Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:151–157
6:151Page 148
۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١
Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."
﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ لَمّا ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا مِن أنَّ إشْراكَهم، وإشْراكَ آبائِهِمْ، وتَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، بِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ شَيْءٍ يُتَمَسَّكُ بِهِ في ذَلِكَ، وإحْضارِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ بِما ادَّعَوْا في أمْرِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ما كُلِّفُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَجْزًا بَيِّنًا، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهم الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ.
وَأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ؛ فَقَدْ بُيِّنَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ ...﴾ الآيَةَ. وتَعالى: أمْرٌ مِنَ التَّعالِي، والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَهُ مَن في مَكانٍ (p-198)عالٍ لِمَن هو في أسْفَلَ مِنهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ، كَما أنَّ الغَنِيمَةَ في الأصْلِ: إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في إصابَةِ كُلِّ ما يُصابُ مِنهُمُ اتِّساعًا، ثُمَّ في الفَوْزِ بِكُلِّ مُكَلَّبٍ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ.
﴿أتْلُ﴾ جَوابُ الأمْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِهِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم؛ أيِ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلَيْهِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ بِحَرَّمَ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لِأتْلُ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ: أيُّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم ؟
﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: بِأتْلُ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ، وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَإنَّ تَذْكِيرَ كَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لَهم ومالِكًا لِأمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، مِن أقْوى الدَّواعِي إلى انْتِهائِهِمْ عَمّا نَهاهم عَنْهُ أشَدَّ انْتِهاءٍ.
وَ" أنْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ المُعَلَّقِ بِما حَرَّمَ، و" لا " ناهِيَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ تَفْسِيرَ تِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، بِحَسَبِ مَنطُوقِهِ، كَوْنُ المَعْطُوفاتِ أيْضًا كَذَلِكَ، حَتّى يَمْتَنِعَ انْتِظامُ الأوامِرِ في سِلْكِ العَطْفِ عَلَيْهِ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُها تَفْسِيرًا لَها بِاعْتِبارِ لَوازِمِها، الَّتِي هي النَّواهِي المُتَعَلِّقَةُ بِأضْدادِ ما تَعَلَّقَتْ هي بِهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، بَلْ هو عَيْنُهُ عِنْدَ البَعْضِ، كَأنَّ الأوامِرَ ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها، فَإنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ " أنِ " المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى الأضْدادِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم أنْ لا تُشْرِكُوا ولا تُسِيئُوا إلى الوالِدَيْنِ، خَلا أنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلَيْهِما بَيْنَ النَّهْيَيْنِ المُكْتَنِفَيْنِ لَهُ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ مُراعاةِ حُقُوقِهِما، فَإنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الإساءَةِ إلَيْهِما غَيْرُ كافٍ في قَضاءِ حُقُوقِهِما؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ هَهُنا، وفي سائِرِ المَواقِعِ.
وَقِيلَ: " أنْ " ناصِبَةٌ ومَحَلُّها النَّصْبُ بِعَلَيْكم عَلى أنَّهُ لِلْإغْراءِ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا حَرَّمَ. وقِيلَ: مِن عائِدِها المَحْذُوفِ عَلى " أنْ لا " زائِدَةٌ. وقِيلَ: الجَرُّ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا، أوِ المُحَرَّمُ أنْ لا تُشْرِكُوا بِزِيادَةِ " لا " . وقِيلَ: والَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ هو الأوَّلُ لِأُمُورٍ مِن جُمْلَتِها أنَّ في إخْراجِ المُفَسَّرِ عَلى صُورَةِ النَّهْيِ مُبالَغَةً في بَيانِ التَّحْرِيمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ.
﴿وَبِالوالِدَيْنِ﴾؛ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما.
﴿إحْسانًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ تَكْلِيفٌ مُتَعَلِّقٌ بِحُقُوقِ الأوْلادِ عُقِّبَ بِهِ التَّكْلِيفُ المُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ الوالِدِينَ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوهم بِالوَأْدِ.
﴿مِن إمْلاقٍ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، وقِيلَ: هَذا في الفَقْرِ النّاجِزِ، وذا في المُتَوَقَّعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِأرْزاقِهِمْ؛ أيْ: نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ، فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِناءً عَلى عَجْزِكم عَنْ تَحْصِيلِ الرِّزْقِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ...﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ جِيءَ هَهُنا بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَصْدًا إلى النَّهْيِ عَنْ أنْواعِها.
وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾؛ أيْ: ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ، وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ.
وَتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها؛ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ (p-199)عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ عَنْها بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا، كَما وقَعَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، بِاعْتِبارِ أنَّها مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ، فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ.
وَقَدْ «قالَ ﷺ في حَقِّ العَزْلِ: " إنَّ ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» "، ومِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ حَمْلَ الفَواحِشِ عَلى الكَبائِرِ مُطْلَقًا، وتَفْسِيرَ " ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ " بِما فُسِّرَ بِهِ ظاهِرُ الإثْمِ وباطِنُهُ فِيما سَلَفَ، مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ.
﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ، فَيَخْرُجُ مِنها الحَرْبِيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا حالَ مُلابَسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها، وذَلِكَ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ، أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، وهو ما ذُكِرَ، أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما، إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ، وهو القَتْلُ بِأحَدِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقاتِها مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وهو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصّاكم بِهِ﴾؛ أيْ: أمَرَكم بِهِ رَبُّكم أمْرًا مُؤَكَّدًا خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ، وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ.
وَلَمّا كانَتِ الأُمُورُ المَنهِيُّ عَنْها مِمّا تَقْضِي بَدِيهَةُ العُقُولِ بِقُبْحِها، فُصِّلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم، وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ.
6:152Page 149
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢
And do not approach the orphan's property except in a way that is best [i.e., intending improvement] until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you speak [i.e., testify], be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allāh fulfill. This has He instructed you that you may remember.
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ تَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِهِ لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِهِ (، ولِإخْراجِ القُرْبانِ النّافِعِ عَنْ حُكْمِ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الحِفْظِ والتَّثْمِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا رَشِيدًا، فَحِينَئِذٍ سَلَّمُوهُ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ .
والأشُدُّ: جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، أوْ شَدٍّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ، أوْ شِدٌّ كَصِرٌّ وآصُرٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَآنُكٍ.
﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ.
﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وهو اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالعَدْلِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُراعاةَ العَدْلِ كَما هو عَسِيرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم.
﴿وَإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ، أوْ شَهادَةٍ، أوْ نَحْوِهِما.
﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ، ﴿وَلَوْ كانَ﴾؛ أيِ: المَقُولُ لَهُ، أوْ عَلَيْهِ.
﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنكم، ولا تَمِيلُوا نَحْوَهم أصْلًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى " لَوْ " في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مِرارًا.
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾؛ أيْ: ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ، أوْ أيَّ عَهْدٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ (p-200)دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الأيْمانِ والنُّذُورِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ، ومَعْنى البُعْدِ لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ.
﴿وَصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا.
﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ الذّالِ، وهَذِهِ أحْكامٌ عَشَرَةٌ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ.
وَعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ؛ إنَّ هَذِهِ الآياتِ لَأوَّلُ شَيْءٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ ... الآياتِ.
6:153Page 149
وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣
And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.
﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ، فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ.
وَقُرِئَ: ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ: انْتِسابُهُ إلَيْهِ ﷺ مِن حَيْثُ السُّلُوكُ لا مِن حَيْثُ الوَضْعُ، كَما في: صِراطُ اللَّهِ.
والمُرادُ: بَيانُ أنَّ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ ﷺ أيْضًا، وأنَّهُ ﷺ مُسْتَمِرٌّ عَلى العَمَلِ بِها ومُراعاتِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ومَحَلُّ " أنَّ " مَعَ ما في حَيِّزِها بِحَذْفِ لامِ العِلَّةِ؛ أيْ: ولِأنَّ هَذا صِراطِي؛ أيْ: مَسْلَكِي مُسْتَقِيمًا.
﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾، وتَعْلِيلُ اتِّباعِهِ بِكَوْنِهِ صِراطَهُ ﷺ، لا بِكَوْنِهِ صِراطَ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، مِن حَيْثُ أنَّ سُلُوكَهُ ﷺ فِيهِ داعٍ لِلْخَلْقِ إلى الِاتِّباعِ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَّضِحُ عِنْدَهم كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: ( أنْ هَذا ) مُخَفَّفَةً مِن " أنَّ " عَلى أنَّ اسْمَها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ: ( سِراطِي )، وقُرِئَ: ( هَذا صِراطِي )، وقُرِئَ: ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم )، ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) .
﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ، أوْ طُرُقَ البِدَعِ والضَّلالاتِ.
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِيَ سَبا، فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تُفَرِّقَكم، كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ.
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا حَرَجَ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ أحْكامِهِ. وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ ﷺ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنِ اتِّباعِ سَبِيلِهِ تَعالى، وتَرْكِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ.
﴿وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ اتِّباعَ سُبُلِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
6:154Page 149
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤
Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ إنْزالِ القرآن المَجِيدِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ، مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ذَلِكم (p-201)وَصّاكم بِهِ " بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ: فَعَلْنا ذَلِكَ ثُمَّ آتَيْنا ... إلَخْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ ...﴾ إلَخْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ ... إلَخْ.
وَأمّا عَطْفُهُ عَلى " ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ "، ونَظْمُهُ مَعَهُ في سِلْكِ الكَلامِ المُلَقَّنِ كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَتَدَبَّرْ.
وَ" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في الإخْبارِ، كَما في قَوْلِكَ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ أعْجَبُ، أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، فَإنَّ إيتاءَها مُشْتَمِلَةً عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، أعْظَمُ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِها فَقَطْ.
﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ؛ أيْ: إتْمامًا لَهُما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أتَمَّ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ.
﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾؛ أيْ: عَلى مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا )، وتَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغَهُ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ؛ أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ، أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا؛ أيْ: تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ.
﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبَيانًا مُفَصَّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَمامًا، ونَصْبُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ .
وَضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى وإيتاءِ الكِتابِ.
والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعَذابِ.
6:155Page 149
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥
And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.
﴿وَهَذا﴾؛ أيِ: الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ أيِ: القرآن.
﴿كِتابٌ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ دِينًا ودُنْيا صِفَتانِ لَكِتابٌ، وتَقْدِيمُ وصْفِ الإنْزالِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِيهِ، أوْ خَبَرانِ آخَرانِ لِاسْمِ الإشارَةِ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُشْتَمِلًا عَلى فُنُونِ الفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ، وكَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، مُسْتَتْبِعًا لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيَّ إيجابٍ.
﴿واتَّقُوا﴾ مُخالَفَتَهُ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ.
6:156Page 149
أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦
[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"
﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لَأنْزَلْناهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ لا لِنَفْسِهِ، لِلُزُومِ الفَصْلِ حِينَئِذٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ هو مُبارَكٌ، وصْفًا كانَ أوْ خَبَرًا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: لَوْ لَمْ تُنْزِلْهُ.
﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ النّاطِقُ بِتِلْكَ الأحْكامِ العامَّةِ لِكُلِّ الأُمَمِ.
﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ كائِنَتَيْنِ.
﴿مِن قَبْلِنا﴾ وهُما اليَهُودُ والنَّصارى، وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما؛ لِأنَّهُما الَّذِي اشْتُهِرَ حِينَئِذٍ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ، لا سِيَّما الأحْكامُ المَذْكُورَةُ.
﴿وَإنْ كُنّا﴾ (p-202)" إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِن " إنَّ "، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَهُما وبَيْنَ النّافِيَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ومُرادُهم بِذَلِكَ: دَفْعُ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ نُزُولَهُ عَلَيْهِما لا يُنافِي عُمُومَ أحْكامِهِ، فَلِمَ لَمْ تَعْمَلُوا بِأحْكامِهِ العامَّةِ؛ أيْ: وإنَّهُ كُنّا.
﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما في كِتابِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى لُغَتِنا حَتّى نَتَلَقّى مِنهُ تِلْكَ الأحْكامَ العامَّةَ ونُحافِظَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا عَلَيْنا، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ، كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القرآن لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها، لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.
6:157Page 149
أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧
Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allāh and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.
﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَقُولُوا، وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا.
﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ.
﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى، أوْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِن جَلائِلِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ ودَقائِقِها، لِحِدَّةِ أذْهانِنا وثَقابَةِ أفْهامِنا؛ ولِذَلِكَ تَلَقَّفْنا مِن فُنُونِ العِلْمِ كالقِصَصِ والأخْبارِ، والخُطَبِ والأشْعارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ طَرَفًا صالِحًا ونَحْنُ أُمِّيُّونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ؛ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ؛ أيْ: لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم ... إلَخْ، وإمّا شَرْطٌ لَهُ؛ أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم، مِن كَوْنِكم أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم، فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم.
﴿بَيِّنَةٌ﴾ وأيُّ بَيِّنَةٍ؛ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ، أيْ بَيِّنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ، كَما أنَّ في تَنْوِينِها التَّفْخِيمِيِّ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الذّاتِيِّ.
وَفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِإيجابِ الِاتِّباعِ.
﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى بَيِّنَةٌ، وتَنْوِينُهُما أيْضًا تَفْخِيمِيٌّ، عُبِّرَ عَنِ القرآن بِالبَيِّنَةِ إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ، ثُمَّ بِالهُدى والرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ، بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ مَجِيءَ القرآن المُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والرَّحْمَةِ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ؛ أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن أظْلَمُ.
﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، وعُبِّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ أيِّ آيَةٍ كانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى كافٍ في الأظْلَمِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِتَكْذِيبِ القرآن المُنْطَوِي عَلى الكُلِّ.
والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها، فَإذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ؛ فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا بِحُكْمِ العُرْفِ الفاشِي، والِاسْتِعْمالِ المُطَّرِدِ أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا.
﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ (p-203)؛ أيْ: صَرَفَ النّاسَ عَنْها، فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ النّاسَ.
﴿عَنْ آياتِنا﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إضْلالِهِمْ، بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ ضَلالِهِمْ أيْضًا، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ.
﴿سُوءَ العَذابِ﴾؛ أيِ: العَذابَ السَّيِّءَ الشَّدِيدَ النِّكايَةِ.
﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ والصَّرْفَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences