما قُلْنا، وعُطِفَ آباؤُنا عَلى الضَّمِيرِ لِلْفَصْلِ بِلا.
﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى ما زَعَمْتُمْ.
﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾؛ أيْ: فَتُظْهِرُوهُ لَنا.
﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾؛ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ إلاَّ الظَّنَّ الباطِلَ، الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.
﴿وَإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ فِيما يُعارِضُهُ قَطْعِيٌّ.
6:149Page 148
قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩
Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: قَدْ ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم، فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ أيِ: البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والثَّباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ، والمُرادُ بِها: الكِتابُ، والرَّسُولُ، والبَيانُ، وهي مِنَ الحَجَجِ بِمَعْنى القَصْدِ، كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ.
﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا.
﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها، ولَكِنْ (p-197)لَمْ يَشَأْ هِدايَةَ الكُلِّ، بَلْ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ هِمَمَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى خِلافِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ.
6:150Page 148
قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠
Say, [O Muḥammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allāh has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾؛ أيْ: أحْضِرُوهم، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، وقَدْ خالَفَهُمُ البَعْضُ في فِعْلِيَّتِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: هالُمَّ، مِن لَمَّ: إذا قَصَدَ، حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ، فَإنَّهُ الأصْلُ.
وَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: هَلْ أُمَّ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَلْ تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ، ولازِمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ .
﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ وهم قُدْوَتُهُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ قَوْلَهم، وإنَّما أُمِرُوا بِاسْتِحْضارِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم، وأنَّهُ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهم، ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ، ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مَعْرُوفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ.
﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا.
﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾؛ أيْ: فَلا تُصَدِّقْهم، فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وافْتِراءٌ صِرْفٌ، وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ، فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مُقامَ المُضْمَرِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ، فَهو مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا غَيْرُ، وأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها.
﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ إلى الماجِدِ القَرْمِ وابْنِ الهُما ∗∗∗ مِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ، وبِالعَكْسِ.
﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا، عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، والمَعْنى: لا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ، وبَيْنَ الكُفْرِ بِالآخِرَةِ، وبَيْنَ الإشْراكِ بِهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ مَدارُ النَّهْيِ الجَمْعَ المَذْكُورَ، بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِكُلِّها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences